الفصل 59 | من 75 فصل

رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم نهال مصطفي

المشاهدات
22
كلمة
11,663
وقت القراءة
59 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

الحياة علمتني قبل ما أحكم على أي حد، أحط نفسي مكانه. وبصراحة لو كنت مكانك ورجعت لقيت أختي المفقودة متجوزة راجل غريب وكمان حامل، طبيعي مش هبقى مرتاح. انفرد عاصي برشيد أثناء انشغال رسيل مع أخيه يونس بأحد الغرف، وقرر كسب ثقته شراءً لخاطر زوجته كي تنعم بحياة هادئة برفقة أحبابه. ترك رشيد كأس الشاي من يده فوق المنضدة وقال بجمود: كده نبقى متفقين. أيده عاصي مقاطعًا قبل أن يواصل حديثه:

أحنا لازم نتفق يا رشيد، لأن عدونا واحد. أنا عارف إن فريد هو اللي وراء اختفائكم وحاول يخلص منكم، وحاول يخطف رسيل. وكمان اللي متعرفهوش هو اللي ورا حادثة المركب اللي راح فيها أبوكم واتنين من العمال. انصبت الصدمة بقدمي رشيد فوثب فجأة ليستوعب ما قاله: أنت بتقول أيه؟ أجابه عاصي بثقة: اللي سمعته. شفت بقا إن عدونا واحد ويا عالم بيخطط لأي دلوقتي! سبه رشيد في سره وعاد ليجلس مكانه: فريد ده لازم يتربى ويدفع تمن عمايله دي كلها.

عاصي بثبات: يبقى نتفق! يقال إن المرء يموت في نهاية المطاف، من تراكُم الأيام وقسوتها التي ابتلعها طوال سنوات عمره. تحملت عالية على حُطام أيامها الهاوية فوق رأسها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة وتقترب من عبلة أكثر وأكثر وبنبرة أكثر شراسة: أنا من حقي أعرف مين هي أمي، انطقي. قولي أنا مبن وبنت مين؟ ثم اندفعت صارخة بجزع: متسكُتيش. مش وقت سكوت وتعيشي دور الضحية.

فمن يرسل شخصًا إلى الحزن العميق وتحطيم حياته كيف يبقى كاملًا في حياته دون خوف مما فعل؟ تقدمت خطوات مراد لعندها كمحاولة فاشلة منه بأن يهدأ جسدها المتقلقل: عالية ممكن تهدي. انضم عاصي إلى مجمعهم تحت تأثير صدمته الشديدة: وكمان عالية مش بنتك! ومفهماني طول الوقت ده إنها بنتك وأنا الشرير الوحيد في البيت ده؟ فانضم إليهم تميم مشدوهًا مذهولًا: يعني عيشتينا كلنا في كذبة السنين دي كلها!!

مفهمة الكل إني ابن زنا وأنا الوحيد اللي من صلب شهاب دويدار والوريث الشرعي لكل ده؟ وكمان أختي طلعت مش أختي ولا هي بنتك أصلا؟ أطلق من شدقه ضحكة استهزاء: لا وكمان البيـه الكبير المكوش على الليلة دي كلها لا هو ابنك ولا ابن دويدار؟ أنتِ جنسك أيه؟ حلقة من خطايا الماضي طوقت عبلة التي تقف مرتعدة تتلقى زعابيب الرياح قبل أن تستعد لاستقبالها. وضعت يديها على أذنيها صارخة كي تفيق من ذلك الكابوس المروع بصرخة هستيرية:

كفاية كفاية بقا. اخرسوا كلكم. وبختها عالية بحقد: مفيش مبرر واحد يشفع لك إنك تعملي فينا أحنا التلاتة كده غير إنك ست مريضة ولازم تتعالجي. خرجت عبلة عن صمتها باعترافات مرعبة: هما اللي عملوا فيا كده. لما أبويـا ومراته باعوني لشهاب دويدار وأنا عيلة مش فاهمة حاجة. كنت كل ليلة بعيش فيلم رعب لما يتقفل عليا الباب مع راجل زي شهاب. في الوقت اللي كل اللي في سني بيلعبوا ويستمتعوا بحياتهم. أنا كنت بتعذب. ثم تحركت لتقف أمام

عالية مواصلة سرد أحزانها: لما ألقى نفسي حامل وأنا عيلة مكملتش الـ 14 سنة، ومن قسوته ووحشيته معايا كان السبب إنه يخليني عقيمة طول حياتي، حرمني أكون أم. ثم تقطعت الكلمات بفمها وبكفها المرتعش وقفت أمام عاصي باكية:

لما سابني مرمية في المستشفى وحب عليـا الخياطة بتاعته وعاش معاها اللي حرمني منه. كان يعاملها هي ست البيت وأنا اللي خدامة عنده. كل ده عشان يذل أبويـا اللي خسر كل فلوسه وشغله. وكمان مش أنا الست اللي تكفي احتياجات رجل زيه! حيث أشارت إلى مراد:

أمك طول الوقت كانت بتشوف نفسها أحسن مني. عشان هي عندها أم وأنا أمي ماتت. هي كل طلباتها مجابة وأنا بنت ضرتها اللي يا تقبل بخدمتهم يا أما تتجوز راجل أد أبوها. كان لازم أكسرها وأخليها دايما محتاجة لي. ثم انشق ثغر الحية بضحكة خبيثة:

وأنا السبب في العداوة اللي بينك وبين عاصي وتميم. عشان أنت رفضت تكون تحت سلطتي ومشيت فكان لازم أهدك يا مراد. بس لما لقيتك بتنجح وبترجع تقف على رجلك قلت لازم أجوزك عالية. اللي ماتعرفش تهده صاحبه. وأهو خيره يعم على الكل! فوجهت أنظارها ناحية عالية المنهارة: يعني أنتِ اتجوزتيه بمزاجي أنا، وبسبب خطتي أنا. بس طلعتي خايبة. فدارت نحو تميم وأكملت حملة صراخها بوجهه:

ومش بس كدا. بعد ما ماتت تحية، فضل يبات في أوضة لوحده خمس سنين من حزنه عليها. وأنا زيي زي عفش البيت ماليش لازمة، بقيت أم لطفل وأنا مش عارفة اتعامل معاه ازاي. بدفع تمن إفلاس أبويـا وأنانية شهاب. لحد بقا ما قابل أمك، أصله كان غاوي خدامين. ثم غرزت سبابته في كتف تميم وأكملت لومه كأنها تنتقم من أبيه: سابني كمان سنين وهو عايش مع أمك في السر لحد ما رجعت القصر معاه وأنت على كتفها والمفروض أقبل بالذل ده؟

فصاحت معلنة بحرقة تمزق قلبها إربابًا: يعني بصريح العبارة كلنا كده ضحايا شهاب دويدار. شدها عاصي إليه بقوة وسألها بحدة: أنا ابن دويدار ولا عبد العظيم؟ ثم خفض نبرته ليلتقط أنفاسه المحملة بالغضب: جه الوقت تكشفي فيه كل الورق. اتكلمي. تدخل فريد مصفقًا بغل: أنا شايف تحلوا مشاكلكم العائلية دي بينكم، بلاش فضايح أكتر من كده. ميصحش. ثم تأهب أن يغادر: استأذنكم أنا. دار عاصي إليه برياح غضبه وهو ينادي على سيدة:

سيدة نادي على الرجالة يجوا ياخدوه في أي داهية لحد ما أفوق له ده كمان. بنبـرة متحشرجة وسحب الحزن متقطرة على وجنتيها انفجرت عالية متوسلة إليها: اعملي حاجة واحدة صح في حياتك وانطقي قولي فين أمي وأبويـا. أنا بنت مين؟ كادت عبلة أن تحضنها بلهفة معلنة: بنتي أنا. أنتِ مش بنت حد غيري. وعاصي كمـ. دفعتها عالية بعيدًا عنها برفض قاطع: كفاية تمثيل بقا أنت ما بتزهقيش؟ عاصي مهدئًا أخته وهو يشيع عبلة بنظرات استنكار:

سيبيها يا عالية، هي هتتكلم بس مش دلـ. في اللحظة التي انشغل فيها الجميع عن الشرارة المتوقدة بين عالية و عبلة وثرثرتهم الصاخبة، استغل فريد الفرصة ليسحب السكين المتروكة فوق صحن الفاكهة وهو يشد حياة إليه عنوة في لحظة غفل فيها الجميع واستغلها خصمهم لصالحه كمحاولة أخيرة لنجاته من براثن الموت، صرخة قوية تحمل إشارة استغاثة انطلقت من جوف حياة إثر ملامسة حد السكين لرقبتها.

