بالخارج وصلت السيارة التي ستنقلها إلى الغردقة، لتغادر حياته بلا عودة. وصلت حياة إلى الباب الخلفي وهي تفحص المكان وراءها جيدًا، أخذت تتوارى وراء الجدران كي لا يراها أحد فيفسد مخططها للهروب. كانت هناك أعين خفية تتبعها برهبة وفضول، تتبع خريطة هروبها حتى أجرت مكالمة هاتفية سريعة ثم أكملت تتبع مسار "حياة".
قطعت مساحة كبيرة من الحديقة الخلفية حتى وصلت إلى جراج أسطول سياراته، في اللحظة التي كانت تفحص المكان خلفها ولّت وجهها لتصطدم بعيونه الصقرية وهو يسألها: -على فين؟ فرغت فاها في ذهول وتهتهت: -أنا، أنا كنت... ثم رفع حاجبه بفظاظة منتظرًا ردها. تراجعت خطوة للوراء كي تتخلص من دخان أنفاسه الحارق وقالت بتمرد: -وأنت مالك! عايز مني إيه تاني وبتراقبني ليه؟ ومش عملت كل اللي عايزه؟ في إيه تاني؟
-هو الطبيعي لما أسأل سؤال يترد بسؤال؟ ذبحته نظرتها الحادة ذبحًا وهي تقول بشيء من السخرية: -الطبيعي اللي بجد إن مبقاش ليا وجود هنا بعد اللي حصل. اااه وبعد ما رديت مراتك. ثم نغزته بأصبعها في صدره وقالت بعتب وحرقة: -تعبت نفسك أوي في مسرحية رخيصة يا عاصي بيه. أخذت نفسًا طويلًا ثم أكملت: -ااه هجاوبك على سؤالك. دنت نحوه أكثر حتى باتت كلماتها تصطدم بملامحه الحادة، وأردفت بتحدٍ:
-كنت بهرب منك ومن وجودك في حياتي، وجودك اللي بقى زي الكابوس على قلبي. أنا بقيت بتخنق لمجرد إننا بنتفس نفس الهوا في مكان واحد. صاحت ببكاء وأعلنتها صريحة: -وجودك بيخنقني. عادت نبرتها لحالتها المحترقة وشنّت حربها الباردة عليه: -وأنت لو راجل وبتحس هتسيبني أمشي وتحفظ اللي باقي من كرامتك!
كان لحربها الباردة وقعًا على قلبه أحر من قنبلة موقوتة. هو صاحب قرار ذهابها ورحيلها من حياته بلا رجعة، ولكن الأمر تحول عندما بات هجره رغبتها. لم تُخلق امرأة بعد لتخدش كبرياءه وتود البعد عنه بإرادتها. تولدت جميع الأفكار برأسه ولكنها لم تكن إلا حجج قلبه المتسربة إلى ذهنه.
ظلت ترمقه منتظرة مصيرها أمامه برتابة حتى أجابت يده القابضة على رسغها وجرها خلفه بقوة. لم يمنحها فرصة للتأوه بل بات تركيزها في السرعة التي يشدها بها وكيف ستواكبه. وصل إلى السيارة المصفوفة أمام البيت وأشار بريحه العاصفة للسائق أن يهبط من السيارة. فتح الباب بيمينه ثم دفعها بالداخل. شرعت أن تثثرثر بوجهه ولكنه ألجمها بقسوة: -مش عايز أسمع نفسك.
رزع الباب بقوة ثم خطف مفتاح السيارة من السائق وصعد مكانه وتولى مهمة إقصاءها عن القصر بنفسه وهو لا يعلم إلى أين سيأخذها وما عاقبة أفعاله الماجنة! خرج بسرعة فائقة من القصر حتى كادت أن تصطدم رأسها. هو يتهمه: -أنا إزاي مخدتش بالي إنك مجنون ومحتاج تتعالج! التزم الصمت المحشو بالصخب، وتولت هي مهمة النقر فوق رأسه كطائر عنيد مثلها. زفرت بضيق لأنه لم يعرها أي أهمية حتى ختمت ثرثرتها بخوف: -أنت عايز مني إيه؟
كانت نبرتها توحي بالضعف والاستسلام. فرغت كل غضبها بالتبذير في وصف كرهها إليه، حتى لانت فجأة متخذة طريق الهزيمة ربما يرقق قلبه. صهرت نبرتها الطفولية جليد قسوته فلم يعد يتحمل أكثر حتى انفلت منه زمام القيادة وأوشك أن يصطدم بأحد الأعمدة بالطريق. ما بين صراخها وفزعها وشحناته المتضاربة التي أفقدته السيطرة على نفسه قالت: -أنت مش طبيعي، والله ما بني آدم طبيعي! ثم حاولت فتح باب السيارة كي تفر منه وتنقذ ما تبقى من حياتها.
