الفصل 46 | من 75 فصل

رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم نهال مصطفي

المشاهدات
22
كلمة
6,754
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

ما يُرهقني بالأمر أننا لم نقل وداعًا ولن نتفق على موعدٍ للقاء آخر، حمل كلٌ منا ما بقلبه ورحل تاركين للقدر مهمة جمعنا ولو لصدفة على رصيف الأيام.. وها نحن الآن بعد ما بلغ الغياب منا مبلغه، وطوت الأعوام قلوبنا، تركت قلمي ليس لجفاف حبر الأمل به، ولكن أي كلام يمكن أن يُكتب أو يبقى بعد جفاف العينين من الحزن! •••••• لم تكمل جملتها ففوجئت بلطمة قوية نزلت على وجنتها شلت لسانها من أخيها وهو ينهرها لتصمت:

-قلت لك اخرسي.. للأسف هتفضلي طول عمرك سودة من جواكي مش شايفة غير سواد، وبتحاولي تبوظي حياتي كل ما أصلحها.. كل ما أحاول أصفى لك تيجي تعكيها أكتر، أنا بقيت بقرف منك ومن ألاعيبك. -مراد.. نطقت اسمه بنبرة مرتعشة وعيون نازفة بدماء الحزن وما أن دار نحوها قائلًا: -عالية، هفهمك! -مش عايزة أفهم حاجة، طلقني.

امتلأت أعين هدير بالشماتة والانتصار على عكس جيهان التي تراقب مخططها المشيد ينهار فوق رأسها، ابتعدت عن ابنتها واقتربت من عالية محاولة إصلاح ما أفسدته هدير وقالت بذعر مغلف بالحنية الكاذبة: -عالية يا حبيبتي وحدي الله، دي هدير بس بتحاول توقع ما بينكم، ما أنتِ عارفة جنانها وأنها ساعات بتقول أي كلام عشان تضايق اللي قدامها وخلاص. أوشكت رأسها على الانفجار، فلم تعد تتحمل المزيد من الكذب والخداع والمسرحيات المزيفة،

طالعتها باشمئزاز ثم قالت: -انتوا إزاي كده! إزاي كل حياتكم بتكذبوا وبتصدقوا كذبكم! إزاي بتناموا بالليل وأنتم جواكم السواد والغِل ده كله. تحاشت الوقوف أمام خالتها واقتربت خطوة من هدير بعد ما ارتدت عالية ثوب آل دويدار الذي يفتك بكل من يقترب لمجده وقالت بتحدٍ: -أنتِ فاكرة إني طلبت الطلاق عشان الكلمتين الفارغين بتوعك دول.. حقيقة أخوكي كانت مكشوفة قدامي من أول يوم وقالها صريحة في وشي. ألتفتت إليه بنظرة مؤكدة: -فاكر!

ثم عادت إليها وأكملت: -بس الفرق إني لمست جواه حتة نضيفة وقررت أشتغل عليها، قلت يمكن ربنا ساقني لعنده لسبب ما، قررت أرد له جميل أنه أنقذ حياتي في يوم، وأكون له طاقة نور تطلع الشخص النضيف اللي جواه.. ذرفت دمعة الفشل من طرف مقلتيها وتحولت نبرتها لنحيب مكتوم وأردفت بندم: -بس واضح إني كنت غلطانة. ودارت لتوجه جملتها المغلفة بالعتـاب والاتهام لخالتها وقالت: -إن للأسف الشديد الحداية مبتحدفش كتاكيت! صاحت هدير بوجهها:

-أنتِ مالك طايحة في الكل كده! ده جزاء أخويا أنه ستر عليكي بعد مصيبتك دي! أنتِ فاكرة كان في حد هيبص في وشك لو معملش كده.. دور ستنا الشيخة دي مش علينا يا عالية أنا أكتر حد عارفاك وعارف مسكنتك! انفجر مراد بوجه أخته بعد ما انقض على معصمها وهو يرجها أمامه موبخًا: -أنتِ إيه فاكرة كل الناس زيك! بس الغلط مني رجعتك بيتي تاني بعد ما طردتك منه زمان، افتكرتك كبرتي وعقلتي.. عالية بكللٍ:

-متتعبش نفسك معاها، أنا هدخل أغير هدومي عشان نروح للمأذون.. بمجرد ما رمت كلماتها انصرفت نحو غرفتها لتنفيذ ما طلبته، اندفعت جيهان نحو ابنها متوسلة: -أوعى تسمع كلامها يا مراد، أحنا مش هنطلع من المولد بلا حمص كده. رمقها بأسهم الخسة ثم قال جملته قبل أن يتبع خُطى عالية: -ما بس بقا! أنتوا مصنوعين من إيه!! كفاية لحد كده أنتِ وبنتك كفاية.. رحل مراد خلفها وما أن دخل غرفته باغتت جيهان ابنتها بقرصة مؤلمة في ذراعها: -عاجبك كده!