في لحظة مباغتة اختارت الكلمات الهرب من الأفواه تلاشت الأصوات أصبحت دواخلهم فراغٍ واسع باتساع صدمتهم. بأعين متسعة تكاد تهرب من الوجوه من هول ما تراه. قلة حيلة كانت بسبب الخوف على ألا يصيب حياة بمكروه. اقترب عاصي خطوة عفوية بانفعال شديد: لو لمست منها شعرة هدفنك مكانك. بنفس النبرة المرتفعة التي يكسوها الرعب وهو يشد حد السكين على رقبتها. عج فريد وهو يدور حول نفسه: متقربش، خطوة كمان وهصفيها قدامكم كلكم.

هاجت ثورة الغضب برأس أخوتها فتقدم رشيد موبخًا: سيبها وخلي حسابك مع الرجالة، بدل ما بتتشطر على الستات. قهقه فريد بضحكة مستهزئة: دي مش أي ست، دي رسيل بنت المعلم قنديل المصري. يعني بنت بمليون راجل! ثم لهث قائلًا بوشوشة: فاكرة يا رسيل! نهره يونس محذرًا بصوت مشحون: ورحمة أبويا لو ما سبتها لأقتلك بأيدي يا فريد. فاندفع تميم مزمجرًا: ولاه سيب السكينة دي! أنت محدش مالي عينك يعني! واللي عايزه هنعمله.

فريد بنبرة المجنون الذي فقد عقله وهو يضم مقبض السكينة؛ ليقول لاهثًا: أيوه. كلكم كده هتنفذوا كل اللي أقوله بالحرف. ده لو تهمكم سلامة الحلوة. أنا كده كده مبقتش باقي على حاجة. تلاقت أعينها المتراقصة فوق حد السكين بأعين عاصي المضطربة، فقرر مسايرته بدون تفكير وهو يناظرها بعجز: كل اللي عايزه هيحصل، وده وعد من عاصي دويدار بس سيبها. سيبها وخلى كلامك معايا. فريد مستنصحًا:

لا أنا مش غبي عشان أبلع الطعم مرتين، أنا هوريكم إزاي تلعبوا عليا. احتدت نبرة عاصي بنفاذ صبر: بقولك سيب الزفت اللي في إيدك ده وخرج حياة بره. طافت عينيه في كل الاتجاهات وهو يتراجع للخلف حيث قال وهو ينهج: لا. لسه شغلي مع بنت عمي مخلصش. ولا أيه؟ ثم غمغم في أذنها بجحود: الدهب؛ الدهب فين يا رسيل؟ رفع نبرة صوته محذرًا: قول لرجالتك بره يوسعوا الطريق. وأي حركة غدر السكينة هتمشي على رقبتها. يلا! حتى هرول كالسكيـر مغمعمًا:

عشان تعرفي مفيش مفر مني لا دنيا ولا آخرة. تحرك الحشد متبعًا خطوات فريد المتراجعة للخلف، إلا عالية التي تمسكت بكف مراد تترجاه ألا يتركها. وضعت كفها المرتعش فوق فمها وهي تراقب جنان فريد التي تخطت الحدود. أجبر مراد أن يترك كفها البارد ويندفع نحو ذلك المجنون. ارتفعت عيني عالية المحملة بالعتاب واللوم نحو عبلة الجالسة على طرف المقعد مغيبة عن الصخب الذي يحدث حولها: عاجبك!

كل ده بسببك أنتِ، أهو البيت اللي عشتي عمرك كله تبنيه اتهد على رأس الكل وأولهم أنتِ. ركضت شمس إليها واحتوت كتفيها المنتفضة بشفقة: عالية مش وقته الكلام ده. أهدي يا حبيبتي! صرخت عالية بوجهها بعجز: خليها تشوف نتيجة أنانيتها وطمعها. أهو كلنا بندفع تمن أفعالها. مبسوطة كده؟ هو ده اللي سعيت له يا عبلة هانم؟ كنتِ مستنية تحصدي أيه من الحقد والشر اللي زرعتيه.

تسلل مراد من بين الحشد المتكتل حول فريد الذي سن أنيابه انتقامه على رقبة رسيل وجهر قائلًا: أنت فاكر هتطلع من هنا على رجليك! بلاش تزود حسابك وسيبها. بلاش دم يا فريد وكله هيتحل. دحرج جسدها من فوق درجات السلم فالتوت ساقها عقب عنها صرخة قوية منها فتت قلب ورأس عاصي وهي تتشبث بساعد فريد المتلف حول كتفيها وقالت متألمة وهي على أبواب الهلع ألا يصاب جنينها بأذى: هقولك مكان الدهب، بس سيبني يا فريد. سيبني. اشتدت قبضته

عليها وهو يقول بصوت مخيف: أنتِ كده كده هتقولي. وهتيجي معايا. عاجبك كده! كل ده آخرة عنادك وتمردك يا بنت المصري. ثم أشار إلى عاصي محذرًا وهو يتأمل فوهات أسلحة رجاله المحيطة بفريد: قولهم ينزلوا سلاحهم. وإلا مش هتشوف مراتك تاني. خرجت رسيل عن وعيها صارخة بذعر لتستعطفه: فريد كفاية. كفاية غباء وأنانية لحد كده. أعقل ياخي وبطل تهور! فكر في فريال أختك؟ أخذ يطوف بها حول نفسه برعب وهو يقر اعترافه: أنانية!

أنتِ آخر واحدة تتكلمي عن الأنانيـة. عشت عمري كله محبتش غيرك وأنت ولا شيفاني ولا عايزة تديني فرصة ورحتي اترميتي في حضن صبي من بتوعنا. تقطرت عبراتها على كفه الذي يحمل السكين وأكمل سرد مبررات أفعاله الدنيئة: كنت شغال مرمطون عند قنديل المصري وفي الآخر يرميلي ملاليم كل آخر شهر. أبويـا لما كان بيصارع الموت وأبوكي استخسر فيه يبيع مركبة من بتوعه عشان يسفره يعمل العملية. وفي الآخر أطلع من المولد بلا حمص!

لا مش أنا يا رسيل اللي يتضحك عليا! ثم أطلق ضحكة مفعمة بالشر: جيه وقت سداد ديونكم يا ولاد قنديل المصري. وأنتِ اللي هتدفعي التمن ده، زي ما حرقتي قلبي وقررتي تغمضي عينك عن حبي ليكي، أنا هقتلك، حتى عشان يبقى لك قبر أزورك فيه براحتي.

حملة من المشاعر الثائرة هاجمت القلوب. ما بين عاصي العاجز عن إحداث أي حركة غير محسوبة فيكون ثمنها روح حياته. وتميم المهزوز ما بين الحقائق التي رفعت الستائر عنها وأخوته ليست بأخوته، للتو أدرك حقيقة ثلاثين عامًا من الكذب عاشهم في كنف خداع عبلة. وإخوتها الذين يشاهدون شبح الموت يحيط بأختهم الكبرى بعجز تام منهم.

الشخص الوحيد المتحكم بأعصابه كان مراد وهو يفحص المكان حوله بعينيه الثاقبة حتى تلاقت بأعين حارس كامن خلف الشجرة مصوبًا سلاحه نحوه محاولًا إصابة الهدف. حاوره مراد بعينيه أن ينتظر اللحظة المناسبة ثم تدخل ليُلاغيه: أنت عايز أيه دلوقتي؟ خلي كلامك معايا. رد فريد بنبرة الخوف الساكن بجوفه: عربية بالسواق توصلني للمكان اللي هقوله عليه. بس هاخد رسيل معايا. جهر عاصي رافضًا وهو يسحب السلاح من حرسه ويوجهه نحو فريد:

رسيل مش هتخطي خطوة واحدة بره. وأنت حياتك مش كفاية لـ عمايلك دي يا فريد. ضحك فريد بجنون وقال متفاخرًا: السلاح معايا وعلى رقبتها. قبل ما تدوس على زنادك هتلاقيها سافرت تستناني فوق. وشوش بأذنها كمجنون ليلى: مش كده يا سيلا! صرخت بنبرتها المرتجفة وقطرات العرق تتصبب من وجهها بملامح عجوز على أعتاب السبعين: بكرهك. بكرهك يا فريد. صرخ فريد بنفاذ صبر: فين العربية؟ تدخل مراد مطاوعًا وهو يقترب منه بخفة: هاتوله عربية يا بني.