أدار السيارة بسرعة بعد ما أخذ قسطًا من الراحة نحو وجهته. تعبت من كثرة الجدال الفارغ فاستسلمت منتظرة نهايتها معه. مرت الساعة طويلًا حتى وجدت نفسها بأحد المنتجعات السكنية التي تنتمي للطبقات العليا حتى صف سيارته أمام بناية سكنية تنتمي لأملاك دويدار. هبط من سيارته ثم اندفع نحوها بعد ما جذبها بنفس الطريقة التي أدخلها بها، وجرها كما تُجر البعير إلى الدور الثاني بالمبنى. وقف الثنائي أمام إحدى الشقق فسألته:
-إحنا هنا بنعمل إيه؟ فتح الشقة وأدخلها مرغمة ثم قفل الباب خلفه وقال بصورة قطعية: -هتقعدي هنا! وقفت أمامه معترضة: -أنا عايزة أرجع الغردقة، رجعني مكان ما لقيتني! -البحر! حدقته باحتقار: -هيكون أحن عليا من جبروتك! أنت مستحيل تكون بني آدم زينا. تنهد بمرارة ليحرق قش إهانتها المنثور بوجهه وقال متأهبًا للذهاب: -مش عايز الجيران تشتكي منك! قرأ الخوف بعيونها: -أنا هقعد هنا لوحدي؟ -على الأقل أهون من الشارع اللي كنتِ هتروحي له.
ثم ولى ظهره كي يغادر ولكنها أوقفـته بعيونها الدامعة: -أنت بتعمل معايا كده ليه! نطق قلبه الجواب وهو يخفق بجملة "لأني أحببتك، وجاء الوقت لتدفعين ثمن إخضاع قلبي لسلطان العشق مرة أخرى. هذه عقوبتك على ما أرغمتني عيناكِ عليه". خرج وقفل الباب بإحكام. ومع صوت دقات المفتاح أعلنتها صريحة وهي تضرب الباب بقلة حيلة. تهدج صوتها لتغلبها دموعها: -هفضل أكرهك وأكره البحر اللي جمعنا لأخر يوم في عمري. *** "في حي الجمالية"
جرت "شمس" الصندوق الكبير بصعوبة مع إصدار تنهيدات التعب حتى وصلت لأقرب مقعد. جلست كي تستريح وما أن تبادل الثنائي النظرات حتى اتفقت الأعين على فتحه. رفعت شمس سطح الصندوق فرأته مكدسًا بالعديد من الأشياء. بدأت الفرز بملابس طفولته التي احتفظت بهم والدته. أخذت تشاهده بفرحة شقت طريقًا إلى قلبه، وانبهارها الطفولي بجمالهم. ثم مدت يدها لتتناول صورة لأمه وأبيه ويتوسطهم الطفل الرضيع الذي لا يتجاوز العام من العمر. شهقت بإعجاب:
-الله! دي مامتك؟ أنت شبه مامتك أوي، مأخدتش ولا حاجة من باباك، شوف! أخذ الصورة منها وتأملها بنظرات الحنين لأمه وتمتم: -ألف رحمة ونور عليها، وحشتني أوي. تفهمت حالة الشجن التي أصابت قلبه ثم غيرت الموضوع سريعًا وهي تفتش بداخل الصندوق: -شوف لقيت إيه كمان. فتحت العلبة الصغيرة فوجدت طقمًا من الألماس وبداخله رسالة نصية. لم تقرأها شمس بل مدتها له وقالت: -اتفضل! سألها بتعجب: -ما تفتحيها.
-واضح إنها رسالة من مامتك، وحاجة تخصك أنت. تناول الرسالة منها وفتحها كي يقرأ ما بها حتى ارتسم على وجهه ابتسامة ساحرة أثارت فضولها عما تحويه الورقة. طوى الورقة مرة ثانية وأخذ العلبة القطيفة من يدها وبعد ما تفحص تفاصيل العقد العريق وذهنه يسترجع محتوى الرسالة:
"حاسة إني مش هعيش لليوم اللي أشوف فيه عروستك، الهدية دي كانت شبكتي وهدية أبوك ليا، وأنا معنديش أغلى منك ومن مراتك عشان تلبسه. العقد ده تديه للبنت اللي هتخطف قلبك يا حبيبي." (مديحة عبدالسلام) تحفظت شمس بفضولها ثم كملت تفتيش بالصدوق حتى أخرجت دفترًا مكتوبًا بخط اليد ووجدت بداخله ورقة. فتحت الورقة واطلعت على ما فيها وقالت: -ورقة جواز مامتك وباباك الأصيلة، وشهادة ميلادك. شد الورق منها وقارن التواريخ حتى قال:
-الفرق بين ورقة الجواز وشهادة الميلاد حوالي سنتين! ودي الحقيقة اللي حاولت تخفيها عبلة عشان تطلعني ابن حرام. بس في حاجة غريبة. -إيه هي؟ -مش دي شهادة الميلاد اللي معايا، واضح إنها أجبرت أبويا يطلع لي شهادة تانية بتاريخ سابق عن اليوم ده! شردت شمس للحظات: -طيب هي تعمل ليه كده؟ -هنشوف، كملي يا شمس يمكن نلاقي دليل.
