تحميل رواية جحر الشيطان بقلم ندي ممدوح pdf
بقلم ندي ممدوح
الفصل 38 — رواية جحر الشيطان الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ندي ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كانت ليلة شاتية شديدة البرودة، والظلام يلف غرفتها برداء حالك السواد. صدح منبه هاتفها كما وقتته مع إنتصاف الليل. فتحت أجفانها بتقاثل. ومدت كفها من أسفل الغطاء برجفة من برودة الجو وأوقفت رنينه. تنهدت وهي تخرج رأسها من أسفل وسادتها. تحركت من على الفراش ليهاجمها البرد القارص، فضمت نفسها بذراعيها وهي ترتعش. لكنها لن تضع البرد يغدو حائلاً بينها وبين قيام ليلها. أسرعت لتشعل الأنوار. ولفت انتباهها أثر الغيث العالق على زجاج نافذتها المغلق. فأسرعت نحوه واتسعت حدقتيها وهي تصرخ في حماس وتصفق بكفيها. ثم نظرت...
رواية جحر الشيطان الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ندي ممدوح
كانت صدمة ساحقة ماحقة لماهر إن لمار لا تزال على قيد الحياة.
لقد حسب أنها انتهت، وأنه انتهى منها إلى الأبد. ونفذ ما كان يحلم به يومًا. لكن أن يراها أمامه هكذا!
تسمر جسده وشحب وجهه وجحظت عيناه، وهوى قلبه بين قدميه من فرط الرعب الذي ملأه.
وقال بعد ما خارت قواه وسقط على ركبتيه بنبرة ملؤها الخوف والحسرة والانكسار في آن:
_ أنتِ.. أنتِ.
ارتجف فمه وبكى قبل أن يسترسل عبارته. كان يريد أن يسألها كيف ما زالت على قيد الحياة؟ كيف نجت؟ ماذا ستفعل به الآن؟
وقرأت لمار كل هذا في عينيه، وتحركت لتجلس على المقعد بعد ما أفسح لها خالد الطريق.
تنهدت لمار في عمق ومالت للأمام وهي ترشقه بنظراتها شزرًا، وقالت في هدوء بارد آثار الرهبة في قلب ماهر:
_ لا ريب إنك تتساءل، كيف إنني ما زلت على قيد الحياة؟
صمتت لحظة وهي تمعن النظر فيه وتسترجع لحظة انفجار السيارة التي لم تكن لها.
ولنعد معها نحن أيضًا، بالتحديد حينما كانت تقود السيارة، ويلحق بها القاتل الذي أرسله ماهر. ربما يظن المرء أنها كانت تفر منه هاربة، لكنها أبدًا لم تكن كذلك.
فما أن أصبحت سيارة القاتل إزاءها مباشرة وألقى قنبلة يدوية داخل سيارتها بعد أن سحب فتيلها، إذ راقبت لمار كل هذا بعينين كالصقر.
وما أن رمى القنبلة، إذ تلقطتها في كفها وفي غمضة عين كانت تعيدها مكان ما جاءت، وضغطت دواسة الوقود، لتنطلق في سرعة.
ودوى الانفجار قاتل.. رهيب، قبل أن تنالها ألسنة اللهب.
وتوقفت بعيدًا عن مكان الانفجار تراقبه حتى انعكس في حدقتيها، وغمغمت في أسف:
_ ما كانت لتفضل أن يحصل هذا، لكن قاتل متسلسل مثلك يستاهل.
ودار بصرها على السيارات التي توقفت عن السير عبر الطريق بسبب الانفجار.
"وهكذا يا عزيزي نجوت بفضل الله عز وجل وعنايته."
أتمت لمار روي قصتها بتلك العبارة، فتيبس جسد ماهر تمامًا حتى صار أشبه بالصخر الصلب. يكفيه أنها لا تعرف هويته الحقيقية!
وما كاد هذا الخاطر يخالج صدره، إذ استمع صوت لمار تقول في قسوة مخيفة:
_ هلا تفكرت قبل أن تفعل بيّ وبعائلتي كل هذا يا..
لا يدري ماهر لماذا انتفض قلبه مرتجفًا، خائفًا وقد خُيل إليه أنها تعلم من يكون. ولم يدم تساؤله هذا في أعماقه، فقد قست نبرة لمار، وفاضت شراسة مع استرسالها:
_ ولا ماذا يا عزيزي مراد؟
تدفقت الدموع من عيني ماهر بغزارة وهو يحدق فيها ذاهلًا، مصدومًا. ومرت لحظات طوال وهو يحدق في لمار وهي كذلك.
لم يقطع تلك اللحظة إلا خالد وهو ينزع تنكره:
_ يا الله كدت أختنق.
والتفت إلى آجار متابعًا:
_ وجهك يخنق يا روحي.
_ لماذا ارتديته إن لم تكن تطيقه؟
قال خالد بهم مصطنع:
_ كنت مضطرًا، لم يكن هناك حل آخر.
مط آجار فمه متهكمًا فضحك خالد، وقال وهو يضرب على كتفه:
_ إني أمزح يا صاح، لا تأخذ على خاطرك.
نبهتهما لمار في صرامة:
_ هلا توقفتما عن هزلكما؟
أدى خالد التحية العسكرية وهو يضرب كعبيه في الأرض مغمغمًا بثبات:
_ عُلم.
انسكب دمع ماهر أكثر، وقال بشفاه مرتجفة وأحرف متلعثمة:
_ كـ.. كـ.. كيف.. عر..
لم يستطع إكمال جملة من شدة رعبه. وتراجعت لمار في مقعدها، وعقدت ساعديها أمام صدرها، وراحت تحدجه في صمت.
في حين غمغم حمزة في ازدراء:
_ ياللرجال حين تنهز رجولتهم!
قال له عاصم في برود:
_ ويحك يا حمزة! وهل تُطلق على هذا لقب رجل؟
تدخل خالد معهما في الحديث، قائلًا ببساطة:
_ صَه أنتما الاثنين، إنه أشبه بطفل صغير تبول على نفسه ويختبئ خيفة من والدته كي لا تضربه.
انطلقت الضحكات من أفواههم جميعًا، حتى لمار تبسمت.
فردد آجار من بين ضحكاته:
_ عجبًا! لماذا إذن يبدو لي كالجرو الساذج؟
رد عليه إسلام متهكمًا:
_ على رِسلكم يا شباب، لن نختلف في هذا الآن، الموضوع يحتاج إلى قرعة لنحسم الأمر.
غمغم خالد متبسمًا باتساع:
_ فليكن!
افتر ثغر لمار عن بسمة، وزجرتهم قائلة:
_ ما خطبكم يا فتيان اليوم؟ هل اكتفيتم؟ ألن تدعوني أنبس ببنت شفة أم ماذا! ألزموا الصمت دعوني أخبر عزيزي مراد كيف عرفت هويته الحقيرة.