ثم رفع يديه مستسلمًا: هيجيبولك عربية، وهنفذلك طلباتك. وقاطعه فريد منذرًا: متقربش. خليك مكانك. ولا حركة بقولكم هدبحها قدامكم! مد عاصي ذراعه أمام مراد ليمنعه من الاقتراب بتلقائية: خلاص أهدى. خلاص يا مراد، هنفذلك اللي عايزه.

تمسك مراد بساعد عاصي الممتد أمامه وهو يطيل النظر بأعين حياة التي التفتت بصعوبة لنظراته المرشدة بالطريقة التي تحمي بها نفسها من أذية فريد. ضم على ذراع عاصي بكفيه مغيرا نبرة صوته التي تحولت فجأة وما زالت عينيه متعلقة بعيون حياة المتراقصة حتى دفع ذراع عاصي بكل قوته لأسفل كأنه يرشد حياة أن تقالده: أنت هتسيب المجنون ده يمشي كلامه علينا!

شرعت حياة بتنفيذ أوامر وتسللت أصابعها الرفيعة لتلتف حول معصم يد فريد كوجهة دفاع عن نفسها في أبعاد حد السلاح الأبيض عنها. اختلق مراد مشكلة وهمية مع عاصي ليشتت انتباه فريد. في تلك اللحظة التي أحست فيها رسيل بارتخاء يده عن عنقها وهي يقول: وفروا خلافاتكم العائلية دي لحد ما أمشي صدعتوني؟

في تلك اللحظة استجمعت رسيل قوتها ليعطي مراد نظرة آمرة للحارس الذي يراقبهم في الخفاء بأن يطلق رصاصته في نفس الثانية التي تعلقت فيها رسيل بساعد فريد لتخفضه بعيدًا عنها؛ مع صدى صوت الرصاصة التي امتزجت بصوت صرخة رسيل التي شدها مراد من كفها لترتمي كالحمامة المذبوحة في حضن عاصي، استقرت الرصاصة بجمجمة رأس فريد الذي لقي حتفه في الحال.

كانت لقاء أرواحهم قبل أجسادهم، ككرة ملتهبة عانقت ماء البحر. رغم شدة العناق إلا أنها بدأت تهدأ وتستكين تدريجيًا بين يديه التي أسرتها بحضنه. مسح على وجهها المتصبب بمياه الفزع: أنتِ كويسة. انعقدت حلقة البقية حول فريد الذي التقى بمصيره الذي يستحقه. بصق رشيد على جثمانه ثم قال مستنكرًا: كان نفسي أخلص عليك بإيدي يا ***. تفوه يونس بهدوء ليمارس مهنة المحاماة التي يدرسها:

كلموا الشرطة وجهزوا الكاميرات عشان نثبت إنه دفاع عن النفس. ثم قال تميم بهدوء مريب وهو يشير لكبير الحرس: نفذ الأوامر بسرعة. خرجت شمس راكضة أثر صوت الرصاص الذي أعجزها عن ممارسة مهمتها لمداواة عالية التي غرقت في حالة من الانهيار العصبي المفزع. رفعت حياة مقلتيها التي اعتلاها كرب ثقيل وهي تتمسك ببطنها، فسألها ملهوفة: أنتِ كويسة؟ بصمت مريبة انصب بمقلتيها السابحة بدموع الألم طالعة بعجز قفز الرعب بقلبه فكرر سؤاله ملهوفًا:

حياة! قولي حاسة بأيه؟ انكمش قميصه حول قبضة يدها المتعلقة به كأنه آخر ما تملك بالحياة وهي تجيب بصوت مشج متهدج: عـا صي. بطنــي. ابننا. ثم انغلقت جفونها وهي تتلوى بوجع صامت بين يديه، فوقعت أنظاره على القليل من قطرات الدماء الممطرة من رحمها، فاتسع بؤبؤ عينيها بصدمة لا توصف: حيـاة! ردي عليا. حملها بدون تفكير صارخًا باستغاثة: هاتوا عربية بسرعة. اندفعت شمس نحو مراد الواقف في وسط الحادث مستغيثة: مراد، تعالى بسرعة شوف عالية.

-مالها عالية؟ -تعالى. استوطن اليأس بقلبها إثر أنانية عبلة وعدم جوابها على أهم سؤال وأبسط حقوق المرء أن يعرفه "من أنا؟ ". شعرت بأنها لا تريد من الحياة سوى أن تهرب من هذا الشعور القاتل. فهو يشبه النار التي تشتعل في جسدها وتلتهم روحها. طاحت يدها بالفازة التي تتوسط المنضدة لينتشر فتات زجاجها مثلما تفتت قلب عالية وهي تترجاه تارة وتصرخ بوجهها طورًا: أنتِ ساكتة ليه؟ قولي أي حاجة طيب؟

أنا أذيتك في أيه عشان تحرمي طفلة من أهلها! ثم جلست أمام ركبتي عبلة المهزوزة وتوسلت إليها: طيب ماما عايشة ولا ماتت؟ لو عايشة قوللي تلحق تعوضني عن سنين القسوة اللي عشتهم معاكي. ثم قبلت يدها بترجى ودموعها التي تغسل وجهها: عشان خاطري لو بتحبيني. والله مش هسيبك ولا هبعد عنك بس مين أمي. لم تتفوه عبلة إلا بجملتين كأنها لم تتعلم غيرهم: أنتِ وعاصي ولادي. أنتوا مش ولاد حد تاني!

ركض مراد إليها وهو يشاهد موقفهم المثير للقلب والعاطفة. مكث على ركبتيه: عالية، قومي. مش هتتكلم، هي لو عايزة تتكلم كانت اتكلمت من زمان! طالعته بأعينها الذابلة: مراد قولها تتكلم. أنا عايزة أعرف مين هي أمي. مراد أعمل حاجة لو بتحبني. أمسك برسغها ليساعدها على النهوض: قومي يا عالية مفيش فايدة. قومي. تعلقت بملابسه كالطفلة وهي على أعتاب حالة من الانهيار العصبي: أنا عشت أسوأ أيامي في البيت ده!

ومش عايزة أسمع اعتذار من حد، قولها بس تقولي مين أمي وأنا هسامحها والله. لم يجد حلًا سوى حملها بين يديه متجهًا إلى غرفتها. فتدخلت شمس مقترحة: هجيب لها مهدئ تاخده عشان تنام. مراد باهتمام: بسرعة يا شمس. جسمها كله بيترعش. ردت بعجل: حاضر حاضر. هكلم الصيدلية حالًا. انضمت نوران إلى أختها بملامح يخيم عليها الأسى: مسكينة يا عالية. تنهدت شمس بحزن: وربنا يستر على حياة التانية هي والبيبي. حدجت نوران بأعينها الصقرية عبلة

الجالسة مطأطأة الرأس بخزى: أهو كله من العجوزة دي! زفرت شمس باختناق في وجه أختها واتجهت ناحية الهاتف لتطلب دواء لعالية حيث جهرت آمرة قبل أن تتلقى ردا بالهاتف: سيدة اعملي لمون لعالية بسرعة. ضربت سيدة كف على الآخر: كان مستخبي لكم فين كل ده بس؟

بنهاية كل أزمة الأشياء والشعور بداخل المرء، ولم يبق منه إلا الذكريات المغبرة على رف النسيان الذي تمرر مذاق الحياة بفمه. يصبح كل شيء باردًا وهادئًا ومريبًا. تكاد تكون كالجثة متبلد الأطراف والشعور تستقبل المزيد والمزيد من الصدمات بدون أي رد فعل. شد مراد الغطاء فوق جسد عالية البارد فتشبثت بيده راجية: مراد. خليك معايا. مال ليطبع قبلة خفيفة على جبهتها ليطمئنها بوجوده: جمبك متقلقيش.

ثم ابتعد عنها وزاح الغطاء ليعري قدميها وينزع الحذاء منهما برفق وهي تتلوى على مراجل الحزن كأن ما ترقد فوقه جمر مشتعل وليست بقطن. انتهى مراد من فعله ثم نزع هو الآخر حذائه ورقد بجوارها فتعلقت بعنقه وهي تتمتم: يعني أنا ماليش أهل يا مراد؟ هعيش طول عمري منسوبة لعيلة أنا مش بنتهم! أنا ليه بيحصل فيا كل ده؟ أخذ يمسح على رأسها كي تهدأ: حبيبتي ممكن تهدي ومتفكريش في حاجات سلبية! أنتِ مليكيش ذنب في كل اللي حصل يا عالية!