أخذت تفتش في الأوراق التي تثبت ملكية وورث أمه في أملاك دويدار. عقود لأراضي ومباني باسمها لا يعلم عنها شيء. أخرجت شمس ورقتين لشهادتين ميلاد باليتين. فتحت الأولى الذي يعود عمرها لأربعين سنة فائتة باسم "محمد عبدالعظيم دسوقي". رفعت حاجبها بتعجب: -مين ده؟ فتحت الورقة الجديدة حتى تحول تعجبها لصدمة وهي تردد الاسم عدة مرات سرًا حتى صاحت بذهول: -"تحية مرزوق خليفة الأسيوطي". شهادة ميلاد عمتي بتعمل إيه هنا!
ترنح تميم في مقعده وقال: -عمتك إزاي؟ -وبابا اسمه شرف الدين مرزوق خليفة الأسيوطي! ثم أعطته الورقة بتلقائية: -حتى شوف! ثم طالعت شهادة الميلاد الأولى فتضاعفت دهشتها وهي تقول بفم مذموم: -تميم، دي طلعت أم الطفل في الشهادة اللي معايا! امسكت برأسها تحت تحير تميم وفوضى رأسه: -أنا دماغي هتنفجر، في حاجة مش مظبوطة هنا. وإيه جاب الورق ده كله في صندوق خاص بمامتك! طبق تميم الورقة بيده:
-أكيد ليهم علاقة ببعض، في لغز كبير في الموضوع وأنا عارف هلقى حله فين! *** "صباحًا" قضت "عالية" ليلتها في الصراخ حتى اختنق صوتها واستسلمت للصمت. فتح مراد الباب حاملًا مائدة الإفطار بين يده وقال: -يلا عشان تفطري يا عالية. نهضت من مكانها معترضة: -والله! أنت لو مربي كلب كنت هتعامله أحسن من كده! وضع المائدة على طرف التسريحة وقال بهدوء: -أنتِ اللي أجبرتيني على كده! أطلقت ضحكة ساخرة:
-ااه، سيبنا من المصايب بتاعت البيه، وندخل في جو قلب الترابيزة ده بتاع كل الرجالة. ثم دنت منه مشيرة بسبابتها: -بس للأسف ده بتاع الرجالة الضعيفة يا مراد، اللي تعرف تعك لكن ما تعرفش تواجه. ثم صرخت بوجهه: -عشان كده أنت ما ينفعش تبقى جوزي. ولو سمحت كفاية لحد كده وبطل لعب عيال ده وسيبني أروح برضاك وإلا ههد الدنيا كلها فوق دماغك! انخفضت نبرتها باشمئزاز: -روح شوف واحدة غيري تربية كباريهات تليق بيك. رمقها
من أعلى لأسفل بمقت وقال: -افتكرتك أذكى وأعقل من كده يا خسارة يا عالية. -والنبي مش وقت حكم ومواعظ، هي كلمة واحدة خرجني من هنا يا مراد. أومأ بعناد: -وشكلك معرفتيش مين هو مراد المحلاوي يا عالية، ولو كنت اتخدعتي في وش الطيبة بتاعي ده بس عشان فكرتك واحدة مختلفة وهتفهميني، لكن أحنا فيها وجيه الوقت اللي أصلح فيه غلطي! ضربته بكلتا كفيها على صدره: -أنت اتجننت!
