الفصل 43 | من 75 فصل

رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نهال مصطفي

المشاهدات
21
كلمة
6,283
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

رن هاتفه فظهر اسم يسري، رد بلهفة كمن ينتظر خبرًا يهمه. "عملت إيه؟ خرج يسري من المستودع المظلم وقال: "قاسم صفوان تحت إيدي دلوقتي. تحب نخلص عليه؟ هتف بحماس: "لأ يا يسري، أنا جايله." لاحظت تغير ملامح وجهه التي كانت تحاول إرضائها إلى أخرى تكدس الغضب بداخلها. نزع ساعته المعدنية متجاهلًا وجودها وفضولها، ثم سترته السوداء التي وضعها على ظهر المقعد المبطن. خرجت عن صمتها متعجبة: "إنت بتعمل إيه؟!

رد باختصار: "واضح إنك مش حابة تخرجي، مش هجبرك. أغير هدومي بقى! تكدس الغضب بوجهها وعارضته بحدة: "تغير فين؟ دي أوضتي. تقدر تروح تشوف لك أوضة تانية تغير فيها." انعقد حاجباه وهو يفحصها من رأسها للكاحل: "الكلام ده ليا؟ ردت بعفوية: "لسه متجننتش عشان أكلم نفسي!! دنا منها خطوة سلحفية وهو يجاريها: "إيه الأسلوب ده بقى؟ تحدته: "هو ده أسلوبي لو كان عاجبك." ارتدى ثوب دويدار الذي تعمد أن يتخلص منه أمامها:

"زفت.. أسلوبك زفت. ولو متعدلش معايا هعدلك أنا يا حياة." "وأنت كمان ليك عين تبجح، يعني غلطان وبتبجح!! ضرب كفًا على الآخر بنفاذ صبر محاولًا تمالك أعصابه: "شوفي أنا دماغي فيها اللي مكفيها، عدي الليلة." وضعت يديها في خصرها بعناد: "والله! يعني أنا بقيت حمل تقيل دلوقتي؟ وإيه اللي يجبرك على كده!! أحنا نفضها سيرة خالص." تأفف بضيق: "حياة، إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ إيه يراضيكي يا ستي وأنا هعمله."

فكرت للحظات حائرة لا تدرك حالة المزاجية التي أصابتها، ردت بقلة حيلة: "مش عايزة حاجة." وقف أمامها بعد ما استجمع نفسه وركن غضبه جنبًا، تفوه بنبرة حنونة: "لو زعلانة من حاجة أجليها لبكرة ممكن. أنا مش هربان من نكد أجي لنكد." ثم مرر أصابعه على وجنتها برفق: "ممكن! سكنت دواخلها فجأة بقربه، بانتشائها لعطره، للمساته الساحرة، لنظراته الجريئة التي تطالعها بحرية. ضم كفها الرقيق كفه المتدلل على وجنتها وقالت بخفوت: "تمام."

اتسعت ابتسامته المتعجبة ببراءتها واكتفى بتقبيل يدها بقبلة رقيقة ثم ولى ظهره منسحبًا من أمامها. استردت حالتها المزاجية مرة أخرى وصاحت: "ممكن أعرف عملت إيه في اللي اسمها هدير بعد عملتها السودا دي! ثم قهقهت ساخرة: "آه طبعًا ولا حاجة، عشان أنا عندك مش مهم، وإيه يعني حبوب هلوسة!! عض على شفته بنفاذ صبر وهو يكور قبضته بغيظ: "ومين قال لك إنها متحاسبتش على اللي عملته." وقفت أمامه عاقدة ذراعيها باستهزاء: "والله!!

هااه سمعني بقى عملت فيها إيه يا ترى؟ رد باختصار: "طلقتها." ردت ساخرة: "هااه.. وده عقاب!! ده ربنا نجدها…" لم ينجح في إخفاء ابتسامته الخفيفة عنها والمتعجبة من تلقائيتها في الحديث معه. أخذ يدنو منها تدريجيًا وهو يطالع عينيها المرتعدة بجراءة وسألها بخبث: "للدرجة دي شايفاني شخص وحش؟!