اقشعر جسد مراد، وهو يراقب لمار تنهض بتؤدة، وتقول بنبرة هادئة يخامرها غضب طفيف في كلماتها:
_ أتدري كيف عرفت يا عزيزي..
صمتت مستلذة برعبه، وأضافت بصوت خفيض وهي تضغط على حروف كلماتها:
_ أنت من أخبرتنا بكل بساطة.
اتسعت عينا مراد، وتراجع للخلف في حدة عندما مالت لمار نحوه فجأة، مستطردة:
_ أخبرت حفيدي خالد وهو ينتحل شخصية نجيب. كان من الخطأ أن يسمع نجيب آراس يخبر أخته بما علمه بخصوص ماهر. كان خطأ فادح يا رجل، كشف أمره ببساطة بالنسبة لي.
مال خالد على أذن حمزة هامسًا:
_ مال جدتك يا حمزة، تبدو مخيفة!
رمقه حمزة بمقت وهو ينظر له بطرف عينه، متمتمًا:
_ اصمت بدلًا من أن تثور عليك كهذا الرجل.
أطبق خالد شفتيه ونصب قامته باعتداد عندما حدقته لمار بنظرة صارمة، وكتم ضحكته وإن أعرب وجهه عنها فأنفلتت ضحكة بسيطة جعلت لمار تعتدل هاتفة:
_ اخرج يا خالد!
قال خالد ببساطة:
_ خالد لم يتكلم ليخرج.
وسألها في اهتمام:
_ ثم بالله عليكِ، أترين من العدل أن تحرميني مما يدور هنا، ولولاي لم يكن شيئًا لينجح.
قالها مزهوًا، فلم تعره لمار اهتمامًا، والتفتت إلى ماهر، الذي جلس القرفصاء، وهم الكون كله تجلى على وجهه، كأنه استسلم تمامًا لمصيره.
قبضت لمار فجأة بكل قوتها على عنقه لتلصق رأسه في الحائط، ولم تبال به وهو يقاوم دون جدوى، بل قالت بغضب يقطر من كل حرف تلفظ به:
_ أتعلم يا عزيزي مراد أكثر شيء أندم عليه في حياتي ما هو؟
واحتد صوتها وإن اختلج لذكرى موت شقيقها يوسف مضحيًا بحياته لحياة ابنتها:
_ إني علمت حقير مثلك، وتدرب على يدي، فهذه اليد قتلت أغلى ما عندي.
اختنق مراد بشدة، وجحظت عيناه وهو يقاومها بكل بسالة، لكن قبضتها بدت له أشبه بكلابة تنشب في عنقه.
وضغطت لمار بأصابعها وهي تتذكر لحظة موت يوسف، جنون ابنتها عائشة، ألمها، وحزنها، وتشتت عائلتها الصغيرة.
غمغم خالد متوترًا:
_ ستقتله، هل نتدخل؟
وهم بالاقتراب لولا أن منعه ذراع حمزة الذي امتد أمامه، متممًا:
_ قف مكانك، لا تقترب، دعها تنفث عما بداخلها.
فوجئ مراد بكف لمار يتخلى عن عنقه، فمسك عنقه وهو يسعل بقوة، وقد ظن أنه آخر نفس له. ولم يتوقع أن تتركه.. لكنها فعلت.
اعتدلت لمار واقفة ودفنت كل حزنها بداخلها، وهي تسير في أرجاء المكان لتسترد أنفاسها وهدوءها، ثم تابعت في هدوء كأنها لم تكن تقتله توا:
_ آهٍ يا مراد، لم أتوقع منك كل هذا. لقد تعبت حتى علمت بحقيقتك الحقيرة. عندما أبلغني خالد أن ثمة من عرف هويته وأرسل من يقتله لم يأت على بالي إلا نجيب لقربه من آراس، ولأني أعلم أنه محال أن آراس يخبره فقد خمنت أنه تصنت عليه خفية دون علمه. وبيد أن نجيب هذا معك يشاركك كل شيء، فلا ريب أنه يعلم عنك كل شيء. وكانت الخطوة الثانية من عائشة ابنتي فقد تصنعت أن سيارتها قد تعطلت بجانب الطريق بعد ما علمت وقت عودته من خديجة، واستوقفته ووقف نجيب ليمد يد العون. ألست غريبة؟
تنهدت بحرارة قبل أن تتابع:
_ فالأوغاد أمثالكم هل يساعدون!! هذا ليس شأننا الآن. لقد تسللت إلى منزل نجيب وقلبته رأسًا على عقب بحثًا عن أي شيء يدلني على هويتك. ويا للعجب، لا تتخيل ماذا وجدت!!
ضاقت عينا مراد في تساؤل حائر.. فهو على يقين أن نجيب لا يملك دليلًا واحدًا لهويته الحقيقية.
وبرغم كل ثقته بهذا، كان يدرك أن لمار وجدت شيئًا حتمًا.
لم يطل تساؤله في أعماقه، فسرعان ما أجابته لمار فورًا كأنما تقرأ أفكاره:
_ وجدت على إحدى الوريقات "مراد سليم القاضي". مراد الابن الغير شرعي لسليم عم زين. مراد الذي لم أعلم حقيقته هو ووالده إلا متأخرًا.. متأخرًا جدًا. وظننت أن كلًا منهم أخذ جزاءه، فتعود أنت لتتابع انتقامًا لا أجد له سببًا.
صاح مراد وهو يهب واقفًا كالمعتوه:
_ لا يوجد ماذا؟ لا يوجد سبب! بحقك ألا يوجد؟ لقد عشت طيلة حياتي مع والدتي دون أن أرى والدي إلا نادرًا ليلقي لي ببعض المصاريف ويرحل، ويدخلني كلية الشرطة. علاوة على أن زين يتمتع بكل شيء بمفرده هو وابنتك وأخته وأنا النكرة! لكن انتقامي منك كان لموت أبي الذي قتلتيه غرقًا. كان انتقامًا منكم جميعًا.. كلكم دون استثناء.
وقهقه وهو يتقدم من آجار مشيرًا إليه بفرحة تغمره غمرًا:
_ لكني فلحت في الانتقام منك، وأوجعتك. أعلم أنك تتوجع أن ابن ابنتك من المافيا.
وصاح وهو يلوح بكفيه في شماتة:
_ لمار الشرقاوي التي قضت عمرها تحارب الإجرام ها أنا ذا فلحت في صنع حفيدك مجرمًا بحق.
صرخ آجار وهو ينقض عليه ليلكمه في فكه:
_ أيها الوغد.
سقط مراد على وجهه إثر لكمة آجار التي أودع فيها كل قوته، وهم أن يهجم عليه مجددًا، لولا أن منعه خالد بقوة.
وقف مراد مترنحًا وهو يمسح الدماء بكمه من طرف شفتيه.
وتابعت لمار شاردة:
_ بالفعل فلحت وكان خبرًا قاسيًا على قلبي. نجحت في أوجاعي يا مراد، ولكن هذا ليس موضوعنا أبدًا. لقد أبهرتني خطتك في الهرب.
