-ينفع نأجل أي مشاوير النهاردة ونقعد سوا نتكلم، أنا بحب وقتنا مع بعض أوي، الوقت معاك بيطير أصلًا. ربت على ظهرها برفق وقال: -بس ده مشوار ضروري، مش هينفع نأجله، بس ممكن بعد ما نخلصه نروح نقعد ونتكلم في المكان اللي تختاريـه. فارقت حضنه وهي تجفف آثار الدموع متفهمة: -تمام، هلبس بسـرعة وننزل، مش هتأخر عليك. ما كادت أن تبتعد عنه ثم تحركت بعجل نحو الكومود وسكبت القليل من الماء لتتناول جُرعتها اليومية من أقراص منع
الحمل وقالت بنبرة مازحة: -أهم حاجة قبل ما أنسى. *** بغُرفة مُراد: -فين غالية؟! تلك كانت جملته الأولى بعدما تفتحت عيناه فوجد الفراش خاليًا من صغيرته المدللة التي كانت تفصل بينهما طول الليل. فارقت عالية النافذة وأجابت على مضض: -والله! غالية بقيت واخدة كل تفكيرك وأنا اتركنت على الرف خلاص. ثم دنت منه بخطواتٍ مُثقلة وهي تقفل صوت المنبه:
-مع سيدة قاعدة بالولاد في الجنينة عشان الشمس، قالت إنهم لازم يتعرضوا للشمس كتير الفترة دي. ثم زفرت بامتعاض وهي تجلس على طرف التخت: -قوم يلا روح شغلك وأنا هجهز الشنط عشان نمشي بالليل. اعتدل من نومته بابتسامته العريضة التي تنير وجهه وأخذت يداه تداعب وجنتها بلطف: -أنتِ لسه زعلانة! ما يبقاش قلبك أسود يا عالية. تمادت في إظهار غضبها لتنال الكثير من الدلال:
-لسه حسابك ما خلصش، أنت بس نمت هنا عشان عاصي اتدخل، غير كده أنا لسه زعلانة! -طيب أنا ما يرضيني زعلك! ثم رفع رأسه ليضع قبلة على جبهتها وقال: -وأدي راسك أهي ياستي. ثغرها وبأعين ضائقة قالت: -والله! خالتك أنا ببوس راسها! قوم يا مراد قوم شوف شغلك، قوم يا بتاع الرقاصة. انفجر ضاحكًا وهي يعاتبها ويقول: -أهو أنا نسيت وأنتِ بتفكريني! أنا بريء. -أنت! أنت وأخوك طلعتوا مشكلة كبيرة، أنا إيه وقعني في العيلة دي بس ياربي!
-قدري الحلو. كادت أن تنهض من جواره ولكنه منعها عنوة لتجلس بمكانها وهو يقترب منها مداعبًا خصلات شعرها ويقول: -أنتِ عارفة مفيش واحدة تملأ عيني زيك. تململت مدللة: -أهو كله كلام! -طيب إيه! تأرجحت عينيها التي تتأمل ملامحه المتوقة لها وقالت بغنج: -إيه! سافرت يداه من أرضها السوداء لتضاريس إقليمها المزدهر ومن الخصر للردف باتت يده المتوقة تنشر بذور نواياه، ليردف بذلك النبرة التي تحمل باقة من الحب لتنضم لتلال
أراضيها المدججة بالمشاعر: -إحنا هنخاوي غالية أمتى! بللت حلقها الذي جف إثر لمساته الحنونة التي سلبت عقلها وحزنها وتسألت بحماقة: -أمتى! -دلوقتي. سلبها من عالمها المنزعج منه إلى عالمه المليء بالمشاعر والأحاسيس الجميلة التي لا توصف حيث جنحت الشمس نحو المغيب لتذوب في بحر الهوى مع ذلك الرجل الذي اخترق حصونها حتى باتت جزء لا يتجزأ منه. *** بغُرفة تميم:
-مش شمس حامل، والله زي ما بقول لك، أمك حامل. أنا كنت متنح زيك كده لما سمعت، أبسط يا عم جاي لك أخت أو أخ في السكة. يجلس على الأريكة يبث أخباره السعيدة لصغيره الذي يستمع له بإنصات وكأنه يعي كل كلمة يقولها. لملمت شمس سجادة الصلاة لتفرغ من ركعتي الضحى وقالت باستهزاء: -أنت ليه مش مستوعب إن مصطفى ٨ شهور مش ٨ سنين! ثم تركت السجادة على الأريكة وقالت بنبرة جافة تحمل العتاب الساخر: -وبعدين إيه أمك حامل دي!
ضحك تميم بهدوء ثم قال: -أنا وابني فاهمين بعض كويس، ولاه يا طاطا أنت مش فاهم؟ ثانيًا أومال أقوله إيه! ما أمه حامل فعلًا، دي مفيهاش شكلليات. اكتفت بإرسال نظرة حادة لعنده مع زفير قوي: -قول أي حاجة غير أمك حامل دي! كده ابني ياخد عني فكرة مش كويسة! رفع حاجبيه متعجبًا: -لا إله إلا الله! أنتِ هتكفرينا ليه يا ستي! ما هو أخوه جاي بنفس الطريقة اللي جه بيها! بقول لك إيه تزويق في الثوابت مش عايز الله يراضيكِ!
أحنا بنتشعبط في رضا ربنا. شرعت تلملم الملابس المبعثرة وهي تقول بلوم: -والله! وكان فين رضا ربنا ده وأنت بتملي عينك من الرقاصة امبارح! هااه ولا نسيت؟ خر ضاحكًا وهو يوجه حديثه لصغيره قاصدًا أن يعاتبها بطريقة لطيفة وقال: -أمك مش بترقص لي يا طاطا يرضيك أنت الكلام ده! ثم طالعها: -حتى الولد مش عاجبه وتنح. -أنا دكتورة! إزاي عايزني أرقص والكلام الفارغ ده؟ -متعصبش يا طاطا، سيب لي أنا الطلعة دي!
وضع صغيره على الأريكة إثر اندلاع صرخة لطيفة منه، مصدومًا بعد ما ألقى جملته. ثم وثب قائمًا لعندها: -وأيه يعني دكتورة! وأنا متجوزك من مكتب تنسيق! لا بقول لك إيه الجو ده ما ياكلش معايا، دكتورة برة الأوضة دي! ثم طوق خصرها ليقربها لعنده وقال هامسًا: -لكن جوه الأوضة دي أنا عايزك مهرة. تملصت من قبضته بخجل جعلها ترتبك وتحتد نبرتها: -تميم! أنت بتقول إيه؟ عيب كده، وبعدين إيه الرقاصة دي اللي بتشبهني بيها!
أنت متجوز دكتورة محترمة يا أستاذ! رفع حاجبه مستنكرًا وبنظرة خبيثة أردف: -وهي الدكتورة تتمرمغ في حضني عادي لكن مترقصش! دا أنتِ يومك مش معدي! الموضوع ده لازم له وقفة حالًا. صرخت بوجهه كي يصمت كي يكف عن إحراجها أكثر فأخذت تدفعه للخارج: -تميم روح شوف شغلك، يلا يلا عشان أنت شكلك فايق ورايق على الصبح، يلا اخرج من هنا أنا غلطانة إني سمحت لك تدخل أصلًا. باغتها وهي يحملها عنوة ليجلسها بجوار صغيره وقال طالبًا:
-ولاه يا طاطا عقل أمك لحد ما أرجع من الشغل، عشان هبت منها على الآخر. ثم أخرج هاتفه وقال: -أما اطمن على كريم الغلبان أشوف أضحك عليه زيي ولا أنا خدت المقلب كله لوحدي! هبت معترضة وهي تشد الهاتف منه: -لا أنا هكلم نوران اطمن عليها، وسع كده. أجرت مكالمة هاتفية مع أختها فجلس بجوارها قائلًا: -افتحي المايك. عاندته قائلة بدلال: -لا، ومتقعدش جنبي وسع يا بتاع ست مهرة! غمز بطرف عينيه قائلاً بتخابث: -يا ريت كل الناس تتعلم من مهرة.
اكتفت بقرصه مغلولة بذراعه وهي ترد على أختها: -نوران، صباح الخير يا حبيبتي، عاملة إيه؟ هتفت نوران الجالسة أمام التلفاز بلهفة: -شموسة أنتِ صحيتي، عايزة أكلمك من أول الصبح بس خايفة أزعجك. -لا يا حبيبتي مفيش إزعاج، طمنيني عنكم أنتِ وكريم كويسين. صمتت لبرهة ثم غمغمت: -شمس تعالي خديني من هنا، أنا مش عايزة أتجوز لا، أنتوا وطاطا وحشتوني أوي. ضاقت عيني شمس بغرابة وهي تهمس لزوجها: -مش مبسوطة، فـ حاجة غلط! -طيب افتحي المايك.