يبدو أن الغرق هذه المرة سيكون ملزمًا بموجة قربه العاتية. تصلبت تعابير وجهها وهي ترمقه بثغر مزموم، دنا منها خطوته الأخيرة رافعًا حاجبه متعمدًا إرعابها وإرباكها: "هاه! مش سامع." بللت حلقه الذي جف من عواصفه التي هبت بكيانها، فهزت رأسها يمينًا ويسارًا بتوجس وما زالت تحت سطو شرودها. وضع يده على خصرها بجراءة زائدة ومال على أذنها مكررًا سؤاله بصيغة أخرى: "مفهمتش!! آه ولا لأ!! سرت بجسدها قشعريرة قوية بسبب رائحته التي ملأت

جيوب صدرها وقالت بخفوت: "لأ." لا زال محافظًا على نبرته الحنونة وهو يصالح مزاجه بعبيرها: "لأ إيه!! لم تجد سبيلًا للتخلص من جيوشه المنقضة على مشاعرها سوى الهرب. تملصت بخفة فراشة من بين يده وولت وجهها عنه تاركة الغرفة وهي تتحاشى النظر إليه تمامًا محتمية من فوهة أسلحته التي تعرف هدفها بدقة. اتسعت ابتسامته وهو يضرب كفًا على كف ويقول لنفسه: "ابتدينا في الجنان! "عودة للقصـر"

"إنت جايبني لحد هنا في وقت زي ده عشان أتفرج عليك وأنت ساكت وبتتأمل السما كده!! صاحت نوران بنفاذ صبر من صمت كريم المنغمس في فوضى أفكاره المزعجة، ثم زفرت بضيق وهي تضرب الأرض بقدمها: "أنا غلطانة أصلًا لأني سمعت كلامك، أنا همشي." لم تجد منه أي رد أو اعتراض على ذهابها. ما كادت أن تخطو خطوتين فتراجعت نادمة وعادت إليه برأس مطأطأة: "واضح إن الموضوع كبير!! ما تقول حصل إيه."

تنهد كريم بحيرة وهو يستند على جدار الشجرة التي يتوارى الثنائي خلفها وقال بكلل: "مش لاقي حد أتكلم معاه، ولا عارف أوصل لحل لوحدي." أطرقت نوران بتوجس: "قلقتني؟ قول طيب يمكن أساعدك." فكر للحظات ثم قال: "كنت معدي بالصدفة من جنب أوضة خالتي، سمعتها بتزعق هي وعاصي. معرفش إيه وقفني أسمعهم. يمكن لما سمعت اسم عالية!! قاطعته نوران بتخمين: "أكيد اتخانقوا عشان موضوع العريس اللي متقدم لعالية ده. تفتكر ده السبب اللي خلاه يمشي!

هز رأسه بثقة: "لأ.. الموضوع أكبر من كده بكتير." "إزاي؟! "لأن خالتي قالتله مش أختك ومتنساش نفسك، وكلام كده مفهمتوش!! ثم زفر باختناق: "يا رب أكون سمعت غلط." تقاسمت الدهشة معالم وجهها: "مش أخته!! طيب إزاي!! يعني إيه مش أخته؟ ثم هزت رأسها بالنفي: "لأ أكيد أنت سمعت غلط!! أومال تكون عالية بنت مين لما هي مش أخته؟ ثم طالعته لتختم حيرتها: "كريم إنت متأكد من اللي سمعته؟! "زي ما أنا متأكد إني واقف قدامك!! بس يا ترى قصدهم إيه؟

لاحظت نوران إشعال نور الغرفة التي بها شمس، فقفز الخوف بقلبها وقالت بعجل: "أنا همشي دلوقتي قبل ما حد يشوفنا، بس كلامنا لسه مخلصش." أوقفها مؤكدًا: "نوران مش محتاج آكد عليكِ، ولا كأني قلت حاجة!! طالعته باستخفاف: "ليه وأنا هبلة؟! ابتسم لعفويتها وقال مازحًا: "عندك شك! أجابته بعجل: "فكرني أحاسبك بعدين على كلامك ده."

تركته وفرت كالأرنب الذي يتلفت حوله هنا وهناك خشية من أن يراه أحد. أخذ يرمقها بنظراته الحائرة حتى تبسم معترفًا لنفسه: "ماهي هبلة فعلًا." وصلت نوران المتسللة بخفة إلى درجات السلم فالتقت بأختها التي تحمل كوب الأعشاب الساخن، سألتها بحدة: "كنتِ فين! وإيه مصحيكي لحد دلوقتي! بدا الارتباك على ملامحها وهي تلوح بعبث: "ولا حاجة يا شمس، اتخنقت نزلت أشم شوية هوا بس.. هروح أنام أهو." حدجتها محذرة:

"خلي بالك من تصرفاتك يا نوران، أحنا هنا مش في بيتنا والخطوة محسوبة عليكي." "وأنا كنت عملت إيه لكل ده!! تصبحي على خير يا شمس." ركضت لأعلى مجرد ما أنهت جملتها الأخيرة هاربة من استجواب أختها. ما كادت أن تسللت لغرفتها فلاحظت شمس عودة كريم من نفس الباب الخلفي الذي أتت منه أختها. تسرب وميض الشك إلى رأسها وهي ترمقه باستغراب حتى تمتمت متوعدة: "أياكي يكون اللي في بالي صح يا نوران، هقطع رقبتك."

