ركل شاكر الطاولة الصغيرة التي تتوسط الحجرة جاهرًا بإغتيظ وغضب يتقاذف هنا وهناك: دول ما بيحضروش ولا جلسة، ولا حتى المحامي بتاعهم! ده غير أنه مقضيها مؤتمرات وسفر ومحدش فيكم قادر يعمله حاجة! ابن دويدار بيحرق دمنا كأن مفيش غيره في الساحة. ثم أشار لاهثًا للموجودين وهو يشير بسبابته: اسمعوا، أنتوا وعدتوني تقفوا جمبي لحد ما نجيبه الأرض، فين ده أنا مش شايف! كل مصيبة ندبرها بيطلع منها زي الشعرة من العجين.
تابع بتسديد الضربات على سطح الطاولة الكبيرة كأنه يفرغ كبته بها: معقول عاصي ده ملاك نازل من السما! محدش عارف يمسك عليه غلطة توديه في ستين داهية؟ لُطخت وجوه الجميع بحمرة الغضب والانتقام. تدخل مراد معللًا: شاكر بيه، الجلسة الجاية بعد يومين. ودي اللي هيصدر فيها حكم مبدئي. حضرتك متعصب ليه! خلاص هانت. يومين وهتتمكنوا على الأقل من البيت. أيده عزمي مردفًا:
بالظبط زي ما مراد بيتكلم. نشوف حكم المحكمة وبعدها المصايب مش هيلاحق عليها! دلوقتي مش قدامنا غير الصبر. عدة اتصالات متكررة تصل لمراد يستقبلها بالرفض. حتى تدخل معتذرًا وهو يتأهب للذهاب: بيكلموني من الشغل. أنا لازم أتحرك. وأي جديد هبلغكم. انصرف مراد على عجل بينما أكمل مثلث الشر أفكارهم الانتقامية. حيث وجه شاكر سؤاله لعادل الشيمي: أنت ساكت ليه؟ وضع الأخير ساق فوق الأرض وقال بنظرات غير مبشرة:
نقطة ضعف عاصي دويدار الوحيدة مراته وبناته! أحنا لو عرفنا نوصل لدول. هتبقى روحه في إيدنا. هنشكله زي ما أحنا عايزين. أقبل شاكر إليه باهتمام واعتدل عزمي في جلسته بأعينه الحائرة: قصدك إيه؟ نخطف مراته. بس ده مش شغلنا. وقاطعه عادل قائلًا: مع واحد زي عاصي لازم يبقى شغلنا. هي دي الطريقة الوحيدة اللي هتخليه يركع قدامنا. سيل من النظرات التي تحمل العديد من الأسئلة يتبادل بين ثلاثي الشر.
وصل مراد لسيارته وهو يتجول بعينه في كافة الاتجاهات خشية من أن يراه أحد. جلس بسيارته مجيبًا على هاتفه: أيوة يا عاصي، حبايبك فوق مولعين نار. بالذات بعد أخر حملة عملتها وانطلاق المجموعة الجديدة. ضربة معلم في مجال المجوهرات والعقارات. رد عاصي بهدوء وهو يشد مقعده الفخم ويجلس فوقه: كان لازم شغل شهاب دويدار يتحرك زي الأول ويكسر الدنيا من تاني. المهم. قاطعه مراد بنبرة مختنقة:
المهم اللي بجد. عالية يا عاصي عاملة إيه. أنا مراتي وحشتني يا أخى وشلة الحرامية اللي فوق دول مش باين لهم آخر. اتكئ على مقعده بتباهٍ: لا اتقل كده، عالية زي الفل وأنا بحاول أحسن صورتك الزبالة دي على قد ما أقدر يمكن تحن. وكمان أخدت على الحياة هنا وبقيت مش عايزة ترجع القاهرة ولا بتجيب سيرتك أصلًا. نركز في شغلنا بقا وخف نحنحة! هب مراد معارضًا لحديثه: المفروض أفرح يعني أنها مش جايبة سيرتي!
وبعدين إيه ريحة الشماتة اللي وصلاني دي! لا بقولك أيه احنا اتفقنا على شهرين وبس. أنا مجنون وممكن تلاقيني عندك حالًا. ابتسم بخفوت ثم أردف بتلك النبرة المتجمدة التي لا تقبل النقاش: تنور، أعملها وتعالى وتبقى وفرت عليا وكده كده أنت مطلوب عندي حي أو ميت. وقتها مش هسمي عليك. اعتصر مقود سيارته بغلٍ وجهر بندمٍ: آه أنا وقعت مع اللي مش بيرحم. طيب يا عاصي أما أشوف آخرتها معاكم يا ولاد دويدار. *** اتسعت ابتسامتها مجاملة:
هنفطر ونتغدى كمان، بس مش النهاردة. خليك معايا وأنا هخليك من أغنى رجال الأعمال في البلد دي. -أنا كده كده معاكي خلاص. كاد أن يبادرها الحب الزائف ولكنه تراجع إثر رنين هاتفه. فهربت روفان من بين يده متحججة: موبايلك بيرن. انتظر حتى ذهبت للحمام فرد هامسًا: خير يا عاصي البنت لسه هنا. عايز إيه! جاءه صوته الرخيم والذي يحمل التوعد والتهديد: عايزك تتلم وأفكرك أنك من متجوز أختي، يعني لو فكرت تخونها هاجي أطير دماغك.
-تصدق أنا غلطان إني رديت عليك. ثم التفت للوراء وأكمل: كل الفايلات اللي عن عزمي وعادل هتلاقيها عندك على الميل. *** دخلت ريم في تلك اللحظة لتنهي مكالمتهم. فاختصر عاصي الحديث مع مراد قائلًا: هكلمك بعدين. اقفل أنت. ثم اعتدل في جلسته: خير يا ريم. تركت بعض الملفات على مكتبه وقالت برسمية: عاصي بيه دول محتاجين يتمضوا. وكمان المزاد النهاردة رسي على مدام رسيل زي ما حضرتك كنت عايز بالظبط. كست السعادة ملامحه وهو يتمتم:
عظيم. عظيم. تأرجحت عيني ريم بغرابة: أنا عارفة أن حضرتك كنت محتاج الأرض دي أوي، وأنها ترسى على مدام رسيل ده مش في صالحنا. رد على الفور قائلًا ممازحًا: تقدري تقولي بشتري النكد من اليوم. ثم غير نبرة صوته قائلًا: تبعتي بوكيه ورد كبير وتهنئة خاصة مني. أومأت ريم بطاعة: تمام. اعتبره حصل. ثم غيرت مجرى الحديث قائلة: في واحدة اسمها شيرين بره عايزة تقابلك. عقد حاجبه متعجبًا: شيرين! طيب شوية كده ودخليها. هعمل مكالمة بس.
انصرفت ريم على الفور. فتناول هاتفه متصلًا بحياة التي ردت بسعادة بالغة: عاصي بيه بنفسه بيكلمني! نقول هاردلك المرة القادمة يا باشا. ابتسامة عريضة ارتسمت على محياه وهو يفارق مقعده واضعًا كفه بجيب بنطاله متحركًا ناحية النافذة وقال: لا نقول مبروك لأشطر بزنس ومن قابلتها في حياتي. أعطت إشارة قابل أن تكسر يسارًا وقالت بسخرية يغمرها السعادة: ده إيه الروح الرياضية دي! عمومًا نقطة لصالحك تحترم. -مبسوطة! هتفت بسعادة
بالغة تتقاذف من شدقها: أوي أوي يا عاصي. متتصورش مبسوطة قد إيه. وآخيرًا! تبدلت نبرته مفتعلًا تلك النبرة الخائبة: أفرحي أنت وانبسطي، وأنا أروح أعوض خسارتي اللي بسببك يا هانم. ضحك منها ملء الفم وقالت بلطفٍ: خلي بالك هتشوف من ده كتير. قابل بقا. -متحمس جدًا. المهم هشوفك بالليل؟ برقت عينيها بسعادة وقالت بنبرة متوقة بالحنين: آكيد هكون مستنياك. متتأخرش عليا! أردف ممازحًا: طيب مينفعش دلوقتي! -عاصي!
قلت بالليل، ويالا بقى عشان عندي شغل كتير وأنت معطلني. انتهت المكالمة بالضحك بينهم وببريق الحماس. صفت سيارتها جنبًا وفتحت حقيبتها وأخرجت تلك الكبسولة الصغيرة التي دومًا ما تتناسها. فرغت قرصًا على كفها وتناولتها بالقليل من المياه لتحتفظ بالوعد الذي سبق وقطعته معه بتأجيل الأمر لفترة محددة.