أنا مش عايزة أعرف أي حاجة، أنت ماتفرقش معايا يا مراد، عشان كده بقول لك اتقي شري وجناني وخرجني من هنا! قبض على معصمها بقوة مي تكف عن ضربه: -أنتِ مراتي وتحت طوعي، وجو الجنتلة واسيبك على راحتك ده شيليه من دماغك خالص، وبلاش جنان يا عالية يجبرني على أفعال نندم عليها أحنا الاتنين. تركها ثم أخذ هاتفها الذي نفذت بطاريته وقال بتحدٍ:
-المرة دي مش هقفل عليكي الأوضة، الشقة كلها بتاعتك لما تعقلي كده وحابة نتكلم زي الناس الطبيعية هسمعك، لكن الهبل ده واسيبك تشوهي صورتي بره قدام أهلك مش هسمح لك بيه يا عالية! رمى قذيفة كلماته ثم غادر هاربًا من غضبه الجامح الذي فجرته بقلبه. خبط الباب الأساسي وراءه بقوة ثم توقف للحظات قال لنفسه فيهم: -أنا عارف مين ورا الألاعيب الرخيصة دي. ياويلك مني! ***
دخلت "عبلة" المكتب على "عاصي" الشارد والذي قضى ليلته يتنقل من مقعد لمقعد يفتش عن شبح النوم الذي هرب عندها. قفلت أمه الباب ورائها وهي تجلس بجوار مكتبه: -تصدق أنا من فرحتي مكنتش عارفة أنام الليلة دي. نزل ساقه الممتدة فوق سطح المكتب بكلل وقال بجحود: -خير؟ -إنك مشيت البنت دي وخلصنا منها. أف يا عاصي هم وانزاح عن قلبي. لم تلق منه ردًا فأكملت:
-عاصي أوعى تفكر ترجع لها ولا ترجعها حياتنا تاني، خلينا نفوق لمستقبلنا وشغلنا، اللي جاي عايز تركيز. رد بإيجاز: -تمام، موضوعها خلص أصلًا. هلت عبلة بفرح: -أنا قلت كده، دي مجرد نزوة في حياتك، عاصي ابني حبيبي أعقل من كده؟ طوى عنها الموضوع الغارق فيه وقال بملل: -كنتِ عايزة إيه؟ -عرفت أن تميم أخوك راح شقة الجمالية بتاعت أمه بالليل! انعقد حاجبيه بغرابة: -لا ليه! استنى هنا، مش قلتي إن العمارة دي وقعت! ارتبكت
عبلة من مكانها بقلق: -أصلو اضطريت أقول كده. خفت أحسن يلاقي حاجة مخبياها اللي اسمها مديحة دي، ويفضل يدور ورانا وتكون وقعتنا على إيدين واحد زي تميم! فكر عاصي قليلًا: -طيب وإنتِ مدورتيش في الشقة دي قبل كده! زفرت بشك: -قلبتها مالقتش أي حاجة، شوية عفش قديم اللي فيها. عاصي باطمئنان: -تمام، أنتِ إيه اللي مخوفك! -مش عارفة يا عاصي قلبي مش مطمن، والواد ده مش هيبطل يفتش ورانا، خايفة أحسن يكون وصل لحاجة.
شرد عاصي طويلًا متذكرًا جملة سابقة أخبرته بها حياة بعد ما خاض جدالًا طويلًا معها يشاكسها، ولأول مرة أعلنت هزيمتها أمامه ولكنها أرادت الانسحاب من مكره بشموخ: "الحرب لا تحدد من هو صاحب الحق، وإنما تحدد من تبقى." لوحت عبلة بوجهه: -بكلمك، روحت فين؟ تنهد باستسلام: -صاحب الحق مش هيبطل يدور عليه، ومهما خفينا الحقيقة مسيرها تظهر للعالم زي الشمس! أحست عبلة باستسلامه وثارت بوجهه: -أنت بتقول إيه!
لا فوق كده وأعرف المصيبة اللي هتقع فوق راسنا لو أنت مافتحتش عينيك واتغذيت بعدوك قبل ما يتعشى بيك. هدأت نبرة صوتها المشحونة وهي تقترب منه وتربت على كتفه: -عاصي، تميم لو قامت له قومه هيدفنا كلنا وأولهم أنتَ. وثب قائمًا كي يفر من النار التي فتحتها أمه بوجهه وقال: -هغير وأروح الشركة في اجتماع مهم النهاردة. بعد ما بث الخوف والقلق في قلبها تركها في جوف النيران تحترق. ضربت كف على الآخر:
-شكلك ما يطمنش يا عاصي، المركب دي أنا اللي بنيتها ومستحيل اسمح لها تغرق. وصل عاصي إلى غرفته فوجد "هدير" تتوسط فراشه، مرتدية ملابس خفيفة. كانت دعوة صريحة منها للفتنة. جرى الغضب بعروقه مجرى الدم وهو يسألها: -أنتِ هنا بتعملي إيه؟ تغنجت بذراعها البضة المرمرية واقتربت منه خوداء مروضة: -حبيت أعملك مفاجأة وأقولك إن قلبي بيحس بيك قبل ما تندهلي. بعد يدها الثقيلة على قلبه عنها بسخرية: -إيه الجنان ده؟ ضحكت بدلال:
-بلاش أسلوبك ده، أنا خلاص عرفت إنك رديتني لعصمتك. رفع حاجبه بغرابة: -والله! عرفتي إزاي بقا؟ -مصادري الخاصة يا عاصو! شعر بالاشمئزاز منها ومن دلالها إليه: -اتأكدي من مصادرك كويس؟ ركضت خلفه لازقة في ظله بصمغ: -حتى لو قولت لك مصدري القيادة العليا في قصر دويدار، عبلة هانم المحلاوي! تفحصت ملامحه بعيونها الكاشفة لحقيقة لعبلتها التي كشفته. زفر بضيق وهو يبعدها عنه: -طيب انزلي أوضتك يا هدير، ومش عايزك تعتبي الأوضة دي تاني!