ثم جهر مناديًا: -عروستنا الحلوة، أوعي يكون الواد كريم ده زعلك أجي أكسر لك دماغه. تمتمت بإنكار: -لا هو نايم معملش حاجة خالص، بس أنا زهقت ومش عايزة أقعد هنا، تعالوا خدوني. تميم بـ سخرية: -الله يكسفك! تبادل الثنائي النظرات المدججة بالحيرة، فكتم تميم ضحكتها فلكزته شمس ليصمت وواصلت الحديث مع أختها: -أهدي طيب، ووو يعني مادام محصلش أي حاجة أي حاجة خالص من كريم أنتِ زعلانة ليه؟ -مش عارفة يا شمس، مضايقة وخلاص ومستغربة المكان.
غمغمت شمس بحكمة ما: -طيب شغلي سورة البقرة يا حبيبتي يمكن محسودين، أو لعنة الرقاصة بتاعت امبارح. جاءهما صوت كريم مناديًا باسمها وبدلال: -نونو! أنتِ إزاي تقومي من جمبي من أولها بنبوظ الاتفاق. صاحت نوران بقلق: -هاه، كريم أنا فـ الصالون هنا بكلم شمس وتميم. تهامس كل من تميم وشمس الذي قال متأكدًا: -استني هنفهم من كريم أهو.
أغمضت نوران عينيها عندما وجدته متجردًا من سترته العلوية حيث شدت مفرش الطاولة وألقته فوق صدره العاري أثناء جلوسه بجانبها، وجحظت عيناها معترضة: -عيب كده! جذب كريم الهاتف من يدها ضاحكًا: -إيه الصباح ده يا عم تميم، حد يزعج العرسان كده يوم صباحيتهم! برر تميم قائلًا: -هنعمل إيه فـ قلق الأخوات، حاولت أمنع شمس مقدرتش. رمقته متعودة ثم هتفت قائلة: -مبروك يا كريم، أنتوا كويسين.
برقت نوران محذرة كي لا يردف بشيء ثم حانت نظرتها للتوسل، فأردف كريم جاهرًا بمكر: -كله حلاوة طحنية، وأهي نوران في حضني وفي عنيا كمان متقلقيش. ضربته نوران بغل ثم ركضت لتختبئ من نظراته وفضيحتها الكبرى أمام أختها. غمغمت شمس بإحراج: -تمام يا كريم، أنا كنت بس حابة أطمن عليكم، ربنا يسعدكم. فتدخل تميم واعظًا وبنظراته الخبيثة اليائسة التي كانت من نصيب شمس:
-كيمو عايزك تنبسط على الآخر يا عريس وافتري في العسل على قد ما تقدر، لأنه مش بيدوم كتير. -دانا مبلبط فـ العسل، ربنا يوعدك بالعسل اللي أنا فيه. تحمحم تميم مبتسمًا وهو يرمق زوجته بقهر: -عندي البلاص كله يا حبيبي. ضربته على قدمه متوعدة ثم تدخلت شمس: -أنتوا هتسافروا أمتى! -بالليل ميعاد طيارتنا، هنكلمكم قبلها. انتهت المكالمة ثم عادت شمس لتميم متسائلة: -أنت مصدق مين! رد بثقة:
-أختك دي بتحور باين أوي، الواد كريم مش سهل ومش هيعدي الليلة كده. أنا عارفه. ردت بشك: -مش حاسة، في حاجة مش مظبوطة! رد مغمغمًا متأهبًا للرحيل: -والله هي مظبوطة مع الكل إلا معايا، أنا ماشي يا شمس. جهر مناديًا: -استنى هنا، لسه هنتخانق. لوح بيده وهو يسحب سترته بفتور: -أجليها لخناقة قبل النوم. *** بشقـة كريم: -على فكرة أنا اتخدعت فيك وطلعت شخص مش قد كلمتك وأنا مش هسمع كلامك مرة تاني.
قالت نوران جملتها وهي تجلس على طرف السرير بغيظ من اعتراف كريم الصريح لأختها. فجلس بقربها مندهشًا: -أنا عملت إيه لكل ده! أشارت بسبابتها معاتبة وبارتباك: -أنت إزاي تقولها نوران فـ حضني وهي مضايقتش! وعدت الموضوع كده عادي. حاول بإعجوبة إخفاء ضحكته عنها ليطمئنها: -عشان ده الطبيعي يا روح قلبي، أومال عايزاني أقولها إننا طول الليل بنلعب عسكر وحرامي! عيب في حقي والله!
انفجرت ضاحكة إثر ذكره لوصف العسكر والحرامي والذي يعكس حالتهما طول الليل وهو يسايس تلك الصغيرة، فأشاد بإعجاب: -ياستي اضحكي كده وكفاية نكد أنا فـ عرضك! طيب حتى أجليـه لبعد شهر العسل. تأرجحت عينيها بخجل وهي تحاول التطلع بملامحه ولكن دوما ما تنتهي محاولاتها بالفشل ثم قالت بتوجس:
-كريم أنا آسفة، أنا يتيمة وشمس وفوفا كانوا قافلين عليا أوي. أقصى أفكاري كانت إزاي آخد حقي من بنات الحارة واللي تدوس لي على طرف أعرفها مقامها. فجأة كل ده اتغير والحال اتشقلب. مفيش حد قعد معايا وفهمني المفروض يحصل إيه! وأنا واقفة فـ النص ما بين تربيتي المغلقة وبيـن أن ده حقك فيـا والصح. قدر تلك المشاعر ومصارحتها واعترافها به وهو يدنوها منه بحنان ويمسك بذقنها ليتأمل ملامحها البريئة:
-أنا عارف ومقدر كل ده، دا أنا طول الليل بأكل بعلقك حلاوة عشان تطمنيني ونكسر حاجز الخوف ده. وبعدين هو أنتِ مش مبسوطة معايا! أشاحت بنظرها عنه للحظة فعارضها: -لالا بصي لي كده! مش عايز عينك تروح كده ولا كده، أنا قدامك أهو، مبسوطة! لطخت ملامحها بحمرة الخجل وهزت رأسها ببراءة معلنة رضاها عن وجوده معها وأكملت بسعادة: -وكمان لعبة عسكر وحرامي دي لذيذة أوي، نلعبها كل يوم! قطب حاجبيه متحسرًا:
-أنتِ كل يوم ناوية تفرهديني فـ الجري وراكي! إيه إهدار الصحة ده هو مال سايب! -يعني إيه! مش فاهمة؟ مش أنت الـ قلت كده! عض على شفته بجزعٍ وهو يضرب على كتفها برفق: -طيب قومي أجري هنلعب. هزت رأسها نافية وقالت: -لا مش هجري أنتَ كده كده بتمسكني. تأرجحت عينيه محاولًا إدراك نواياها الخفية وهو يدنو منها تدريجيًا: -يعني نلغي الشوط الأول، ونبدأ بالتاني على طول!
رقيقة كسُنبلة مالت بها رياح حبه العاصف وهو يمازحها بضحكات خفية جعلتها تختبأ خجلًا بكتفه حتى أصبحت تحت يداه وهي تضحك وتزلزل قلبه المتيم بتلك الصغيرة التي تتعلم أسمى معانٍ الحب على يديه حتى عبرت عن سعادتها قائلة: -تعرف أن حضنك بطعم المانجا؟ خمدت شرارة شوقه وهو يسألها بنبرة متحيرة وهو يشم رائحته: -أبو فصلانك يا شيخة! يعني ده حلو ولا وحش وأيه طعم المانجا ده كمان! فاكرة نفسك متجوزة فكهاني!
تململت بدلال أنثوي وهي تقر بحياء متدفق من مقلتيها يغمره الضحك: -قصدي بأنها لذيذة ومتعرفش تشبع منها. -يا وعدك يا كريم! "الألفة العقلية توجب الحب في أغلب الأحيان" بسيارته "الرانج روڤر" شديدة السواد، ومن المرات القليلة التي يستقل فيها تلك السيارة ومن المرات الشحيحة التي يذهب لمكان بدون سائقه الخاص ورجاله.