بـ تلك اللحظة التي شردت فيها لتستريح من جملة أفكارها أصابها الدوار والشعور بالغثيان للمرة الثانية في نفس اليوم. فهبطت من السيارة ركضًا لتتقيأ ماء جوفها بأحد أصص الزرع العامة. جلست جنبًا لتهدأ لتأخذ أنفاسها بهدوء وتدق الحيرة رأسها. فارقت مكانها عائدة إلى سيارتها مرة أخرى. فتحت تطبيق ” صحة ” على هاتفها بكفها المرتعش لتتطلع على آخر موعد لفترة عذرها الشهري وكانت الصدمة أنها تجاوزت الستين يومًا!
خفق قلبها برتابة وهي تلوم نفسها كيف تغاضت عن الأمر! كيف انغمست بالعمل حتى تناست ذلك؟!! أخذت تقطم في شفتيها بتردد وتتصبب الخوف عرقًا. سقطت أنظارها على صيدلية بالجهة الثانية من الطريق. تحركت بسيارتها بسرعة متجهة إليها وهي تردد مع نفسها: إن شاء الله مفيش حاجة. أهدى يا حياة موترة نفسك ليـه! ممكن تكون أعراض الحباية دي.
دخلت الصيدلية وتحدثت مع الطبيبة ثم استأذنت منها بدخول الحمام. خرجت بعد فترة وجيزة وعادت لسيارتها. وضعت المختبر أمامها وجلست تترقب النتيجة بأعين مضطربة حائرة يحاوطها العجز والضعف والحماس في آن واحد. *** بمكتب عاصي. -اتفضلي يا شيرين! خير؟ تجلس على مراجل من التوتر ينعكس بملامحها ونظراتها المشتتة. لوح بكفه أمام عينيها المهزوزة وقال: شيرين أنتِ كويسة! أومأت بخفوت ثم طلبت منه وهي تشير إلى الأريكة:
ممكن نقعد هنا، بدل قعدة المكتب، حاسة أنها موتراني. وثب قائمًا بفظاظة متحركًا نحو ما أشارت إليه: لو هتكوني مرتاحة كده مفيش مانع. بس يا رب يكون خير. تابعت خُطاه وجلست بجواره وهي تفرك كفيها بقلق: العداوة بينك وبين بابا وعمو هتنتهي إمتى؟ مش كفاية كده! أجابها بهدوء: شوفي يا شيرين محدش بيروح للساكت ويجر شكله! أنتوا كنتوا عايشين ملوك والرباح بتوصلكم سنوية. هما بقا الطمع عماهم وجايين يفتروا. ثم زفر باختناق:
وأنا مش هسكت لحد اشترى عداوتي. وعايز يخسرني ويكسر اسمي. خيم على قلبها شعور الخواء. ألا يوجد شيء ممكن أن يأمنك ويأمن ضجيج قلبك. هبت معترضة بحزن يحمل عدد أيام صبرها على عداد العمر: وأخرتها! رد بإيجاز: خراب على دماغهم. تحولت أحلامها التي تجمعهم وحكاياتها الوردية في الحب معه لكومة رماد. بيدها المرتعشة تمسكت بكفه وقررت أن تخرج عن صمتها لما فاض الحب من صدرها وقالت بنبرة مهزوزة: عاصي. أنا بحبك.
خلا فمه من الكلمات ولكن لم تخل عينيه من تلك النظرات المتكلمة. بللت حلقها وسالت الدموع من عينيها وأكملت: متستغربش. بس أنا فعلا بحبك ومن زمان. أنا اتطلقت بسبب إني مش عارفة أنساك. كل يوم حبي بيزيد أكتر وأكتر. والمشاكل والعداوة بتقفل طريق الأمل قدامي. أنا وافقت أجي بس مع بابا وعمو عشان أكون قريبة منك. ثم أجهشت بالبكاء:
أنا عمري ما خططت للحب ده، بس اتورطت اتورطت ومش عارفة أخرج. أنا جاية لك هنا مخصوص عشان نشوف حل في الحب ده. أنا قلبي بيتحرق كل يوم. آخر شيء كان يتوقعه هو الإفصاح عن مشاعر بهذا الكم الهائل من الجراءة والضعف. سحب كفه بهدوء وقدم لها بعض المناديل الورقية كي تُجفف دموعها بصمت يحاول أن ينتقي به أبسط الكلمات كي لا يسبب لها أذى من نوع آخر. أخذ نفسًا طويلًا وقال: بس أنتِ عارفة إني متجوز يا شيرين، وبحب مراتي.
ردت بصوت يملأه البكاء: عارفة والله وأنا مش جاية أخرب عليك حياتك. أنا جاية هنا عشان نشوف حل. أنا بقيت مش عارفة أعيش ولا شايفة حد قدامي غيرك. طأطأ رأسه بالأرض وهو يتنفس ببطء متحاشيًا النظر لعينيها وقال بصوت خافت: عارفة لو أخدتي الخطوة دي قبل ما أقابل حياة. صدقيني كنتِ هتكرهي حاجة اسمها عاصي دويدار. أنتِ جاية في الوقت اللي أنا حاسس فيه بكل كلمة بتقوليها لدرجة أني بفكر أزاي أساعدك مش عارف. فرك كفيه ببعضهما ثم أكمل:
لما قابلت مها وحبيتها افتكرت أن ده الحب. ودي أعلى درجاته واكتفيت بذكريات مها لسنين وأنا حالف ما هحب ست تانية بعدها. لحد ما قابلت حياة، أنا سميتها حياة لأنها حياتي الجديدة اللي بدأت على أيديها. ألتفت إليه باهتمام وسألته بحزن وخيم: حسيت بإيه؟ امتد ثغره بنص ابتسامة ساحرة وقال بشرود: كلنا بنسمع عن الجنة وجمالها. لكن عمرك اتخيلتي يعني إيه شباك تبصي منه تشوفي الجنة! دي بالظبط النظرة الواحدة في عيون حياة. ثم نظر إليها:
على فكرة أنا بغبائي كنت هضيعها في فترة من الفترات. غروري كان مانعني اعترف بأني حبيتها. كنت بسعى عشان أوصل لنقطة معينة معاها ترضي كبريائي وبعدها هقولها بالسلامة. مكنتش أعرف أن النقطة دي هي نقطة التحول في حياتي كلها. قفلت جفونها بقلة حيلة وأدركت أن حالها لا يختلف كثيرًا عمن يجمع الحطب من غابة لا خشب بها. ربت على كتفها بخفوت ثم أكمل:
مش بحكي لك عشان تعيطي. بس كلامك خلاني أواجه نفسي بالكلام ده اللي عمري ما قولته بين وبين نفسي. بحكي لك عشان تعرفي قصة الشخص اللي أنتِ متعلقة بيه. ثم تنهد قائلًا: هقولك على حاجة كمان محدش يعرفها خالص حتى حياة. صمت لبرهة حتى قطعت صمته متسائلة: حاجة إيه؟
-اضطريت أمنعها من الخلفة من خوفي عليها من غير ما تعرف. مش عايزها تتوجع ولا تتأذى عشان تجيب طفل ممكن أخسرها بسببه. أنا مش عايز أشوفها بتتوجع لأي سبب من الأسباب. تفتكري واحد بيحب واحدة للدرجة دي ممكن يأذيها ويجرحها بواحدة تانية. بررت موقفها موضحة: لا. أنا عمري ما هقول لك سيب مراتك عشاني. -فاهم يا شيرين، بس آخرة الحب اللي مفيهوش لقاء ده إيه غير العذاب؟ صدقيني الحب لما يكون متبادل إحساسه مايتوصفش.
حفرت دموعها وادي جديد من الأحزان على وجنتيها، فأردف مواسيًا: لا العياط مش الحل. الموقف ده يعلمك حاجة واحدة وبس، شيرين أنتِ بنت عمي ولولا الظروف كان ممكن نكون لبعض. بس ده نصيب، بس درس من أخ كبير اوعي تصرحي بمشاعرك بعد كده لأي حد مش متأكدة من مشاعره مهما كان حبك له! فاهمة؟ لكل منا صراع مع القلب يجعل الصمت بداخلنا صراع أبدي. جففت عبراتها متفهمة الأمر وقالت بصوت متهدج:
فاهمة وأوعدك أنها مش هتحصل تاني، ومن الساعة دي أنتَ أخ كبير ليا وبس، أنا مش أنانية عشان أفرق بين اتنين بيحبوا بعض. بس ليا طلبين. رد بامتنان: تحت أمرك. -أنا محتاجة اشتغل وأطلع من البيت والمشاكل. ممكن تشوف لي أي شغل هنا؟ على الأقل أكون جنبك وأتعلم منك. هز رأسه متفهمًا: مسألة الشغل سهلة. بس مش هنا ومش جمبي، وده أحسن ليكي. الطلب التاني؟ ابتلعت خطيئة قلبها بمرارة وقالت:
قلت أن حياة متعرفش بحوار منع الحمل. بس دي أنانية يا عاصي ولو مراتك عرفت هتهد الثقة ما بينكم. الست لما بتحب بتكون عايز تخلف دستة من الراجل اللي بتحبه. نصيحة من أختك الصغيرة بقا حاول تصارحها واتفقوا على الأقل الموضوع يبقى برضاها. هز رأسه مؤيدًا: معاكي حق، فكرت كتير أقولها. بس لسه محان الوقت المناسب. -لازم يجي قبل ما تعرف من بره. ثم تنهدت كمن ينفض غبار الحب من قلبه وقالت: أسفة عطلتك. استأذن أنا.