رفعت جفونه المحمرة إليه: يعني أنتَ مش هتسبني بعد اللي عرفته! -وايه يعيبك في كل اللي عرفته أسيبك عشانه! انخرطت العبرات من مقلتيها وبشفاه مرتعشة: هي عملت فيا كده ليه؟ أنا أستاهل القسوة دي! -عالية اهدي أنتِ جسمك كله بترعش! أهدي وأنا جمبك أهو. مش هسيبك. أطالت النظر بوجهه لتتأكد من وجوده وأنه خير ما أتى بظلمة أعوامها. أخذت ترتجف وتأن وجعًا حتى طلبت منه بتوسل ينزف دمعًا:

ممكن تحضني أوي. خدني في حضنك يا مراد أنا ماليش غيرك دلوقتي. حملها بين يديه ودخل استقبال المشفى ينادي بحنجرته القوية: فين الدكاترة اللي هنا؟ تابعه أخوتها بنفس السرعة التي يسير بها. تحرك رشيد ناحية الاستقبال مندفعًا: اختي حامل وبتنزف، عايزين دكتور بسـرعة. أمسك يونس بكف أخته التي تتضور وجعًا من تقلصات رحمها المميتة: استحملي يا رسيل، إن شاء الله مفيش حاجة! انفجرت صوتها الباكي الممزق من شدة الألم: مش قادرة. وجع فظيع.

كاد عاصي أن ينفجر بموظفي المشفى إلا أن جاء طاقم التمريض بالسرير المتحرك بعجل. وضعها فوقه وركضوا بها ناحية غرفة العمليات. أمسك بكفها ليطمئنها بالمصعد: متخافيش. اهدي اهدي التوتر مش في صالحنا يا حياة. ضغطت على كفه باكية وكأنها تفقد روحها: ابني يا عاصي. ابني بيروح مني. مش قادرة. رد ملهوفًا: سلامتك أهم. عشان خاطري اهدي، مفيش حاجة! أنتِ عندي بالدنيا. ثم نهر طاقم التمريض: فين الدكتور اللي هنا؟

فُتح باب المصعد وأجابته الممرضة بسرعة وهي تركض بالسرير المتحرك: جاي حالًا. لو سمحت ماينفعش تدخل العمليات استناها هنا. انضم إليه رشيد ويونس ركضًا من ناحية السلم حيث سأله رشيد: فين؟ رسيل خدوهـا فين؟ رد بثقل وهو يعاصر نفس الحالة ونفس الألم الذي عاشه من قبل. فرغ طاقته المكبوتة وهو يضرب الحائط بقبضة يده: العمليات. دخلت جوه. ربت يونس على كتفه: مفيش حاجة إن شاء الله تخرج بالسـلامة هي والبيبي.

أخذ يجوب المكان بعجز تام وقلة حيلة يعد الدقائق كي تعود إليه كي ينظر بعينيها فيستمـد قوته من جديد ليواجه جمة المصائب التي تنتظره. كي يتقلص إحباطه ويغتال هزائمه ويختفي كل هذا الظلام بداخله. اشتعلت ملامحه بجمر الغضب الذي توقد بملامحه. رفع ساعده على الحائط وسند جبهته عليه وهو يلوم نفسه التي فشلت أن تحميها. عن عجزه في تنفيذ وعده لها في ليلة ملأ عطر الحب صدورهم، فأخذ على عينيها عهدًا عندما سألته: هل تحبني؟

فطبع وسام العشق بقبلة طويلة بين عينيها وقال: مهمتي في الحياة العيش لأحبك أولاً والحراسة المشددة لقلبك من كل حزن وألم. لقد تجاوزت فيكِ الحب وأصبحت عاشقًا لكِ. بعد مرور الساعة خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يخلع "الماسك" عن وجهه. هرول عاصي وأخوته نحوه فسأله ملهوفًا: مراتي عاملة أيه! بملامح حزينة أردف الطبيب:

بنحاول بكل جهدنا نحافظ على الجنين. ولازم تبقى تحت الملاحظة والأجهزة الـ 24 ساعة الجايين، واللي عايزه ربنا هيكون. عارضه ملهوفًا: دكتور لو الجنين هيأثر على حياتها نزله، المهم هي. -أنا هتابع الحالة بنفسي، واتأكد صحة الأم عندنا أهم. بعد إذنك. ركل المقعد المعدني بساقه وهو يجهر صارخًا معترضًا: ليـه! ليـه عشان آخد حاجة لازم أخسر حاجة قدامها! ثم لجأ للزجاج الفاصل بينهم ليراقب ملامحها النائمة ويترجاها بملامحه المنكسرة

وكأنه يشكو من فكرة غيابها: هل تعي حجم الألم الذي سيسكنني إن ضب العمر حقائبه معك تلك المرة، وتلك النظرة المميتة التي سترافقني بقية أيامي بعد بُعدم! وتلك الدموع التي سترهقني وكل الليالي المؤلمة التي سأقضيها بدونك؟ هل تعي ما سأكون عليه إن غربت شمسك؟ "كلما لملم جرح قلبهُ، زارهُ الألم قديم: حياة متهزريش. قومي، أنا اللي كنت هسيبك ودلوقتي بقولك متسبنيش!

انفلق الصباح بعد ليلة من كثرة الأتربة التي نفضت من فوق صناديق الحقائق ظنوا أنها ستحجب عنهم أشعة الشمس لسنوات. خرجت شمس عن صمتها الطويل منذ رحيلهم من المشفى فسألته: تميـم! هنفضل نلف كتير كده بالعربية؟ رد بفتور: مش عايز أروح. أطرقت بحنو مقدرة الحالة التي يعاني منها: عايز تروح فين طيب. زفر باختناق: مش عارف. مش عارف يا شمس. وضعت يدها على كتفه لتحسسه بوجودها معه: تحب نروح مكان هادي نفطر فيه. ومنه تفضفض براحتك.

بملل يقتل رغبته بالحياة: ماليش نفس لأي حاجة. تأملته بحيرة مفكرة كيف يمكنها أن تساعده على تجاوز تلك الفترة القاسية. فاقتـرحت قائلة مشيرة على مكان هادئ: ممكن تقف هنا؟ تنهد بتعب: شمـس. بررت طلبها: مش لازم تتكلم على فكرة، ممكن ننزل وتفضل ساكت وتبص للنيل، وأنا مش هضايقك. ها ننزل!

لبى طلبها وصف سيارته جنبًا ثم هبط منها ووقفت بانتظاره حتى أحكم إغلاقها. اقترب منها وهو يرتدي نظارته السوداء فتلقت قربه بابتسامة خفيفة استقبلها بهزة امتنان من رأسه. تقدم عنها خطوة أثناء سيره فطوت المسافة الفاصلة بينهم وهي تسد فراغات يده بحركة غير متوقعة أشعلت نيران الاستفهام في رأسه. دخل الثنائي معًا للمكان ثم أشارت له على الطاولة: نقعد هناك. على النيل.

وافقها الرأي بصمت تمام. جلس بتراخٍ وهو يلقي المفاتيح من يده بدون اهتمام. جاء النادل ووضع الدفتر أمامه ثم انصرف بهدوء. التزمت شمس الصمت وأخذت تطلع على قائمة الطلبات لتفسح له مجالا من الاختلاء بأفكاره. مرت دقائق عديدة حتى قطعت حبل الصمت المتصل بينهم بجملتها: هطلب لك فطار على ذوقي! -افطري أنتِ. ردت بعناد: لو مش هتاكل أنا كمان مش هاكل. هااه؟ ولعلمك أنا هموت من الجوع، بس براحتك! رد بإبطاء وبنبرة يكسوها الإجبار:

تمام. اللي عايزاه. أشارت للنادل وألقت عليه قائمة طلباتها مؤكدة على القهوة بالمذاق الذي يحبذه تميم. انسحب الرجل بهدوء، وغيرت هي مقعدها لتنتقل للمقعد المجاور له. طالعها بنظرة سريعة ولكنها تعمدت أن تطيل الوقت لرؤيته. فسألته بصوت خافت: تتكلم! هوى في حفرة الماضي بشرود:

تعرفي كنت حاسب كل حاجة، ومستعد أواجه أي حاجة وكنت حاسس بسـر كبير مداري ورا حيطان القصر ده؛ بس اللي مكنتش عامل حسابه بجد أن عاصي وعالية ما يبقوش أخواتي. فجأة لقيت نفسي وحيد. مش متخيل القصر من غيرهم يا شمس. بللت حلقها وهي تطلعه بعيون يلمع بداخلها الدمع كالنجوم: عارفة أنها صعبة. بس أنت ليه افترضت بعدهم؟ -عاصي مش هيقبل يقعد في مكان مش بتاعه بعد ما كل الورق اتكشف. فقاطعته: أنت بتحب عاصي يا تميم؟ يعني أقصد… رد متفهمًا:

أنا فاهم تقصدي أيه. للأسف عبلة بفكرها المريض نجحت تبني جسر طويل بينا، طلعتني ابن زنا عشان تكسرني، وفهمت عاصي إني عدوه اللي لازم يحطه تحت المراقبة طول الوقت. ربنا جوانا عداوة وللأسف أحنا عشنا الوهم معاها. غمغمت شمس بصوت خفيض: دي مستحيل تكون بشر زينا. طيب أنت ناوي على أيه؟ -دماغي واقفة مش عارف أفكر يا شمس. واللي هيجنني عاصي كان عارف، وهما الاتنين لعبوها علينا. ثم تنهد بحرقة: طيب عالية؟!!