تجلس حياة بجواره عاقدة ذراعيها أمام صدرها وتتأمله بملامح متوهجة بالحب تنافس حرارة الشمس وكأنها تفصح معلنة أن وجهك كافيًا ليحوّل مُر العالم. أردفت متسائلة: -تحب تسمع إيه؟ أخذ نفسًا طويلًا من سيجارته الإلكترونية التي تحول دخانها لسحابة كبيرة تملأ السيارة وغمغم: -أي حاجة على ذوقك. -الأول مشوارنا طويل ولا؟ -يعني حركة ساعة كمان من دلوقتي. أومأت متفهمة وهي تبحث بالهاتف: -يبقى أم كلثوم، رفيقة مشاوير الطويلة وحبك.
ثم تنهدت كأنها تود إهداء الكلمات إليه: -أنتَ عُمــــريّ. تركت الهاتف من يدها متسلطنة بالموسيقى وهي تطالع الطريق من النافذة وبين كل دقيقة والأخرى تنهيدة طويلة كأنها تتنفس حبه، فينظر لها وكأنه يملأ قلبه من تلك المرأة التي تشبه نرد الحظ كل شيء بها فائز. شردت بالطريق الصحراوي أغلبه والمُدن الجديدة التي ما زالت تحت الإنشاء والكثير من القصور والڤلل الرائعة التي تقابلها، فذهبت لتفاصيل ذلك اليوم، وهو يوم ولادتها. *** الماضي:
ضبت حقائب سفره ثم ذهبت لعنده ببطن منتفخ كالبلون وأقدام متورمة من ثقل عبء آلام الوضع وهي تتخذ أنفاسها بصعوبة. تسلل كفها لأعلى كتفه وسألته: -أول ما توصل كلمني، ولو موبايلي كان مقفول أعرف إني روحت المينا، بس ابعت لي رسائل كتير. دار لها متعجبًا: -شغل تاني يا حياة! حبيبتي أنا عايز راحتك وأنتِ مصممة تتعبي نفسك؟ يعني أنا بتعب عشان مين ما هو كله عشانكم أنتوا. بصعوبة بالغة أخفت مشقة الألم عنه وقالت بابتسامة
تخفي ألف طعنة خنجر بجوفها: -آخر يوم ومش هنزل من بكرة، هرتاح في السرير لحد ما ترجع لنا بالسلامة. ثم نفضت ياقته برفق: -المهم تخلي بالك من نفسك وتفكر فيا كتير عشان قلبي بيحس. وأكملت ممازحة: -وبلاش سهرات وحفلات وعينك متروحش كده ولا كده، عشان قلبي هيعرف بردو. رفعت كفه لقلبها وقالت: -خاف منه، ده مخبري السري! ضحك بطاعة وهو يقبل كفها: -من الشغل للبيت متقلقيش مفيش وقت لأي سهرات أصلًا، يادوب أخلص بسرعة عشان أرجع لك.
طالعته بحبٍ وأكملت بأعين معتذرة: -أنا عارفة إني مقصرة جامد الفترة دي ومش عارفة أكون معاك، بس وعد هعوضك عن كل الأيام اللي فاتت، وارجع لي بسرعة عشان أنت بتوحشني. مسح على رأسها بحنان مفرط: وقال: -لولا الحمل كنتِ جيتي معايا، المهـم كل حاجة جاهزة هرجع ونسافر على طول على المستشفى. تمتمت بخفوت: -تمام يا حبيبي.
رحل عاصي بعد جولة طويلة من الوداع والتوصيات على صحتها وما أن غادرت سيارته، فارقت النافذة وفتحت الخزانة وأخرجت حقيبتها المجهزة للوضع. جاءت سيدة ركضًا وفتحت الباب: -تمام يا ست حياة! عاصي بيه مشي. كانت ترتدي فستانًا طويلًا وواسعًا باللون الأصفر المنقوش فقالت بوهن: -خلي يونس يحط الشنطة في عربيته وأنتِ روحي معاه، وأنا هطلع بعربيتي عادي عشان الحرس ما ياخدوش بالهم. ثم اقتربت من سيدة التي تأهبت لحمل الحقيبة وأوصتها:
-سيدة لو جرالي حاجة تــ. قاطعتها بلوم: -استهدي بالله يا بنتي، كلها ساعتين وهترجعي تنوري بيتك أنتِ وولادك. تشبثت بيدها راجية: -البنات يا دادة، وصي المربية عليهم وميخرجوش بره البيت الجو سقعة، وأكلهم في وقته، وتخلي بالها من تاليا عشان نوبة الحساسية. -يا حبيبتي ريحي بالك أنتِ بس ويلا بينا. لحظة من أصعب اللحظات التي تمنيت أن تكون فيها بجانبي، أن أتشبث بيدك أن تعانقني أن تطمئني، أن تكون آخر صورة بعيني هي وجهك الجميل.
أود أن أخبرك بأن كل شيء هنا مرعب بدونك، المكان يملأه البرد والخوف وكأن بغيابك غربت معك الشمس. أنفض داخلها وهي بغرفة المشفى تستعد للتجهيزات الأولية للوضع وفي اللحظة التي جاءت فيها طبيبة التخدير ارتجف قلبها وانكمشت وأخذت ترتعد حيث تطلعت لسيدة الواقفة بجوارها ترتب على ظهرها وتمتمت وهي تحضن أجنتها: -لا، سيدة كلمي عاصي، عشان خاطري محدش غيره هيطمني، لا أنا مش قادرة أنا خايفة أوي، أنا عايزاه هو. ثم انفجرت باكية بوهن:
-مش عايزة أولد، أنا هفضل متحملة الوجع لغاية ما يرجع، بس لا أنا خايفة، كلميه يرجع. تدخلت الطبيبة ناصحة: -مادام حياة اهدئي عشان الضغط، بلاش توتري نفسك، لو سمحتي ممكن تهدي. بأعينها المحمرة أشاحت إليها: -طيب أكلمه بس فـ التليفون أطمن عليه، هسمع صوته بس، هاتي الموبايل يا دادة، اسمع صوته. عارضتها سيدة: -يا حبيبتي هيحس صوتك فيه حاجة وهتقلقيه، استهدي بالله وأنت هتنامي وتصحي تلاقي ولادك في حضنك، شوفي شغلك يا دكتورة.
جاءت طبيبة النساء وتدخلت كي تسيطر على الأمر: -حياة، إحنا اتفقنا وأنتِ الـ صممتي، أهدي عشان صحة ولادك، ممكن تمددي مددي بس وأنتِ هتأخدي حقنة البنج ومش هتحسي بأي حاجة، المهم تهدي عشان العملية وضغط الدم.
قررت أن تستسلم للأمر وهي تتراجع للوراء وتبسط ذراعها لطبيبة التخدير وهي في أشد لحظات احتياجها إليه. تنخرط العبرات من مقلتيها حتى حفرت وديانًا على وجنتيها والمخدر الطبي يسري بجسدها شيئًا فشيئًا أخذت تراجع شريط حياتهما مع من تلك اللحظة التي اجتمع فيها الثنائي بمنتصف البحر لهذه اللحظة التي تحوي مضغتي حبهما بين أحشائهما.
شيئًا فشيئًا أرخت قبضتها على يد سيدة وباتت جفونها تتغلق ببطء وآخر ما سمعته هو أمر الطبيبة بنقلها لغرفة العمليات فورًا. بالخارج، جاء رشيد راكضًا وهي يعاتب أخيه: -يعني إيه قررت تولد وعاصي مسافر! أختك اتجننت؟ هي بتعاند مين! انفجر يونس بوجهه الذي انفطر قلبه على أخته: -اسكت بقا يا رشيد وادعي لها، أنا مش مكلمك عشان تتخانق معايا. شرع أن يخرج هاتفه ويبلغ عاصي ولكن يونس منعه بإصرار: -أنت هتعمل إيه!
حياة مؤكدة عاصي ما يعرفش، رشيد بلاش تتصرف من دماغك. وبخه رشيد خائفًا على أخته: -أنت عارف لما يعرف هيعمل فينا إيه! أختك بتتصرف من دماغها والرجل مجهز لها جناح كامل في أمريكا تولد فيه وله شهور مرتب لليوم ده، وفي الآخر ما يشوفش ولاده. صمم يونس: -بردو مش هينفع تكلمه، وأهدى هي جوه فـ العمليات مفيش فايدة. في تلك اللحظة أتاه صوت مسجل يعلن بغلق هاتفه، فزمجر رشيد غاضبًا: -أكيد ركب الطيارة، مقفول.
-يبقى تعقل وتدعي لها وبلاش توترني عشان أنا أصلا على أخري.