-ياسلام! ليه إن شاء الله؟ دار إليها متمايلًا على أذانها مما أوحى لها بقربه حتى ألجمها بكرباج اعترافه: -عشان كل ركن في الأوضة فيه ريحتها. عاد قلبها المنتفض في حضرته خائبًا مخذولًا: -إيه؟ نصب قامته الشامخة: -اللي سمعتيه، أنتِ مراتي لحد ما تولدي وبعد كده عايز أسمع عنك كل خير يا هدير! أجابته بخيبة مريرة: -يعني أنت رجعتني عشان اللي في بطني وبس! -أومال عشان جمال عيونك! للأسف غلطتي وبصلحها. نشجت في صمت: -بس أنا ليا حق فيك!
-والله أنتِ اللي قابلة الوضع ده وموافقة عليه، استحملي. *** "بالأسفل" صوت طرق الباب تحمس له كلًا من تميم وشمس. صاحت بنبرة مرتعشة: -تعالي يا سيدة. فُتح الباب فظهرت منه نوران المنتفضة. بللت حلقها ثم قالت: -شمس عايزاكي. رمقت تميم بنظرة تعجب: -مالك يا نوران، وشك مخطوف كده ليه؟ شدت نوران أختها إلى شرفة الغرفة لتخبرها، أخذت تحك كفيها بضجر: -اسمعيني يا شمس، بس ورحمت جدتك اسمعيني للأخر. -قلقتيني يا نوران، في إيه انطقي؟
-امبارح بالليل شفت اللي ما تتسمى هدير دي خارجة من الأوضة عند حياة. تترقب حزنها المسافر على صفحات ملامحه وقالت لأختها: -وبعدين.. احكي. -بعدها حياة نزلت وكانت بتعيط وبتجري. روحت وراها خفت القنبلة دي تعمل فيها حاجة، ولما الخوف والقلق زادوا أجبرت أكلم عاصي بيه يلحق حياة. تراقب أختها التي تتأريج على بنادول الساعة: -أنتِ إزاي تعملي كده، وأصلا انتِ مالك باللي بيحصل هنا!
-المشكلة مش هنا، المشكلة إن حياة اختفت من القصر، عاصي بيه أخدها بالعافية وخرجوا، ولما رجع كان لوحده. أنا قلقانة أوي يا شمس، هو ممكن يكون قتلها! كانت مطرقة ذاهلة: -بصراحة مش عارفة! بس فعلًا ما رجعتش معاه ليه؟ يا ترى وداها فين! وعندما رأت سيدة جاءت الغرفة، قالت بسرعة: -ارجعي الأوضة أنتِ وأنا هاجي لك. مشت نوران مطرقة الأنظار حتى لن ترمي التحية على تميم. قفلت شمس الباب وراء أختها حتى شرع تميم بالحديث: -اقعدي يا سيدة.
جلست سيدة، وانضمت شمس إلى مجلسهم. بدأ تميم مفتشًا عن حل اللغز الذي يشغله: -أنتِ بتشتغلي هنا ليكي كام سنة! سيدة بفخر: -ليا ٤٠ سنة، من وقت ما سي عاصي كان حتة لحمة حمرة. -يعني كنتِ تعرفي مامت تميم من زمان! ابتسم ثغر سيده كأنها تذكرت أمرًا هامًا:
-طبعًا، كانت هي وأمها شغالين معانا في الفيلا القديمة، وكان سي شهاب دويدار روحه فيها. أنا شوفت قصة الحب اللي مابينهم خصوصي لما الست جدتك اتوفت يا تميم بيه. مكنش ليها في الدنيا كلها غير البيه الكبير. اااه كانت أيام حلوة والله. نظرت شمس إلى تميم ثم هرولت بالسؤال التالي: -تعرفي واحدة كانت شغالة معاكم اسمها تحية. فكرت طويلًا:
-اللي أعرفه إن قبل الست مديحة وأمها، عبلة هانم غيرت كل الخدم وجابت غيرهم. بس اسم تحية ده لا معرفش، يمكن كانت ضمن الخدم القدام. هو في حاجة يا دكتورة! رد تميم: -أبدًا يا سيدة، بندردش معاكي بس. اندفعت شمس قائلة: -طيب متعرفيش حد من اللي كانوا شغالين هنا قبلك! فكرت سيدة طويلًا: -افتكر إن الحج حسين اللي جابلي الشغل هنا لسه عايش، كان شغال جنايني هنا، ممكن يفيدكم أكتر مني. تعـلقت شمس في جملتها بأمل:
-طيب معاكي عنوانه أو رقمه، نوصله إزاي! -لا إزاي دي مش عارفة، بس أديني يومين أشوف وأقولك. شمس برجاء: -أهم حاجة السرية يا سيدة، خليكي حريصة! فرحت سيدة بالمهمة الجديدة: -حطي في بطنك بطيخة صيفي، أنا شوفت مسلسل رأفت الهجان وهو خايف حد يقفشه، أنا هعمل زيه كده وإن شاء الله منصورين يا بيه. ما كادت أن تغادر ولكنها توقفت وأخرجت زجاجة دواء: -ست شمس، أنا لقيت العلبة دي في المطبخ تحت. ده دواء إيه، أصلو يشبه دواء الضغط بتاعي.