-استنى أكلم السواق يوصلك. ماينفعش ترجعي لوحدك. *** بعيادة طبيبة النساء والولادة. -خير يا دكتور! مفيش حمل والتيست كان بيكذب؟ تمرر الطبيبة السونار على بطنها الممتلئة قليلًا بثغر مبتسم عكس الحالة المروعة التي انهالت على قلب حياة. طلعتها الطبيبة بفرحة عارمة: مبروك، أنتِ حامل. ركضت على أرفف الهذيان بصدمة: نعم! أزاي؟ أنا كنت باخد الأقراص. وقاطعتها الطبيبة بيقين:
حبيبتي الأقراص دي مفعولها مش 100%. بالعكس. أنتِ لو نسيتيها يوم متوقع يحصل حمل. تمتمت بشرود: أنا كنت بنساها كتير بس كـنا. قصدي كنت ببقى مشغولة فالشغل ومش في البيت. فقلت عادي يعني لو متاخدتش. نزلت الطبيبة جوارب يدها وقالت: اللي حصل حصل. دلوقتي أفرحي وانبسطي وخلي بالك من حركتك عشانهم. اعتدلت من نومتها محاولة استيعاب ما أردفته الطبيبة: عشان مين؟ البيبي؟ التقطت الطبيبة بعض الصور الضوئية لجنينيها وقالت:
ما هو ده الخبر التاني، هما توأم مش واحد. صفعات الحياة مدت مخالبها لعقلها فلقنتها درسًا لا يمكن نسيانه. لا نعلم من تعاقب ومن تعاند؟ هل الحياة تتحدى عاصي لتعلمه ألا يواجه القدر مرة ثانية! أم تعاقبها هي لأنها ساعدته في جريمته! أو جاءت تلك المرة تحنو على قبل تلك الفتاة التي طال صبرها ومنحتها بدل العوض عوضين؟
اعتدلت من نومتها ولقد تهفهف خصرها وكأنه غصنٌ يشابه رقة الريحان بما يحوي بداخلها من لحظات حبهم التي لا تُنسى. مزيج من دموع الفرح والحيرة والدهشة سالت من عينيها محاولة استيعاب الأمر المفاجئ. عادت للطبيبة وسألتها برتابة: دكتور. المفروض أعمل إيه دلوقتي؟ انتهت الطبيبة من طباعة الروشتة وقالت بسعادة: ولا أي حاجة، تاخدي الفيتامينات دي. ومنتحركش كتير. ومشي حياتك عادي خالص، الحمل مستقر ومفيش أي داعي للقلق ولا الخوف.
-تمام. مرسي يا دكتور. الدموع ما هي إلا خطة الذي يريد أن يتحدث ولكنه يخشى. يخشى كل شيء. لم تكن تلك الفتاة المرتبة كما يُشاع عنها والتي تهتم بأبسط التفاصيل. وإنما كان لديها همًا خاصًا ويائسًا لتبدو هكذا. إنها فقط تخفي فوضاها وحيرتها ببراعة. غادرت العيادة وهي تحمل ذلك الخير الذي انتظرته لمدة عام. وتحمل معه كيفية المواجهة وتخمين كيف سيكون رد الفعل عنه؟!!! *** القاهرة.
-كده يا ستي كل حاجة تمام، قدّمنا الملف في كلية الهندسة زي ما شمس قالت بالحرف. أردف كريم جملته وهو يفتح لها باب السيارة بسعادة بالغة عكسها بعد ما قدم لها الأوراق في نفس الجامعة الخاصة التي كان ينتمي إليها. دار من أمام السيارة ليجلس على مقعده الخاص بالقيادة وقال: طيب وبعدين في البوز ده؟ ممكن أفهم مكشرة ليه؟ انفجرت بوجهه معبرة عن غضبها: أنا لا بحب الهندسة ولا المهندسين ولا حابة أكون منهم. أحس بالإحراج
المصطنع وقال بمزاح: ماشي يا ستي شكرًا على ذوقك. وبعدين مش مهم تحبيبهم، كفاية هما بيحبوكي. دارت إليه كمحاولة أخيرة للإقناع: كريم أنت مش بتحبني وعايزني أسامحك ونرجع زي الأول؟ تأفف بضيق: أنا سبت الدنيا كلها وجيت جنبك أهو مستني الفرج. تحمست قائلة: طيب أنا عندي ميعاد النهاردة في مكتب كاستينج. ممكن نجي نجرب ومش هنخسر حاجة. كريم بليز اقف جمبي وتعالى نجرب ولو الحال مش عجبك صدقني هنسى موضوع التمثيل ده خالص.
فكر للحظات ثم قال على مضضٍ: تمام يا نوران موافق. ومش عشان أنتِ صح، لا عشان متأكد لو رفضت هتروحي هناك لوحدك. ثم زفر باختناق: فين مكانه الزفت ده! *** -تميـم، أنا بكلم نوران وكريم محدش فيهم بيرد. وقلقانة أوي. بجد أنا ندمت إني وافقت يروحوا سوا. ترك تميم الاجتماع ووقف بأحد زوايا الغرفة وتكلم همسًا: حبيبتي ممكن تريحي نفسك، أنا لو مش واثق في كريم مش هسيب نوران معاه. ممكن تستريحي.
جلست على مقعد مكتبها الخاص بالمشفى بكلل حيث وضعت كفها على بطنها المنتفخة كالبالون الصغيرة يعلن بهلال الشهر الخامس: أنتَ بتكلمني كده ليه! أنا غلطانة إني كلمتك يا تميم. أحس بآهات التعب بصوتها: شمس أنتي كويسة! انفجرت باكية وهي تشكو له: لا. البيبي بيتحرك جامد وعندي شغل كتير مش عارفة أخلص، ورجليا وجعاني ونفسيتي وحشة. وأنت بتزعق فيا! أنا والله تعبت من كل حاجة. عض على شفتيه محاولًا تمالك أعصابه وهو يتكلم خلف فكيه المنطبقين:
مليون مرة قولتلك ارتاحي يا شمس. ارتاحي وبلاش شغل مش معقول عنادك ده! والمفروض أسيب كل الشغل اللي هنا وأجي أقنعك للمرة الألف. اختصرت الحديث معه: خلاص يا تميم، مش عايزة حاجة. روح شوف شغلك الأهم مني ومن ابنك. -ماشي يا شمس. هبعتلك السواق يروحك ويولع الشغل، تروحي ترتاحي وأنا هخلص وأجيلك. ردت بعناد وهي تتشدق بقناعات لا تريدها: مش عايزة حاجة خالص، وملكش دعوة بيا. ***
وصل كريم برفقة نوران لذلك المكتب الذي على موعد معه. جلست على الأريكة بجواره منتظرة ميعاد دخولها بحماس. طافت عيني كريم بشك فأردف هامسًا: هو المكتب ده محدش جاي يقدم فيه غيرك؟ ردت بفتور كي تطمئنه: لا طبعًا تلقى كل الناس خلصت ومشيت، ده عشان حضرتك جايبنا متأخر ساعة. تعربد بكلمات تشير لعدم موافقته للأمر: أنتِ تحمدي ربنا أني جبتك أصلاً. أجابته بعناد تشير فيه باستغنائها عن خدمته: كنت هاجي لوحدي على فكرة. رد بغلٍ:
طيب اسكتي بدل ما آخدك ونمشي. -ولا تقدر. جاءت السكرتيرة ونادت باسمها: آنسة نوران اتفضلي. وثب الاثنان متأهبين للدخول ولكن أوقفته المساعدة قائلة: سوري يا فندم. الآنسة لوحدها. عارضها بحدة: يعني إيه؟ هزت كتفيها بجهل: هي الشروط كده يا فندم. دارت له كي يمر اليوم بسلام مستخدمة اساليبها الناعمة كي لا يحدث شيء: معلش يا كيمو. لو اتاخرت عن 5 دقايق بس جوه ابقى تعال خدني وأنا مش هتأخر. هي دي الشروط بقى، عشان خاطري طول بالك.