انتهت سيدة من حمل الأطباق وإعادة ترتيب السفرة مرة ثانية بعدما فرغوا من تناول العشاء الذي طلبه عاصي من الخارج. تفوهت داليا بسعادة: "الأكل كان حلو أوي يا بابي." "هنا وشفا يا حبيبتي، يلا قوموا اغسلوا إيدكم وسنانكم عشان الوقت اتأخر والجو برد." ثم نادى على سيدة: "سيدة، تعالي ساعديهم." تدخلت حياة في حوارهم كي لا تمنحه فرصة جديدة للانفراد بها وقالت: "أنا هنيمهم، تعالوا يلا يا بنات." توقفت تاليا عن السير وسألت أباها:

"بابي، أحنا خلاص هنعيش هنا! رد بثبات: "أيوة يا حبيبتي، شوفوا اللي ناقصكم، وهيكون عندكم." تسمرت حياة في مكانها وهي تنصت لحوارهم والثقة التي يتحدث بها عاصي. عادت تاليا إليها وأمسكت بكفها، ثم انحنت لمستواهم وقالت برفق: "اسبقوني أنتوا." ثم عادت إليه وهو يتفحص أحد الملفات على هاتفه. جذبت مقعد السفرة وجلست على طرفه وسألته في تردد: "هما البنات مش جايين أجازة ويرجعوا؟ قفل هاتفه وقال: "لأ، البنات هيعيشوا هنا." "ليه!!

ثم بررت فضولها: "أقصد يعني ليهم حياتهم في القصر وجدهم، حصل إيه لكده؟ "وجودهم مضايقك؟ أجابت بسرعة: "لأ لأ، إنتَ عارف إني مقصدش كده، أنا بسأل بس." رد بإيجاز: "بحاول أحمي الناس اللي بحبهم بس." "من مين؟! "مش لازم تعرفي." ثم غير مجرى الحديث: "استعدي، مجرد ما يخلص ورقك هنسافر." "هنسافر فين وليه.. إنت بترمي ألغاز وأنا المفروض أحلهـا يعني!! جاءت تاليا من الخلف وقطعت حديثهم: "آنسة يلا تعالي بقى."

رمقته بنظرة تخبره فيها أن كلامهم لم ينته بعد ثم نهضت بتردد واتبعت خطوات تاليا وشرعت في أداء دور الأمومة في حياتهم، من حرصها على تنظيف أسنانهم جيدًا، وتغيير ملابسهم وتصفيف شعرهم استعدادًا للنوم في أجواء يغمرها الضحك واللعب الذي تسلل لآذان عاصي فلم يملأ صدره إلا ارتياحًا لصواب قراره. جاءته سيدة: "تأمر بحاجة يا بيه؟ "لأ يا سيدة، روحي نامي." ما كادت أن تخطو فأوقفها: "البنات ناموا؟ مش سامع صوتهم."

"أيوة، حتى ست حياة نامت معاهم، تحب أصحيها تنام في أوضتها! نهض هو الآخر مستعدًا للنوم وقفل شاشة التلفاز: "لأ سيبها على راحتها. نامي عشان مدرسة البنات الصبح." "بتفكري في إيه؟! تفوه تميم متسائلًا بفضول إثر تقلب شمس الكثير وقلقها الواضح بجانبه، يبدو أن هناك ما يعكر صفوها. رفعت شمس جفونها ببطء وردت: "أبدًا، شوية قلق بس." أصر على سؤاله: "بتفكري في إيه يا شمس! "نوران…" "مالها؟! فكرت طويلًا ثم قالت بتردد:

"تصرفاتها غريبة اليومين دول." رفع حاجبه يتساءل: "غريبة إزاي؟ "أقول لك إيه بس يا تميم، يا رب اللي بفكر فيه يكون مش صح." "حصل إيه طيب؟! روت شمس ما حدث عندما دلفت كي تحضر له كوبًا من الأعشاب، ورؤيتها لكريم التي زادت من الأمر سوءًا. انتظرها حتى فرغت من حيرتها وقال: "إنت مصممة تقلقي نفسك وخلاص!! "يعني إيه؟ "يعني كل اللي حصل ده طبيعي، البنت زهقت من المذاكرة نزلت تشم هوا. مكبرة الموضوع ليه؟! "طيب ووجود كريم في نفس الوقت؟!