أنا مش مصدق إني مش هعرف أحضنها تاني! طيب هي فين أهلها وهتعمل أيه وهيعيشوا إزاي؟ ساد الصمت بين أفواههم للحظات ولكن أعينهم لم تتوقف بعد. أخذت تفكر بتردد حتى حسمت قرارها لتخبره: تميم. في حاجة جيـه الآوان تعرفها. -حاجة أيه يا شمس. -عاصي…!! -ماله عاصي يا شمس؟ تكلفت الهدوء وهي تخبره: عاصي هو محمد عبد العظيم. ابن تحية، تحية عمتي. تدفقت الكلمات من عينيه بأسئلة جمة حتى راضت فضوله وقالت: هحكي لك كل حاجة.

يقف كريم في شرفة غرفته يتحدث بالهاتف مع أمه وأخته هدير التي أخبرته بنبرة تعني انقضاء الأمر دون نقاش: مصاريف جامعتك دفعتها. والمفروض الميل يكون وصل على موبايلك. سافر يا كريم وشوف مستقبلك، وأبعد عن فلوس دويدار، أنا كنت غلط من الأول لما شغلتك عندهم. بس أهو بصلح غلطي وأقولك سافر. وقعت عينه على نوران التي تجوب ساحة الحديقة حائرة بنظرة محبطة توضح ما معنى أن ينظر المرء بخيبة لذات الأمور التي حدق فيها بأمل. فقال بتوجس:

أنتِ معاكِ حق، بعد اللي عملته خالتك أنا ماليش حق أقعد هنا. كل ده بقا من حق تميم. أطرقت هدير بأسف: عاصي عامل أيه؟ -عاصي مع مراته في المستشفى. هلبس وأروح لهم، وهجهز نفسي للسفر. علقت غصة حبها لعاصي بحلقها ولكنها تجاهلت صدح قلبها الدامي باسمه وقالت: ده أنسب حل. وأنا وماما هنحصلك على هناك. كادت أن تنهي مكالمتها مع أخيها ولكنها توقفت فجأة: كريم. استنى، أنت شوفت الأخبار الصبح؟ -لا ماشوفتش حاجة؟ في أيه؟

فتحت هدير الحاسوب أمامها وأخذت تقرأ عليه الأخبار المنتشرة صباح اليوم: مزرعة الطريق الصحراوي التابعة لهاشم مدكور ولعت وبيقولوا أنها اتحولت لخرابة ومحدش عرف يلحقها. وكمان ده نفس اللي حصل في مصنع ممدوح علم، والخسارة بالملايين. معقولة عاصي يكون وراها؟ فكر كريم للحظة ثم قال: هو فاضي لكل ده؟ بس تصدقي ممكن، مش دول اللي ورا خطف عالية! أشادت هدير بإعجاب: لو كان عاصي عملها تبقى ضربة معلم بصحيح. ومتطلعش غير منه.

-لو هو أكيد هنعرف. ثم قفل معها المكالمة ليهرول مسرعًا إلى تلك الفراشة التي تتنقل بعشوائية فوق بساتين قلبه الذي اتبعه ليعرف ما بها. ارتدى معطفه الأسود وهبط لعندها، فأول سؤال أردفه: أنتِ بتعملي أيه هنا الساعة دي؟ ردت بقلق وهي ترمي الهاتف من يدها فوق الطاولة: شمس وتميم من امبارح مختفيين مش بيردوا. وأنا قلقانة عليها. رد بهدوء: تميم مش معاها! قلقانة ليه. سيبيهم الصدمة على تميم مش سهلة. -الله يكون في عونه الصراحة.

اقترب منها خطوتين وهو يضع يديه في جيوبه: أنتِ نمتي فين النهاردة؟ قصدي إن مراد لسه فوق؟ -ااه، لسه مع عالية. وأنا نمت مع البنات لقيتهم خايفين حرام وقاعدين تحت المكتب من الخوف لما سمعوا ضرب النار، حضنتهم ونمنا. تنهد كريم بحزن: مظلومين البنات دول. -أوي. ساد الصمت بينهم طويلًا، كل منهما يلقي نظرة سريعة على الآخر ثم يلجأ إلى السماء ليعلق عينه بها. حتى تلاقت أعينهم أخيرًا، فسألته نوران بارتباك: بتبص لي كده ليه؟

-نوران أنتِ عارفة أنا ماينفعش أقعد هنا بعد اللي حصل، ووجودي مش لطيف. تفوهت بلهفة: ليه! قصدي يعني أنت مالك بكل اللي حصل؟ -ده الصح يا نوران، كفاية أوي لحد كده، حتى شغلي في الشركة هسيبه. خفق قلبها بفزع وهي يلقي عليها شظايا الوداع: هتروح فين طيب؟ -هسافر. ساعات الحياة بتجبرنا على حاجات مش عايزينها، بس مفيش حل. احتبست العبرات في عينيها وهي توبخه بحرقة: والحل إنك تهرب وتسافر! أنت كده ناجح؟

على فكرة بقا الإنسان اللي مايعرفش يبني نفسه في البلد دي هيفضل طول عمره فاشل. سافر يا كريم عشان أنت بتلجأ للسهل مش عايز تحاول وتنجح. ثم وقفت أمامه باعتراض: مراد ده مش أخوك؟!! مسافرش ليه! بالعكس أهو قدر ينجح ويثبت نفسه في البلد دي. رد بيأس: الموضوع بالنسبة لي انتهى خلاص يا نوران. عشان كده جيت معاكي دوغري، وقلت لك أنا عايز أبقى معاكِ ولولا الظروف دي أنا كنت طلبت إيدك من تميم بس أنت مش مريحة قلبي. ثم اقترب

منها بعيون يملأها الرجاء: أنا قلت اللي جوايا وأنت بتكابري، أو يمكن حبي ليكِ من طرف واحد. أنتِ مخلياني تايه ومتكتف مش عارف أعمل أيه. خبر رحيله من البيت والبلد كان بمثابة حد السيف الذي بتر تفكيرها وجعلها تهذي بدون وعي: أعمل اللي يريحك يا كريم. أنا هنجح في البلد دي وهبني نفسي هنا، مش ههرب زيك. ثم اعتصرت قلبها المضطرب: وأنت صح، حبك من طرف واحد. أنت كنت بالنسبة لي صديق بيساعدني، أنت فهمت كل ده غلط دي مشكلتك.

أوشك دمع عينيها أن يفضح كذبها، فألقت على مسامعه آخر جملة ثم فرت هاربة كالأرنب من أمامه: سافر يا كريم. رفعت عالية جفونها المحملة بصخور من الحزن بعد ليلة طويلة قضتها بنوم متقطع بصرخات مدفونة بصدر مراد الذي آنس وحشة ليلتها. أحست بصقيع جسدها لغيابه عنها. تحسست وجوده بجوارها ولكن بدون جدوى، ففزعت من نومه تتفوه باسمه، فوجدته يهل عليها من الباب حاملًا إفطارها. هدأ هياج قلبها تدريجيًا عند رؤيته فسألته: أنت كنت فين؟

ترك المائدة التي بيده على الطاولة: جبت لك تفطري. يلا. ردت بثقل: أجيب نفس منين بس يا مراد. جلس بجوارها: عالية مش هنوقف حياتنا على أخطاء الماضي، اللي حصل حصل، زعلك هيصلحه! أجابته بخفوت: لا. -يبقى اتعلمي تتعاملي مع الصدمات كأنها أمر واقع، نتقبله بس ميأثرش فينا بالسلب. ثم غير مجرى الحوار قائلًا: هتقومي تفطري ولا أجيب الأكل هنا وأكلك بالإجبار؟ -خلاص هفطر. ثم تراجعت متسائلة: حياة عاملة أيه. وفين عاصي وتميم؟

-للأسف حياة خسرت الجنين، بس أكيد ربنا هيعوضهم خير المهم أنها كويسة. لسه مكلم عاصي ورد عليا أخوها. تفوهت بتأثر يحمل الحزن: يا حبيبتي يا حياة. طيب وديني عندهم يا مراد. أنا مش عايزة أقعد هنا تاني. البيت ده بقا بيخنقني. -هوديكي مكان ما أنتِ تحبي. بس قومي فوقي وخدي شاور وكله هيتحل. سهليها عشان تسهل. رمقته بأمل: هلاقي أمي!! أنا حاسة أنها موجودة وهلاقيها قريب. -هنلاقيها اطمني أنا جنبك. يلا بقا قومي.