قدرت نوران أن تقنعه في دخولها بمفردها ذلك المكتب المجهول. تقدمت بخطوات مترددة على سقطت عينيها على ذلك الرجل الأسمر اللون ذو النظرات الغامضة. اقتربت نوران منه وسمح لها بالجلوس بتلك الأعين الثعلبية طلب منها أن تؤدي مشهدًا سينمائيًا تفضل.
وقفت نوران متحمسة لأداء مشهدها المفضل من أحد الأفلام القديمة متجاهلة نظرات ذلك الرجل الخبيثة. في تلك اللحظة كتب عنوانا بورقة وفارق مقعده ودار حولها كدبور يطوف حلو الزهور قبل أن يغدر بها. لمعت عيني الذئب بعثوره على ضحية جديدة ومد لها الورقة: ده عنوان الشقة بتاعتي بالليل في حفلة صغيرة فيها كبار المخرجين والمنتجين هستناكي أعرفك عليهم. شدت الورقة من يده بفرحة عارفة وهي تقفز كالأطفال: بجد يعني تمثيلي عجبك!
تطاولت يد الرجل لخصلات شعرها المتدلية بمزيج من اللمسات والنظرات المقززة وهو يقترب منها ويقول بوقاحة: بس أنتِ رفيعة أوي، أنت مش بتاكلي؟ في تلك لحظة اندلعت ثورة الغضب برأس كريم وأخذ يوبخ نفسه كيف طاوعها على ذلك الفصل من الجنون. حسمت خطواته الأمر وبدون ما يهتم لأحد اقتحم المكتب ليتفاجأ بتلك النظرات واللمسات المخلة من ذلك الرجل. لم يتمالك نفسه إلا بعد ما انهال على وجهه ببعض اللكمات صارخًا بوجهه: أنتَ مجنون!
ازاي تستجرى تحط إيدك عليها كده! لم يمهل الرجل فرصة ليدافع عن نفسه، بل اكتفي بسقوطه أرضًا وصرخ بوجهه: أنا هقفلهولك المكتب الزبالة ده! ثم شد نوران من يدها عنوة وسحبها خلفه كما تجر الأغنام متجاهلًا ندائها عليه وصوت تمردها المتزايد. ***
ببسمة ترتسم رغم كل الآلام والحطام الساكن بقلبها، تبتسم لكل بوجه ثمرتي الحب المقبلين للحياة بعد القليل من الأشهر. تركت العناء فوق دواسة بابها وسارت حاملة تلك المضغتين برحمها، ليس لأنها لا تعاني بل لأنها لا تريد أن تزيد الحمل على عاتقها. تريد أن تفرح مرة واحدة دون أن تطولها مخالب الحياة القاسية.
وصلت لغرفتها لوقت متأخر بعد ما قضت نصف يومها مع البحر تستكمل له تلك القصة التي حذفها موج لعندها. عادت في تمام الساعة الحادية عشر في ظل هدوء تام بالمنزل رغم ازدحامه. وصلت إلى غرفتها ونزعت ” جاكتها ” الأزرق. اقتربت من المرآة ببنطالها الأبيض وتلك السترة البيضاء ذات الحمالات الرفيعة. رفعتها لتكشف عن بطنها التي تحمل حياة جديدة لطفلين رغم انتظارها لواحد فقط.
أخذت تربت على تلك البطن التي لا توحي إلا بعشاء دسم لا أكثر. مع مزيج من العبرات والضحكات ونبض قلب الأمومة بقلبها ظلت تحاورهم كالمجنونة. ” ظننت أن الحب عقد بين قلبين ولكن الحمل أيضًا أسمى عقد بين روحين جمعهما سحر الحب، كل منهما يكمل بعضه بعضا إن زال شرطًا يبطله كما يبطل قلبي كل يوم عند شحنه بالمزيد من الأوهام نحو حقيقة حبك لي !! يا ترى كيف ستتقبل حقيقة ذلك العقد الأبدي الذي ربط أرواحنا ليوم القيامة ”
بخطوات متمهلة وصل عاصي لمنزله. قطع خطاوي السلم بهدوء ووقف في آخره، أيتبع مسار اليمين أم اليسار؟ حسمت أرجله الموقف وتحرك ناحية اليسار وبالأخص إلى الغرفة التي تقطن بها عالية. دق الباب بتردد حتى أتاها صوتها الخافت وسمحت له بالدخول. فتح الباب فوجدتها تزيل أثر الدموع عن وجهها. جلس على طرف مخدعها ومسح عبراتها بدلًا منها وقال عندما لاحظ إضاءة هاتفها: كنتِ بتكلمي مين؟ ردت بصوت باكي: دي مامي، بتحاول تقنعني أرجع. وأنا مش حابة.
رد مقترحًا: قوليلها تيجي تقعد معاكي. وبعدين هو ده السبب اللي مخليكي بتعيطي كده؟ علقت غصة حبها بحلقها وقالت: مفيش خبر عن مراد! ضرب كف على كف متسلحًا بالغضب: بس اجيبه، الأرض انشقت وبلعته ابن جيهان. لكن على مين؟ وعد مني هجيبهولك لحد عندك راكع كمان. -لالا أنا مش عايزة حتى أسمع صوته. ولا طايقة أشوفه، ده حتى مفكرش يكلمني. هز رأسه مؤكدًا: ده من بيت المحلاوي! مستنية منه إيه يعني. كبري دماغك منه وركزي بس مع البيبي.
ثم تنهد وكأنه أراد أن ينزع قناع الكذب عن وجهه وأشار على بطنها المنتفخة: الهانم الصغيرة دي هتشرفنا إمتى؟ مررت كفها الصغير فوق بطنها وقالت: هبدأ في التامن بكرة. أخرج علبة قطنية سوداء من جيب سترته وهو يقول: بكرة تنزلي أنتِ وحياة وتجيبي كل اللي ناقصك. وكل حاجة محتاجاها. ربتت على كتفه: حبيبي ربنا ما يحرمني منك.
كادت أن تقول شيء عن ماضيهما سويا ولكنها تراجعت متوصلة للجواب، أنها لعنة الحب السحرية التي فجرت من الحجر الصخري ينبوعًا من الماء العذب. فتح العلبة الصغيرة وأخرج منها انسيالًا من رقيقًا من الماس ولفه حول معصم يدها ثم رفعه لمستوى ثغره ليقبله، فسألته بحيرة: إيه ده يا عاصي؟ -دي من ضمن المجموعة الجديدة اللي نزلها تميم امبارح. وحسيت أنه يشبهلك أوي ومحدش ينفع يلبسه غيرك. اشتريته. أخذت تتأمل تلك التحفة الفنية
المعلقة بمعصمها بانبهار: يا حبيبي تحفة. طول عمري بقول محدش ينفع يشتغل في المجوهرات دي غيرك. ده تصميمك صح! أنا عارفة شغلك كويس أوي. -عجبك. -تحفة بجد. لم تمنع نفسها من معانقته وهي تشكره: بجد مش عارفة أقول لك إيه. متتصورش أنت فرحتني قد إيه. ربنا يخليكم ليا يا رب. قبل جبين أخته ثم تأهب مغادرًا: هروح ألحق حياة قبل ما تنام. ثم تراجع متسائلًا: البنات ناموا؟ -آه الناني الجديدة بتنيمهم من 9. بلاش تصحيهم عندهم مدرسة الصبح.