تبسم مراد في زهو، بينما هي تواصل:
_ كان الأمر عسيرًا ذا نوائب لا مناص منها. فمن ناحية أنا على يقين أنك تم شنقك حينما حكم عليك بالإعدام شنقًا، ومن ناحية فسليم قد لقى حتفه أمام عيني غرقًا.
سكتت لمار هنيهة، مضت خلالها نحو المقعد، وجلست باسترخاء، وتابعت في هدوء:
_ لذا لم يخطر على بالي إلا أمر واحد، ألا وهو أن ثمة شخصًا يشتت انتباهي، وهذا الشخص لا أعرفه قط. وهنا كانت متاهة ظننت أنني لن أحور منها.
وفجأة! ترقعت بسبابتها وإبهامها، وهي تستطرد:
_ هنا جلست جلسة هدوء استغرقت فيها تفكيرًا عميقًا، تفكيرًا وضعت نفسي في محلك أنت ووالدك. وكان أيضًا من المحال أن يظل أحدكما حيًا. وذادت حيرتي، وثبتت على عدة اتصالات ومقابلات ساعدتني أكثر على التذكر. فقبيل شنقك أنت مرضت فجأة وتم نقلك للمستشفى.
وصمتت لحظة، ثم أردفت تقول:
_ وبما أنك أنت ووالدك ذا علاقات بالمافيا فقد وضعت خطة محكمة.. خطة تستحق الإعجاب.
صفقت بكفيها، وقال خالد فجأة:
_ لا تقولي هذا! فأنا من انتحل شخصية نجيب وذهبت لهذا الحقير وعلمت كمالت القصة، وطلع استنتاجك في صحيح مائة بالمائة، وهذا الغبي وقع في الفخ.
أومأت لمار برأسها تؤكد قوله قائلة:
_ بالفعل هذا هو ما حدث يا خالد. لقد فعلت المافيا عملية تجميل لشخص قريب بدنيًا من مراد فأصبح نسخة منه. وهكذا تم إبدالهما، ومن تم إعدامه هو رجل المافيا وليس مراد قط. ولقد ساعدني معرفة هذا مستشفى جومالي. ففي أثناء بحثي وجدت ملفًا لعملية تجميل أجريت لشخص ليشبه مراد مباشرة.
عقدت لمار ساعديها وهي تتطلع في عيني مراد، قائلة:
_ ما رأيك يا عزيزي مراد؟
فوجئت لمار به يثب إلى السلاح الملقي ويرفعه في وجوههم، قائلًا:
_ لن تنجين، سأقتلك، أقسم بأني سأقتلك!
أسترخت لمار في مقعدها أكثر، وهي تغمغم في بساطة:
_ حقًا؟ فليكن، ها أنا ذا اقتلني يا عزيزي.
وعلى الرغم من أن ماهر هو من يمسك السلاح ويهدد، إلا أن قول لمار هذا جعل أصابعه ترتعش حتى كاد السلاح ينزلق من يديه، وبدا له الموت أقرب من حبل الوريد.
وسحب إبرة سلاحه وقال بارتجاف وسبابته على الزناد:
_ استعدي الموت. أنا أعلم أنكِ لن تقتليني، هذا ليس من شيمك، ستتجهين للقانون حتمًا.
هزت لمار كتفيها في استهتار، وقالت ببساطة متهكمة:
_ الضرورات تبيح المحظورات يا عزيزي مراد.
صوب مراد السلاح على رأسها، وقبض عليه بقبضتيه، ورغم أنه يرتعش من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، بالفعل هم بإطلاق النار.
وتفاجأ فجأة بقدم آجار تطيح بذراعه فطاشت الرصاصة، ودار آجار دورة مدهشة، ولكمه لكمة كالقنبلة حطمت أنفه، وهو يردد:
_ ليس بعد يا عزيزي، فأنا أشتهي رؤيتك تتوجع.
تراجع مراد من عنف اللكمة وارتطم في الحائط وارتد عنه للأمام فأستقبله آجار بركلة كالقنبلة هشمت بقايا أنفه، وجذبه من تلابيبه ليقف وكالمجنون راح يلكمه في وجهه.
لكن فجأة أمسكت لمار بذراعه، وقالت في صرامة:
_ كفىٰ.
أفلت آجار ذراعه، واستشاط غضبًا وتميز غيظًا، وصرخ في وجهها:
_ كفىٰ! أتجرؤين على إيقافي؟
دفعته لمار من صدره، وهي تهتف بحزم:
_ أنا بالفعل أفعل.
صاح آجار وهو يميل عليها بحركة حادة:
_ سأقتله يا لمار يا شرقاوي، سأقتله و..
لم يتم عبارته إذ فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، ولم يخطر على بال.
ففي غمرة انشغالهم بمراد تسلل نجيب إلى الخارج، وها هو ذا يحضر منتفخ الأوداج، محاطًا برجاله إحاطة السوار بالمعصم، كأنهم سيحولون بينه وبين الموت.
ووقف في تباهٍ ورجاله يعدون داخل الحجرة ليكتفوا الشباب من الوراء على غرة.
بينما اقترب أحدهم ليسند مراد الذي أوشك على السقوط، فسند على ذراع الشاب، ورمق آجار بنظرة مقيتة وهو يتحرك، قائلًا بتشفٍ:
_ لن أموت اليوم يا فتى، ستدفع ثمن هذا، سأعود لأقضي عليك.
جن جنون آجار وهو يقاوم الرجلين بشراسة ورأى مراد ونجيب يستقلان سيارة وينطلقان.
فهاج أكثر وهو يصرخ:
_ لن أسمح لك، سأقتلك اليوم.
والتفت إلى لمار الهادئة يقول في ثورة:
_ ما بكِ هادئة وكأن الفريسة لا تزال بين يديكِ؟
هزت لمار كتفيها ببطء، وهمست غير مبالية:
_ لقد انتهى أمره بالفعل، فالشرطة أصدرت أمرًا بالقبض عليه.
إما نجيب فيأسفي لن ينجو من رجال الأب الروحي للمافيا الذي كان نجيب يخطط هو وبعض المنظمات باغتياله هو وكل نسله.
إننا لن نلوث أيدينا في دماء حقراء مثلهم.
ذادت ابتسامة آجار غموضًا وهو يقول:
_ أما أنا يا جدتي العزيزة فأحب أن ألوث يدي بمن قتل والدي.
أنهى عبارته وهو يرفع قدميه عاليًا وفي حركة بارعة مدهشة كان ينقلب جابرًا ذراعي الشاب على تركه، وتفادى لكمة من الآخر، وهو يميل جانبًا، ويعتدل مصدًا له لكمة كالصاروخ في معدته أعقبها بأخرى في أنفه، وأخرى في فكه فمال الشاب متألمًا فهوى آجار بحافة يده على مؤخرة عنقه فهوى الشاب متكومًا، وتلقى آجار لكمة الشاب الآخر على ساعده ووثب ليركله وهو يسحب منه المدفع ويهوي بكعبه على وجه الرجل ليفقد الوعي.