هديتي اللي بخطط له من سنين. -أصلًا عالية دي بنت صفره أوي، لا هتاخدوا منها أبيض ولا أسود، متحلميش أنتِ وابنك. في الغُرفة: -عالية ممكن نتكلم طيب. كانت جملة مراد الأخيرة مليئة بالأسى والحزن، لا يعرف ما الذي سيقوله ولكن أراد أن يخلق بينهم أي لغة حوار، رمت عالية ملابسها التي أخرجتها من الخزانة وبدون ما تطالع وجهه أردفت بحدة: -مفيش منه فايدة الكلام يا مراد، خلصت لحد كده.

-ما خلصتش يا عالية، ولو سمحتِ اقفي وكلميني زي ما بكلمك. لبت طلبه بسخرية وقالت: -أيه هتخترع كذبة جديدة! متحاولش يا مراد خطتك فشلت والسبب اللي اتجوزتني عشانه بح، شوف لك طريقة تانية تنتقم بيها من عاصي دويدار غيري. -دي مش طريقة للكلام.. عالية بأسف مليء بالسخرية: -والله هي دي طريقتي، وأسفة عشان طريقتي مش ملونة بالكذب والخداع بتاعكم.. أحست بنغزة مجهولة بقلبها ولكن عنادها كان أقوى من الانتباه إليها وأكملت:

-أظن بعد اللي اتقال أنا مش هقبل أعيش على ذمتك ساعة زيادة، لأن جوازنا في الأساس باطل.. كفاية لحد كده.. صعق بوجهها معارضًا وهو يمسك معصمها بقوة: -جواز إيه اللي باطل أنتِ بتقولي إيه؟ أزاحت يده عنها بعيدًا وقالت: -أيوه باطل لأنه في حكم جواز المتعة، يعني وجودي معاك أصلًا حرام شرعًا.. ثم رمقته بحزن على حاله: -يا خسارة يا مراد كان عندي أمل أنشلك من العالم اللي أنت عايش فيه، بس طلعت بضحك على نفسي.

تجاهل كل ما قالته ووقف عند عقدة الفزع التي ربطها رحيلها المفاجئ عنه، أكتفى بهز رأسه متقبلًا اتهامها بهدوء وما أن غربت وجهها عنه لتُخرج بقية ملابسها من الخزانة تسلل ببطء حتى صدمت بقفل باب الغرفة عليها بالمفتاح، ركضت نحو الباب المغلق وصرخت: -كده بتقل حسابك يا مراد، فاكر لما تحبسني هو ده الحل! ضربت على الباب صارخة بقوة: -افتح الباب ده، أنا مش طايقة أتفسح حتى في بيتك. وضع المفتاح في جيب بنطاله ثم قال صراحة:

-وأنا معنديش استعداد أخسرك بعد ما لقيتك يا عالية.. سامحيني بس هو ده الحل لحد ما تهدي ونتكلم. •••••••• -اليوم هيخلص وأنتِ بتبسبسي يا شمس! قولي مالك! ليه التوتر ده كله! بعد ما طالع ساعته أردف تميم جملته الأخيرة لشمس التي كانت تماطل في سرد ما تخفيه عنه، أحست بالارتباك الشديد ثم قالت: -خلاص وقت تاني، شكلك مستعجل مش حابة أعطلك. جذبها من كفها المرتعش وقال بحزم: -قولي يا شمس، بلاش تهربي زي كل مرة.

هنا صوت طرق الباب أنقذ شمس من الورطة التي وضعت بها نفسها، سحبت يدها بسرعة وقالت بصوت مرتعش: -اتفضل.. دخلت إحدى الخادمات بعجل يبدو عليها الذعر: -تميم بيه، في بوليس تحت وبيسأل على الدكتور شمس وأختها! تجمدت نظرات الثنائي لبعضهم، حتى نفض غبار الشرود عن رأسه متسائلًا: -في إيه، تعرفي حاجة يا شمس.. شمس بدهشة: -معرفش، هنزل أشوف فيه إيه.. -استنى هنا، أنا جاي معاكِ.

هبط الجميع إلى أسفل بين انتشار حركة المخبرين والأمناء في جميع أرجاء القصر وكل منهم يبحث عما جاء لأجله، خرجت نوران من الغرفة بقلق وهي تشاهد المنظر المرعب بالأسفل، اقترب تميم من الضابط قائلًا: -أنا المهندس تميم دويدار، جوز الدكتورة شمس، ممكن أفهم في إيه! أخرج الضابط إذن النيابة من جيبه وقال: -ده إذن النيابة بتفتيش البيت، لأن في بلاغ مقدم من عبلة المحلاوي تتهم فيه الدكتورة وأختها بسرقة مجوهراتها ومجوهرات عالية دويدار.

وضعت نوران كفها على شدقها وتوقفت في منتصف الدرج إثر ما وقع على آذانها، أما عن شمس تمسكت فجأة بيد تميم ورمقته بعيونها النافية لكل هذا قائلة: -تميم ده افتراء، الكلام ده كله محصلش.. تدخل الضابط متسائلًا: -أوضتكم فين وأوضة أخت المدام؟ أشار تميم عما سأله، فأمر الضابط أحد العساكر بتفتيش الغرفة، وهنا أتت عبلة من الخارج وقالت باتهام واضح: -أهي، هي دي يا حضرة الظابط اللي سرقت دهبي ودهب بنتي. أومأ الضابط متفهمًا:

-هنشوف دلوقتي يا هانم. أصعب دقائق مرت على الجميع في انتظار بينة الاتهام الشنيع الذي وجهته عبلة لشمس وأختها كي تتخلص من وجودهم بمنزلها، أتى العسكري برفقة أصدقائه حاملًا بيده صندوقًا خشبيًا: -لقينا ده في أوضة تميم بيه يا فندم. لما رأته عبلة صاحت بلهفة: -هو الصندوق ده يا حضرة الظابط.. رمقت شمس بنظرات الشماتة: -شفت اللي جايبهالنا من الحواري عملت إيه! أكد الضابط سؤاله الموجه لعبلة: -متأكدة! يعني ده دهبك يا مدام عبلة!