-تمام. يلا تصبحي على خير. نامي ومتفكريش في حاجة. غادر غرفة أخته بعد ما أدخل وميض من السعادة على قلبها، تحرك بخطوات ثابتة إلى غرفته. طرق الباب بهدوء ثم دخل قبل أن تسمح له. أخفضت السترة البيضاء كي تداري بطنها النابضة بروح عشقهما. اقترب منها مبتسمًا وطوقها من الخلف وضمها لصدرها وبات الثنائي يشاهدان صورتهما المنعكسة بالمرآة. بللت حلقها الذي جف من هول مجيئه وسألته: متأخرتش يعني! رست كفوفه على بطنها حيث ما تنتمي وقال:
أنا كنت بسابق الوقت عشان أرجع. وكويس عرفت أهرب من الشغل. عشان أجلك. أحست بنبض غريب وجديد بجوفها فوضعت كفوفها فوق كفيه وقالت بخفوت: كل ده ليـه؟ غمز لها بالمراة غمزة تفصح عن حقيقة رؤيتها التي تزيل غبار حزن الساعات بدونها. تعلق ببريق عينيها المنعكسة وقال: وحشتيني يا ستي. وبعدين أحنا مش في بينا اتفاق. ردت بصوت هدر: اتفاق إيه. فرت أنفاسه لمخابئها لتطبع تلك القبلات الصغيرة على أغصانها. تمتم قائلًا:
هتخسريني في الشغل. هرجع أعوض خسارتي. ابتسمت بفتور وهي تذوب بين يديه لم تستطع إيقافه ولن يكون لديها القدرة الكافية لتبتعد عن تلك المشاعر التي تعيشها معه. أغمضت تلك الجفـون المرهقة متمتمة باسمه فقط كي يتوقف عما يفعله بقلبه الغارق بحبه حتى الموت. ابتعد عنها عنوة كي يخرج لها عقدًا مرصعًا بالماس ولفه حول عنقه بعد ما سقاه بماء الورد. فتحت عينيها ببطء شديد وهي تتحسسه وتفحصه بالمرآه: ده ليا بمناسبة إيه؟
-هو لازم يكون في مناسبة؟ وبعدين ياستي اعتبريها احتفال بسيط عشان مزاد النهاردة. رفعت عينيها معترفة: بس أنت بعت ورد. عاد ليضمها إليه مرة أخرى ليراقب العقد عليها ذلك الذي توهج جمال عندما لمس رقبتها. أقر بحب: قادرة تخلي الجماد ينطق. أي حاجة بتلمسها بتدبي فيها الحياة. زي ما عملتِ بقلبي بالظبط. سند ذقنه على كتفها وقال:
العقد ده الوجهة الإعلامية بتاعت المجموعة. وأكتر عقد جاه عليه الطلب. بس محدش ينفع يلبسه غيرك. المهم، حابة نسهر هنا ولا تيجي ننزل البحر ونبات الليلة دي على اليخت. ردت بملل يملأه الخوف: اللي تشوفه معاك فيه. عاصي عايزين نتكلم شوية ممكن. -بصراحة وأنا كمان. في حاجة كنت مخبيها عليك لازم تعرفيها. جيه وقتها يعني. خفق قلبها حول ذلك السر وقالت: وأنا كمان محتاجة أتكلم معاك في حاجة مهمة. مط شفته بتفكير:
الحاجة دي ينفع تتأجل لبكرة طيب؟ هزت رأسها بالنفي وقالت: لا مش هينفع تتأجل. -طيب أخد شاور بس ومعاكِ للصبح. أومأت بالإيجاب ثم قالت: ماشي ادخل أنت وهجيبلك هدومك. اتجه عاصي إلى الحمام ووقفت هي بمنتصف الغرفة تأخذ نفسًا طويلًا ليهدأ قلبها من تلك الثورة. أخرجت بعض ملابسه من الخزانة ثم فتحت الباب بهدوء ووضعتهم بمكانهم المخصص بالحمام. ألقت نظرة سريعة على ذلك الزجاج الفاصل بينهم ثم خرجت. التفت لصوت دق الباب بالخارج. فتحت بلهفة
عند سماعها صوت عالية: عالية! مالك؟ في حاجة بتوجعك؟ اكلم الدكتور. ربتت عالية على كتفها: حياة اهدي أنا كويسة. مفيش حاجة اطمني. تنفست الصعداء وقالت بمزاح: خضتيني قولت هتولدي. -لا لسه بدري. ثم اضطربت عينيها بخجل: في حاجة تانية زادت عن حدها ولازم تعرفيها. -حاجة إيه يا عالية؟ أشاحت بنظرها ناحية الغرفة التي تنتمي لرشيد أخيها وقلت بخجل: أنا أسفة. في حاجة مش مظبوطة لازم تعرفيها، وأنا مش هعرف اسكت أكتر من كده. تسرب القلق إليه:
مالك يا عالية. نطقت عالية أخيرًا بنبرة أشبه بالهمس: فريال كل يوم بتروح الأوضة لفريد في الوقت ده، ومش بتخرج غير الفجر. أنا حاولت كتير أخيب ظنوني، بس الأمر فعلًا يقلق. في تلك اللحظة رن هاتف عاصي، فتناوله بيده المبللة وقال بملل: أيوة. -عاصي بيه، في حريق جامد في المصنع وإصابات كتير ومش عارفين نسيطر عليه. *** قصر دويدار.
تأكل النيران بقلبها حتى شتت أفكارها ومبادئها. أخذت تهاتفه للمرة المئة ولكن دون جدوى. ضربت الأرض بقدميها إثر شعورها بالإهانة والعجز. فتحت باب الغرفة وحسمت قرارها لتذهب إليه. بدون إذن فتحت الباب وقفلته خلفها وقالت موبخة والدموع تتطاير من عينيها: مابتردش على تليفوناتي ليه؟ فزع من مرقده بارتباك واضح: نوران أنتِ بتعملي إيه هنا؟ ردت بإصرار: مش هتحرك من هنا غير لما تسمعني يا كريم. رد بحزم وهو يحاول يمسك
يدها بيخرجها من غرفته: نوران لو سمحتي اتفضلي اخرجي، ومش عايز أسمع حاجة خلاص خلصنا. شدت يدها بإلحاح: أنا كنت هعرف منين أنه شخص زبالة وبيضحكوا على البنات! صرخ بوجهه ليعنفها: عشان هي شغلانة كلها عوج وبيستغلوا البنات العبيطة اللي زيك. ضرب الأرض بقدميها بعجز والعبرات تتقطر من عينيها المحمرة: طيب كلمني كويس، متزعقش وكفاية اللي قولته وأنا سكتت عليه. وأنا غلطانة إني عبرتك وجيت عشان أطيب بخاطرك. وقف متأففًا:
نوران اخرجي بره ماينفعش حد يشوفك هنا. تمتمت بدموعها الجارية وهي تتمسك بيده: طيب سامحتني! كريم بلاش الأسلوب ده مش أنت والزمن عليا! في تلك اللحظة سحبها من يدها ليخرجا معًا من الغرفة وهو يقول: تعالى نتكلم تحت، هنا مش هينفع. في نفس اللحظة التي خرج فيها الثنائي من الغرفة كانت شمس تحمل دورقًا من المياه وتتجه إلى غرفتها. ما إن رأتهم معًا سقط ما بيدها وجحظت مقلتيها: نوران! أنتِ بتعملي إيه هنا؟ *** الفصل الثامن.
الحقائق كالنار مهما حاولت إخفائها يكشفك دخانها. وقفت عقارب الساعة عند نوران وكريم إثر سؤال شمس الأخير. تلك التي تدنو منهم بخطوات مثقلة بالهواجس التي يرفضها عقلها والتي لا تخلو من تهويل الأمور والأفكار الشيطانية. قبضت على معصم أختها بعنفوان وهي ترجها بقوة وهي تكاد تنفجر من وجه أختها الشاحب الذي لا يشير إلا بوقوع مصيبة كارثية: انطقي! لم تكف عن البكاء ولكنها جهر متوسلة: مفيش حاجة يا شمس، سيبي أيدي. أنتِ فاهمة غلط.
لم تستمع لتوسلات أختها بل زادت من تعنيفها: طالعة من أوضة الشاب الساعة دي والمنظر ده وتقولي فاهمة غلط؟ فهميني أنتِ الصح عشان أنا بقيت مش شايفة ومش فاهمة. تدخل كريم كي يحل الأمر ويهدأ من الفوضى الناشبة: شمس، ممكن تهدي. فقاطعته صارخة بأعين ينفجر منها الشرار: أنت تخرس خالص، تميم يجي يتصرف معاك. صرخت نوران بنفاذ صبر من تلك الاتهامات الحادة التي وجهتها أختها وهي تتملص من وجع يدها:
شمس بقول لك مفيش حاجة، كانت مشكلة واتحلت، بطلي بقى الأسلوب ده. جاء تميم من غرفته ركضًا إثر تلك الفوضى والنقاشات المحتدة بينهم، فأردف قائلاً وهو يقبل عليهم: إيه هنا؟ مالكم. ثم وجه سؤاله لكريم عندما لم يتلقى ردًا منهن: اتكلم انت طيب يا كريم. رد بإيجاز: تميم تعالى نتكلم لوحدنا. تفوهت شمس بانفعال والقليل من العبرات المتقطرة: لوحدكم ليه؟ اتفضل قول لتميم أختي كانت في أوضتك الساعة دي بتعمل إيه!