بصوت خفيض تحت تأثير المخدر الطبي غمغمت حياة بضعف: عاصي! عاصي أنا فين؟ فزع من الأريكة التي يجلس فوقها باندفاع وفرحة تملأ وجهه وهو يمسح على شعرها بحنان: أنا جمبك أهو. متقلقيش. رفعت عينيها لمستواه وسألته: أحنا فين وبنعمل أيه هنا؟ ثم طافت عينيها محاولة استيعاب المكان: دي مستشفى! جملتها جعلتها تفزع بلهفة وهي تتحسس بطنها: عاصي ابني حصله حاجة. ثم مرت يدها على بطنها تبحث عن نبضه بقلق: عاصي هو ما بيتحركش ليه؟

أنا مش حاسة بوجوده. ثم سحبت كفه فوق بطنها طاردة جميع الأفكار السوداوية التي هاجمت رأسها: شوف أنت كده!! نبض البيبي فين، حاسس بحاجة؟ جلس على طرف مخدعها بعجز يمنعه من تفجير قنبلة مثل هذه على رأس امرأة جنت ثمار العشق بأحشائها. هربت الكلمات من شدقه وهي تتأمله بعينيها الذابلة وبخوف بدأ يبث وميضه بقلبها: حبيبي. أنتَ مخبي عني حاجة؟ ابننا بخير مش كده؟ هو كويس طيب. عاصي اتكلم.

فتح كفوفها وطبع بداخل كل واحد منهم قبلة اعتذار ثم رفع عينيه إليها وقال بحزن وندم: شكله مش عايزني أبقى باباه. بفاه مزموم وأعين دامعة، عارضته مستفهمة: ماتقولش كده! هو بيحبك وكان طول الوقت عايزني أبقى معاك. أنا واثقة لما يجي وتشوفه هــ. ثم ابتلعت غصة وجعها بسيل منهمر من الدموع الذي صنع من وجنتيها مجرى: البيبي نزل. يعني هو مش موجود في بطني دلوقتي!!

قول لا. قولي فهمت غلط، قولي هو تعب شوية بس لحقناه. قول أي حاجة تانية غير أنه مبقاش موجود. ثم مرت كفها المرتعش على وجنته بترجى: عاصي عشان خاطري ما تقولش كده. أنا كنت بعد الأيام عشان أحضنه ويكون معايا. أنا كنت بختار اسمه معاك امبارح!! دخلت في حالة اضطراب نفسي وهي تهذي بجنون غير مستوعبة الحدث: بس دي غلطتي أنا؟!! أنا اللي ماينفعش أحب ولا أتعلق بحاجة زيادة عن اللزوم. أنا مش قولت لك قبل كده، كل حاجة بحبها بتروح مني؟!!

أنا ليه بيحصل معايا كده!! يعني خلاص كده!! مش هحس بنبضه ولا شقاوته تاني!! أنا ملحقتش أفرح والله. صورته لسه كانت معايا. خليتهم ليه ينزلوا يا عاصي، ليه معملوش المستحيل عشان ابني. -حياة اهدي اهدي مش كده. حياتك عندي أهم من كل ده، وأنا مش عايز أطفال ولا عايز غيرك. فضمها لصدره عنوة كأنها بالنسبة له زمنًا كاملاً. وأي شيء آخر مجرد أوقات مستقطعة من العمر. أخبرها بصوت متهدج: أنتِ عندي أهم. اهدي عشان خاطري. صرحت باكية

بحرقة تأكلها بأحشائها: أنا كنت مستنية أخلد بداية حبنا معاه. كنت عايزة أشوف في عيونه أحلى أيام عشتها جنبك. كله راح خلاص. -بس أنا موجود وجمبك ومش هسيبك. أهدي عشان خاطري، أهدي. أهدي يا حياة مفيش في إيدينا حاجة نعملها. جاءت الدكتورة ركضًا إليهم عند رنين جرس الإنذار وهي تفحصها بلهفة خاصة عندما أحس ببرودة جسدها بين يديه. وتراجعها للخلف فاقدة الوعي. وثبت مفزوعًا وهي يسأل الطبيبة: هي مالها! ردت الطبيبة بسرعة:

محتاجة حقنة مهدئة حالًا. ثم صرخت بالممرضة: كلمي دكتور جمال بسرعة. ثم نظرت لعاصي: لو سمحت استنى بره. بهدوء بدون أي جهد، أو مقاومة، وبشكل مفاجئ ولكنه مريب ومثير لخلق الكثير من المخاوف، خرج من الغرفة وهو يراقبها من وراء الزجاج وكأن أحدهم قد سكب الماء على البارود فتوقف تمامًا عن الاشتعال. جاء أخوته إليه بلهفة فسأله رشيد: فاقت؟

لم يجب إلا بإيماءة خفيفة وهو يطالع قلة حيلتها وضعفها وارتعاش شفتيها بكلمات مزقت قلبه. خرج الطبيب من عندها فذهب إليه بذعر: هي حصلها أيه يا دكتور. -هي عرفت أن الجنين نزل؟ -للأسف. معرفتش أخبي عليها. -متوقع. كتير من الستات بتدخل في الحالة دي، مش بتستحمل. هي نايمة دلوقتي، ولما تصحى خليك جمبها هي محتاجة لك أكتر من أي حد. بعد إذنكم. رافق عاصي خُطاه مبتعدًا عن أخوته وأخذ يطرح عليه العديد من الأسئلة حتى ختمهم بطلب:

لو سمحت لي طلب. -طبعًا اتفضل يا عاصي بيه. تذكر معاناته مع مها قبل أن يخسرها. مخاوفه من خسارته وتعلقها الشديد بذلك الطفل. قسوة الليلة الماضية التي قضاها متقلبًا في لهب هواجسه. فاق على نداء الطبيب: عاصي بيه اتفضل. رد بثبات: كنت عايز حضرتك تعلق لها pills. عقد الطبيب حاجبيه باستغراب: ليه؟ بالعكس دي فرصة كويسة إنكم تعوضوا الطفل ده عشان تنسى وتطلع من الحالة اللي هي فيها. رد بإصرار:

معلش يا دكتور. مش حابب نعيش نفس الوجع تاني، ولا حابب أطفال الوقت الحالي، فوسيلة منع الحمل أنسب حل. -تمام. مفيش مشكلة. اندفع عاصي طالبًا: بس ليا طلب كمان! مش عايزها تعرف. ثم برر موقفه للطبيب: لحد ما أمهد لها الفكرة وزي ما أنت شايف حالتها، محتاجة ترتاح شوية. ممكن! -اللي تشوفه. -هو إزاي الإنسان المفروض يمسح كل سنين عمره وذكرياته من المكان؟ إزاي ينسى عمر كامل مش شخص ولا ذكرى سيئة!

أردفت عالية جملتها وهي تجمع ما تحتاجه من خزانة ملابسها خاصة بعد ما أخبرت مراد بعدم تحملها لهذا المكان وهذه الجدران تضغط على قلبها. اقترب مراد منها وطبع قبلة خفيفة على كتفها وقال: اللي هيقف في شارع الماضي، هيفوته جمال العالم بره يا غالية. دارت إليه باستغراب: غالية! أول مرة تقولي كده؟ -لأنك كده فعلًا بالنسبة لي! غالية. وأغلى حاجة في الدنيا. ثم تعمد ملاطفة الأجواء كي تتغاضى قليلا عن حزنها الذي أذبل ملامحها:

بصرف النظر عن كل المصايب اللي حصلت دي، بس أنا مبسوط. هاخدك في حضني كده ولا عاصي ولا غيره هيفتحوا بؤهم. ثم تبسم مجاملة: النهاردة بس عرفت معنى "مصائب قوم عند قوم فوائد". خيم فطر الحزن مرة ثانية على ملامحها، فانبثقت دمعة واحدة من طرف عينيها وباتت تسرد همها: يعني خلاص كده؟ عاصي وتميم مش هعرف أشوفهم تاني؟ منكرش إني شفت قسوة من عاصي بس عمري ما كرهته ولا عرفته. كنت دايما بشوف فيه الأب اللي لازم يقسى عشان نتربى.