"صدفة.. صدفة يا شمس عادي، إحنا عايشين في بيت واحد على فكرة!! فكل ده وارد. اطمأن لقلبها لحديثه قليلًا حتى غيرت مجرى الحديث: "بقيت أحسن دلوقتي؟ مرر ظهر كفها على وجنتها الناعمة وقال بحب: "شكرًا على وجودك جنبي." سطع التوتر من لمساته بعيونها وهي تبرر: "مفيش شكر ولا حاجة، أي حد مكاني كان هيعمل كده." أطال النظر بعيونها وكأنه يقر معترفًا:

"بدونها لا يشعر بأنه في حال جيدة، عندما لم تعد موجودة لا عينيها ولا حيويتها ولا غموضها وخجلها الدائم منه.. كما لو أن الأنوار قد انطفأت! بدون وعي منه فارقت يده وجنتها ليرسو بإبهامه فوق شفتيها الكرزية ويقول مفصحًا: "كل يوم بكتشف فيكي حاجة أجمل من اللي قبلها." ثم اقترب منها قليلًا وأكمل بنبرة فاضحة لنواياه: "شمس! ارتعدت من جواره كالملدوغة وابتعدت عنه لتحتمي بطرف السرير وهي تولى ظهرها وتنكمش تحت

اللحاف وتقول بشفاه مرتعشة: "أنا خلاص هنام، تصبح على خير." تصرفها صوب خيبة جديدة إلى صدره عن تلك الخطوة التي اتخذها إليها. برقت عيناها عندما وجدته يهمس بأذانها ويبرر تجاوزه: "كنت هقول لك بلاش تكبري المواضيع وتشيلي هم حاجات مش موجودة من أصله." ثم ربت على كتفها وأكمل: "وأنتِ من أهله." "أحيانًا تملأُ الكلمات فم المرء كما لو أنها فتات زجاجٍ مكسور فإن صمت تؤلمه، وإن تحدثَ تُدميه." "في الثالثة فجرًا"

قلقت حياة في نومها إثر رفس تاليا الدائم لها، وحركتهم الزائدة أثناء النوم. تركت مخدعهم وتوجهت نحو الأريكة ولكنها لم تتحمل البرد القارص الذي يحاوطها. انتعلت حذائها القطني وخرجت من الغرفة متوجهة إلى الحمام رغبة في التقيؤ ولكنه كان مجرد شعور وهمي.

عندما خرجت تسمرت أمام غرفته متحيّرة أتُقبل عليها أم تتراجع حتى حسمت رائحته القرار وفتحت الباب برفق. تسللت إلى الغرفة بحذر شديد وجلست على الأريكة المبطنة بجوار السرير. لم تجد إلا سترته السوداء لتتخذها كغطاء تحتمي به من صقيع الشتاء ولكنه فتح بابًا جديدًا من الصقيع بقلبها فأخذت تستنشق رائحته كالمدمنين، حتى تسارعت ضربات قلبها وارتخت أعصابها بوتيرة من المشاعر المضطربة.

لم تشبع ملابسه رغبتها في استنشاق عطره الذي بات إدمانها. تركت ما بيدها وخلعت حذائها بحذرٍ، ثم اقتربت منه وانسدت تحت الغطاء بهدوء وهي تملأ رئتيها من رائحته أكثر وأكثر.

كان مظهرها لطيفًا جدًا؛ لم يبدُ عليه العواصف التي تقام في صدرها. لأول مرة اشتهت تأمل ملامحه النائمة عن قرب، تلك الملامح التي انسدت بين ثناياها رجولته القاتلة لقلب كل أنثى يلقاها ألا قلبها الذي لا يزال حيًا يقاومه. تذكرت قربه الساحر وهو يسألها "عن كونه سيئًا لهذا الحد؟! فاتسعت ابتسامتها عندما تذكرت ردها وارتباكها وخوفها منه. أخذت تتساءل كثيرًا لماذا تهابه لهذه الدرجة؟ ربما بسبب هيبته الشامخة أم ثقته الزائدة بنفسه؟

فأقرت معترفة وهي تداعب جدائل شعره بحنو: "حين تحاوطني يداك يلتف عليّ شيء كالحرير.. مثير وناعم." أخذت تطرح الكثير من الأسئلة لنفسها: "إنت مين وطلعت لي منين؟! وليـه ببقى زي الطفلة الصغيرة قدامك؟! بقيت تايهة مش عارفة أنا عايزة إيه؟! عايزة أرجع لرسيـل ولا أكمل معاك بحياة "حياة" اللي إنت اخترعتها وأنا حبيتها؟! يا ترى إيه نهاية حكايتي معاك؟! وهتوديني على فين؟! خايفة أسيب لك قلبي أندم تاني؟!

بس اللي متأكدة منه إني حاسة معاك بحاجات عمري ما حسيتها قبل كده؟! ما بين كل الفوضى والمشاكل دي كلها حاسة روحي خفيفة وليها أجنحة مش شايلة هموم؟! ثم تنهدت بحرقة: "قلبي عايزني أقرب وعقلي مش مقاومني؟! حتى مش قادرة أفتكر عيوبك عشان آخدها حجة وأبعد!! إنت عملت فيا إيه!!