-هو، هو يا سيادة النقيب. هز الضابط رأسه قائلًا: -تمام أحنا هنرفع البصمات من عليه.. وجه جملته الأخيرة لتميم: -والدكتورة وأختها هيشرفونا في القسم. حل الذعر على ملامح شمس وأختها وهن ينفيان التهمة عنهم، طالعت شمس تميم بتوسل: -تميم أنا والله ما أخدت حاجة، أنت طبعًا مش مصدق الكلام ده.

أمسك العساكر بكل من شمس ونوران نحو عربة الشرطة، أما عن تميم جُن علقه كي يحل تلك الورطة التي يثق من تلفيقها، صعد على الممر المبسط الذي صنعه عاصي خصيصًا لأجله بجوار السلم كي يتحرك بين الطوابق بحرية، دخل الغرفة وهاتف محاميه الخاص قائلًا: -اسبقني على هناك يا متر وشوف حل لحد ما أجلك، مراتي مش هتقعد ساعة واحدة في القسم.

قفل الهاتف عندما أدرف كلماته وأخذ يقلب الأفكار في رأسه حتى عزم أمره وفارق غرفته متجها إلى غرفة عبلة التي اقتحمها بدون استئذان، كانت في تلك اللحظة تتحدث مع محاميها كي يرجع لها المشغولات الذهبية وما أن رأت تميم شهقت بذعر: -طيب سلام أنت دلوقتي يا متر. قفل تميم الباب خلفه بشدة رجته كما رجت قلبها وكانت الصدمة الكبرى إليها عندما رأته واقفًا على قدميه تطالعه بأعين متسعة تشع بلهب الدهشة والذهول، شهقت بذعر وهي تتراجع للخلف:

-أنتَ، أنتَ بتمشي! اقترب تميم منها وهو يشع بجمرات الغضب: -عملتي ليه كده! انطقي. غلفت صدمتها بنبرة الحنية المزيفة التي تلونت بها فجأة كالحرباء ودنت منه بلهفة: -أنا فرحانة بيك أوي يا تميم، أنا أنا كنت حاسة إنـ إنك بخير، أنتَ خبيت عني ليه وشرعت أن تعانقه الحية بمكرها ولكنه باغتها بقبضة قوية على عنقها مهددًا بنرة تحرقها من شدة الغضب، تحول أمامها من الشخص المسلم إلى آخر شرس يود حرق العالم بنظرة من عيناه الثائرة:

-مكر التعابين ده مش عليا يا بنت المحلاوي، أنا سكتت لك كتير ولحد هنا وكفاية.. ثم أطلق نتهيدات غضبه ممزوجة بأنين روحها التي أوشكت على مغادرة جسدها واحمرار وجهها بحمرة التوسل: -هموت يا تميم في إيدك.. سيبني.

بغل دفعها للوراء حتى ارتمت على الأريكة تتخذ أنفاسها بصعوبة وتسعل بشدة، لم يكف تميم عن ذلك ولن يمنحها الفرصة الكافية للاستراحة، أزاحها للوراء حتى ارتطم ظهرها بمسند الأريكة ورفع ساقه اليمنى فوق المنضدة وأخرج هاتفه وفاتح الشاشة على صورة ما، ولى الهاتف إليها قائلًا بصوت عاصف: -شوفي كده، فاكرة الورقة دي! بصي وملي عينك منها كويس أوي!

مش أنا ولد الخدامة، أهو ولد الخدامة ده هينيمك على البروش، هي ساعة واحدة لو مراتي ما رجعتش هحرق قصر دويدار ده كله باللي فيه! بعيون متسعة حد الانخلاع وشفاه مزمومة تقطعت الكلمات بفمها: -أنت جبت الورقة دي منين، أنتَ… قفل هاتفه ووضعه بجيبه قائلًا: -ومش بس الورقة دي، فيها غيرها كتير أوي، بس كل ده ولا حاجة مقابل انك تسمعي كلامي وتقولي أمين، وكلمة كده ولو محاولة قتل زي اللي حصلت وراحت فيها أمي أنا هنسفك من على وش الأرض.