على متن طائرته الخاصة قدمت له المضيفة مشروب القهوة الساخنة فلم يلتفت له لما كان يشغله ويسلب عقله بالهاتف. يقلب بصورها كفتى بعمر الطيش وبابتسامة ساحرة تتدفق من معالمه. توقف عن صورتهم معًا بالبحر فأخذ يكبر حجم الصورة كأنه يتأمل تفاصيل أيامه الجميلة التي رسمت على وجهها ثم انتقل إلى الإعدادات وجعلها خلفية هاتفه وهو يتذكر تفاصيل ذلك اليوم وعيناه تعانق السحاب وأرجله تطير فوق الماء وقلبه يعانق قمر لياليه وشمس نهاره.
شرد قليلًا في تفاصيل ذلك اليوم وخاصة بقريته السياحية بالغردقة والتي كانت أول مكانًا نزلت فيه من قبل والذي يعتبر خاصًا بعاصي فقط ولا تطأه أي قدم بشرية. نائمة على الرمل مرتدية ملابس السباحة المختصة وما يسمى بـ "مايوه" يعلوه وشاحًا من الشيفون مربوطًا حول خصرها. بنظارة شمس تأكل نصف وجهها، مرتخية تمامًا والموج يداعب أقدامها الحافية مستمتعة بدرجة حرارة الشمس حتى جاءها هاتفًا بإعجاب:
-كتير بنسمع عن حورية البحر، بس أول مرة أشوفها! ثم جلس بجوارها مستندًا على كفه وبيده الأخرى كان يداعب تقاسيم بطنها المنحوتة على يد فنان: -بس محدش قال لي أنها جميلة أوي كده وتاخد العقل. -ما أنت سبتها ورحت تشوف شغلك. ثم تململت بغنج وهي ترفع القبعة عن رأسها وسألته: -خلصت مكالمات شغلك ولا لسه؟ أنا بقيت حاسة إن الشغل ده هو ضرتي اللي مشاركاني فيك. أومأ قائلًا وهو يمرر ظهر كفه على تفاصيلها المتعرية: -فضيت لك أهو.
تناولت هاتفه ووضعته على وضع طيران ثم اعتدلت في نومتها: -كده أضمن إن محدش هياخدك مني بعد كده، يلا ننزل البحر. طالعها بحب مبطن بالفضول: -هتعلميني إيه جديد النهارده! داعبت أرنبة أنفه بمرح وقالت: -هعلمك إزاي حورية البحر بترقص مع حبيبها في المية على لحن الموج. عبث بملامحها بحب وقال: -وبعد كده ممكن حورية البحر تسيب لي نفسها خالص عشان ناوي أنا كمان أعلمها كام حاجة بس فـ البر مش البحر. -أنا كلي ملكك أصلًا.
كانت امرأة متجددة كل يوم تأتي في صورة جميلة متنوعة تجعله لا يمل بل يقع في حبها من جديد. وقبل أن يتحرك الثنائي أوقفته طالبة منه التقاط صورة لهما معًا على البحر لتوثيق ذلك اليوم بتفاصيله المميزة والذي يعد من أهم الأيام المطبوعة بذاكرة قلبيهما لهذه اللحظة. مرت الساعات بسرعة حتى فرغت حياة من عمليتها المتيسرة وتم أخذوا صغارها لطبيب الأطفال ليفحصهما ثم تم احتجازهما بالعناية لصغر عمرهما ولادتهم المبكرة.
أما عنها استردت وعيها وهي تفتش عن صغارها، طمأنتها سيدة على صحتهما ولم تهدأ إلا عندما جاءوا لعندها وارتووا من نهر أمومتها الجارية. انتهى اليوم وسمحت الطبيبة بخروج رسيل بدون صغارها. عادت للبيت وهي تعاني من فراغ جوفها وقلبها معًا. ما أن هبطت من السيارة لم يتحمل يونس أن يستمع لآهات وجعها فحملها بين يديه لغرفتها. لاحظ أحد الحرس حالة حياة وسرعان ما أبلغ عاصي برسالة مسجلة: -عاصي بيه، واضح أن مدام حياة تعبانة.
ثم شرع بسرد التفاصيل التي رآها. هنا جن جنون عاصي وفارق اجتماعه وأخذ يهاتف أخواتها وهو يتشاجر مع الهواء الذي يتنفسه. جميع الهواتف خانته ما بين رشيد الذي يراعي صغار أخته، ويونس الذي يهتم بأخته المتألمة، وهاتف المنزل الذي لم يرد عليه أحد، حتى هاتف المربية فأخبرته بخبر ولادة زوجته وأن فتياته بجانبها. هاج قلبه بنيران العجز وعدم استيعاب الخبر تفجرت حمرة الغضب والخوف من ملامحه واكتفى بسؤاله الأخير: -إزاي! طيب حياة كويسة!
هتفت المربية بفرحة: -زي الفل يا عاصي بيه، تحب أديها التليفون. أردف بحزم: -لا أنا جاي، ومش عايزها تعرف إني عرفت. مع فجر اليوم التالي. كانت تستند على ظهر فراشها وتعد الأيام الباقية لعودته على مراجل من نار. تناولت هاتفها وحاولت الاتصال به على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ترددت قليلًا ولكن شوقها أجبرها أن تسمع صوته في هذه اللحظة. الكثير من الاتصالات التي لا تحمل ردًا حتى كتبت له قائلًا: -أول ما تصحى كلمني، بليز يا عاصي.
هنا فُتح الباب فظهر منه سقط الهاتف من يدها وهي تراقب عودته ومجيئه بقلب يكاد أن ينخلع منها. ما أن رأته فانفجرت بالبكاء وكأنها تصف له بصورة أعمق عن درجة معاناتها بدونه. اندفع لها بكل مشاعره الفياضة ليأخذها بين يديه ولم تمنحه الفرصة لمعاتبتها فقالت باكية:
-أنا كنت هموت من الخوف، كنت محتاجالك أوي، أنا آسفة محبتش أقلقك عليا، بس كنت غبية واتحملت صعوبة يوم زي ده لوحدي. اتمنيت كتير تكون معايا، بس مش هين عليا أشوفك موجوع. عدى كله عدى واحنا سوا مع بعض. لخبطة من مشاعره المضطربة وهو يمسح بكفيه على ظهرها بنبرة خالية من عتاب: -أنتِ كويسة! في حاجة بتوجعك! بملامحها اللاهثة من كثرة البكاء: -غيابك اللي كان تاعبني وأنتَ رجعت أهو، أنا بقيت كويسة خلاص. تمتمت ملهوفة لرؤية صغاره:
-هما فين! بنبرة يخالطها أنفاس الألم تمتمت: -الدكتور حجزهم فـ الرعاية، بكرة نروح نشوفهم. ثم ضغطت على كفوفها معبرة عن ألمها: -الرحلة كلها كانت صعبة يا عاصي، آخر ٣ شهور أنا كنت بموت من الوجع والتعب، وببذل مجهود أكبر عشان متأخذش بالك وأقلقك أكتر. ثم ارتجفت مكملة: -مش مهم، فرحة ولادنا بالدنيا، أنا أول ما شوفتهم نسيت كل التعب، هتحبهم أوي.
مال على كفوفها ليقبلهما بلهفة عجزت الكلمات أن تعبر عنها، لا يعلم أيعاتبها أم يعانقها أم ينهرها عن مخالفة أوامره. كل ما فعله أنه ظل صامتًا وساكتًا وهى أخيرًا آمنت فنمت بحضنه بعد يوم شاق انقسم من روحها. لكن ظل متيقظًا لمطلع النهار وهو يمطر سيل قبلات متوزعة فوق ملامحها النائمة كي يتأكد من سلامتها. تململت بوهن وهي تصدر بعض التأوهات الخفيفة فسألها ملهوفًا: -أجيب لك دكتور! تمتمت بصوت متهدج متعب وهي ترفع رأسها عن
صدره الذي كان مسند رأسها: -أنت لسه صاحي! -أكلم دكتور يا حياة! طمنيني عليكِ حاسة إيه. ضمت كفه بتوسل: -لا يا حبيبي تعب الجرح بس متقلقش، أنا بس عايزة آخد شاور حاسة هيفوقني، ممكن تساعدني بس للحمام. حملها بين يديه وقال بلهفة: -هعمل لك كل حاجة بنفسي متشليش هم، أنا جمبك ومش هسيبك. أجلسها فوق أحد المقاعد بالحمام ثم شرع بنزع الجزء العلوي من بدلته وقال متحيرًا: -المفروض نعمل إيه! ترجته بوهن:
-عاصي بليز اخرج، أنا هعرف أتعامل، بس بلاش بلاش مش حابة إنك تشوف شكل الجرح وجسمي كده، اخرج. جثا على ركبتيها رافضًا طلبها الغريب وقال بحنو: -مفيش الكلام ده! أنا مش هسيبك. ثم رفع كفها لمستوى شعرها ولفه وبعدها غطى رأسها بـ "تربون" الاستحمام فتدلت يداه لسحاب فستانها الواسع وسحبه لآخر ظهرها. كانت جميعها تفاصيل يعيشها لأول مرة ولكنه كان متبعًا بوصلة حبه التي كانت دومًا ما ترشده.