كفكفت عبراتها بحزن وخيم: ولا في سهر مع تميم ودردشة طول الليل. أنا كنت مستنية الوضع بيننا يتحسن، مش يسوء بالطريقة دي. ثم رفعت عينيها الباكية إليه وسألته: طيب أنتَ لما تزعلني، أنا هتحامى في مين، وهشتكيك لمين. -بس أنا عمري ما هـزعلك يا ستي. وده وعدي ليكي. -مفيش راجل وست مفيش بينهم مشاكل. واللي يقول غير كده يبقى بيكذب. مسك كفوفها بحب: وأنا متفق معاك. بس اتأكدي إني عمري ما هـزعلك. ثم قبل رأسها بحنان وقال:

هشوف كريم وأرجع لك تكوني خلصتِ. غادر الغرفة باحثًا عن كريم حتى وجده بالحديقة يفتش بالهاتف، جلس على المقعد المجاور له وأخبره: أنت عارف أن وجودك هنا مابقاش ينفع. تعالى اقعد في شقتي لحد ما تشوف هتعمل أيه. رد كريم بضيق: عارف يا مراد. وجهزت حاجاتي وماشي، مسافر. -مسافر فين؟ من أمتى ده؟ ترك كريم هاتفه وانتبه لحواره مع أخيه وأجابه بملل:

مفيش حاجة أقعد عشانها. هسافر أمريكا أكمل دراستي واشتغل. ومش هرجع هنا غير وأنا واقف على رجليا. -ليه يا كريم؟ ما تيجي وتشتغل معايا ونكبر سوا؟ جاكر أخيه ممازحًا: أنت خايف أنافسك ولا أيه؟ أطمن كده كده هيحصل. ضحك الأخوة معًا ثم سأله مراد باهتمام: أنت مقتنع أنك عايز تعمل كده؟ تجاهل لصدح مشاعره الرافضة لذلك وقال: كده أحسن. -اللي يريحك. المهم خالتك مختفية من القصر وسألت الحرس قالوا إنها مشيت بالليل ومن غير عربية ولا حاجة.

رد كريم بامتعاض: أعمل أيه يعني؟ وبعدين هي عيلة صغيرة يا مراد؟ دي عليها جبروت عدى جبروت هتلر. -يلا خلي عندك دم. وانزل دور على خالتك. وأنا هوصل عالية عند عاصي في المستشفى وهنزل أدور عليها. ثم أخفض نبرته قائلًا: كريم دي خالتك ومن دمنا، محدش هنا من دمها عشان يهتم بيها. لو سمحت قوم شوفها راحت فين. على الأقل نطمن عليها ياخي. لبى طلبه على مضض: طيب هدور عليها. حاجة تاني! جاءت سيدة بتردد وبعينيها أسرارًا تفيض، فسألته باضطراب:

سي مراد، هو عاصي بيه مش هيجي هنا تاني؟ -معرفش والله يا سيدة. خلي بس بالك من القصر الفترة دي. حكت كفوفها ببعض ويبدو عليها القلق: طيب أنا كنت عايزة أشوف عاصي بيه ضروري. -خير يا سيدة؟ في حاجة أقدر أساعدك فيها؟ بللت سيدة حلقها الجاف من كثرة التفكير ليلا: تعيش يا سي مراد. دي حاجة تخص عاصي بيه ولازم يعرفها بنفسه.

بنهاية كل أزمة الأشياء والشعور بداخل المرء، ولم يبق منه إلا الذكريات المغبرة على رف النسيان الذي تمرر مذاق الحياة بفمه. يصبح كل شيء باردًا وهادئًا ومريبًا. تكاد تكون كالجثة متبلد الأطراف والشعور تستقبل المزيد والمزيد من الصدمات بدون أي رد فعل. شد مراد الغطاء فوق جسد عالية البارد فتشبثت بيده راجية: مراد. خليك معايا. مال ليطبع قبلة خفيفة على جبهتها ليطمئنها بوجوده: جمبك متقلقيش.

ثم ابتعد عنها وزاح الغطاء ليعري قدميها وينزع الحذاء منهما برفق وهي تتلوى على مراجل الحزن كأن ما ترقد فوقه جمر مشتعل وليست بقطن. انتهى مراد من فعله ثم نزع هو الآخر حذائه ورقد بجوارها فتعلقت بعنقه وهي تتمتم: يعني أنا ماليش أهل يا مراد؟ هعيش طول عمري منسوبة لعيلة أنا مش بنتهم! أنا ليه بيحصل فيا كل ده؟ أخذ يمسح على رأسها كي تهدأ: حبيبتي ممكن تهدي ومتفكريش في حاجات سلبية! أنتِ مليكيش ذنب في كل اللي حصل يا عالية!

رفعت جفونه المحمرة إليه: يعني أنتَ مش هتسبني بعد اللي عرفته! -وايه يعيبك في كل اللي عرفته أسيبك عشانه! انخرطت العبرات من مقلتيها وبشفاه مرتعشة: هي عملت فيا كده ليه؟ أنا أستاهل القسوة دي! -عالية اهدي أنتِ جسمك كله بترعش! أهدي وأنا جمبك أهو. مش هسيبك. أطالت النظر بوجهه لتتأكد من وجوده وأنه خير ما أتى بظلمة أعوامها. أخذت ترتجف وتأن وجعًا حتى طلبت منه بتوسل ينزف دمعًا:

ممكن تحضني أوي. خدني في حضنك يا مراد أنا ماليش غيرك دلوقتي. حملها بين يديه ودخل استقبال المشفى ينادي بحنجرته القوية: فين الدكاترة اللي هنا؟ تابعه أخوتها بنفس السرعة التي يسير بها. تحرك رشيد ناحية الاستقبال مندفعًا: اختي حامل وبتنزف، عايزين دكتور بسـرعة. أمسك يونس بكف أخته التي تتضور وجعًا من تقلصات رحمها المميتة: استحملي يا رسيل، إن شاء الله مفيش حاجة! انفجرت صوتها الباكي الممزق من شدة الألم: مش قادرة. وجع فظيع.

كاد عاصي أن ينفجر بموظفي المشفى إلا أن جاء طاقم التمريض بالسرير المتحرك بعجل. وضعها فوقه وركضوا بها ناحية غرفة العمليات. أمسك بكفها ليطمئنها بالمصعد: متخافيش. اهدي اهدي التوتر مش في صالحنا يا حياة. ضغطت على كفه باكية وكأنها تفقد روحها: ابني يا عاصي. ابني بيروح مني. مش قادرة. رد ملهوفًا: سلامتك أهم. عشان خاطري اهدي، مفيش حاجة! أنتِ عندي بالدنيا. ثم نهر طاقم التمريض: فين الدكتور اللي هنا؟

فُتح باب المصعد وأجابته الممرضة بسرعة وهي تركض بالسرير المتحرك: جاي حالًا. لو سمحت ماينفعش تدخل العمليات استناها هنا. انضم إليه رشيد ويونس ركضًا من ناحية السلم حيث سأله رشيد: فين؟ رسيل خدوهـا فين؟ رد بثقل وهو يعاصر نفس الحالة ونفس الألم الذي عاشه من قبل. فرغ طاقته المكبوتة وهو يضرب الحائط بقبضة يده: العمليات. دخلت جوه. ربت يونس على كتفه: مفيش حاجة إن شاء الله تخرج بالسـلامة هي والبيبي.