وقفت مرتعدة وهي تترجاه: -تميم، افهم بس دا أنا بحبك، كل ده مش لمصلحتنا، أعقل يا حبيبي ودي بنت حرامية خليها تروح في داهية وأنا من بكرة هجوزك ست ستها بس بلاش بلاش الورق ده حد يشوفه، عشان خاطر أخواتك يا تميم، أنا متأكدة أنك بتحبهم ومش هتأذيهم، تميم.. مسك معصمها بقوة وقال كلمته النافية:

-كلمة واحدة تروحي تخرجي شمس وأختها حالًا زي ما دخلتيهم، ماشي يا مراة أبويا… اااه ومش محتاج أفكرك، أني واقف على رجليا ده لو حد عرفه يبقي أنتِ اللي اخترت الوش التاني لتميم دويدار. مجرد ما أنهي تهديداته القاسية التي تلعن باقتراب الحرب تحرك نحو مقعده المتحرك وجلس عليها وهو يرمقها بنظراته القاسية وتمتم بتوعد: -مش عايز الشيطان يوزك كده ولا كده، طول ما أنتِ حاطة لسانك ده جوه بؤك أنا ساكت وببعد عن الشر وأغني له كمان.

•••••••• -اليوم هيخلص وأنتِ بتبسبسي يا شمس! قولي مالك! ليه التوتر ده كله! بعد ما طالع ساعته أردف تميم جملته الأخيرة لشمس التي كانت تماطل في سرد ما تخفيه عنه، أحست بالارتباك الشديد ثم قالت: -خلاص وقت تاني، شكلك مستعجل مش حابة أعطلك. جذبها من كفها المرتعش وقال بحزم: -قولي يا شمس، بلاش تهربي زي كل مرة. هنا صوت طرق الباب أنقذ شمس من الورطة التي وضعت بها نفسها، سحبت يدها بسرعة وقالت بصوت مرتعش: -اتفضل.. دخلت إحدى الخادمات

بعجل يبدو عليها الذعر: -تميم بيه، في بوليس تحت وبيسأل على الدكتور شمس وأختها! تجمدت نظرات الثنائي لبعضهم، حتى نفض غبار الشرود عن رأسه متسائلًا: -في إيه، تعرفي حاجة يا شمس.. شمس بدهشة: -معرفش، هنزل أشوف فيه إيه.. -استنى هنا، أنا جاي معاكِ.

هبط الجميع إلى أسفل بين انتشار حركة المخبرين والأمناء في جميع أرجاء القصر وكل منهم يبحث عما جاء لأجله، خرجت نوران من الغرفة بقلق وهي تشاهد المنظر المرعب بالأسفل، اقترب تميم من الضابط قائلًا: -أنا المهندس تميم دويدار، جوز الدكتورة شمس، ممكن أفهم في إيه! أخرج الضابط إذن النيابة من جيبه وقال: -ده إذن النيابة بتفتيش البيت، لأن في بلاغ مقدم من عبلة المحلاوي تتهم فيه الدكتورة وأختها بسرقة مجوهراتها ومجوهرات عالية دويدار.

وضعت نوران كفها على شدقها وتوقفت في منتصف الدرج إثر ما وقع على آذانها، أما عن شمس تمسكت فجأة بيد تميم ورمقته بعيونها النافية لكل هذا قائلة: -تميم ده افتراء، الكلام ده كله محصلش.. تدخل الضابط متسائلًا: -أوضتكم فين وأوضة أخت المدام؟ أشار تميم عما سأله، فأمر الضابط أحد العساكر بتفتيش الغرفة، وهنا أتت عبلة من الخارج وقالت باتهام واضح: -أهي، هي دي يا حضرة الظابط اللي سرقت دهبي ودهب بنتي. أومأ الضابط متفهمًا:

-هنشوف دلوقتي يا هانم. أصعب دقائق مرت على الجميع في انتظار بينة الاتهام الشنيع الذي وجهته عبلة لشمس وأختها كي تتخلص من وجودهم بمنزلها، أتى العسكري برفقة أصدقائه حاملًا بيده صندوقًا خشبيًا: -لقينا ده في أوضة تميم بيه يا فندم. لما رأته عبلة صاحت بلهفة: -هو الصندوق ده يا حضرة الظابط.. رمقت شمس بنظرات الشماتة: -شفت اللي جايبهالنا من الحواري عملت إيه! أكد الضابط سؤاله الموجه لعبلة: -متأكدة! يعني ده دهبك يا مدام عبلة!

-هو، هو يا سيادة النقيب. هز الضابط رأسه قائلًا: -تمام أحنا هنرفع البصمات من عليه.. وجه جملته الأخيرة لتميم: -والدكتورة وأختها هيشرفونا في القسم. حل الذعر على ملامح شمس وأختها وهن ينفيان التهمة عنهم، طالعت شمس تميم بتوسل: -تميم أنا والله ما أخدت حاجة، أنت طبعًا مش مصدق الكلام ده.

أمسك العساكر بكل من شمس ونوران نحو عربة الشرطة، أما عن تميم جُن علقه كي يحل تلك الورطة التي يثق من تلفيقها، صعد على الممر المبسط الذي صنعه عاصي خصيصًا لأجله بجوار السلم كي يتحرك بين الطوابق بحرية، دخل الغرفة وهاتف محاميه الخاص قائلًا: -اسبقني على هناك يا متر وشوف حل لحد ما أجلك، مراتي مش هتقعد ساعة واحدة في القسم.