غفت على ذراعها متنساية أناملها متغلغلة بين خصلات شعره. في تلك اللحظة رفع عاصي جفونه ليراها ويلحظ قربها المبهم وتصرفاتها التي لا تصدر إلا من فتاة متيمة بلهيب العشق. لم يفعل شيئًا سوى ضمها إلى حضنه ونومها معه على لحن ضربات قلبها المضرمة.

انفلق الصباح وانفلقت عيناه اللامعة، لا تزال نائمة على ذراعها لا تتحرك وكأنها أخيرًا عادت إلى حيث تنتمي، بعناقها كمن امتلك الدنيا في لحظة. رن جرس منبهه فأيقظها، كتم الصوت سريعًا ثم عاد إلى عيونها المنفرجة والحائرة عن أي ريح أتت بها إلى هنا؟ اعتدلت في نومتها وفارقت ذراعه وسألته: "أنا جيت هنا إزاي؟! أغمض جفونه استعدادًا لجولة اضطراباتها الجنونية وقال بهدوء: "افكري كدا؟! عارضته بإصرار تخفي وراءه كبرياءها:

"أنا كنت نايمة جنب البنات!! آه تلاقيها حركة من حركاتك الرخيصة!! ما كادت أن تهرب بمسرحيتها من جواره فأمسك بها قائلًا بتساؤل: "فلنفترض إنك بتمشي وأنتِ نايمة!! كمان بتلعبي في شعري وأنتِ نايمة؟! رأى الخجل على ملامحها الطفولية وهي تنكر ما يقوله: "أكيد حلم، مفيش الكلام ده." ابتسم ابتسامته الماكرة وقال مجاريًا: "آه يا ستي أنا اللي أخدتك من جنب البنات." ثم مال هامسًا إليها: "إنتِ عارفة اتعودت إنك تنامي جنبي."

فارقها عندما ألقى قنبلته الموقوتة في صدرها وهي تتساءل حائرة حتى سرب وميض الشك إليها: "ده بيسرح بيا وبيأخدني على قد عقلي!! لآ منا أكيد متجننتش!! ثم تأففت بندم: "غبية!! ليه جيت عنده أصلًا!!!!! "تبدل عالمي كلّه، انحصرت أحلامي فيك، فتغيّرت أمنياتي، لم يتبقى في ذاكرتي غيرك ولكن الطريق إليـه فارغ للغاية لا يوجد ما يحتج به القلب للعودة، حتّى التحيّة وقعت كزرّ الثوب فوق الرمل، لم تسمع صدًى.. كما وقعت أنت من بين يدي."

رفعت عالية شعرها كذيل حصان أمام المرآة فاقتربت منها نوران بحيرة: "إنتِ كويسة؟! ردت بملل: "آه تمام." "مفيش أخبار عن مراد؟! أجابته بحزن: "لأ." ثم ترددت: "آه.." "آه ولا لأ؟! فزورة دي؟ بلعت عالية مرارة شعورها: "كان منزل بوست على الأكونت بتاعه الصبح، اممم وده مش عادته يعني." "بيقول إيه البوست ده؟! "عادي دعاء ديني.. وحمدي مدير أعماله كان كاتب له عمرة مقبولة، شكله سافر السعودية." فكرت نوران ثم قالت لنفسها:

"شكلي طلعت ظالماه ولا إيه." ثم ارتفعت نبرة صوتها: "طيب وإنتِ مضايقة ليه؟ صدر الجواب في نفسها ورغبة قلبها في الذهاب معه. ارتدت وشاح التجاهل وقالت: "ولا حاجة، أنا هروح أقعد مع تميم شوية." "في شركة دويدار" اقتحمت عبلة الاجتماع بدون إذن مسبق وقالت بوقاحة: "عاصي، عايزآك." نظر عاصي إلى موظفي الشركة وقال: "زي ما اتفقنا، كل واحد عارف هو هيعمل إيه. أهم حاجة الدقة والسرعة." سأله أحد الموظفين:

"المدير الإعلامي الأستاذة هدير مش المفروض كانت تبقى موجودة؟ ردت مديرة مكتبه: "الأستاذة هدير في شغل بره، يومين وهترجع تظبط الدعاية والإعلانات، أهم حاجة كل واحد يلتزم بشغله." نظر لمديرة مكتبه مؤيدًا لكلامها ثم نهض قائلًا: "على شغلكم، الاجتماع انتهى." ثم اتجه نحو مكتبه. اتبعته عبلة خطاه منتظرة مغادرة الموظفين حتى سألته: "والله!! إنت بتهزر صح؟ إيه حركات العيال دي؟ رد بصرامة:

"لو سمحتِ إنتِ هنا بتتكلمي مع صاحب شركات دويدار يعني الكلام يكون محسوب، وإلا هتصرف تصرف مش هيعجبك." "وإنك تاخد بناتك وتمشي من القصر ده تسميه إيه؟ رد بجفاء: "أنا حر." "فكرك مروة هتاخد بالها منهم ولا من ولادها؟ عاصي رجع بناتك القصر." "بناتي أنا أدرى بمصلحتهم، ومعنديش كلام تاني أقوله." فارقت مقعدها واقتربت منه راجية: "متزعلش مني، والله مش قصدي، إنت عارف أنا بحبك أد إيه وعمري ما فرقت بينك وبين عالية."