قرأت شمس اسم الدواء ثم جحظت ذاهلة: -دي حبوب هلوسة!! إيه جابها المطبخ!!!! *** -أنتِ بأي حق تتدخلي في حياتي بالشكل ده وتبوظيها! اقتحم مراد نادي الجزيرة على الطاولة التي تجلس عليها أمه. وقال جملته مفرغًا شحنات الغضب المكدسة بجوفه. تركت جيهان كوب القهوة وقالت بفظاظة: -قول صباح الخير الأول! ولا هو على رأي المثل قاعدين يكفي شر جايين! ضرب مراد على سطح الطاولة بضجر:
-الحركات النص كوم دي مش عليا، ولاخر مرة بحذرك ابعدي عن سكتي وحياتي يا جيهان يا محلاوي. ثارت جيهان بوجهه: -أنت شكلك نسيت نفسك ولا إيه!! هي البنت دي كمان هتقلبك عليا؟ لا يا حبيبي فوق معاش ولا كان اللي تيجي تأخذ مني ابني. ده أنا أنسفها من على وش الأرض. هز رأسه متفاهمًا ومتأكدًا أن أمه وراء كل ما حدث. وقف أمامها رافعًا رؤية التحدي وهتف:
-مش عشان تحققي أحلامك تدخلي في حياتي بالأسلوب ده وكمان تشوهي صورتي، وتبعتيلي لي بنت رخيصة ولا تسوى!! جلست جيهان على مقعده مرة أخرى ووضعت الساق فوق الأخرى وقالت بنبرة قائد انتصر في معركته: -عشان أنا عايزة مصلحتك ودي الطريقة الوحيدة اللي هتبعد اللي اسمها عالية دي عن سكتك لأني اكتشفت إنه لا وراها أبيض ولا أسود. أنا أمك وخايفة على مصلحتك. رفع سبابته محذرًا:
-وأنا بقولها لك ابعدي عني وعن حياتي. وبعدين أنت لسة فاكرة إنه عندك ابن بعد السنين دي كلها بعد ما شبعتي من عز دويدار وأولاده!! -أنت هتنسى نفسك ولا إيه؟ -لا أنا هنا جاي عشان أفكرك أنت، لأن واضح أنت اللي نسيتي نفسك ونسيتي إزاي رميتي ابنك الكبير لأبوه جده وإنتي ما تعرفيش عنه أي حاجة، وجاية الوقتي ببساطة تتدخلي في حياته بحجة أنه ابنك!! لا، مش هيحصل. ثم ضرب الطاولة بقدمه الحديدية: -فاهمة! مش هيحصل!!! ***
تحجج عاصي بالمهام المتكدسة فوق رأسه التي تخلى عنها برمته ليسري. أخذ يتجول الطرقات والشوارع الهادئة ولكن لم يهدأ صخبه بعد. ساعات طويلة لم يتذكر فيها حتى فنجان قهوته المهم بيومه. على ما يبدو أن سحرها فاق سحر قهوته. لاجئ تائه لا يجد مكانًا يأويه كعصفور خانه غصن الشجر الذي اتخذه مأوى فتساقطت أوراقه. صف سيارته وأشعل سيجارته وأخذ يحاور رأسه:
"انتهت سنوات التجبر والنعيم، وحل وقت عودة الحق لأصحابه. لا أنكر كم سعيت للحفاظ على شموخ مجدي، كنت أخشى تخيل فكرة خسارة طوبة واحدة منه، والآن وخاصة بعد ما وجدتك ووجدت كنزي الحقيقي وليت ظهري عن الدنيا، أصبحت لا أريد منها إلا زُرقة عيناكِ الغارقة، وسن سيف أهدابهم القاتلة. عاهدت الجميع ونفسي على أنني طويت صفحتك للأبد، لكني اختنق، وتختنق روحي، أشعر وكأن لم يتبق بالعمر إلا دقائق والعجيب أردت أن أقضيهم معك."