قفل الهاتف عندما أدرف كلماته وأخذ يقلب الأفكار في رأسه حتى عزم أمره وفارق غرفته متجها إلى غرفة عبلة التي اقتحمها بدون استئذان، كانت في تلك اللحظة تتحدث مع محاميها كي يرجع لها المشغولات الذهبية وما أن رأت تميم شهقت بذعر: -طيب سلام أنت دلوقتي يا متر. قفل تميم الباب خلفه بشدة رجته كما رجت قلبها وكانت الصدمة الكبرى إليها عندما رأته واقفًا على قدميه تطالعه بأعين متسعة تشع بلهب الدهشة والذهول، شهقت بذعر وهي تتراجع للخلف:

-أنتَ، أنتَ بتمشي! اقترب تميم منها وهو يشع بجمرات الغضب: -عملتي ليه كده! انطقي. غلفت صدمتها بنبرة الحنية المزيفة التي تلونت بها فجأة كالحرباء ودنت منه بلهفة: -أنا فرحانة بيك أوي يا تميم، أنا أنا كنت حاسة إنـ إنك بخير، أنتَ خبيت عني ليه وشرعت أن تعانقه الحية بمكرها ولكنه باغتها بقبضة قوية على عنقها مهددًا بنرة تحرقها من شدة الغضب، تحول أمامها من الشخص المسلم إلى آخر شرس يود حرق العالم بنظرة من عيناه الثائرة:

-مكر التعابين ده مش عليا يا بنت المحلاوي، أنا سكتت لك كتير ولحد هنا وكفاية.. ثم أطلق نتهيدات غضبه ممزوجة بأنين روحها التي أوشكت على مغادرة جسدها واحمرار وجهها بحمرة التوسل: -هموت يا تميم في إيدك.. سيبني.

بغل دفعها للوراء حتى ارتمت على الأريكة تتخذ أنفاسها بصعوبة وتسعل بشدة، لم يكف تميم عن ذلك ولن يمنحها الفرصة الكافية للاستراحة، أزاحها للوراء حتى ارتطم ظهرها بمسند الأريكة ورفع ساقه اليمنى فوق المنضدة وأخرج هاتفه وفاتح الشاشة على صورة ما، ولى الهاتف إليها قائلًا بصوت عاصف: -شوفي كده، فاكرة الورقة دي! بصي وملي عينك منها كويس أوي!

مش أنا ولد الخدامة، أهو ولد الخدامة ده هينيمك على البروش، هي ساعة واحدة لو مراتي ما رجعتش هحرق قصر دويدار ده كله باللي فيه! بعيون متسعة حد الانخلاع وشفاه مزمومة تقطعت الكلمات بفمها: -أنت جبت الورقة دي منين، أنتَ… قفل هاتفه ووضعه بجيبه قائلًا: -ومش بس الورقة دي، فيها غيرها كتير أوي، بس كل ده ولا حاجة مقابل انك تسمعي كلامي وتقولي أمين، وكلمة كده ولو محاولة قتل زي اللي حصلت وراحت فيها أمي أنا هنسفك من على وش الأرض.

وقفت مرتعدة وهي تترجاه: -تميم، افهم بس دا أنا بحبك، كل ده مش لمصلحتنا، أعقل يا حبيبي ودي بنت حرامية خليها تروح في داهية وأنا من بكرة هجوزك ست ستها بس بلاش بلاش الورق ده حد يشوفه، عشان خاطر أخواتك يا تميم، أنا متأكدة أنك بتحبهم ومش هتأذيهم، تميم.. مسك معصمها بقوة وقال كلمته النافية:

-كلمة واحدة تروحي تخرجي شمس وأختها حالًا زي ما دخلتيهم، ماشي يا مراة أبويا… اااه ومش محتاج أفكرك، أني واقف على رجليا ده لو حد عرفه يبقي أنتِ اللي اخترت الوش التاني لتميم دويدار. مجرد ما أنهي تهديداته القاسية التي تلعن باقتراب الحرب تحرك نحو مقعده المتحرك وجلس عليها وهو يرمقها بنظراته القاسية وتمتم بتوعد: -مش عايز الشيطان يوزك كده ولا كده، طول ما أنتِ حاطة لسانك ده جوه بؤك أنا ساكت وببعد عن الشر وأغني له كمان.

•••••••• -يُسري أنا عايز خبر مش محاولات! اللي ما يتسمى ده لو مظهر لحد بكرة أنا اللي هحاسبكم بنفسي.. واوصل لفرع الشركة في أيطاليا وفض معاهم الشركة دي خالص مهما كان التمن يا يسري. على اليخت الخاص به في منتصف البحر يقف عاصي بعيدًا عن تلك العصفورة الشاردة ويتحدث بالهاتف، أمهل يسري أن يوضح له نتائج سعيهم، ولكنه غير مجرى الحديث بسرعة وقال: -لقيت أخوات رسيل؟

-فص ملح وداب سعاتك، بعد ما ابن عمهم استولى على كل حاجة هما اختفوا، ومش عارفين نوصل لحد فيهم. زفر بضيق وهواء البحر يداعب ملامحه الغاضبة: -عايزك تجيب لي كل المعلومات عن الواد ده، وتعرف لي طريق أخواتها في أسرع وقت. قفل الهاتف ثم عاد إليها بخطواته الهادئة تائهًا مع خصلات شعرها التي يمازحها الهواء فتصبح كموج البحر المتقلب، دني منها حتى جلس بجوارها متسائلًا: -شايف أنك بقيتِ أحسن دلوقتي. -عرفت أزاي. انكمشت