كانت لمار حينها تهتف في ذعر:
_ لا تفعل يا آجار بالله عليك، لا تضيع نفسك.
ضاع كلامها هباءً حين تحرر آجار في غمضة عين من الشابين وانطلق يعدو بالمدفع الآلي خلف السيارة.
فجذبت لمار رأس إحدى الرجال من وراءها لتسقطه وهي تصيح:
_ لن نسمح له.
وكان قولها بداية إعلان حرب شعواء، فدبت الحياة فجأة والحماسة في أحفادها الذين كانوا مستسلمين، ودارت حرب ضروس.
ولأن الرجال لم يأمرهم أحد بقتلهم لم يطلق أحدهم رصاصة واحدة.
انطلق آجار يعدو خلف السيارة، كأنه آلة ركض صُممت خصيصًا لهذا.
وأمام عينيه كانت السيارة تتلاشى مبتعدة، فتوقف لحظة غارقًا في تفكير عميق وانطلق مجددًا لينحرف إلى زقاق ضيق.
التفت نجيب إلى مراد، لم يكونا قد لاحظا أيًّا منهم آجار بسبب بعد المسافة.
وقال وهو مرتكز البصر على الطريق أمامه:
_ أأنت بخير يا رجل، كادوا يقتلونك.
أجابه مراد وهو يحاول كتم الدماء التي تسيل من وجهه:
_ بخير، لا تقلق بشأني ألبتًا، اهتم بطريقك.
وألتقى حاجباه وهو يقول مستدركًا:
_ مهلًا، إلى أين سنذهب؟
رمقه نجيب بنظرة سريعة، وهو يرد عليه قائلًا:
_ سنبتعد، الطائرة في انتظارنا، وإلا فلنقل رحمة الله علينا، فمن الطبيعي أن تلك العائلة لن تدعنا نحيا، فلا بد أن نفر بأرواحنا.
وأشار بإبهامه على عنقه، بمعنى الذبح وهو يغمغم:
_ وإلا ذبحونا كالنعاج.
فجأة! دوى ثقل ما على سطح السيارة، أجفلهما وأرعبهما، فهذا يعني أن أحدًا ما من شباب الشرقاوي قد بلغهم.
وارتجفت أوصالهما، وصرخ نجيب بإنفعال:
_ ماذا يحدث؟ يا إلهي.. يا لهم من شياطين.
وكان آجار في الأعلى يعتدل على سطح السيارة جالسًا بعد ما سقط من أعلى البناية فوقه.
وتحرك إلى طرفها، صارخًا:
_ لن أترككما أحياء لآخر نقطة دم في جسدي، سأريق دماءكم مهما كلفني هذا.
اتسعت عينا نجيب وهو يستمع إلى كلمات آجار، واقشعر جلده من نبرة آجار المخيفة التي تتفعم بالغضب الأعمى.
وضغط على دواسة الوقود أكثر، وسار في مسار متعرج ليوقع آجار، لكن آجار كان يتشبث بحافة السيارة بكل ما يملك من قوة وهو مستلقٍ على بطنه.
استل مراد سلاح نجيب من غمده، ووجه فوهته على سطح السيارة وهو يقول:
_ أنت مستغنٍ عن روحك يا آجار يا ولدي؟! فليكن.. لك هذا.
وأطلق رصاصته بغزارة في البقعة التي يتشبث بها آجار، وكانت الإصابة حتمية لا مناص منها، فإما أن يهوي في الفراغ أو يبقى فتصيبه الرصاصات.
اللهم اجعلني من أصحاب اليمين.
رفعت منة عينيها الدامعتين إلى خديجة، وهمست بتهالك:
_ خديجة، ألن يأتي آجار؟ ألن يجلس معي قليلًا قبل دخولي العمليات؟
ثم أضافت بتهدج:
_ أخاف ألا أخرج منها حية.
كان الخوف ينهش في قلبها من فكرة الغياب. أن تموت وربها لم يغفر لها بعد. هل سيكون مأواها الجنة، أم النار؟ هل سيعفو عنها؟ هل ستخرج حية من غرفة الموت تلك؟ هل سيزول هذا الألم وتتحرر منه؟ أم الألم سيظل ملازمها إلى الأبد!
نهرتها خديجة في صرامة وهي تجلس بجوارها على طرف الفراش:
_ صَه، ما الذي تقولينه؟ عمليتك ستنجح وستخرجين بخير، ونعود كلنا إلى مصر ولن نفترق أبدًا.
قالت منة بعبوس:
_ ما زلت لا أصدق أنك وآجار من عائلة واحدة، ولم يدخل عقلي كل ما أخبرني به آنفًا.
شوحت دارين بكفها، وهي تقول:
_ بلى صدقين، فأنا أخته.. واسمعي يا عزيزة قلب أخي، كفاك نواحًا مثل الأطفال، ستخرجين بخير وإلا بحثت لأخي عن زوجة من الآن.
حدجتها منة في غضب وكادت تدخل في مشاحنة معها، لولا أن لحقت لمياء الأمر، وقالت وهي تضع كفها على منكب منة برفق:
_ جميعنا سنكون في انتظارك، وأثناء العملية سندعو ونقرأ القرآن خارج الحجرة إلى أن تخرجين لنا بخير.
أدمعت عين منة بحنان، وقالت وهي تستطير فرحًا:
_ كم يسعدني هذا، رائع أن يكون للمرء في عز مرضه أناس يقفون معه لا لشيء إلا لحبهم له.
داعبت خديجة شعرها بحنو، وهمست كأم تريد أن تنسي ابنتها خوفها:
_ هل تشتاقين إلى الرسول؟
تجمعت العبرات في مقلتي منة، وقالت بصوت يقطر حزنًا:
_ هل هذا سؤال يا خديجة! يا له من سؤال غريب جدًا، ألا أشتاق إلى رسولي! إني أشتاق إليه إلى الحد الذي يجعلني أحسد من نالوا صحبته وأنا لا، من جلسوا معه وأنا لا، من رأوه وأنا لم أحظ برؤيته قط.
سكتت لهنية وأردفت تقول:
_ ربما في الماضي كنت فتاة لا تعرف عن نبيها شيئًا، ولم تغترف من سنته قطرة. الآن وبكِ ومعاكِ ومنذ عرفتك وأنا لا يغمض لي جفن قبل أن أدعو الله أن يرزقني رؤيته، ولا يمر بي يوم إلا وأنا أتعلم سنة من سنته.
قالت خديجة وهي تعبث في هاتفها:
_ عظيم، استعدي فأنتِ الآن ستعرفين وصف الرسول من صحابته.