تمسكت بفستانها كي لا يكشف ستر آثار عمليتها الجراحية وتمدد بطنها المترهلة من الحمل. ترجته لآخر مرة: -أخرج عشان خاطري. سحب كفها لعند شدقه وطبع تلك القبلة الخفيفة الرافضة ثم أتبع بحنان أم مع جنينها الأول بنزع تلك الملابس عنها. تعرت أمامه وهي تراقب تعابير وجهه التي انكمشت إثر رؤيتها لجرحها وتمتم بمعاناة كانت تعتصر بقلبه: -المية لو جات عليه مش هيوجعك! ردت بجهل تام: -مش عارفة!
ثم وثب وفتح الخزانة التي تحوي الفوط بالحمام وأخرج منها واحدة. فتح صنبور الماء الدافئ وضبط حرارة الماء ثم عاد لها لتستند عليه وتجلس على حائط حوض السباحة "البانيو". بلل المنشفة بالماء الجاري ثم جر المقعد الذي كانت تجلس عليه بقربها وهمّ بكفكفة القماشة على جدار عنقها بحنية مفرطة.
كانت تراقب حنانه بأعين لامعة يفيض منها الانبهار. عاد ليغسل القماشة من جديد مواصلًا مهمته في إزالة آثار المخدر عن جسدها ولكنـه لم يمنع مشاعره المدججة من قطف ثمار حبه. بههمهمات الحب المرتدة بجدار عنقها همس: -حمدلله على سلامتك يا روحي، سلامتك عندي بالدنيا واللي فيها. بحب متسرب في تلك القبلات الناعمة التي كانت من نصيب عظام ترقوتها، رست أناملها فوق أذنيه وهي تبادله بنفس المشاعر المدججة التي ختمتها بسؤالها:
-عاصي، هنسمي الولاد إيه، حابة أنت اللي تختار أسماءهم! -مش بتفكري في حاجة معينة! -لا عايزة باباهم يختار الأسماء، هتسميهم إيه يا حبيبي؟ تأمل عينيها الفائضـة من اللهفة وشرع في مداعبة تفاصيل روحها التي آسرته. يبدو أنه أحبها للحد الذي تأكد بأن جمال الكون نُسج من عيونها، فتمتم متهامسًا: -لو هتختار، يبقى ريان، نهر حبك اللي روى قلبي. تغنجت بألم يعطره الحب وهي تتشبث بمعصمه كي تعتدل في جلستها وقالت معجبة: -حبيت.
ثم انحنى ليبث شوقه المتدفق بوجهه وأكمل بنفس النبرة التي تحمل صبابته لتلك المرأة التي خُلقت من لهيب الحب: -وركان، السكينة والهدوء اللي بحسهم في حضنك. لا يوجد منزل أدفأ من صدر رجل أحبك من حشاشة قلبه. مسحت على شعره بمشاعر يفيض منها الحب وقالت دامعة وبتنهيدة طويلة: -أنتَ حبيب عمري. *** ~عودة للحاضر: صالحت بيك أيامي سامحت بيك الزمن نسيتني بيك آلامي ونسيت معاك، معاك الشجن.
كانت مثيرة للحد الذي يجبره كل برهة بأن يقبل يداها فاقت على كلمات أم كلثوم الأخيرة وقبلته الرقيقة وهي تتنفس حبه وحنيته وتتأمله بأعين يفيض منها العشق: -عيد ميلادك الأربعين بعد كام يوم، أنا متحمسة أوي، وعد هيكون أحلى يوم، يوم عمرنا ما هننساه ياحبيبي. كانت نبرتها دافئة حنونة يملأها الحماس عكسه تمامًا؛ شاردًا قليل الكلام ولأول مرة يشغله الطريق عنها، اكتفى بإصدار إيماءة خافتة وقال بملل:
-عادي يا حياة، مش هتفرق، المهم أنك معايا. قطبت حاجبيها بإمتعاض ودارت للخلف تبحث عن شيء ما ثم قالت بنبرة يتسرب إليها الشك: -عاصي مالك ساكت من أول الطريق! وبعدين دي أول مرة تروح مكان من غير رجالتك والحرس. ثم تأرجحت عينيها بتوجس وأكملت: -مش شايف إننا بعدنا أوي عن القاهرة! إحنا رايحين على فين! صف سيارته أمام مبنى عملاق ولكن لا يبدو عليه أي تفاصيل ترضي فضولها: -خلاص وصلنا! أردفت بقلق: -وصلنا فين! عاصي إيه المكان ده! سحب
مفاتيح سيارته وقال بهدوء: -انزلي. ترددت: -أخد شنطتي وموبايلي؟ -مش لازم. رد بفتور وهو يأخذ سترته المعلقة بالخلف ويهبط من السيارة تابعته بخطوات مترددة حتى وقف ومد يده لها كي تشبث بها وقالت: -مش هسألك رايحين فين، بس أنا واثقة فيك.
اكتفى بضم كفها وسحبها برفق نحو بوابة ذلك المبنى المشيد. استقل المصعد فكانت بجواره ترافقه حتى ذلك النفس الذي كان يخرج من جفوفه كانت تستنشقه. فُتح الباب عند الطابق المطلوب تبادل الاثنان النظرات ثم دخل لقسم الاستقبال فرحبت به الفتاة عالمة بخبر مجيئه لهذا المكان الذي يتردد عليه سرًا مرة كل شهر: -عاصي بيه، اتفضل استريح. تمتمت له بعتب يخالطه المزاح: -أنت كل الستات كده تعرفك! أعمل فيك إيه! اكتفى بهز رأسه بهدوء
مع ابتسامة مثقلة بالقلق: -تعالي اقعدي. جلست على الأريكة وأخذت تفرك كفيها وهي تفحص المكان الخالي من أي بيانات ترشدها. لاحظ الارتباك بكفوفها المتراقصة فأكتفى بضمهما كي تهدأ. تفهمت حركته التي أراد أن يطمئنها بها فأومأت متفهمة. دقائق محدودة حتى خرجت الفتاة من أحد الغرف وأشارت: -مدام حياة، اتفضلي! بللت حلقها الذي جف من شدة الحيرة وطالعته كأنها تسأله كيف يمكنها أن تدخل غرفة لا تعلم خباياها بدونه. أردف
بهدوء وهو يطبطب على كفها: -روحي معاها وهتفهمي كل حاجة! انهارت فلسفة الكلمات أمام هدوئه، فتحركت على مضض ودخلت الغرفة المقصودة، أشارت لها الفتاة على أحد المقاعد على الطاولة المتوسطة التي تضم ثمانية مقاعد: -اقعدي هنا. ثم قفلت الباب وعادت لعاصي المتسائل بقلق ينفطر فيه قلبه: -تمام!
هزت الفتاة رأسها وعادت لمقعدها. أما بالغرفة التي تجلس بها حياة على مراجل تغلي فوق نيران القلق والتي تحتوي على طاولة فقط والعديد من المقاعد وهناك باب آخر للغرفة ظهرت منه فتاة ثانية ورحبت بها قائلة: -مدام حياة، إزيك؟ توقد القلق في خدها: -أنتِ تعرفيني؟ أنا فين! اقتربت منها الفتاة بثغر مبتسم وقالت: -هتفهمي كل حاجة دلوقتي. ثم استأذنت منها أن تضع تلك الشريطة السوداء على عينيها، فتراجعت بالمقعد للخلف رافضة بخوف: -نعم! ليه؟
لو سمحتي فهميني فـ إيه، وعاصي فين! حافظت الفتاة على هدوئها: -ممكن تهدي طيب. كادت أن تنهض لتغادر الغرفة بصوت مرتفع: -أنا عايزة أمشي، في حاجة غلط، حد يفهمني! ظهر رجل في الخمسين من عمره مرتديًا بذلة سوداء، قامته طويلة وبشعر يخالطه المشيب، يرتدي نظارة طبية وقال بهدوء وهو يجلس على المقعد الأمامي للطاولة: -اقعدي يا مدام حياة، وهتفهمي. تكلفت العبوس فجلست على مضض متأففة. فقدم نفسه قائلًا: -أنا دكتور عمر الوكيل، ممكن تهدي!