غمض عينيه الحائرة التائهة وهو يتذكر الليلة التي أسكنتها في قلبه للأبد، عندما وصل للحد الذي لا يوجد منه رجعة معها. استأذنها بعيونه التي لا تعرف الأذن قبل أن تطرق قلب أي امرأة قبلها. كانت الأولى التي اختصها بالسماح للعبور إلى قلبها قبل امتزاج بحرين حبهما الذي لم يظهر للعلن بعد. لم ينس الجملة التي همست بها في جوف سكرها وسُكرها بنشيج خافت، وبين نصب وضم أحاسيسها وكسر جفونها الفاتنة: -ما الذي قالته عيناك لِقلبي فاستَجَاب؟!
نهض من غيبوبته كالملدوغ بعدما عثر على ملجأه بعد سويعات التيه. شغل سيارته بسرعة وانطلق بسرعة الصاروخ حتى انطفأ أمام البناية التي تسكنها. نزل من سيارته مسرعًا متجهًا إليها.
أما عنها اشتدت بها حالة الجوع، فأخذت تقلب في الثلاجة الفارغة لتجد ما تأكله ولكن بدون فائدة. فتحت المبرد فوجدت كيسًا مجمدًا من البطاطا سريعة القلي، خبز تراكم الثلج فوقه. تناولت ما وجدته ووضعته بالفرن كي يدفأ، حتى سمعت صوت مفاتيح تعلن قدومه. قفلت الفرن الكهربي وتوجهت إليه بنيران غضبها، صرخت بوجهه: -أنت جيت ليه؟ جيت عشان تشوفني عايشة ولا ميتة! متقلقش مش هموت دلوقتي قبل ما أدفعك التمن غالي أوي على اللي عملته فيا.
ركل الباب بقدمه ثم طوق خصرها بغتة وجذبها إليه بقوة دون التفوه ببنت شفة. اتسعت عيونها وتجمد كيانها. ثرثر لسانها ببقية الكلمات المحشوة بفمها ولكن عقلها وقلبها فقدا للتو: -هدفعك التمن غالي، فاكر إني هنسى اللي عملته فيا، أنا أنا هفضل أكرهك طول عمري! عمري ما هسامحك!
انصتت لصوت قلبه الهائج وأنفاس الحارقة التي تأكل في كتفها. ضمها إليه أكثر وكأنه اعتراف صريح منه بأنها خُلقت من ضلع الأمان بصدره لذا فهو بين يديها الآن. بلل حلقها الذي لم يتخيل صاعق الحدث وقالت بنبرة ضعف: -أنت جيت تاني ليه! متطلبش مني السماح، لأني عمري ما هسامحك. اكتفى بالوشوشة في أذنها كي تصمت: -أشششش.
رضخت لطلبه وخانتها يدها لتطوقه ولكنها تراجعت في آخر لحظة مستكينة بين يديه. فرغ غضبه بها حتى نصب قامته وجذبها برفق ليجلسا على أقرب أريكة. جلست وجلس الآخر بجوارها. وجدته يتخذ من ساقيها وسادة لرأسه وهو يقول: -أنا ما نمتش من امبارح، وعايز أنام.
قفل جفونه وغربت شمس غضبها وهي تتأمله وتتأمل ملامحه النائمة بسكن طفل عثر على أمه للتو. تريد أن تتغلغل بداخله لمعرفة الجزء الممزق وتزرع فيه أزهارًا. أخذت أناملها تداعب جدائل شعره بدون إدراك منها حتى اطمئن ثم نام بعمق. "حينما أجاورك أشعُر بأني بالمكان الصحيح الذي يبتعد عن كُل شوائب وخراب هذه الحياة، المكان الآمن الذي تطمئن رُوحي بالبقاء به دائمًا."
استسلمت لإرادته ولمطلبه ووفرت له الهدوء والسكن كي ينعم بنوم هادئ. استغرق نومه قرابة الأربع ساعات حتى تفتحت عيناه على لمساتها الساحرة التي لم تكف عنها حتى بعدما خاصت في النوم. اعتدل في نومته ثم حملها برفق ووضعها على الفراش بغرفته وشد الغطاء فوقها ثم طبع قبلة رقيقة فوق جبينها وغادر بعدما طوى مشاعره المشتعلة للبقاء بجوارها. *** "صباح اليوم التالي" في حديقة القصر.