ملامح وجهه بإعجاب ثم قال: -لمعة عيونك رجعت من تاني. -شايفة أنك حفظتني وبقيت تفهمني بسرعة.. أنت بتعمل معايا كده ليه؟ -مش فاهم! -يعني ورطت نفسك معايا، وبتحاول تساعدني عشان أعدي الفترة دي، لغيت كل شغلك عشاني، وحاجات تانية كتير، ليه؟ كلمة "لماذا" تلك الكلمة التي تناشد كل تصرفاته الغامضة، لأول مرة يقف أمامها وجهًا لوجه وعليه أن يضع جوابًا مقنعًا لأفعاله الغريبة، شرد طويلًا حتى رد بدهاء: -رد جميل.. -جميل إيه!

أنا ما عملتش حاجة أستاهل عليها كل ده! أحس نفسه إنه وقع بمأزق جديد لا يعرف طريق النجاة منه، تحمحم بخفوت وقال: -إزاي! لا طبعًا عملتي واخرهم أنقذتيني من الورطة اللي كنت هقع فيها مع الوفد الإيطالي، وترجمتي الاجتماع أحسن من كل المترجمين اللي اتعاملت معاهم. طالعته بعدم تصدق ثم قالت: -طيب وقبل كده، قصدي قبل الاجتماع، تمسكك بيا، إصرارك إني لازم أبقى بخير، وقوفك قدام مامتي عشاني.

لو لم يكن صدره مغارة جليد، لقال شيئًا عذبًا يشبه كلمة "أحبك"، نفض غبار تلك الهواجس عن رأسه وقال: -ما تغيري الموضوع.. -ما دام دي رغبتك تمام.. ثم أصابتها رغبة شديدة في التحدث معه بعد ساعات من الصمت: -تعرف أنك بتشبه البحر. ألتفت إليها باهتمام: -إزاي؟

-ملامحك بتتغير حسب الظرف اللي حوالي، يعني البحر بالنهار لونه أزرق، ووقت الغروب أحمر، وبالليل أسود، اللون الأزرق ده لما تبقى مبسوط أو مرتاح عمومًا، شوفت ده بوضوح في الاجتماع، اللون الأسود لما تبقى غضبان، بحس أن في إعصار هيدمر الدنيا نتيجة غضبك، بس بعيدًا عن كل ده جواك أسرار وعالم خفي محدش يعرف عنه أي حاجة، زي جوف البحر كده. كان مستمتعًا بتحليل شخصيته على لسانها حتى تمددت شفتيه بابتسامة خفيفة وقال:

-طيب دي ميزة ولا عيب! فكرت قبل أن تجيبه حتى أردفت بارتياح: -كل واحد جواه شيء مميز وشيء بيسعى عشان يصلحه! الإنسان وحده اللي بيلمس حقيقة الاثنين جواه. -وأنتِ شايفة إيه أكتر شيء مميز فيكي. ضحكت بحسرة مبطنة بالسخرية على سؤاله وقالت ممازحة: -لما ترجع لي الذاكرة وأفتكر هبقى أقولك، بس ممكن أعرف ردك على نفس ده دلوقتي!

تناول حبة "كاجو" من الطاولة أمامه واستغرق وقتًا لا بأس به ليفكر في جوابًا لسؤالها الذي يفتش في دواخله، ارتشف رشفة من كوب الماء ثم أطال النظر بعيونها اللامعة وقال بنبرة ينصهر لأجلها الحديد: -بعيدًا عن وجه عاصي دويدار المزيف اللي كل الناس عارفاه، بس لو حصل وقلبي دق لـ ست بعيشها فوق السحاب، لأني بسلمها عمري كله. لا تعلم لماذا ردت الكلمة بصدرها بهذه القوة للدرجة التي أحست أن قلبها أوشك على الانخلاع، توترت قليلًا

ثم قالت بتخابث: -وواضح أنك لسه ملقتش الست دي! -عرفتي منين؟ -عادي، شايفة إنك بتدور لسه عليها في كل الستات! كل مدى ينبهر بفطنتها وذكائها، رفع حاجبه بإعجاب ثم قال: -تفتكري ممكن أقابلها بعد العمر ده؟ -لو ليك نصيب هتقابلها أكيد هيحصل! ساد الصمت بينهم للحظات حتى أردف بتردد: -حياة.. -نعم.. كان سيقول شيئًا ما ولكنه تراجع في آخر لحظة وقال بحيرة: -الفجر هنرجع القاهرة. ••••••• ” صباحًا ” ” في قصر آل دويدار ”

يجلس تميم على مقعده المتحرك أمام الأريكة التي تغفو عليها شمس حتى امتدت أنامله لمسح تلك الدمعة الهاربة من طرف عينيها، وثبت كالملدوغة من نومتها عندما أحست بيده متمتمة: -تميم! حاول أن يهدأ من روعها: -أششش أهدي مفيش حاجة أنا جنبك، أنتِ كويسة! كفكفت عبراتها بأسف: -حاسة إني في صدمة من امبارح، مش قادرة أستوعب كل ده! هي ليه عملت فينا كده؟ مش كفاية اللي عملته! هي عايزة مننا إيه!