انبعث صوت الشيخ سمير مصطفى للدرس الـ 6 من دروس (السيرة النبوية)، فغشاهم الصمت كأن على رؤوسهم الطير، وافترت الثغور عن بسمات كنسمات الفجر أو انبلاجه، وأنصتت الآذان، وترقبت القلوب وهي تخفق في شغف.
إما خديجة فأسبلت عينيها وأسندت رأسها على الحائط تتخيل حبيبها _صلى الله عليه وسلم_ شعره، لحيته، عيناه، وأهدابه، وثغره، وجبينه، طوله، وعرضه.. يصف الشيخ وهي تتصوره، تتخيله.
هي في معية الحبيب آمنة.. وفي رياض الجنة مستروحة.. والقلب يبكي يناجي خالقه، بصحبة الحبيب يجمعه.
والروح ترفرف في السعادة غارقة.
وبجوار الحبيب راجية.
تتوسل من يديه أن تشرب شربة تروي ظمأها.
والعين تفيض شوقًا بالعبرات متضرعة ألا تحرم من كوثرِه.
فيا عين مهلًا توقفي، رويدك بالبكاء تمهلي.. فحاشا رب العباد يحرمك من صحبة الحبيب المصطفى.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد.
كان موقف خطير، رهيب، هائل لا بد منه. فإما أن يسقط على الأسفلت بتلك السرعة الخارقة التي تسير بها السيارة، والتي توحي بعدم نجاته قط، أما أن يبقى فتخترق الرصاصات جسده.
وأطلق مراد رصاصات سلاحه على سقف السيارة حتى جعله كمصفاة من كثرة الثقوب التي سببتها، وانبسطت أساريره، وبرقت عيناه وهو يهلل قائلًا:
_ لقد فلحت، انتهى آجار تمامًا.. لقد مات؛ فمن المحال أن ينجو حتمًا.
لم يستطع إتمام عبارته، فقد تلقى لكمة كالصاعقة على فكه جعلته يسقط على نجيب، فأختل توازن السيارة لثوان، وعاد نجيب بالتحكم فيها، واعتدل مراد سريعًا وهو يحدق في صدمة هائلة على آجار الذي كان يتشبث بكل قوته على حافة السيارة، تاركًا جسده يتأرجح في الفراغ وهو يغمغم ساخرًا:
_ مفاجأة! لم أمت بعد أيها الوغد، فمحال أن أذهب بدونك!
صرخ مراد مغضبًا، مذهولًا:
_ يا لك من شيطان!
بينما هتف نجيب وهو يتميز غيظًا:
_ سُحقًا لك.
قال قوله وتحرك بالسيارة محاولًا إخلال توازن آچار ليتخلى عنها، وهم مراد أن يفتح الباب ليجبر آچار على ترك تعلقه، وامتدت يده بالفعل وكاد يفلح لكن قبضة آچار بادرت بالقبض على عنقه عبر النافذة وراح يخنقه بكل قوته، وهو يردد كمن أصيب بمس من الجن:
_ سأقتلك أقسم بأني سأفعل، سآخذ بثأري منك عن كل ما عشته، وعن فراقي بعائلتي، وقتلك لأبي.
كان عسيرًا على نجيب أن يمد يد العون وهو يقود، وكان عصيبًا عليه أن يرى مراد يختنق وعيناه تجحظان، ويهرب لون الحياة عن وجهه وهو يحاول إفلات أصابع آچار التي نشبت في عنقه ككلابة صلبة، فولاذية، فحاول أن ينزع كف آچار الوحيد المتشبث بحافة السقف.
وفطن آچار لهذا، وكانت محاولة مذهلة، مدهشة، بارعة تلك التي فعلها فقد وثب فجأة بجزعه عبر النافذة وهو ما زال قابضًا على عنق مراد الذي بدا كأن موته عسير، واستقر آچار في السيارة بالتحديد قرب مراد مباشرة.
وأنطلقت قبضته في وجه مراد بلكمات متعددة، وهذا الأخير لم يقو على تفادي ذلك أو حتى المدافعة عن نفسه، وخنقه آچار مجددًا في تلك المرة بأصابعه العشرة.
رغم محاولات نجيب العديدة أن يتقاتل معه لكنه لم يبالِ كأن عيناه لا ترى إلا مراد أمامه، علاوة على أنه هكذا كان بالفعل وهو يتذكر تلك اللحظة البعيدة جدًا منذ طفولته، وقتما كان داخل السيارة مع والده وأخيه، وراقب دون فهم أبيه يخفض من سير السيارة ليدفعهم خارجها وهو يردد بكلمات لم يفقهها.
بعض لحظات الطفولة، تلك اللحظات التي تمر علينا سواء بفرحة غامرة، أو حزن يسلب منا شيئًا لا تنساه روح الطفولة قط، فتلك اللحظات تبقى في مكان عميق داخل القلب إيًا كان في خانة الحزن، أما الفرح، ومع هذا وذاك يكون الطفل متشتتًا، ضائعًا، وتلك اللحظات حاضرة أبد الدهر.
فجأة! وفيما آچار يخنق ماهر.. وهذا الآخر يشعر أنه سيموت وإنها فقط لحظاته الأخيرة..
دفعهما نجيب بكل قوته خارج السيارة وهي تنطلق، وإنقلبا خارجها، وتدحرج جسداهما بقوة رهيبة وراح ينزلقان حتى استقرا.
فلهث آچار وهو يعتدل، كانت الدفعة قوية، ومباغتة، والرصيف أثخنه بالجراح في كل جسده، وبدا متهالكًا وهو ينهض في ترنح طفيف، والدماء تسيل من بعض الجروح في وجهه إثر السقطة، وتمزق قميصه ظاهرًا صدره بالندوب النازفة.
وتطلع على جسد مراد الساكن تمامًا، متراخيًا وقد وافته المنية، فأطلت صدمة هائلة في مقلتيه، واندفع صوبه، وهو يصرخ:
_ لا، لن تموت هكذا، أنا من سيقتلك، أنا من سيقتلك حتى تلفظ نفسك الأخير.
كان وصل إليه، وجثى بجواره، وقاس نبضه المتوقف، وطفق يضرب فيه وهو يهتف مصدومًا، هائجًا:
_ لا تمت يا مراد، لا تمت، قم انهض ليس الآن، لم أشفي غليلي منك بعض.
وتسمرت كفاه فجأة، وتوقفت الشفاه، وأومضت حدقتاه.
لقد علم أنه لا فائدة.. مراد قد فارق الحياة.
لا جدوى من الثوران ليس الآن.
قاتل آراس ما زال حيًا وهرب من بين يديه.. لكنه لن يسمح له بالفرار.
سيقضي عليه حتمًا.. سيأخذ ثأر آراس.
آراس الذي لم يحزن عليه بعد.. فقد أقسم ألا يبكي أو يحزن قبل أن يقتل قاتله.. قبل أن يثلج قلبه.. ثم يبكي كأنه لم يفعل قط.