تسرب القلق لجوفها وتمتمت: -دكتور! دكتور إيه؟ لو سمحت عاصي راح فين مش حلو التهريج ده والله! أشار الطبيب لمساعدته ريهام أن ترحل وقال: -لو عايزة تعرفي كل حاجة تهدي ونتكلم مع بعض بهدوء. تأرجحت عينيها بتوجسٍ وتمتمت: -عاصي فين، أنا عايزة جوزي. رد الطبيب بنبرة هادئة: -مشي. ردت بيقين ممزوجًا بالهدوء التام: -مستحيل يمشي ويسيبني هنا. استند الطبيب على سطح الطاولة بمرفقيه: -ليه مستحيل! هو عمل كده فعلًا، سابك ومشي.
أصدرت صوتًا نافيًا وبيقين لا يخالطه شك: -تؤ، مستحيل. ثم أطلقت ضحكة ساخرة: -بطلوا هزار بقا، ممكن تقولي أنت دكتور إيه وأنا هنا بعمل إيه؟ -عاصي قبل ما يجيبك هنا، قال لك رايحين على فين؟ هزت رأسها نافية: -لا، ما قالش. -وأنتِ جيتي معاه من غير ما تعرفي! ردت بثبات: -طبعًا، أنا بثق فيه.
-حتى ولو عرفتي إنه جابك هنا عشان هو مقرر يسافر ويمشي، قرر ياخد بناته يبدأوا حياة جديدة بره مصر، ولأنه خايف عليكي جابك هنا عشان متتعبيش في بعده. انفجرت ضاحكة وهي تضرب كف على الكف بضحكة لا تتناسب مع صعوبة الموقف؛ فأردفت: -أنا شايفة إن المفروض يتعالج بجد حضرتك! إيه التخاريف دي! ممكن موبايلك أكلم جوزي عشان يجي ياخدني من الجنان ده. أصر الطبيب على موقفه: -بقولك مشي يا حياة. مش عايزة ليه تصدقي إنه مشي.
-وأنت ليه مش عايز تصدق إنه ما يعملش كده! شبح ابتسامة خفيفة ارتسمت على محياه وأتبع: -للدرجة دي بتحبيه. ردت باختصار: -بعشقه. ثم وثبت قائمة لتغادر الغرفة ولكنها فؤجئت بأن الباب مقفولًا، عادت له بنبرة آمرة: -قول لهم يفتحوا الباب ده! لم يتحرك الطبيب من مجلسه، فأكمل: -مش هيتفتح غير بأمري، وأنا مخلصتش كلامي عشان اسمح لك تمشي. وبخته ساخرة:
-وأنا مش مجبرة أسمع التخاريف بتاعتك، قول لهم يفتحوا الباب عايزة أروح لولادي اتأخرت عليهم. ببرود لا يتناسب مع الموقف قال: -ولادك كمان مش موجودين، سافروا معاه. شدت أحد المقاعد وجلست وهي تقاوم إحساسها المضطرب: -قعدت أهو، اتفضل كمل خرافات لحد ما أشوف آخرتها إيه. -أعرفك بنفسي، دكتور عمر الوكيل مختص في الأمراض النفسية والعصبية ودكتور جوزك عاصي دويدار. برقت عينيها بذهول: -وهو عاصي بيجي لك ليه! وأنا إزاي معرفش حاجة زي دي!
تنهدت بحرقة تأكل بقلبها: -أف! أنت عايز مني إيه دلوقتي. -عايز أواجهك بالحقيقة اللي أنتِ مش مقتنعة بيها. هزت رأسها يمينًا ويسارًا وهي تنفي حديثه: -قول أي حاجة غير إنه مشي، عاصي بيحبني ومستحيل يعمل كده، أنا عارفة بقول لك إيه كويس أوي. -قُلتِ بيحبك! والـ يحب حد يخونه وكل ليلة مع واحدة تانية. استولى على صوتها الأسى والجوى وقالت: -هو مستحيل يعمل كده، أنا واثقة فيه. -إيه دليلك! -قلبي. رفع الطبيب حاجبه مستنكرًا:
-وقلبك معرفش إن بيتعالج عند مختص نفسي له سنة ونص؟! لقد كان الأمر مرهقًا لقلبها الرقيق. كان الموقف يتطلب عشرة قلوب لتحمل جملة السخافات هذه. ولكنها بقلب واحد فعلت وواجهت. يبدو على ملامحه التعب والكدر: -دي غير دي! رد الطبيب متعمدًا أن يسرب الشك لجوفها: -لا دي هي دي، معنى كده إن في حياة عاصي أسرار كتير أنتِ لسه معرفتيهاش. ثم ختم جملته عندما لاحظ تأثرها بجملته: -المنطق سُم المشاعر، ودي الحقيقة اللي لازم تتقبليها.
ثم توغر في حرق جروحها المخدوشة إثر عبث بها باستمرار: -أول أيامكم في الغردقة مش كان بعيد عنك لمدة شهرين، تفتكري ممكن يكون ليه! طيب خلال فترة حملك شخص زي عاصي وعلاقاته النسائية المتعددة كان يا ترى... أنا وأنتِ عارفين طباع عاصي كويس. تعمدت أن تتظاهر باللامبالاة، وقلبها يحترق. لوحت بكفها كي تضع حدًا للأمر، وقالت بيقين وهدوء تحسد عليه:
-الحقيقة الوحيدة اللي قلبي مصدقها إن عاصي مستحيل يعمل أي حاجة تزعلني، ممكن ما تتدخلش في علاقتي الخاصة مع جوزي أكتر من كده! بملامح عجوز على أعتاب السبعين ثم زفرت بملل وتعب أعصاب انعكس بكفها المرتجف: -وممكن ننهي السخافات دي بقا عشان أنا بجد تعبت. ومش عايزة أسمع حاجة. ثم هبت واقفة وكأن عقرب لدغها متجهة ناحية الباب وأخذت تطرق بقوة، وتصيح: -افتحوا الباب ده وإلا هكسره! عاصي!
يجلس بالغرفة الأخرى يراقبها من وراء الشاشة مصدومًا من تصرفات وحديث الطبيب معها، كاد أن يجن جنونه حيث نهض ليغادر الغرفة معترضًا: -ده مش اتفاقنا، دكتور عمر بيعمل إيه! تدخلت الفتاة متوسلة له: -دكتور عمر بيعمل شغله، لو سمحت يا عاصي بيه اهدى وكمل الجلسة للآخر. ألقى نظرة خاطفة على الحالة التي أصبحت عليها وهي تجوب الغرفة كالسكير الذي تاه رشده وقال بقلب يتمزق:
-حياة أضعف من أنها تتحمل كل ده هي بتقارح بس أنا عارفها، ريهام كلمي دكتور عمر قوليله كفاية كده. حاولت الطبيبة المساعدة أن تقنعه كي يجلس ويهدأ راجية أن ينتظر حتى السؤال القادم فقط. جلس عاصي على مضض وهو يتذكر ثاني جلسة مع طبيبه عندما أمره قائلًا: -أول خطوة في مشوار علاجنا هي المنع للطرفين، فاهمني يا عاصي بيه! رد بعد اقتناع: -يعني إزاي، لا مستحيل يا دكتور عمر، طيب ومراتي! أجاب مصرًا على طلبه:
-دي بالذات لازم تبعد عنها وتحارب نفسك كمان، ومن غير ما تحس بحاجة، الأمور طبيعية جدًا. ومش بس كده، أنت كمان هتبطل تروح أي مكان سابق كنت تتردد عليه، حفلات، سهر، نايت كلاب، أنا عايز شخص حياته كلها شغل وبس، وقتك كله ليك لوحدك. ارتفعت جفونه لتلك الشاشة التي يراقبها منها عند سؤال الطبيب الأخير: -قولي لي ناويـة تكملي حياتك إزاي من غيره.