تجاهل توسلاتها وقال بحدة: "عندي شغل، ومش فاضي لأي كلام دلوقتي." رمقته بغلٍ: "كده يا عاصي!! ماشي، همشي بس كلامنا مخلصش." خرجت عبلة من مكتبها وأول شيء فعلته هاتفت محاميها الخاص: "أيوة يا متر، عايزاك تلغي جميع توكيلاتي لعاصي." وعلى حدى تجلس هدير في سيارتها وتهاتف "هاشم مدكور": "أنا موافقة، والفترة الجاية السوق هيكون في إيدك." "بعد مرور أسبوع" مر أسبوع روتيني لم يحدث به شيئًا يذكر.

عالية لا تزال على حالها تنتظر مكالمة منه وتراقبه بلهفة وقلب مراهق تعلق بأول حب الـتقـاه. ومراد الذي اختلى بقلبه بأدائه لمراسيم العمرة التي ردت إليه روحه من جديد. ازدادت مقابلات نوران وكريم السرية التي لن تخلو من الشجار والعناد، ولم يتوقفا الاثنان عن البحث وراء حقيقة ما وقع على أذان كريم.

لم يتوقف تميم عن محاولته لكسر الجدار الفاصل بينه وبين شمس حتى اكتسب ثقتها، وقربهم بسبب مشروع إنشاء المشفى والمشاركة في جميع تفاصيله. عاد عاصي ظهرًا إلى شقته التي تحوي بساتين من الحب والدفء الذي كان يعيشهم بجوار أحبته، والأجواء الأسرية التي عاشها لأول مرة نازعًا ثوب عاصي دويدار مرتديًا جلباب الزوج والأب. فتح الباب بعد ما أخذ بناته من المدرسة ونادى على سيدة: "سيدة." جاءت ركضًا إثر ندائه: "أوامرك يا بيه؟ قال آمرًا:

"جهزي شنط البنات عشان مسافرين كمان ساعتين." سألته بفضول: "والست حياة؟ "أكيد مش هسيبها وأسافر يا سيدة، يلا استعجلي." تأهبت للذهاب فأوقفها: "هي فين؟ "عملت الأكل بنفسها ودخلت عشان تستريح شوية." كادت أن تنصرف ثم أخبرته: "الهانم مش عاجباني يا ريت تاخدها لدكتور لأنها لا بتاكل ولا بتشرب وأول ما تشم ريحة الأكل تجري على الحمام." ثم وشوشته:

"أقطع دراعي أما كانت حامل، بس هي مش مصدقة وبتزعق معايا أول ما أقولها كده. بس على مين أنا نظرتي ما تخيبش أبدًا، فاكر يوم الست مها؟ مش أنا اللي جيت وقلت لك أول واحدة." شرد عاصي للحظات ليقارن ما لاحظه على حياة وما عاشته مها في أشهر الحمل الأولى ولكنه نفض غبار الوهم سريعًا: "متحطيش في بالك يا سيدة مفيش الكلام ده، أصلًا إحنا مأجلين الموضوع ده شوية، روحي شوفي البنات." رمقته بنظرة خزى: "حتى إنت يا بيه!! طيب."

لم يكترث لحديث سيدة واتجه نحو غرفته وجدتها تجلس وتقرأ كتابًا. قفلته عندما رأته وقالت متأففة: "أنا اتخنقت وزهقت من قعدة البيت دي، مش بعمل حاجة غير إني بطبخ وأتفرج على التلفزيون وأرغي مع سيدة وأذاكر للبنات، أنا حاسة إني مش عايشة وهطق." ترك حقيبته السوداء على الكومود وقال: "طيب هيجرى إيه لو قولتي كل الكلام ده من غير عصبية! أغرورقت عينيها بالدموع التي لا تعرف سببهم وقالت بعجز:

"مش عارفة، أنا هتجنن ومش عارفة أنا عايزة إيه. بفكر في أخواتي وحياتي القديمة، أنا عايزة أرجع أشتغل وأكتب وأعيش. دي مش عيشة، وفي نفس الوقت مش عايزة أرجع الغردقة ولا حابة حاجة تفكرني بالماضي. أنا تعبت." تلقى عبراتها المترقرقة على إبهامه وقال: "طيب إيه رأيك في سفرية لباريس تغيري جو!! "مش عارفة، حاسة إن مفيش حاجة هتسعدني الحياة كلها كئيبة حواليـا." "طيب روّقي وسيدة هتيجي تساعدك في الشنط، وعد هنقضي أحلى يومين هناك."