دار نصف دورة حول نفسه وهو يتنفس الصعداء من حدة تلك الاتهامات الموجهة إليه. طافت عيني تميم بعدم تصديق محاولًا استيعاب ما وقع على مسامعه: إيه الجنان ده؟ أكيد أنتِ فاهمة غلط يا شمس. ممكن تهدي طيب وكله هيتحل. هبت شمس معارضة؛ وهي ترمق كريم بتلك النظرات الساخطة: تميم أنا وأختي هنرجع شقتنا، وأنت شوف لك حل مع قريبك، لو كان في بيتي كان هيبقى ليا تصرف تاني. سحبت نوران يدها بقوة وهي تبرأ نفسها صارخة:
ما كفاية بقى يا شمس، كل ده ليه يعني؟ لو عايزة تعاقبي حد يبقى أنا، كريم ملهوش دعوة بأي حاجة. بالعكس ده كان بيساعدني. قاطعها كريم رافضًا اعترافها: خلاص يا نوران. محصلش حاجة، وأختك عندها حق. أنا همشي. تدخل تميم بينهم وهو يمسك بيده: أهدى أنت كمان، ونشوف فين المشكلة عشان نحلها. طالعت أختها بتلك الأعين المحمرة من كثرة البكاء، وشرعت بتجفيف وجهها من آثار الدموع وسألتها بتوجس:
نوران. بصي لي، عشان خاطري وطمني قلبي، إيه المشكلة اللي بينك وبين كريم، حصل إيه ما بينكم انطقي. ردت بنبرة غارقة بالبكاء: مفيش حاجة من اللي في دماغك يا شمس، اطمني. نظرت لكريم بعجز وقلة حيلة: هقول لهم. ماينفعش نخبي أكتر من كده. أنا غلطت ولازم أتعاقب. *** يرتدي حذائه بعجل غير مكترث لعقد رابطة عنقه المتدلية على كتفيه. تجوب حوله بفوضوية واضطراب لتهدأ من روعه: عاصي عشان خاطري أهدى وركز. اهدى عشان تعرف تفكر.
ثم جست على ركبتيها أرضًا لتعقد له شريط حذائه بسرعة وأتبعت: في إصابات كتير؟ ردت بقلق يتقاذف من بين حروف كلماته: مش عارف يا حياة. ربنا يسترها. نهضت عالية الجالسة على طرف السرير بارتباك: طيب خلي بالك يا عاصي. انتبه يا حبيبي. ربت على كتفها مهرولًا وهو يتأهب للرحيل: متقلقيش. صاحت حياة موصية: ابقى طمني يا عاصي. اكتفي بهز رأسه حيث تناول مفاتيحه وحافظة نقوده وهاتفه ورحل على الفور. اقتربت عالية من حياة بأعين يحاصرها
الشك المختوم بتساؤل: عرفتي هتعملي إيه مع رشيد! -لازم أحلها قبل عاصي ما يرجع. لملمت شعرها بـ ” التوكة ” المعدنية وهزت رأسها كمن يدرك خطواته جيدًا، غادرت عالية الغرفة عائدة لغرفتها كي تتجنب رؤية تلك المواجهة العائلية، انصرفت حياة من الغرفة بخطى سريعة متجهـة نحو غرفة أخيه التي طرقت بابهـا بقوة حتى أتاها صوت الأخير مهزوزًا خائفًا: رسيل! قفز من مخدعه وشرع بارتداء ملابسه بسرعة فائقة وهو يتهامس مع فريال صارخًا بهمس:
ادخلي الحمام ولا اختفي من الأوضة. اتحركي. بنظرات الانتصار تُطيل معه الحديث، وكأن أخيرًا ظفرت خطتها التي تعمدت أن تظهرها أمام عيني عالية لتكشف سرهم. اتاهم صوت رسيل من الخلف بنبرة حادة تحمل نيران الغضب: افتح يا رشيد! قفز بداخل بنطاله قائلًا: بغيـر يا رسيل استني. لم تتمهل بل زادت من قوة صفع الباب. مرت الدقيقة على حقل شائكة حتى ظهر أخيرًا أمامها بثغر مبتسم يحمل عتبًا: في حد يصحي حد كده! مش هتلم.
تمنحه فرصة للبث ببنت شفة، حيث باغتته بصفعة قوية تردد صداها بغرفته عندما تأكدت من وجود آثار الحمرة المنتوزعة على وجهه. جحظت عينيه بغضب ينافس غضب الرياح: أنتِ بتعملي إيه يا رسيل! إيه الجنان بتاعك ده! دفعته بكل ما أوتيت من غضب لتقتحم غرفته وهي تهذى وتبحث كالمجنونة عن فريال حتى عثرت عليها متوارية خلف باب الحمام. وقفت لبرهة تتلقى الصدمة مع ابتسامة عجز وقلة حيلة. سحبتها من معصمها للخارج و ردعتها بعنفٍ وقالت بسخرية: إيه ده؟
الأرف ده بيحصل في بيتي أنا؟ ثم وقفت أمام أخيها مسددة إليه تلك النظرات النارية: أنطق! ليـه كده؟ ما تتجوزوا وبعدين تغوروا في ستين داهية، لكن تتقابلوا زي الحرامية كده وكمان في بيتي اللي فتحتهولكم! لم يمتلك الوقاحة الكافية ليواجه أخته، حيث غمغم موضحًا: رسيل أنتِ فاهمة غلط. -غلط! وهو فين الصح في اللي أنا شوفته؟ الهانم بلبسها المقرف ده؟ ولا سيادتك ومنظرك ده. بص في المراية وأنت تشوف الغلط الحقيقي.
بنبرة أقرب للهذيان أردفت كلماتها الأخيرة، ثم نظرت لفريال لتوبخها: أنت إزاي تعملي في نفسك كده! إزاي تخونيني في بيتي! أنتِ. أنتِ. أصيبت ملامحها بلعنة الاشمئزاز من مجرد النظر إليها. فأدركت أن الحديث لوحده جهد مهدور. ابتلعت ما بقي من كلمات بجوفها ولكنها لم تتخلص من تلك النظرات الساخطة. فر الحياء من مضجعه فأردفت بوقاحة: أنا ورشيد بنحب بعض، حصل إيه يعني؟ مش أنتِ سبق وقعدتي مع رجل غريب في أوضة واحدة ومحـ.
-اخرسي بقا وكمان ليكي عين تبجحي! صفعة جديدة كانت من نصيب وجنتها تلك الوقحة التي لم تعترف للحظة بخطأها، ثم انفجرت موضحة: أنا الظروف هي اللي رمتني أقعد مع راجل غريب في أوضة واحدة. بس الرجل ده ملمسش مني شعرة واحدة من غير عقد جواز. أنا مش رخيصة ولا زبالة زيك عشان أوافق بالإهانة دي. ثم دارت إلى أخيها الذي حاول أن يستجدي رضاها، ولكنها قاطعته بحزم:
تأخد الزبالة دي وتطلعوا بره بيتي. تتجوزوا بقا، تقضوها أرف. المهم مشوفش طيف حد فيكم هنا. تحركت فريال لتتشبث بكتف رشيد ثم قالت بانتصار: أحنا كده كده هنتجوز ومش هنقعد هنا، مش كده يا رشيد! تأرجحت عينيه بحيرة تعلت تورطه ثم سحب ذراعه برفق وقال لأخته وهو يطالعها بصوت خافت: بس أنا مش هتجوزك يا فريال. صدمة جديدة حلت على رأس حياة التي لم تتوقع رد أخيها، وانسكب الجمر فوق قلب فريال التي أعلن عن أنانيته وتخليه عنها جهر.
انكمشت ملامحها بذهول: يعني إيه مش هنتجوز! كنت بتضحك عليا يا رشيد! كُنت. قاطعته رسيل بنظرات استحقار لتدافع عن فتاة مثلها: يعني إيه مش هتجوزها! جاي دلوقتي تقول مش هتجوزها! أنتَ كده راجل يعني ومحدش هيقدر يقف لك. اختصر الجدال مع أخته وقال بنبرة نهائية: أنا خلاص لقيت اللي هكمل معاها حياتي، وبالنسبة لفريال أنا مغصبتش حد على حاجة.