ملت من تلك الطريقة التي تخنق في روحها بالبطيء، تشبثت بجدار عنقها لتعكس تلك الحالة النفسية السيئة التي وصلت لها وقالت بإصرار: -أفكر في أوهام وأصدقها؟ أنا أعقل من كده بكتير! ثم ضربت على سطح الطاولة معبرة عن حالة الجزع التي أصابتها: -أنت بتحاول توصل لأيه! وأصلًا عاصي بيشتكي من إيه عشان يجي لدكتور مريض زيك! تقبل إهانتها بصدر رحب مقدرًا ذلك الوضع السيء التي وصلت إليه، أشار بهدوء ناحية زجاجة الماء: -اشربي ميه! نظرت
في ساعة يدها وقالت بيأس: -مش هشرب حاجة، أنا عايزة المسرحية السخيفة دي تنتهي، ممكن تكلمه! كلمه قوله يجي عشان نروح لولادنا. -ولو أثبتت لك بالدليل والساعة خيانة جوزك! هتصدقي! وتقتنعي! مالت لعنده بتحدٍ، وأردفت: -لو شفته بعيني هكذبهم وأصدقه هو، جوزي مستحيل يلمس ست غيري. بدأ الانشراح على محياه وقال مستمتعًا بحواره مع تلك السيدة الواثقة بنفسها قبل زوجهـا وقال: -ده عشق ولا جنان؟ ردت بملل وهي تضغط على فكيها بغل:
-دي حاجة ماتخصش حضرتك! -لو الزمن رجع واتقابلتوا بطريقة تانية كنتِ بردو هتحبيه؟ سئمت من برود أعصاب الطبيب ولكنها قررت أن تحاربه بنفس أسلحته وقالت بسخط: -مفيش زمن بيرجع، أنا حبيت عاصي بالقدر المكتوب لنا وبس. ثم فرغت القليل من الماء بالكوب الزجاجي بتلك اليد المرتعشة وقالت: -خلصت كلامك، أنا لازم أروح اتأخرت على ولادي. -تفتكري عاصي جابك هنا ليه؟ ثم برر قائلًا:
-يعني مش مصدقة كلامي وماشية ورا وهم، بس اسألي نفسك لدقيقة هو جابك هنا ليه؟ ردت بثبات لا يهزم بعد ما تجرعت كوب الماء: -مش هسأل نفسي وأقع ضحية أوهام، لما هقابله بره هسأله وهو هيجاوبني. لن يهزم الشخص الذي وثق بالطرف الآخر مهما حدث. مد لها ملفًا وقال: -ممكن تبصي في ده! رفعت حاجبها ساخرة: -كذبة جديدة؟! وبعدين مش عيب رجل كبير زيك كده يكذب!
بيدها كوب الماء الزجاجي وباليد الأخرى همت بفحص الملف المقدم لها. قرأت الاسم من أعلى فوجدته باسم عاصي شهاب دويدار. تدلت عينيها لتفحص التقرير الطبية بأعين مهتمة للغاية ورقة وراء الأخرى حتى رفعت جفونها متسائلة: -التحاليل دي بتاعت عاصي! -أنتِ شايفة إيه! ثم وثب قائمًا وشرع في سرد حالته الصحية:
-أنتِ صح، أنا حاولت كتير أشكك في جوزك عشان العلاقة دي تنتهي بأقل وجع حسب رغبته. كان هيمشي ويسيبك عشان متتوجعيش بعد فراقه. عاصي ياحياة عنده مشاكل صعبة فـ القلب والتحاليل والفحوصات معاكِ. وأيامه الباقية معدودة، ممكن فـ لحظة يبقى مش موجود. وهو خايف عليكِ من بعده. هل هي ساعة باردة أم أنّ فكرة غيابك لامست قلبي فارتجفت. أشاحت بأعينها المدججة بالعبرات وحمرة الألم بعد ما فقدت سيطرتها على كوب الماء الذي اصطدم بالأرض
فتحطم مثل قلبها تمام: -أنت بتكذب تاني! مستحيل، عاصي صحته كويسة جدًا. رد بتلك النبرة التي تساعد في انهيارها: -أنتِ هنا عشان نعالج الموضوع ده مع بعض. غمغمت بحالة من الانهيار التي شلت مدارك عقلها وهي تفتش بالأوراق: -لا، عاصي عمره ما اشتكى من وجع، الورق ده كله مزور، هو فين! أنا عايزة أكلمه. ثم انفجرت صارخة وهي تخبط على الباب بوجع وتضرب الأرض بقدميها: -افتحوا الباب كفاية كفاية كده.
بحالة تشبه ظلمة البيت المهجور، بل ساءت حالتها كنافذة صغيرة تختنق في ظلام زنزانةٍ ممتلئة بالمساجين لا ترى ضوء الشمس أبدًا. عادت لعند الطبيب عمر وهي تنفطر من البكاء وتتوسل إليه: -قول أنك بتكذب متعملش في قلبي كده! طيب خرجني من هنا هموت في حضنه بدل ما هتجرالي حاجة هنا من خوفي عليه. هو وعدني أن عمره ما هيسيبني.
في تلك اللحظة لم يتحمل، انخرط قلبه وهو لا يرى أحد أمامه. تجاهل نداءات ريهام المتكررة واخترق درجات السلم ركضًا وبنفس اللهفة التي تحركه فتح الباب فوجدها فقدت وعيها تمامًا وسقطت مغشيًا عليها. أشار الطبيب لمساعدته: -ريهام حقنة مهدئة حالًا، دي حالة انهيار عصبي.
لم يرى غيرها انحنى وحملها بصعوبة لثقل الصدمة على ساقيه التي عجزت أن تحمله. أشار له الطبيب أن يدخلها الغرفة الثانية الخاصة به وهو يلهث من وقع الصدمة على صدره. وضعها على الأريكة فتمددت بوهن وهي تهذي بدون وعي: -هو مستحيل يسيبني، عاصي بيحبني، أنت كذاب. انخرط على كفوفها ليقبلهما معتذرًا عما حدث منه ويقسم لها بأنه لم يعلم عنه شيئًا طالبًا منها العفو. جاءت ريهام لتقيس ضغطتها وكان الطبيب يعد تلك الحقنة المهدئة لتسترد وعيها.
شرعت ريهام في قياس الضغط وسار عاصي لعمر قائلًا بغضب: -ده مش اتفاقنا، أنت إزاي تعمل في مراتي كده، أنت وعدتني هتفهمها حالتي وبس. رد عمر بهدوء: -أنا عارف أنا بعمل إيه يا عاصي، في أقل من ساعة هتبقى كويسة. ضرب على سطح مكتبه بغضب عارم: -أنا غلطان إني سمعت كلامك، اتفضل فوقها وإلا ههد المركز ده على اللي فيه. تجاهل الطبيب تهديداته وضرب الحقنة بذراعها ومازالت تهذي بكلمات غير مفهوم وعبراتها تتساقط بسرعة هستيرية. أمره قائلًا:
-خدها في حضنك لحد ما تهدأ. سارت ريهام مع معلمها وجلس الاثنان على المكتب. تمتمت ريهام بصوت منخفض: -دكتور حضرتك شايف إيه! عاصي خلاص كده! تأرجحت عينه عليها وهو يحتويها كطفلته الصغيرة ويقبل كفوفها وملامحها النائمة وقال من خلال خبرته بقانون العلاقات:
-أنا عمري ما قابلت الحب ده في حياتي، كنت دائمًا بقول لك واحد زي عاصي كونه يأخذ خطوة زي دي أنه يجي عند طبيب نفسي عشان يحافظ على مراته من نفسه دا أكيد بيحبها، بس مكنتش متوقع أنها بتعشقه كده! رمقتهما ريهام متعجبة وقالت: -كان قاعد فـ الأوضة هيتجنن عليها، أنا كنت مرعوبة. طيب الخطوة اللي بعد دي إيه!
-دي الخطوة الأخيرة اللي فضلت مأجلها سنة ونص، مفتكرتش أن عاصي ممكن يرجع لدقيقة واحدة لماضيه بعد اللي شافه. وشاف حالتها دي أنا كنت متعمد أخليه يشوف انهيارها وحبها في نفس الوقت. عاصي كان عنده إرادة أنه يفوق من المجتمع اللي كان مغروس جواه وإنه مش عارف يكتفي بواحدة وبس، وساعدنا كتير وهي كمان ساعدته كتير من غير ما تحس. تمتمت ريهام بتساؤل: -يعني هو خلاص كده! تعافى تمامًا؟ -الخطوة الجاية بتاعتها هي وبس. ثم أتبع قائلًا:
-كان لازم يا ريهام ياخذ الصدمة دي عشان تفضل محفورة في قلبه العمر كله. أنتِ عارفة إنه من أصعب الحالات اللي مرت عليا، أنا فضلت أذاكر في شخصيته دي أسابيع وأفكر إزاي أعالج شخص زيه قادر يشتري كل حاجة يهواها بفلوسه، شخص كانت دي حياته لمدة ٢٠ سنة، اتربى على السيطرة والأنانية من ست انتقامية استخدمته كسلاح لدوافعها، لأب دي حياته أصلًا. أنت قدامك مبنى منهار هتعيدي بناءه من جديد.
نظرة سريعة من عيني ريهام المفعمة بالشفقة على تلك الحالة المزرية التي وصل لها الاثنان وقالت بإعجاب: -مراته شخصيتها جميلة أوي، وعرفت إزاي تحتوي طير حر زيه. اتكأ عمر على مقعده مستريحًا لنجاح خطته العلاجية: -أهي دي الست اللي يترفع لها القبعة صحيح.