ردت باستسلام: "تمام." ثم ابتعدت عنه سريعًا: "متحطش من البرفيوم ده تاني مش طايقة ريحته." وفق حاجبه مستنكرًا: "نعم!! مش كنتي بتحبيه وبتحبي ريحته؟ ردت بضيق قبل أن تركض لتتقيأ بالمرحاض: "مش طايقاه بجد يا عاصي." "بالقصـر" دخلت هدير الغرفة على خالتها وهي تحمل على عاتقها دبابير الشر وقالت: "جيت لك عشان مصلحتنا واحدة." طالعتها عبلة بضيق: "مصلحة إيه؟

"زي ما أنا بخاف على ابني اللي جاي وعايزة أضمن حقه إنتِ كمان أكيد خايفة على ابنك." ردت ساخرة: "بصرف النظر عن موضوع ابنك اللي متكلمناش فيه ده.. بس هاتي اللي عندك يا هدير." سألتها بصرامة: "عاصي له أكتر من أسبوع مبيتش في البيت يا ترى بيبات فين!! تعرفي؟ "وأنا هعرف منين؟ عاصي راجل ويعمل اللي عايزه ومصيره هيرجع النهاردة أو بكرة." وضعت ساق فوق الأخرى وقالت: "زي ما اتوقعت." انتبهت لها عبلة بفضول: "اتوقعتي إيه؟

ما تتكلمي على طول." رد بثقة: "عاصي ابنك عايش مع حياة وبناته في شقة واحدة، هبعت لك لوكيشن الشقة عشان تتأكدي." تبدلت ملامح عبلة ولُجم وجهها بجمر الغضب: "إنتِ بتقولي إيه؟ عاصي رجع لحياة!! طب إزاي.. لآ عاصي يعمل أي حاجة إلا كده." ختمت هدير الجولة بينهم بحزم: "العنوان عندك وتقدري تتأكدي بنفسك. حبيت أحذرك بس بدل ما إنتي نايمة في الخط كده." شردت عبلة بحقد: "يا ترى هتودينا على فين يا ابن تحية!!

وصل عاصي إلى المطار قبل موعد الطائرة بنصف ساعة ولكن وقتها علم بحدوث عطل بطيارته الخاصة وعليهم الانتظار حتى إصلاحه. حينها حجز غرفة بفندق تابع للمطار حين إنهاء العطل. في تلك اللحظة وصلت عبلة إلى العنوان الذي أرسلته هدير. وقفت طويلًا أمام البناية حتى هبطت من سيارتها واتجهت نحو البواب وسألته: "عاصي دويدار موجود فوق؟ هز رأسه نافيًا: "لأ يا هانم." كررت سؤالها بصيغة أخرى: "قصدي إمتى جيه هنا وكان معاه حد ولا لأ؟

رد الحارس بثقة زائدة، خاصة بعد ما أكد عليه عاصي بإنكاره التام إذا سأل عليه أحد: "عاصي بيه له أكتر من ست شهور مش بيجي هنا." شكرته عبلة بعرفان بعد ما وضعت بعض النقود بيده وانصرفت متوعدة: "بتشتغليني يا هدير!! أما أوريكِ." "صباحًا في مطار باريس" لمست قدمي حياة أرض المطار بعد رحلة طويلة قضتها بمفردها سارحة لا تتحدث معه إلا قليلًا، وبناته اللاتي أهلكهن التعب فناما.

اتجهوا جميعًا إلى السيارة الفارهة التي تنتظرهم ويقف أمامها يسري الذي أمره بأخذ البنات إلى الفندق وسيلحق بهم. وقفت حياة معترضة: "ما ينفعش يقعدوا لوحدهم في الفندق." "حياة يسري معاهم وبعدين هما هيناموا." رفضت قطعًا: "ما ينفعش.. يناموا في العربية، وبعدين إحنا هنروح فين؟ أغمض جفونه ملبيًا لطلبها وصعدوا جميعًا السيارة واتجهوا نحو ما يقصده. بعد مرور ساعة صفت السيارة أمام السفارة المصرية فطلب منها: "انزلي."

ثم وجه كلامه ليسري: "خلي بالك من البنات، ولا أقولك روح فطرهم في أي مكان قريب من هنا." "اللي تأمر بيه معاليك." هبطت حياة من السيارة وانتظرته حتى وقف أمامها صامتًا للحظات، فأشار برأسه: "يلا." "يلا فين؟ أحنا هنا ليه؟! "عشان أتجوز رسيل المصري." وقوع الخبر على آذانها أشبهُ بابتلاع كمية من الصخور على معدة فارغة. تفوهت بدهشة: "إنت بتحطني قدام الأمر الواقع!! فاكر كده هتلوي دراعي؟!