أخذ يجوب المكان بعجز تام وقلة حيلة يعد الدقائق كي تعود إليه كي ينظر بعينيها فيستمـد قوته من جديد ليواجه جمة المصائب التي تنتظره. كي يتقلص إحباطه ويغتال هزائمه ويختفي كل هذا الظلام بداخله. اشتعلت ملامحه بجمر الغضب الذي توقد بملامحه. رفع ساعده على الحائط وسند جبهته عليه وهو يلوم نفسه التي فشلت أن تحميها. عن عجزه في تنفيذ وعده لها في ليلة ملأ عطر الحب صدورهم، فأخذ على عينيها عهدًا عندما سألته: هل تحبني؟

فطبع وسام العشق بقبلة طويلة بين عينيها وقال: مهمتي في الحياة العيش لأحبك أولاً والحراسة المشددة لقلبك من كل حزن وألم. لقد تجاوزت فيكِ الحب وأصبحت عاشقًا لكِ. بعد مرور الساعة خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يخلع "الماسك" عن وجهه. هرول عاصي وأخوته نحوه فسأله ملهوفًا: مراتي عاملة أيه! بملامح حزينة أردف الطبيب:

بنحاول بكل جهدنا نحافظ على الجنين. ولازم تبقى تحت الملاحظة والأجهزة الـ 24 ساعة الجايين، واللي عايزه ربنا هيكون. عارضه ملهوفًا: دكتور لو الجنين هيأثر على حياتها نزله، المهم هي. -أنا هتابع الحالة بنفسي، واتأكد صحة الأم عندنا أهم. بعد إذنك. ركل المقعد المعدني بساقه وهو يجهر صارخًا معترضًا: ليـه! ليـه عشان آخد حاجة لازم أخسر حاجة قدامها! ثم لجأ للزجاج الفاصل بينهم ليراقب ملامحها النائمة ويترجاها بملامحه المنكسرة

وكأنه يشكو من فكرة غيابها: هل تعي حجم الألم الذي سيسكنني إن ضب العمر حقائبه معك تلك المرة، وتلك النظرة المميتة التي سترافقني بقية أيامي بعد بُعدم! وتلك الدموع التي سترهقني وكل الليالي المؤلمة التي سأقضيها بدونك؟ هل تعي ما سأكون عليه إن غربت شمسك؟ "كلما لملم جرح قلبهُ، زارهُ الألم قديم: حياة متهزريش. قومي، أنا اللي كنت هسيبك ودلوقتي بقولك متسبنيش!

انفلق الصباح بعد ليلة من كثرة الأتربة التي نفضت من فوق صناديق الحقائق ظنوا أنها ستحجب عنهم أشعة الشمس لسنوات. خرجت شمس عن صمتها الطويل منذ رحيلهم من المشفى فسألته: تميـم! هنفضل نلف كتير كده بالعربية؟ رد بفتور: مش عايز أروح. أطرقت بحنو مقدرة الحالة التي يعاني منها: عايز تروح فين طيب. زفر باختناق: مش عارف. مش عارف يا شمس. وضعت يدها على كتفه لتحسسه بوجودها معه: تحب نروح مكان هادي نفطر فيه. ومنه تفضفض براحتك.

بملل يقتل رغبته بالحياة: ماليش نفس لأي حاجة. تأملته بحيرة مفكرة كيف يمكنها أن تساعده على تجاوز تلك الفترة القاسية. فاقتـرحت قائلة مشيرة على مكان هادئ: ممكن تقف هنا؟ تنهد بتعب: شمـس. بررت طلبها: مش لازم تتكلم على فكرة، ممكن ننزل وتفضل ساكت وتبص للنيل، وأنا مش هضايقك. ها ننزل!

لبى طلبها وصف سيارته جنبًا ثم هبط منها ووقفت بانتظاره حتى أحكم إغلاقها. اقترب منها وهو يرتدي نظارته السوداء فتلقت قربه بابتسامة خفيفة استقبلها بهزة امتنان من رأسه. تقدم عنها خطوة أثناء سيره فطوت المسافة الفاصلة بينهم وهي تسد فراغات يده بحركة غير متوقعة أشعلت نيران الاستفهام في رأسه. دخل الثنائي معًا للمكان ثم أشارت له على الطاولة: نقعد هناك. على النيل.

وافقها الرأي بصمت تمام. جلس بتراخٍ وهو يلقي المفاتيح من يده بدون اهتمام. جاء النادل ووضع الدفتر أمامه ثم انصرف بهدوء. التزمت شمس الصمت وأخذت تطلع على قائمة الطلبات لتفسح له مجالا من الاختلاء بأفكاره. مرت دقائق عديدة حتى قطعت حبل الصمت المتصل بينهم بجملتها: هطلب لك فطار على ذوقي! -افطري أنتِ. ردت بعناد: لو مش هتاكل أنا كمان مش هاكل. هااه؟ ولعلمك أنا هموت من الجوع، بس براحتك! رد بإبطاء وبنبرة يكسوها الإجبار:

تمام. اللي عايزاه. أشارت للنادل وألقت عليه قائمة طلباتها مؤكدة على القهوة بالمذاق الذي يحبذه تميم. انسحب الرجل بهدوء، وغيرت هي مقعدها لتنتقل للمقعد المجاور له. طالعها بنظرة سريعة ولكنها تعمدت أن تطيل الوقت لرؤيته. فسألته بصوت خافت: تتكلم! هوى في حفرة الماضي بشرود:

تعرفي كنت حاسب كل حاجة، ومستعد أواجه أي حاجة وكنت حاسس بسـر كبير مداري ورا حيطان القصر ده؛ بس اللي مكنتش عامل حسابه بجد أن عاصي وعالية ما يبقوش أخواتي. فجأة لقيت نفسي وحيد. مش متخيل القصر من غيرهم يا شمس. بللت حلقها وهي تطلعه بعيون يلمع بداخلها الدمع كالنجوم: عارفة أنها صعبة. بس أنت ليه افترضت بعدهم؟ -عاصي مش هيقبل يقعد في مكان مش بتاعه بعد ما كل الورق اتكشف. فقاطعته: أنت بتحب عاصي يا تميم؟ يعني أقصد… رد متفهمًا:

أنا فاهم تقصدي أيه. للأسف عبلة بفكرها المريض نجحت تبني جسر طويل بينا، طلعتني ابن زنا عشان تكسرني، وفهمت عاصي إني عدوه اللي لازم يحطه تحت المراقبة طول الوقت. ربنا جوانا عداوة وللأسف أحنا عشنا الوهم معاها. غمغمت شمس بصوت خفيض: دي مستحيل تكون بشر زينا. طيب أنت ناوي على أيه؟ -دماغي واقفة مش عارف أفكر يا شمس. واللي هيجنني عاصي كان عارف، وهما الاتنين لعبوها علينا. ثم تنهد بحرقة: طيب عالية؟!!

أنا مش مصدق إني مش هعرف أحضنها تاني! طيب هي فين أهلها وهتعمل أيه وهيعيشوا إزاي؟ ساد الصمت بين أفواههم للحظات ولكن أعينهم لم تتوقف بعد. أخذت تفكر بتردد حتى حسمت قرارها لتخبره: تميم. في حاجة جيـه الآوان تعرفها. -حاجة أيه يا شمس. -عاصي…!! -ماله عاصي يا شمس؟ تكلفت الهدوء وهي تخبره: عاصي هو محمد عبد العظيم. ابن تحية، تحية عمتي. تدفقت الكلمات من عينيه بأسئلة جمة حتى راضت فضوله وقالت: هحكي لك كل حاجة.

يقف كريم في شرفة غرفته يتحدث بالهاتف مع أمه وأخته هدير التي أخبرته بنبرة تعني انقضاء الأمر دون نقاش: مصاريف جامعتك دفعتها. والمفروض الميل يكون وصل على موبايلك. سافر يا كريم وشوف مستقبلك، وأبعد عن فلوس دويدار، أنا كنت غلط من الأول لما شغلتك عندهم. بس أهو بصلح غلطي وأقولك سافر. وقعت عينه على نوران التي تجوب ساحة الحديقة حائرة بنظرة محبطة توضح ما معنى أن ينظر المرء بخيبة لذات الأمور التي حدق فيها بأمل. فقال بتوجس:

أنتِ معاكِ حق، بعد اللي عملته خالتك أنا ماليش حق أقعد هنا. كل ده بقا من حق تميم. أطرقت هدير بأسف: عاصي عامل أيه؟ -عاصي مع مراته في المستشفى. هلبس وأروح لهم، وهجهز نفسي للسفر. علقت غصة حبها لعاصي بحلقها ولكنها تجاهلت صدح قلبها الدامي باسمه وقالت: ده أنسب حل. وأنا وماما هنحصلك على هناك. كادت أن تنهي مكالمتها مع أخيها ولكنها توقفت فجأة: كريم. استنى، أنت شوفت الأخبار الصبح؟ -لا ماشوفتش حاجة؟ في أيه؟

فتحت هدير الحاسوب أمامها وأخذت تقرأ عليه الأخبار المنتشرة صباح اليوم: مزرعة الطريق الصحراوي التابعة لهاشم مدكور ولعت وبيقولوا أنها اتحولت لخرابة ومحدش عرف يلحقها. وكمان ده نفس اللي حصل في مصنع ممدوح علم، والخسارة بالملايين. معقولة عاصي يكون وراها؟ فكر كريم للحظة ثم قال: هو فاضي لكل ده؟ بس تصدقي ممكن، مش دول اللي ورا خطف عالية! أشادت هدير

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...