على آراس سيبكي، إن لم يبكِ عليه فعلى من يبكي؟
إنه الصديق، وإنه الحبيب، وإنه الأخ، وإنه السند، وإنه المأمن، والمأوى وقد راح سلب منه بغتة دون سابق إنذار.
كم هي غريبة تلك الحياة حين تختطف الأحبة من أمام أعيننا.. والذين كنا نراهم كما يحلو لنا، نغدو لا نراهم مهما فعلنا.
وقاسي الاشتياق لمن غادر عالمنا.. فهذا هو الاشتياق الوحيد الذي لا ينطفئ لهيبه أبدًا.
نهض آچار بتؤدة وعيناه تدوران في المكان الذي بدا خاليًا، فارغًا رغم السيارات التي تروح وتجيء دون أن يتساءل راكبوها أن يعلموا ما أصابهما.
أين سيذهب نجيب؟ وعلى أي شطر سيتجه!
لا ريب أنه سيحاول إنقاذ نفسه وسيغادر البلد!
لكن ماذا سيستقل؟
حتماً طائرة، إنها أسرع طريقة ستنقذه لا مراء في هذا!
إذن ينبغي عليه أن يصل إلى المطار بأقصى سرعة.
دار كل هذا في عقل آچار، وعيناه تدوران على مواصلة سريعة تقله، حتى راقب دراجة نارية تقترب، فتحرك للأمام واعترض طريقها وهو يحرك كفيه للشاب، هاتفًا:
_ قف يا فتى قف!
توقفت الدراجة باحتكاك عالٍ قبالته، فحث الخطى إلى الشاب، وقال في لهجة توحي بخطورة الأمر:
_ اسمع أيها الشاب، أنا مفتش وفي مهمة عاجلة، لذا أعرني دراجتك لألحق بالرجل الذي سأقبض عليه.
قال الشاب في توتر:
_ لكن يا سيدي، كيف أصدقك..
قاطعه آچار بعجلة، ونبرات صارمة:
_ ما لك أيها الشاب، دولتك في حاجة إليك، هل ستتخلى عنها؟ إننا نقوم على حمايتكم ليلًا ونهارًا. ما اسمك.
صاح الشاب مذعورًا وهو يتخلى عن الدراجة:
_ لا يا سيدي لا، تفضل إنها لك، كلها لك. إننا..
فوجئ بآچار يدفعه بعيدًا قبل أن تستقر قدماه على الأرض وينزع خوذته، وركب الدراجة وانطلق في سرعة والشاب يهتف خلفه:
_ مهلًا يا سيدي تمهل..
وضرب كفيه في فخذيه وهو يخفض صوته مغمغمًا بأسف:
_ لم يأخذ الخوذة ولم يخبرني متى آتي لأستلم دراجتي.
بلغ آچار بوابة المطار ودون حتى أن يهتم بالأمن أو بأحد، ولج بالدراجة محدثًا ضجة هائلة في الوسط، فراحت الناس تتطاير في كل مكان وشاع الذعر.
وحاول رجلان أمن أن يعترضا طريقه، لكنه لم يتوقف قط، أو يقلل من سرعته فقفزا في آخر لحظة يمينًا ويسارًا وانطلقا يعدوان خلفه وهما يهددانه.
كان نجيب في تلك اللحظة قد أنهى بعض الأوراق، وفي طريقه إلى الهليكوبتر الخاصة به، وتناهى له الذعر والضوضاء التي أحدثها آچار.
وما إن لمحه لم يلبث أن ركض بكل قوته إلى الطائرة ووثب داخلها وهو يصرخ في الطيار:
_ أقلع يا رجل بسرعة أقلع، هيا.
وانصاع الطيار وارتفع بالهليكوبتر، وراقب نجيب من النافذة آچار الذي انطلق بالدراجة نحو الهليكوبتر التي ترتفع عن الأرض بقلق وتوتر بالغين، ورجال الأمن يعدون خلفه، ووابل الرصاصات ينطلق خلفه لكن أيًّا منهم لم تصبه بسبب خط سيره الغير منتظم.
وتنهد نجيب مرتاحًا عندما انقلبت الدراجة، وظن لوهلة أن آچار قد لقى حتفه، لكن..
قبل لحظة واحدة، وقبل أن تسقط الدراجة لتنزلق على أرض المطار، كان آچار يقفز من عليها، قفزة هائلة، بارعة، مدهشة، مرنة، ويتعلق بها.
واختل توازن الطائرة بغتة من الثقل الذي تعلق فيها على حين غرة، وتأرجحت لثانية قبل أن تحلق في السماء.
وغمغم نجيب شاحب الوجه:
_ يا للشيطان.. لقد تشبث بالطائرة.
في الأسفل كان ثمة شاب يركض محاولًا إلحاق بآچار، وصرخ ليمنعه من التعلق بالطائرة وهو يهتف:
_ توقف يا آچار لا تفعل.. لا تفعل هذا أنا.
لكن هتافه ضاع هباءً ونثرته الرياح مع هدير مروحة الهليكوبتر.
وقف بجواره رجل يرتدي حلة سوداء ومن ورائه وقف عدد لا بأس به من رجال الحراسة ذوي بدل سوداء، وتابع ببصره الطائرة:
_ يبدو أننا وصلنا متأخرًا.
وفي دقائق معدودة كانت لمار والشباب قد اجتمعوا في المطار، وخالد يصرخ بثورة عارمة:
_ أريد طائرة.. أريد طائرة سألحق به.
تفاجأ نجيب بإندفاع جسد آچار داخل السيارة، وقفز آچار واقفًا، وهو يواجه نجيب، الذي غمغم في غضب:
_ أحدنا سيموت أليس كذلك؟ لكن هذا الشخص لن يكون أنا قط، لن يكون.
هتف آچار وهو يقترب منه:
_ ولن يكون أنا أيضًا.
تراجع آچار تلقائيًا، عندما رفع نجيب السلاح في وجهه، وهو يهتف:
_ إذن قل وداعًا للدنيا، فأنت من ستذهب للجحيم.
في سرعة مذهلة وقبل أن يستوعب نجيب، وثب آچار راكلًا السلاح وهو يهتف ساخرًا:
_ الجحيم لا يأوى إلا أمثالك يا عزيزي نجيب، وكم يسعدني أن أرسلك إليه.
أطلق نجيب صرخة متعصبة لفقده لسلاحه الذي طار في آخر الطائرة، وركله آچار في معدته فتقهقر للخلف، وهم بركله مجددًا في عنقه مباشرة، لكن نجيب مال برأسه للخلف متفاديًا إياها، واعتدل وهو يقبض على قدم آچار ويسقطه على ظهره، واستدار مسرعًا نحو سلاحه، لكن آچار قبض على قدمه فأسقطه على وجهه، وما كاد يعتدل نجيب على ظهره فوجئ بآچار يجثم على صدره بإحدى ركبتيه وقبضته اليمنى كإعصار مدمر يدمر وجهه، فجعل أنفه كتلة من اللحم المفري، وتورمت عيناه، وسالت الدماء من فمه وقد فقد بعض أسنانه، وآچار لا يسمح له حتى بالتقاط نفسه، فكانت قبضته كآلة لا تعرف إلا اللكم على وجهه، فتوجب أن ينقذ نفسه من براثنه، وإلا سيموت في يده حتمًا.