بعد ما جاءت مكالمة مجهولة لعبلة، أخذت تترقب بعينيها الحاقدة والناقمة "تميم" الجالس على طرف المسبح يقرأ كتابًا في مجال الأدب الذي يفضله، صفحة وراء الأخرى تطوي بين سطورها أذهانه وتسارع ضربات قلبه تارة وأخرى تهدأ. فارقت "عبلة" الطاولة التي كانت تجلس بجوارها واقتربت منه حتى وقفت خلفه عاقدة ذراعيها أمام صدرها وقالت بخبث: -مش كفاياك كذب وتمثيل! ووقف المسرحية البايخة بتاعتك دي؟
كان لصوتها أثر الصاعقة التي تتصدع لها الآذان. قفل الكتاب بكلتا يديه محدثًا صوتًا مسموعًا وقال بجزع: -أهو بنتعلم منك يا عبلة هانم! زفرت باختناق ثم هتفت بسخرية: -لا إزاي! دا أنت أستاذ ورئيس قسم! ثم مالت إلى أذانه هاتفه بنبرة كفحيح الأفعى: -قبل ما دماغك توديك كده ولا كده، اعرف حجم خصمك الأول، وعبلة المحلاوي لحمها مر أوي!! التوى ثغره ببسمة ساخرة وتلاقت عيونهم الثائرة في ساحة الحرب الصامتة الدائرة بينهم ورد بـ مضض:
-الله يكون في عون الكلاب اللي هتاكلها! انتصبت قامتها بعد ما بدأ شبح الخوف يطوف بمقلتيها وقالت بتوجس: -ولا تقدر تعمل حاجة!! أنت فاكر نفسك مين! اللي كان عايز يعمل كان عمل من زمان، لكن أنت فضلت العجز. -الهدنة مش نهاية الحرب، دي فترة من الاستعداد والتجهيز عشان نرجع أقوى!! فبلاش تستعجلي وتحطي نتيجة وهمية من دماغك، هتتفاجئ بعدين!
-أحنا ممكن نوفر ده كله ونتفق، لأن المفاجئات بتجنني وبتخليني أفقد السيطرة وممكن أنت اللي تزعل بعدين! عض على كبريائه وحزنه؛ وتفوه بضجر كظيم: -لابد من ماتش اعتزال لأي لاعب محترف! واللي عمله في شبابه مش هيتكرر، مهما حاول وسعى! وأنت دلوقتي مكانك على الدكة يا مرات أبويا. ثم رفع أنظاره إليها: -قتلتي أمي، وحاولتي تقتليني أنا كمان. إيه أنتِ ما بتعرفيش غير القتل! رفعت حاجبها باختناق لفشلها السحيق وقالت بتوعد:
-المرة دي هخليك تستناه وتتمناه يا تميم. ثم رفعت أنظارها نحو الشرفة التي تراقبهم منها شمس بعيونها الفاحصة والقلقة. اهتز الكوب الذي تحمله بين راحتي كفها عندما صوبت أسهم النظرات إليها، فأيقنت أن الحديث انحرف إليها وباتت محور كلامهم. شق سيف الانتقام ثغرها وقالت عبلة بنبرة مهددة: -المرة دي هاخد كل اللي حوليك، هخليك عايش لوحدك لحد ما تتجنن، هتبقى الحياة بالنسبة لك قبر، هيوحشك صوت البني آدمين. رفع حاجبه مستمتعًا لتلك
المعركة الشيقة وسألها: -يا أما؟ صمتت لدقيقة أخذت فيها نفسًا طويلًا وقالت: -أو تاخد قرشين يكفوك أنت والسنيورة بتاعتك وسفرك برة البلد على حسابي، وتختفي من حياتنا يا تميم! يا أما هخفيك أنا من على وش الأرض! عصر مسند المقعد المتحرك بقبضته الحديدية وهو يدفن غضبه بداخله كي لا يحقق مناها ومقصدها في خروجه عن السيطرة واندفاعه بوجهها. جز على فكيه بمرارة حتى ختمت حديثها بسؤالها الحارق: -يا ترى العروسة بتاعتك عارفة بكذبك!
يعني مخدوعة فيك زي كل الناس كده؟ -ينفع تشليهـا من دماغك خالص، النار اللي بينا مش هسمحلها تحرق شخص ملهوش ذنب. قهقهت بصوتها الرقيع في ضحكة فاتنة وقالت بنبرة لا يسمعها غيره: -ومش حرام تضحك على البنت كده!! عمومًا ما يرضنيش أنها تكون مخدوعة فيك أكتر من كدا. تلقى تهديدها بسخرية: -أي هتروحي تقوليلها!! -لالا.. أنا هثبت لها وهثبت لعاصي أخوك اللي واقف فوق بيتفرج علينا!
لم تمنحه الفرصة كي يفكر في مدى دهائها للانتقام وما ستفعله بتلك السرعة. ألقت الهاتف من يدها ثم جثت على ركبتها متحججة به وبشاشته المكسورة كي تتمكن من تنفيذ مخططها الشرير. وفجأة طالت أصابعها مركز التحكم بالمقعد المتحرك حتى فقد تميم اتزانه وانكب لوجهه بالماء على غفلة. تبسمت بمكر قبل ما تصيح مستغيثة ومؤدية دورها على مسرح جريمتها: -وريني بقا، هتستسلم للموت ولا هتفضح نفسك وتطلع على رجليك!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!