"حياة افهميني، ده مش وقت لأي جدال، إحنا داخلين حرب، فلازم أضمن ربحها من كل الاتجاهات وأولهم إنك تبقي مراتي قانونًا، لأنك شرعًا مراتي! "وإن قلت مش عايزة! "هعارضك، لأني شايف اللي إنتِ مش شايفاه. وجوازنا باسم رسيل مش هيغير أي حاجة بينا، إحنا زي ما إحنا ومش مجبرة على حاجة، ولما تقفي على أرض صلبة هيكون ليكي الاختيار، تكملي معايا أو لآ. هااه قلتِ إيه؟

ركضت نوران كلصوص مستغلة نوم أغلب الموجودين في القصر لتلقي بكريم وتنفذ ما اتفقا عليه الاثنين. ما أن قابلته وهي تأخذ أنفاسها بصوت مرتفع؛ قال كريم ممازحًا: "اتجمت بسببك، لما أخد دور برد دلوقتي مين هياخد باله مني." رد بعفوية: "أمك." ضحك كريم بصوت مرتفع على تلقائيتها ولسانها الحاد: "عنيفة أوي إنتِ." أخرجت من جيبها منديلًا يحتوي على بقايا خصلات شعر عالية المتساقطة ووضعته بيده وقالت: "اللي اتفقنا عليه أهو."

"تمام، وأنا هجيب عينة من خالتي." تنهدت بمرارة: "يارب يا كريم يطلع كل ده مش صح. بجد عالية هتصعب عليا أوي، هي مش مستحملة أي صدمات تانية." "ربنا يستر يا نوران." ثم غمز بطرف عينه مازحًا: "بس جو المفتش كرومبو ده هياخد منك حتة!! ضحكت بسخرية: "ومنك إنت كمان يا لذيذ." خرج عاصي بصحبة حياة بعد ما أتم زواجهم قانونيًا. كانت خطواتها هادئة ومترددة، عكس خطواته السريعة التي تعرف مقصدها جيدًا. وقف لينتظرها تقترب منه وسألها:

"إنتِ تعبانة؟ "لأ، أنا تمام." حاول أن يمازحها كي تخرج من دوامتها وشرودها: "كده أقدر أقول لك مبروك عليكي أنا!! رمقته بتعجب فأكمل: "أومال!! بقيتِ مرة عاصي دويدار رسمي.. إنتِ كنتي تحلمي!! ردت بخفوت: "طيب!! اقترب منها ورفع وجهها إليه حتى تلاقت أعينهم: "بس لو جينا للحق، مبروك عليا إنتِ، أنا اللي عمري ما كنت أفكر إني أطولك حتى في أحلامي، إنتِ عندي حاجة كبيرة أوي يا حياة." احتفظت بمشاعرها المتضاربة بجوفها وقالت:

"يلا نروح للبنات." "في مشوار الأول هنروحه، بس لو مش مستعدة خلاص." "مشوار إيه؟ "هتعرفي لما نروح." ثم مد كفه إليها وسألها: "واثقة فيا؟! منحته الموافقة بعيونها وهي تضع يدها بيده، سحبها برفق ثم صعد السيارة التي كانت في انتظارهم بالخارج وانصرف الثنائي. وصلوا إلى ميناء للسفن فطلب منها أن تدلف من السيارة فسألت بتوجس: "إحنا هنا بنعمل إيه؟ ساعدها في الهبوط من السيارة وأدناها منه قائلًا:

"متقلقيش، مش جايين هنا نقضي شهر العسل، لأن وقتها هيكون مفاجأة تليق بيكي." ركض الخوف بعيونها: "عاصي!! قبض على كفها بقوة: "مش وثقتي فيا خلاص. يلا تعالي." صعد الثنائي "اللانش" الصغير الذي شقت سرعته الماء حتى وصلا إلى مركبة كبيرة "ياخت". قفز عاصي على ظهرها ثم أمسك بيدها ليساعدها: "تعالي." وقفت بجواره: "طيب فهمني.. إحنا هنا بنعمل إيه، وبعدين أنا قلقانة على البنات أوي." وقف أمامها ليبث بصدرها وميض الاطمئنان:

"إحنا هنا عشان أرجع لك حق يا حياة، حقك اللي اتاخد منك غدر. مش هينفع تكوني مراتي وأسيب اللي جرحك يتنفس على وش الأرض." أغرورقت عينيها بالدموع: "إيه حق؟! أشار عاصي لرجاله كي يأتون بقاسم المكبل، وما أن استدارت لتقف أمامه تفوهت بصدمة: "إنتَ!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...