فرفع ذراعيه وهو يجذب آچار ليطيح به خلفه، وجاءت الدفعة مفاجئة لآچار وقريبة من السلاح فتناوله وهو يثب واقفًا ويطلق النار بسخاء تجاه نجيب الذي انحنى للأسفل فطاشت الرصاصات في جانب الطائرة، والطيار يهتف في ذعر:
_ ماذا تفعلان بالله عليكما ماذا تفعلان، هل أصابكم الجنون، سنموت معًا.
هجم نجيب كالثور الهائج على آچار، وحاوط وسطه بذراعيه، واندفع ليضربه في ظهر الطائرة، وصرخ آچار من الارتطام، وجأر كالأسد وهو يضرب بحافة كفه ظهر نجيب، فتراخت ذراعي هذا الأخير عن وسطه وتركه، فصد له آچار ركلة دفعته للخلف، وقبض على تلابيبه وراح يلكمه مجددًا، وتارة يتلقى هو اللكمات، أو الركلات، ومع ذلك لم يتوقف أي منهما لثانية واحدة.
وفي الخارج حلقت طائرة في محاذاة الهليكوبتر وبابها مفتوح، ووقف شاب يصرخ وهو يشاهد نجيب وآچار على الأرض يبرح كل منهما الآخر ضربًا:
_ توقف يا آچار، توقف بالله عليك.
وأيضًا صرخته ذهبت هباءً، فالتفت إلى خالد صارخًا:
_ اقترب يا خالد سأقفز عندهما و..
اتسعت عيناه، وأطل رعب هائل منهما، وحدق في نجيب الذي كان توًا أسفل آچار الذي يضربه بوحشية فإذا بـ نجيب كمن كان يفعل هذا عمدًا وفي لحظة دفع بذراعيه آچار الذي تدحرج جسده، وتخبط وهوى من باب الطائرة، وصرخ الشاب باسمه.
وفي هذه المرة وصلت صرخته مسامع آچار، الذي أسرعت قفاه لتتعلقان بالطائرة، وتأرجح جسده من باب الهليكوبتر، ورغم ذلك كان يبتسم باتساع، بسمة أشرقت أساريره، وتألقت عيناه وهو يهتف متلعثمًا:
_ آر.. آراس!
صرخ فجأة وهو يوجه وجهه يمنى ويسرى:
_ آراس هذا أنت، أنت بخير، على قيد الحياة، يا هذا هل تمازحني؟
هتف آراس وهو يكاد يموت ذعرًا من الهليكوبتر الأخرى:
_ هذا أنا أيها المعتوه، تماسك سأنقذك.
تراجع نجيب في هلع وهو يحدق في آراس، ويردد:
_ محال، مستحيل، لقد.. لقد أصابتك الرصاصة في جبهتك، أنا متأكد من هذا، كيف هذا..
وصرخ:
_ كـــــــــــــــــيف.
كان في نفس اللحظة آچار يحاول القفز داخل الطائرة، ودفع بالفعل جسده بداخلها، مع قول نجيب الذي فطن لفعلته:
_ إن كان هو لا يزال حيًا، إذن فلتمت أنت.
وفي غمرة غضبه التي تفاقمت إلى ثورة هادرة اندفع وهو يمد كفيه ليدفع آچار الذي استقر لتوه داخل السيارة، وعلت صرخة آراس وخالد تنبؤانه، فما كاد آچار يرفع رأسه إلى نجيب حتى مال قافزًا جانبًا بجسمه في اللحظة الأخيرة، وبدلًا من أن يدفع نجيب آچار اندفع جسده إلى الأمام، واتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وهوى جسده للخارج، في الفراغ ودوت صرخته ترج المكان وهو يهوي.
ومد آچار له كفه، لكن جسد نجيب راح يهوي.. ويهوي.. ويهوي.. حتى سقط جثة هامدة من السماء على الأرض في بركة من الدماء حوله، ومنظره بدا مخيفًا، واختفت معالم وجهه التي كستها الدماء.
استلقى آچار على ظهره داخل الطائرة متسع العينين، متلاحق الأنفاس، خافق القلب، وردد مبهوتًا:
_ يا الله نهاية لا أتمناها حتى لعدوي.
وبلغه صوت الطيار يصرخ في ارتياع وهو يرفع كفيه:
_ لم أفعل شيئًا، لم أفعل!
فالتفت له آچار ورمقه في حنق، ووثب واقفًا وهو يتجه إليه، فزاد خوف الطيار وهو يردد شبه باكيًا:
_ أقسم بأني لم أفعل شيئًا.
ابتسم آچار في تهكم، وهو يعقد كفيه، ويرتكن بجانبه على المقعد، قائلًا ببساطة:
_ عُد أدراجك يا رجل واهبط.
هز الطيار رأسه وهو ينفذ، قائلًا:
_ فليكن فليكن، ما تؤمر به.
رمى آچار جسده على المقعد وهو يهمس شاردًا والأرتياح والفرح يغمرانه:
_ حمدًا لله آراس حي.
واستدرك في خفوت:
_ أتمنى ألا أكون تأخرت عليكِ يا منة، أتمنى يا حبيبتي.
ما كادتا الطائرتان تهبطان حتى كان آچار وآراس في آن يقفزان منهما ويركضان تجاه بعضهما ويتعانقان في حب أخوي، وآچار يسأل في اهتمام:
_ كيف، كيف هذا! كيف ما زلت..
قاطعه آراس وهو يجيبه في بساطة:
_ لقد كانت رصاصة زائفة من تلك الرصاصات التي تستخدم في عالم التمثيل، ما أن تنصدم في أي جسد تطلق سائلًا لزجًا بلون الدم فيظن المرء أنه دمًا، وما هو بذلك.
وزفر وهو يضيف:
_ كل هذا لم يكن ليمر بخير لولا لمار الشرقاوي، فهي من أخبرتني عن نجيب عندما أنقذت خديجة وكنت أجلس معه في الانتظار فإذا برسالة منها تأتيني وحينما ذهبت إليها أخبرتني بأن نجيب سيحاول قتلي، وكان حمزة وعاصم يراقبانه وغير ا السلاح.
أطلق آچار ضحكة صافية، وهو يقول:
_ رائع، ولكن لماذا كل هذا؟
أردف آراس وهو يغمز بعينه:
_ كان يجب فعله، وإلا ما كنت حيًا للآن قط.
واستطرد يسرد عليه الأمر:
_ نجيب قد تعاون مع بعض المنظمات التي أرادت اغتيال الأب الروحي للمافيا بكل عائلته وبعض الرجال ومن ضمنهم أنا أو على قائمتهم، لذا زيفنا أمر موتي، وسافرت لأبلغ السيد كوان، في ذات اللحظة التي أخذت فيها هاتف نجيب وعملت خدعة على المنظمات وتم القبض عليهم مع غلق كل أمر يخصني.