قد يكلفك خدشًا واحدًا في الطفولة، عمرًا كاملًا من الخوف والتخبط بدروب الحياة ولكن لا ندرك ذلك إلا بعد أن يصبح ذلك الخدش صدعًا غائرًا. كانت مميزة جدًا ونادرة كالجواهر مما جعل لها تفاصيل لا تغادر الذاكرة أبدًا. يضمها لقلبه ويعتني بتلك الحورية التي تتقوس بحضنه كعصفور بنى عشه بين يديه. برضوض ثقيلة من يدي الألم يحنو عليها راجيًا بهمس: -حياة، افتحي عينك عشان خاطري، قومي أنا جمبك أهو، حياة.
كانت حياته جرحًا لم يكف نزيفه فضمده مجيئها لعالمه. قبل كفها المثلج بنفس لوامة وتأنيب ضمير وبنبرة لاذعة: -قومي مش هقدر أشوفك كده، حقك عليا. تتراقص جفونها السابحة في موج الحزن وهي ترى صورته المشوشة هامسة باسمه: -عاصي! -حياة عاصي، أنا جمبك.
تغلغلت أصابعهما ببعض بطريقة ما تعبر عنها القلوب عن صعوبة شعور لا يوصف، شعور لا يمكن تجسيده بكلمات وحروف، بل هو شعور تائه يتتضور جوعًا عن الأمان، شعور يونسه ويتناغم مع تلك الروح المشتتة. تململت على شوك الألم وسألته: -هو إيه اللي حصل؟ -فوقي كده وهتفهمي كل حاجة أنا جمبك أهو ومش هسيبك أبدًا. هناك نصًا قديمًا احتفظت به بين ثنايا دفترها قبل أعوام وهي تناشد القدر
أن يأتي برجل أحلامها: "أن يكون حنونًا يعرف كيف يجعلني أطمئن بجواره، كأنني لم أعرف معنى الخوف أبدًا، أن لا يهون عليه حزني، يصبح الونس لقلبي بعد سنوات من الوحدة، أن يكون شخصًا؛ أستطيع أن أقول عنه لقد وجدت ما كنت أبحث عنه دائمًا". اعتدلت من نومتها بمعاناة وأخذت تتفقد ملامحه كأعمى يرى ضوء الشمس لأول مرة. مرت كفوفها الصغيرة على وجهه وسألته بعتب: -أنت سبتني ومشيت ليه؟
عاصي إحنا جينا هنا ليه، يلا بينا من هنا، الدكتور ده كل كلامه كذب مش كده! ثم توسلت له بأعين باكية وهو تحوى وجهه بكفيها: -أنت عمرك ما كذبت عليا، قول لي أن كل كلامه كذب. لم تمهله الفرصة كي يجيبها ولكن شدته لحضنهـا بقوة عاتية وهي تعتصر حزنًا وألمًا بين يديه تتأوه ترتجف. تبكي طويلًا فتعود لتقبيله محاولة تكذيب ذلك الأمر، تتوسل له أن ينهي هذا الكابوس في أسرع وقت ممكن؛ ثم عادت له وطالعت عينيه المدمعة وسألته: -أنت كويس!
مش تعبان، وغلاوة حياة عندك قول لي. ثم وضعت كفها الذي يضخ حبًا على قلبه لتتحسس نبضه وأردفت بثرثرة لم تمهله الرد: -قلبك لو كان فـ شكة برد أنا كنت هحس بيها، لكن مفيش الكلام ده! صح صح! طيب قوم قوم نروح لدكتور غير الكذاب ده، لالا نسافر بره نعمل شيك آب كامل. لم يتحمل رؤيتها لهذه الدرجة من الضعف فشدها لحضنه مرة ثانية ودفن رأسها بصدره وقال متأملًا:
-عمري ما اتخيلت أنك بتحبيني كده، أنتِ زلزلتي كل ساكن جوايا، أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان تكوني أنت فيها. فارقت حضنه وهي ترتجف كالمصاب بحمى وأخذت كفوفها المرتعشة تجفف عبراته المترقرقـة التي رآها لأول مرة. فسألته وهي تلهث: -خلاص اهدى طيب، أنت كويس! -أنا عمري ما كنت كويس غير النهاردة، حد يشوف واحدة زي القمر كده زيك بتحبه الحب ده كله وميبقاش كويس! عانقته مرة أخرى وهي تمسح على شعره بحنان زاخر وسألته:
-أنت قلبك سليم، هو كان بيكذب عليا مش كده! مسح على ظهرها بحنو ثم قال ممازحًا كي يلطف تلك الأجواء المشحونة بينهما: -في حد قلبه بيوجعه يخلف بالجوز كده! طيب أعقلي الكلام! رغم عنها انفجرت بضحكة مكتومة مبطنة بنشيج البكاء وضربته في ظهره برفق بأنين: -كنت هموت عليك... هو عمل فيا كده ليه! غادر عمر مكتبه برفقة الطبيبة ريهام متجهًا لعندهم ثم قال بمازح: -أنا لو لقيت ست تحبني كده، هعتزل مهنة الطب والعالم كله وأقعد جمبها.
اعتدلت حياة بجلستها وهي ترمقه بنظرات ساخطة وقالت بعتب: -أنت عملت فيا كده ليه! وعاصي فيه إيه. أشار عمر للطبيبة ريهام أن تغادر ليكسر حواجز الخجل بين الاثنين قائلًا بلطف: -نجيب لمون للمدام حياة يا دكتورة ريهام، أنتِ عايزاها تقول علينا بخلا! تفهمت ريهام على الرحب والسعة: -حالًا يا دكتور. انتظر حتى غادرت ريهام ثم قال عمر متسائلًا: -أحسن دلوقتي يا مدام حياة! نظرت لعاصي مضطربة وتمتمت: -فهمني طيب! احتوى كفها بحنان وقال:
-الدكتور هيفهمك. بدأ عمر الحديث عن حالته قائلًا: -أول يوم شفت فيها جوزك، فضل ساكت لربع ساعة مش بيتكلم لحد ما قام ولف فـ الأوضة دي ولقيته صرخ وقال "أنا كنت بحب مها مراتي، بس كنت بخونها عادي، لكن دي لا، حياة مش الست اللي تتخان، أنا عايز أتخلص من العالم بتاعي كله، عايز أبقى صفحة بيضا معاها هي وبس! أنا مش عايز أخسرها بسبب غبائي وأنانتي".
طالعته بأعين تحمل الكثير من الحب وقلب ينتفض حزنًا على عناء تلك الرحلة التي قطعها لوحده، ثم عادت لحديث الطبيب باهتمام وأكمل: -من أول جلسة لحد النهاردة السؤال الوحيد اللي شاغلني هي الست دي عملت فيه إيه خلته بالحالة الجنونية دي! ولما قابلتك عرفت إنه معاه حق يخاف يخسرك. خفق قلبها حزنًا وهي تضم على يده، فأتبع الطبيب:
-بدون فلسفة طبية هكلمك بوضوح عاصي كانت مشكلته كلها إنه عاش حياته بطريقة ونهج معين وفجأة قابل اللي فاقته، فـ بقى خايف يرجع للماضي ده تاني ويخسر كل شيء. هي جملة مشاعر متراكمة أدت لظهور لتكون شخصيته النرجسية دي! تمتمت بإعتراض: -أنا من وقت ما قابلته وهو شخص حنين، شوفت الحب والحنية فـ عيونه، قصدي أقول إنه عمره ما لمح لي إنه شخص بيعاني من أي مشاكل نفسية! برر الطبيب قائلًا:
-لو كنتِ قبلتي عرضه في الليلة أياها كنتِ هتشوفي شخص تاني خالص، أنتِ خدتيه على الهادي لحد ما وصلتي بيه لبر الأمان! الأمان اللي مبقاش قادر يستغنى عنه. لاحظ الطبيب لهفتها الممزوجة بالخوف وأكمل: -متقلقيش كده، عاصي مش بيعاني من أي اضطراب نفسي ممكن أوصفه بيه، هو مش شخص سام مش مؤذي، بس هو نتاج تربية خاطئة علمته أن أي حاجة يدفع فيها فلوسه دي بقت بتاعته ويرميها أول ما يزهق منها... بقيت دي حياته اللي مش عارف هيغيرها إزاي!
غمغمت بحيرة وسألته: -ليه ماقلتش كده، كنا عدينا المرحلة دي سوا! قبل رأسها كإعتذار بسيط منه وقال: -مش حابب
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!