مسح على شعرها الذي نسيت أن تُغطيه من شدة التعب ونامت بدون أن تشعر، ربّت على كتفها بحنو ثم قال: -أنا محبتش أتكلم معاكي في أي حاجة امبارح وسبتك ترتاحي، ممكن تهدي ومحصلش حاجة! انخرطت دموعها بعجز: -تميم أنتَ لازم تعرف الست دي عملت فينا إيه! الست دي بسببها جدتي ماتت بقهرتها، لو هندور على الحق فـ أنا اللي ليا عندها كتير! -شمس ممكن تهدي وتحكي لي! أنا مش فاهم حاجة؟ أطرقت شمس بخفوت: -حاضر هحكي لك كل حاجة، بس وعد متزعلش مني.

•••••••• بعيون بهتت من رحب الحياة حتى بات كل ما يحيطها من نعم ونقم بلون واحد وبمذاق النسيان الذي حل في وقته المناسب، كانت تراقب العالم من وراء النافذة، تتفقد الطرقات بشـرود يقف ملحًا على أبواب الأقدار ربما يلحظ منه وميضًا يغير مجرى حياتها.

صفت سيارته الفارهة أمام مدخل قصرهم الفخم وتبعته من الوراء ثلاث سيارات مليئة بالحراسة، كانت عيناه تقتنصها طوال الرحلة الطويلة بدون ملل، حتى عندما غفت رغم عنها منحها كتفه ليكون لها مسندًا، قفل جهاز الحاسوب وأردف جملته الأولى بعد رحلة الصمت الطويلة: -أنتِ كويسة؟ ولت رأسها إليه بعد ما قرأ بعيونها وميض الألفة التي باتت تظلل عليها بقربه وقالت بصوت خفيض: -ااه كويسة..

فتح له الحارس الباب كي يدلف من سيارته، وما أن تأهب للهبوط تمسكت بكفه بتردد لينتظر، تراجع عما كان سيفعله وطالعها بحيرة: -عايزة تقولي حاجة! هزت رأسها بتوجس ثم بللت حلقها وسألته بوهن: -أنا لو وثقت فيك، هتخذلني! استغرب من قسوة ولين جملتها التي قيلت بنبرة العجز لشخص لا يحترف السباحة فـ نجا من الغرق على ظهر حوتًا! أ يأمن للبحر الذي كان سيغرقه أم للحوت الذي أنقذه! أصدر عاصي إيماءة خافتة وقال بهدوء بعد أن استغرق وقتًا طويلًا

في التفكير: -عندك اختيار تاني غير انك تثقي فيا! هزت رأسها يمينًا ويسارًا بحسرة وأطبقت جفونها بأسف: -لو كان عندي حل تاني كنت هختاره! -أهو السؤال وإجابته عندك.. اكتفى بجملته القصيرة وولى وجهه مغادرًا، كانت تنتظر منه الكثير من الكلمات التي تهدأ من روعها، والوعود التي تتكئ عليها الأيام المقبلة، ولكن رغم رده الشحيح والفقير من أي عهد إلا أن هناك سيل جارف من الأمان انصب بصدرها.

رجل مثله اعتاد الصمت، كانت خطواته أكثر من وعوده وكلماته، لم يتعلم الثرثرة إلا حدها ولكن في هذا الموقف خصيصًا ارتدى ثوب عاصي دويدار الحقيقي عندما تعلق الأمر بمجده الشامخ، توقف أمام سيارته ثم أشار لأحد الحراس أن يفتح لها الباب، أدلفت من سيارته بتوجس وخطوات مترددة حتى استقرت بجواره تخاطبه بعيونها الخائفة، ارتفعت عينيه لأعلى بتباهٍ ثم تعمد أن يغلغل أصابعه بين فراغات يدها ويضغط عليه بقوة أجبرت كل أنش مرتعب بها أن يسكن ويأنس إجلالًا لهيبته.

تقدمت خطواته بثبات وهيبة وكانت حركتها بمحاذاته تستمد الثقة منه، دخل من باب القصر بعد ما رحبت به سيدة الخدم وخلفها اثنان من الفتيات لتنفيذ أوامرها، ما توسط عاصي وحياة ساحة القصر فـ جاءت "عبلة" من الباب الخلفي مرحبة بسخرية: -يا أهلا والله، كويس أن عاصي بيه لسه فاكر أن له بيت يرجع له. ثم اقتربت منه وتعمدت أن تعانقه: -ليك عندي مفاجأة.. ابتعدت عنه وأخذت ترمق "حياة" بشماتة: -متأكدة أنه هيفرق في حياتنا كلنا..

تحوم الأسئلة والدهشة حولهم وهم يتبادلون الحيرة من طريقة "عبلة" المثيرة للفضول، أردف عاصى متسائلًا: -في إيه! طالعت "حياة" بتصغير ثم قالت بفرحة عارمة: -هتعرف دلوقتي. تشبثت "حياة" تلك المرة بيده بقوة وتبدلت الأدوار، أحس برهبتها، وخوفها وهي تلتصق بكتفه، مال على أذنها قائلًا: -تحبي تسبقيني على الأوضة، شكلك مرهق. تدخلت عبلة بخبث: -لا خليها، لازم تسمع الخبر الجديد.