قاطع حديثه صوت صارم ينبعث من الخلف:
_ هذا صحيح.
ابتسم آراس لـ كوان، والتفت آچار له، في حين قال كوان مبتسمًا في هدوء:
_ لا أعرف إن أحمل لك الامتنان أو ماذا! لكن تعلم، لقد أنقذت هذا النجيب من عذاب كان سيتمنى خلاله أن يموت ألف مرة قبل أن يفكر في اغتيالي.
هم آچار أن يقول شيئًا، انحسر بداخله مع مجيء بعض رجال الشرطة الذين أحدقوا به، وقائدهم يقول:
_ أنت رهن الاعتقال لقتلك اثنين من الرجال ومخالفة القواعد.
فصاح خالد مدافعًا:
_ آچار لم يقتل أحد لتقبضوا عليه، الرجل سقط من الطائرة أمامكم.
لم يعره المفتش أي اهتمام وهو يقول:
_ لم يفعل شيئًا، أو فعل نحن من سنحدد هذا!
وكاد أن يكبل آچار، أوقفه صوت كوان بصرامة:
_ توقف أيها الضابط، هل تعلم ما أنت بصدده، كيف تجرؤ على أحد من رجالي.
توتر الضابط وهو يدافع عن نفسه قائلًا:
_ أهو إحدى رجالك يا سيد كوان؟ لم أكن أعلم! ولكن..
تهدج صوته بارتجاف وهو يتابع:
_ لا يمكنني فعل شيء في هذا الأمر، يجب أن نقبض عليه.
غمغم كوان في لا مبالاة:
_ فليكن خذوه ولكني أعرف كيف أخرجه من القانون ورجاله.
كور قبضته أمام وجهه وهو يتابع:
_ في قبضتي.
كانت لمار تقف تراقب كل هذا بصمت عجيب، ودون أن تتدخل كأن الأمر لا يعنيها.
وقاد الضابط آچار دون أن يكبل ذراعيه، وفتح باب السيارة وهو يقول بنبرة هادئة مخافة من كوان:
_ ادخل.
أومأ آچار برأسه ببطء، وفوجئ رجال الشرطة بآچار يدور حول نفسه وهو يغلق باب السيارة ويركل الضابط، وتنقض قبضته على معدة أحد الجنود، ودفع آخر على الباقين ودار حول مقدمة السيارة، وجلس وراء عجلة القيادة وأدار محركها وانطلق متجهًا إلى المستشفى، وكل ما يشغل باله هو أن يفى بوعده إلى منة ويرآها قبل دخولها العمليات، وإلا لن يسامح نفسه إن أصابها مكروه.
وكان الضابط يصرخ وهو يعدو إلى سيارة أخرى:
_ أمسكوه، امسكوه بأي ثمن لا تدعوه يفلت.
واستقل السيارة هو وجنوده ولحقوا بسيارة آچار.
ركن آچار السيارة أمام المستشفى وغادرها راكضًا إلى الداخل، وانطلق يعدو عبر الممرات، وتوقفوا الفتيات ما أن وقعت أبصارهن عليه ونهضت منة واقفة، وهي تقول ببكاء حار:
_ لقد أخبرتكم محال ألا يأتي ليرآني.
تبسم لها آچار وهم أن يواصل سيره إليها، وقبل أن يدركها هوى كعب إحدى مدافع الشرطة على مؤخرة رأسه فسقط على ركبتيه من هول الضربة المباغتة، وشهقت الفتيات، وصرخت دارين باسمه، وركضت منة وهي تكاد تسقط نحوه، وضمته وهي تبكي، وقبل أن يحاول الجنود إبعادهما صرخ آراس وهو يقبل:
_ حاول لمسهما يا رجل إن كنت مستغنٍ عن عمرك.
وهتف كوان في أمر صارم:
_ تراجعوا.
ما كاد يأمرهم حتى كانوا رجاله يدفعون جنود الشرطة ويشكلون دائرة حماية حول آچار الذي كان يضم منة في حضنه وهي ساكنة في تهالك ودموعها تنهمر على وجنتيها، وهمست بوهن:
_ لقد، خفت ألا تأتي، لكن قلبي كان يخبرني إنك ستأتي، فربما أموت ولا أخرج حية.
أرتجت عليه وراحت دموعها تصبح نحيبًا عالًا.
أجابها آچار بدموعه وهو يشدد من ضمها:
_ هل أخسرها.. أأفقدها! لو فقدها كيف يحيا من بعدها؟ كيف يكون له حياة بدونها، وهي حياته! لقد اكتملت حياته منذ وجدها، بدونها كانت ناقصة، ليس لها معنى! أيعاقبه الله عن كل ما اقترفه ببعدها؟
كانت الأفكار تدور في عقله وكفاه تحوطانها أكثر، حتى أحس بتراخي جسدها بين ذراعيه.
كانت في تلك الأثناء خديجة تقف في ذهول أمام آراس، دموعها فقط كانت تتكلم أسفل نقابها، تتأمله بعينين لا تصدقان إنه هو ذاته أمامها، وقد مات بين ذراعيها.
وتبسم آراس ضاحكًا وهو يلتهم الخطوات التي تفصله عنها، ليمسك بكفيها، قائلًا:
_ ها أنا ذا.
تهدج صوت خديجة بالبكاء وهي تردد:
_ آراس، أنت.. أنت.
ضمته فجأة، فقال هو في جذل:
_ لم أكن أعلم أن موتي سيجعلك تحبينني هكذا.
ابتعدت خديجة عنه مع صوت آچار وهو يحمل منة بين ذراعيه مناديًا عليها، فأسرعت لتدخله غرفة العمليات، ليضعها على الفراش، ورفع عيناه إلى خديجة يقول بتهالك:
_ ستكون بخير.. صحيح؟
أومأت له خديجة وهي تقول بإطمئنان:
_ ستكون بخير بإذن الله عز وجل، نأمل هذا.. والآن هيا اخرج.
خرج آچار، وتجمع الأطباء في غرفة العمليات، وأحقنوا منة بالمخدر، وركبوا جهاز الأكسجين على أنفها، وقياس نبض القلب.. وبدأت العملية.
ومرت الساعات قاسية على قلب آچار الذي كانت عائشة تضم رأسه في صدرها، والبنات بجواره يقرأن القرآن، بينما ذهبت لمار لتصلي.
وتوقفت أفراد الشرطة قرب آراس بعد ما أجرى كوان اتصالاته التي أجبرتهم أكثر على الرضوخ له.
وأخيرًا وبعد طول انتظار، خرجت خديجة منهارة في البكاء وتوقف قلب الجميع رعبًا، وقلقًا، ولم يقو آچار على الوقوف وأن اختنقت أنفاسه و..