تأزمت الحالة عليها فلم تحد نفسها إلا بتسديد الضربات إليه وتدفعه للخارج لخارج بيتها وهي تهذى بكلمات محملة بوجع الخزي والخذلان لأخيها. حتى وصلت لنهاية السلم استسلمت لضعفها وجلست تنزف دموعها وتشكو من ثقل الحمل: متجيش هنا تاني. مش عايزة أشوفك يا رشيد. أنت من النهاردة لا أخويا ولا أعرفه. انتظرت عالية حتى خرج رشيد من البيت، فأسرعت نحو رسيل الجالسة على أول درجات السلم لتساندها:
حياة قومي. اهدي يا حبيبتي متعمليش في نفسك كده. قومي معايا. سندت حياة عليها وهي تنهض بعناء، أخذت تجفف عبراتها لتستجمع قوتها، ثم سقطت عينيها على فريال الجالسة أمام أعتاب الغرفة. اقتربت منها بنظرات ممزوجة بالعطف والسخط: قومي ادخلي أوضتك ومش عايزة أشوف وشك لحد ما نشوف حل للمصيبة دي. *** -أظن الأمور وضحت يا شمس. نهدا بقى ونحمد ربنا محصلش حاجة! أردف تميم جملته الأخيرة بعد ما روت نوران القصة كاملة ثم ختمت جملتها بـ:
أنا روحت اعتذر له بس عشان كان مايردش عليا، وهو طردني من الأوضة عشان ماينفعش. ثم انفجرت بركة الدموع من عينيها. تحرك تميم وضمها إليه بحب أخوي وقال: هنستفاد إيه من العياط. المفروض نتعلم الدرس. ثم نظر لشمس المصدومة التي نسيت كيف تنطق الكلمات وقال: مش عايزة تقولي حاجة يا شمس لكريم! بأعين شاردة تأرجحت بتردد وحيرة ثم بللت حلقها بخجل وقالت معتذرة: آسفة يا كريم. ثم شدت نوران من يدها وقالت بخفوت:
معلش يا تميم، هستأذنك أبـات مع نوران الليلة. فتلاقت عيني الأختين حتى قالت: يلا يا نوران. *** في تمام الرابعة فجرًا عاد عاصي لمنزله وهو يجر ذيول خساراته جرًا خاصة بعد تأكده أن تلك الحادث مدبر وورائه رسالة تهديدية. قفل الباب بهدوء ثم تحرك نحو غرفته التي فتح بابهـا فأول ما سقطت عليه عيناه ” حياة ” الجالسة تحت النافذة كالقرفصاء. رمى سترته من يده وجلس بكلل بجوارها مستندًا على الحائط.
رفعت عينيها الدامية ببطء ثم اعتدلت في جلسته لتطل عليه وسألته بصوت مبحوح: طمني عملت إيه؟ ثنى ركبته ليسند مرفقه عليها وأجابها بكلل: في كذا موظف حالتهم مطمئنش. مش فارق معايا كل الخساير دي. بس ليه ناس سهرانة على أكل عيشها تتأذي. مسحت على فخذه برفق: كله هيتحل، أهدى بس. مش بحب أشوفك كده. تراجع برأسه للوراء وأطلق تنهيدة عالية:
لأول مرة أحس أني تعبت ومش قادر أكمل. زهقت من الشغل ومن الحروب طول الوقت. بقيت بدور على السلام النفسي وبس. ومش عارف أوصله. تبدلت جلستها لتجسو على ركبتيها أخذت تربت عليه بالكثير من اللمسات الحنونة بأعين دامعة: ما تقولش كده، أنا مسنودة عليك يا عاصي. ماينفعش تستسلم وتقول مش قادر أكمل. كل ما تضعف افتكر إني متقوية بيك وبوجودك جمبي. زرع قبله طويلة بداخل كفها ثم لاحظ بكائها الغزير فسألها باهتمام: حصل حاجة؟ مالك؟ هزت رأسها
بخفوت ثم قالت بحرج شديد: في حاجة حصلت ولازم تعرفها. أخذت تفرك في كفي يدها بارتباك ملحوظ. اعتدل من جلسته وسالها: حاجة إيه؟ اتكلمي يا حياة. خشيت أن تلقي أعينهم، خشيت أن يرى الخجل بمقلتيها، فاعتدلت من جلستها الأخيرة لتعود لنفس المكان ونفس الوضع الذي كانت عليه عند دخوله وقال بنبرة خافتة: رشيد وفريال على علاقة ببعض. ثم بللت حلقها:
طردت رشيد من البيت، ومقدرتش أطرد البنت. صعبت عليا ملهاش مكان غير هنا خاصة بعد ما اتخلى عنها وسابها ومشي. لم يتفاجئ بالخبر، اكتفى بهز رأسه متفهمًا الأمر ثم دار إليها وأمسك بكفيه بحنو: ده اللي مزعلك؟ أومأت بالإيجاب بدموعها المنخرطة من مقلتيها وأكملت: كل يوم بيجي أصعب من اللي قبله، خسرت أخويا الكبير، وأنت المشاكل مش راضية تسيبك في حالك، كل يوم مشكلة. كل يوم كارثة جديدة. قلبي مبقاش متحمل العيشة دي يا عاصي!
هل أنا ضعيفة ولا الحياة بتستقوى عليا! مسح دموعها بكلتا كفيه ثم جذبها حضنه وأخذ يربت عليها برفق ويبث وميض من الأمان بقلبها: وأنا موجود ليه؟ أنا هنا جنبك اسندي وحملي كل همومك، مش عايزك تشيلي هم حاجة في الدنيا. اهدي. مش بحب أشوف دموعك دي. أيقظ فيها وطنًا تتمناه. وطن محيط بالأمان والحب. سندت رأسها على صدره وتشبثت بملابسه وغاصت في سبات عميق. فلا يأمن الإنسان إلا بحبيبه وكل امرئٍ يصبو لمن يعشقه. ***
جاء الصباح ليداعب تلك الملامح المرهقة من تراكم الليالي الحزينة. فتح عاصي جفونه التي يغازلها شعاع الشمس، ثم تدلت أنظاره على تلك الجميلة التي تتوسد صدره. رغم عنه ارتسمت البسمة على محياه برؤيتها. ذلك الوجه الذي يحمل شمسه وقمره في آن واحد. نهض برفق من الأرض وحملها، ففتحت جفونها بتثاقل وهي ترى ملامحه بصورة ضبابية. فتمتمت: خليك معايا.
وضعها في فراشها برفق تام ثم شد الغطاء عليها، تمدد بجوارها وأخذ يرتشف ملامح وجهها ليحسن مزاجه. اعتاد على تلصص النظرات منها كمن يراقب نجوم السماء. باتت أنامله تتنقل بين جدائل شعرها الناعمة، حتى عادت لرشدها وفتحت جفونها المرهقة: صباح الخير. هي الساعة كام؟ عصر من شفتيها نبيذ صباحه وقال: مالك بالساعة. نامي بس وارتاحي. أول شيء وضعت فوقه كفوفها كانت بطنها وكأنها تلقي عطر الصباح على صغارها. اعتدلت قليلًا ثم طالعته بشغف:
نمت ولا طول الليل بتبص عليا كده. فارقت أنامله شعرها وانتقلت لوجنتها وقال: للاسف النوم سرقني وملحقتش أملي عينيـا. ملك مفاتيح تعرية قلبها. فتنهدت بهدوء: عملت إيه في المصنع. هتنزل الشغل؟ -كلمت الشباب وهما هيتصرفوا. النهاردة مش عايز اطلع من بره الأوضة دي. حاسس إني محتاج أفصل عن العالم والدوشة. رأت في عيونه هزائم ساطعة. ثم قالت:
زي ما تحب، وأنا كمان مش هروح مكان وهقعد معاك. أحنا محتاجين نفصل عن الدوشة شوية. حتى مش حابة أتكلم في أي حاجة ممكن تزعلنا. ثم نهضت من مرقدها وقالت بحماس يلهيها عن خيبات أمس: هنزل أعمل فطار وناكل سوا، وكمان عشان عالية محتاجة تتغذى. فارق هو الأخير مكانه متبعًا وجهتها حيث باغتها بضمة قوية اليه من خصرها جعلها تتراجع عن خطواتها ملقاة بحضنه وقال هامسًا:
أنا مش ناسي إنك عايزانا نتكلم. عشان كده اعتبري اليوم كله بتاعك النهاردة. منذ أن عرفته فلم يملأها إلا حبًا وعشقًا متجددًا. بادلتـه بابتسامة خفيفة وقالت: اتفقنا. لحد ما تاخد الشاور بتاعك أكون خلصت الفطار. *** القصـر. -كنت هتجنن يا تميم، أنت ما شفتش حالتها كانت عاملة إزاي وهما الاتنين طالعين من الأوضة. قلبي وقع وماعرفتش أنا بقول إيه. وبساحة القصر الواسعة، يجلس تميم مع شمس التى سحبها لحضنه وربت على كتفها وقال:
اللي حصل حصل، وأنا مقدرش موقفك، المهم حاول تتكلمي مع كريم لأنه مصمم يمشي. كويس أقنعته يستنى لغاية الصبح. أومأت بطاعة وهي تمسح دموعها: ماشي، يصحى من النوم بس وهتكلم معاه. في تلك اللحظة قُفل باب غرفة كريم، همس تميم لزوجته قائلًا: اتكلمي بشويش وبالعقل. جزت على فكيها باعتراض: قصدك إني مجنونة يا تميم! قبل على رأسها مشتريًا هدوءها: ماعاش ولا كان. نهدا ماشي. ثم جهر بصوته منادياً على كريم الذي يحمل حقائب سفره:
تعالى يا عم أنت، تعالى أقعد شوية. ثم وثب قائمًا وقال: كان نفسي أقول لك أعزمك على شاي من أيدين شمس، بس شهادة لله الشاي بتاعها متمنوش لألد أعدائي. لكمته بركبته كي يكف عن سخريته، استقبل تمردها بضحكة خفيفة وقال: فمضطر أعمل شاي بنفسي. أشار لكريم إشارة لم يفهمها غيره ورحل كي يفسح لهم مجالًا للحديث، نادته شمس قائلة بتردد: كريم، ممكن نتكلم شوية. ترك حقائبه جنبًا ثم أقبل إليها بفتور ليجلس على المقعد المجاور؛ شرعت شمس بالحديث:
على فكرة حقك تزعل، وحقك كمان متبصش في وشي تاني. بس أنا ماليش غير نوران يا كريم دي أمانة بابا وماما، أنا بخاف عليها فوق ما تتخيلي بكتير. ثم أخذت نفسًا طويلاً: ماما وبابا سابوها طفلة صغيرة اتعلمت المشي على أيديا. أنا أبقى ليها أم وأب وأخت وعيلتها كلها. كريم أنا بقول لك كده عشان تقدر موقفي ومتزعلش مني. هز رأسه متفهمًا ثم قال:
عمومًا أنا نسيت اللي حصل ومقدر خوفك، أي حد كان هيتصرف زيك كده، وخوفك ده ما يقلش عن خوفي عليها. أنا مستحيل أضرها، أنا سبت الدنيا كلها ورجعت لها، رجعت عشان أشوف آخرة موضوعي معاها. انعقد حاجبيها باستغراب: آخر إيه، مش فاهمة! صمت لبـرهة ثم قال بثبات: شمس أنا بطلب منك إيد نوران للمرة الثانية. عشان أن فعلاً بحبـها ومحدش هيحب نوران أدي. ***
بخطوات ثقيلة كمن يسبح عكس التيار تحمل فنجان القهوة وتتجه نحو غرفتهما حاملة على عاتقها حقائب الحقيقة المدفونة بأحشائها. فتحت الباب بخفوت ثم اقتربت منه وجدته يجري مكالمة هاتفيـة حيث اختتمها قائلًا: تابع الحالات بنفسك يا بكر، وأصرف تعويضات مادية لأهالي المصابين لحد ما يقوموا بالسلامة. تركت الفنجان على المنضدة ثم جلست بجواره، ما أن أنهى مكالمته سألته: حد حصله حاجة. رد بارتياح: حالتهم مستقرة دلوقتي، احسن من بالليل.
تمتمت بخفوت: ربنا يشفيهم يارب. ثم بللت حلقها: قهوتك قبل ما تبرد. مال ليتناول فنجان قهوته متسائلًا: وأنتِ فين قهوتك؟ أجابته بتردد: لا ماليش نفس. عاصي. دار إليها باهتمام: أومري. تأرجحت عينيها بارتباك كمن يبتلع غصة الحقيقة بحلقه: هنتصرف إزاي مع رشيد، والبنت دي اللي اتخلى عنها! على قد ما أنا قرفانة منها. بس هي بنت زيي وحرام اللي حصلها ده دي لوحدها في الدنيا.
يعتبر أكثر شخص على علم تام بحقيقة فريال، منذ تلك المحاولة التي قطعتها مع عاصي ليكون لها، لتلك الأمور الشنيعة التي خاضتها مع رشيد، حتمًا امرأة مثلها يا إما فاقدة لأهليتها أو تنتوي شرًا لابد الحذر منه. داعب وجنتها بإبهامه وقال: أنتِ طيبة أوي يا حياة، وأنا مش عايزك كده. مش عايزك تشوفي الأمور كلها بقلبك. ثم أشار بسبابته لعقلها: حطي هنا أن كل حاجة بتحصلنا أحنا نستحقها. يعني فريال لو كان جواها خير مكنش هيحصل فيها كده.
أتاه صوتها شاردًا: مصدومة في أخويا! طيب طالما مش بيحبها إزاي قدر يكون معاها كده. فرفعت عينيها متسائلة وكأن السؤال موجه له خصيصًا: إزاي الرجل بيقبل يكون مع ست مش بيحبها، أو نزوة مثلا! إزاي؟ ابتسامة خفيفة داعبت ثغره، ترك فنجان القهوة من يده وقال: أنا ليه حاسس أن السؤال موجه ليـا؟ وبعدين وأنتِ مالك بينا؟ عايزة إيه دلوقتي؟ -بجد عايزة أعرف أنتوا بتفكروا إزاي؟ ثم تنهد بحماس وقال:
كل الرجالة كلنا عينهم فارغة، بيحبوا يدوقوا جميع الأصناف، لحد ما يقرروا هناكل إيه! جحظت عينيها بنظرة استجوابية: والله! وأنت من الرجالة دي؟ بضحكة خفيفة داعبت ثغره قال بثبات رافعًا كفيه ليبرئ نفسه: كنت، بس تبت خلاص. حتى التقى بعينيها الكاشفة فأمسك بكفيها عائدًا لصوابه وخاطب قلبها معترفًا:
شوفي يا حياة، أنا في فترة كنت كده وأسوأ، كنت بملي فراغ معين في حياتي أو بعوض غياب حد معين، كنت كل ليلة مع واحدة لمجرد سد الفراغ ده. ومفيش مرة نجحت أداويه، فشلت، لأن الراجل ممكن يحب في ثانية وممكن يقعد سنين علشان ينسي الحب ده وميقدرش. ساومت أنفاسه ثغرها على القُبل، فأكمل قائلًا تحت سطو تلك الأعين التي لا تُقاوم: لحد ما قابلتك. -حصل لك إيه؟ أردف بحب انعكس بريقه بعينه:
كل رغباتي في الحياة تلاشت. بقيت مش شايف غيرك رغبتي الوحيدة حتى ولو هفضل قدامك ساكت أبص لك وبس. ثم تزحزحت عيناه من عندها وأطلق ضحكة خفيفة وقال: عارفة شعور الشخص اللي مقضيها مُقبلات ومشاريب. وكان مفكر أنه كده شبع، لحد ما أتفاجئ بوجبة عشاء لا تقاوم. ده إحساسي بالظبط.
دب حب كلماته ونظراته برحمها بألمٍ خفيف جعلها ترتعش مغمضة العينين. فلبي نداء جسدها بقبلة طويلة فتحت شهيته على وجبته الدسمة. لم تمهله فرصة الاغتنام بها، ففزعت راكضة من مكانها ناحية الحمام واضعة يدها على فمها، هرول خلفها ومنعها من قفل باب الحمام، لملم شعرها المنساب وضم كتفها إليه. أخذت تفرغ ماء جوفها بمعاناة. رفعت وجهها عن المرحاض لتأخذ أنفاسها بارتياح، سقطت عيناه على صدرها الذي يرتفع ويهبط من شدة الجهد. جفف قطرات العرق
من وجهها وسألها بخوف: مالك؟ حاسة بإيه! ردت بتعب وهي تتنهد بصوت مسموع: مش عارفة، مستحملتش ريحة القهوة. -مش غريبة دي؟ أنت مش بتحبي غيرها! ردت بملل: اللي حصل بقا يا عاصي. لو سمحت اخرج. ختمت جملتها بجولة جديدة من التقيئ وهي تسعل بقوة مما جعلها يهتف بقلق: لا ده أكيد برد في معدتك؟ هكلم لك دكتور. تشبثت بيده كي يتوقف، رافعة عينيها المغرورقة لعنده، تدبر بخشوع عيونها الزهرية. لحظة صمت كانت بمثابة عمر آخر من الألم. اترعشت
شفتيها وهي تقر معترفة: استنى. عاصي، أنا حامل. تصلبت تعابير وجهه كتفريغ الثلج على جسده، كررت كلمتها بنفس النبرة المهزوزة: حامل في شهرين. عرفت الخبر إمبارح، وتمتم مشدوهاً مصدوماً محاولاً نفي الأمر من رأسه: ازاي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!