في تلك اللحظة؛ حل ضباب وجود "هدير" التي قطعت درجات السلم بهدوء مرتدية "روبًا" من الحرير باللون الأزرق مرصعًا بالريش، جاءت من الخلف جاهرة: -وحشتني أوي. أحست بعناقه كمن يضم جذع شجرة صلبة، خالية من أي مشاعر، أطرقت "حياة" وجهها أرضًا باستيحاء ثم أفلتت يده ولكنه لم يمنحها الفرصة لذلك بل تمسك بها أكثر، وهتف غاضبًا: -سيدة، أنا مش قلت محدش يدخل البيت ده غير بإذني!

خرجت شمس وتميم من غرفتهم، ثم نوران إثر صوت الصخب الذي حل بالوسط، لم تمهله استكمال زمجرته وقاطعته بعيون التحدي التي لم تترحزح عن "حياة": -أنا ما بقتش محتاجة إذن يا عاصي عشان أدخل بيت دويدار.. جز على فكيه بجزع: -رجعتي هنا ليه يا هدير! وضعت يدها على بطنها وقالت بتغنج: -أنا حامل يا عاصي.. ثم وضعت كفها على وجنته واطلقت تنهيداتها المنتصرة وأكملت:

-ابنك في بطني، وبيتنفس حبك زي ما أنا بتنفسه، هجيب لك الولد، الولد اللي هيخرس كل الناس اللي طمعانة فيك.. حلمي اتحقق خلاص وبقيت شايلة ابنك واسمك لاخر عمري! ثم سحبت يدها عنه وهي تتفقد ملامح حياة المرتبكة، وتحولت نظرات الانتصار بعينها لانتقام، خشنت نبرة صوتها وقالت بحقد: -دلوقتي بقا، وبما أني سيدة البيت فـ من حقي أقول مين يقعد فيه ومين لا.. وضعت يديها بخصرها وجهرت:

-وأنا دلوقتي اللي بخيرك يا عاصي ما بين ابنك اللي في بطني ووريث آل دويدار وبين اللي جايبها من الشارع دي. صرخ بنبرة راعدة بوجهها ليخرسها: -هديــر.. متنسيش نفسك. بنفس النبرة طاحت بوجهه: -أنتَ اللي متنساش نفسك، أنا اللي مراتك وأم ابنك وعايزة مصلحتك، الهانم لا هي حامل ولا حاجة، دي بتخدعك، أنا روحت المستشفى وشوفت تقاريرها بنفسي، البنت دي كذابة وعايزة تقلبك في قرشين.

صدمة تلو الأخرى لم تكن بحسبانه، ما لبث أن رمت خيوط شباك مكرها فوقه، فأحكمت ربطها بجملتها الأخيرة التي قالتها بنبرة لاهثة مبطنة بالغل وهي تتوسله: -شوفت، شوفت مين بيحبك ومين اللي بتغشك، عاصي طلقها، طلقها وارميها بره وأنا هخليك أسعد راجل على وش الأرض.. ثم شدت يده عنوة ووضعتها على بطنها وأخذت تستعطفه:

-ابنك هنا في بطني، طمنه.. طمنه وقوله إنك مش هتتخلى عنه ولا عن مامته عشان واحدة زي دي.. طلقها عشاننا وعشان حياتنا سوا يا عاصي… عاصي البنت دي والله ما حامل وبنتصب عليك. كرمق حياة بعيونه الصقرية وقال بنبرة جادة: -أنتِ صحيح مش حامل! طالعته بنظرة اندهاش وهزت رأسها بالنفي عاجزًا لسانها أن يتفوه بكلمة، قطب عاصي حاجبيه قائلًا لهدير ببرود: -مش مشكلة، قريب هتكون حامل. انفجرت هدير بوجهه صارخة: -أنت بتقول إيه!

بقول لك البنت دي نصابة ويا أنا وابنك في البيت ده يا هي يا عاصي. أغمض جفونه للحظات قبل أن يفجر مفاجأته بوجهها: -ما تتحسبش كده يا هدير، مش عاصي دويدار اللي يتخير في البيت ده كلمتي وبس هي اللي بتمشي على الكبير والصغير، ودلوقتي اسمعي كويس كلامي، فلنفترض أنك حامل لقدر الله، يبقى قدامك حل من الاتنين، هتعيشي مدة حملك هنا معززة مكرمة لحد ما تولدي، وبعدها ابني هتربيه حياة وأنتِ هتختفي من حياته خالص ده لو حابة تحتفظي بالطفل….

تمسك بيد حياة بشدة كأنه يعلن امتلاكها له في العلن وأكمل بصرامة: -ياما تروحي تنزلي الطفل ده ويا دار ما دخلك شر، وافتكري أنه مفيش مشكلة على حياتك لو ده حصل دلوقتي.. ثم صاح جاهرًا وهو يطالع شمس بالطابق العلوي: -ونشوف رأي الطب إيه! أنتِ إيه رأيك يا دكتورة شمس؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...