يجلس فارس بجوار إسراء على الفراش ممسك كف يدها بين يديه رغم اعتراضها المستمر. أثناء فحص الطبيبة لها، وبنفاذ صبر وغضب تحدث موجهًا حديثه للطبيبة: "ما تتكلمي، قوليلي مالها، وإيه سبب الإغماء اللي حصلها دا؟! أجابته الطبيبة على الفور: "هي كويسة يا فارس باشا، بس ضغطها عالي شوية، وأنا اديتها العلاج اللازم وهتبقى أحسن إن شاء الله."
بدون سابق إنذار، مال فارس بوجهه على إسراء وطبع قبلة طويلة أسفل شفتيها، جعلت جميع من في الغرفة يشهقون بنفس واحد. وتحدث بلامبالاة لوجودهم: "اطمني، طول ما أنا جنبك.. هتبقي كويسة.. متخفيش." بكت إسراء باصطناع، وقد بدأ ضغطها يعلو ويهبط في آن واحد. وبغيظ شديد قالت: "مين ضحك عليك وقال لك إني ببقى كويسة في وجودك؟ أنت ناوي تجلطني، ولا تشلني يا جدع أنت؟!
قطعت حديثها واتسعت عيناها بصدمة أكبر حين حملها بين يديه بلهفة وأجلسها على قدميه، وضمها بتملك مجنون مرددًا: "بعد الشر عنك.. قلت لك أنا جنبك ومعاكي مش هخلي حاجة تزعلك ولا تضيقك." داعب وجنتيها بأصابعه، وغمز لها مكملاً بثقته وغروره المعتاد: "وبعدين أنتي بقيتي في حضن فارس الدمنهوري يعني تنسي الدنيا والناس وأي تعب أو زعل جواكي."
تنظر له بفم مفتوح ببلاهة. لم يستطع عقلها استيعاب حديثه وأفعاله معها. تعجز حقًا عن وصفه بأي كلمة، فجرأته وغروره فاق كل توقعاتها. اقتربت خديجة الواقفة تتابع ما يحدث بأعين منذهلة من تصرفات ابن أخيها الغريبة كليًا عليه، وكأنه أصبح شخصًا آخر بفضل ساحرته. جلست على الفراش بجوارهما بعدما استجدتها إسراء بنظرها أن تنقذها مما يفعله بها هذا الفارس. وأردفت بحدة قائلة:
"روح أنت مشوارك يا فارس وأنا هفضل جنبها.. البنت مش حمل عمايلك دي كلها." مدت إسراء لها يدها تحثها على حملها كالصغيرة التي يحملها أحد الغرباء وهي تبغضهم، وتريد أن تأخذها والدتها منهم. ضحك فارس على هيئتها بصوته كله، وزاد من ضمها له مقبلاً وجنتيها بعمق وهو يقول بمزاح: "حتى لو قلت لها أوبح يا بيبي محدش يقدر ياخدك مني." أنهى جملته وأخذها في عناق حار، ويده تسير بلهفة لا تخلو من الجرأة على كامل ظهرها.
ضربته خديجة على يده برفق، وهي تقول بخجل شديد: "ولد يا فارس إيه اللي بتعمله دا أنت اتجننت.. اتأدب عيب كده." نظرت للطبيبة والممرضة الواقفان يتابعان ما يحدث بابتسامة بلهاء، وأكملت بأمر: "اتفضلوا على شغلكم يله." لم يستمع فارس لحرف مما قالته. هو مكتفٍ بعناق ساحرته الذي جعل سعادته تصل لعنان السماء. حتى شعر بجسدها يرتعش بين يديه بقوة، وبدأت تلتقط أنفاسها بصوت مسموع يدل على اقتراب انفجار ثورتها. فأنزلها من على قدمه على مضض.
أجلسها على الفراش، وهب واقفًا يهندم ثيابه، وبتنهيدة عاشقة قال: "هروح أجيب لك إسراء الصغيرة وأجيلك على طول." تهللت أساريرها، وتلاشى غضبها حين استمعت لاسم صغيرتها وعودتها لحضنها. كم تشتاقها كثيرًا. تود رؤيتها وضمها لصدرها حتى لو تلقت حتفها بعدها. فرحتها التي ظهرت على ملامحها جعلت قلب هذا العاشق ينبض بجنون. ابتسم لها ابتسامة مهلكة مردفًا بثقة أثارت استزفازها مرة أخرى: "مش هتأخر عليكي علشان عارف إني هوحشك."
ختم جملته وهو يميل عليها ويطبع قبلة طويلة على شعرها، ومن ثم سار لخارج الجناح بخطواته الواثقة. تاركًا إسراء خلفه كالتي تلقت خبطة قوية على رأسها، وبذهول تحدثت قائلة: "والله ما طبيعي اللي بيعمله معايا دا!! ضحكت خديجة برقة على هيئتها، وتحدثت باستغراب قائلة: "هو فعلاً مش طبيعي خالص.. دا مش فارس اللي أنا ربيته.. أنتي خليتيه واحد تاني." "ثواني بس.. أنا آسفة في اللي هقوله.. هو دا كده بحركاته واللي بيعمله معايا حضرتك ربيتيه؟!
قالتها إسراء مستفسرة بابتسامة مصطنعة تظهر جميع أسنانها. رسمت خديجة الغضب على ملامحها جعلت الإحراج يعتلي وجه إسراء وهمت بالاعتذار منها ثانية. لكنها ضحكت فجأة بشدة وأجابتها بأسف: "بصراحة هو كده ماشفش تربية خالص هههههه." ضحكت إسراء على ضحكاتها. ربتت خديجة على ظهرها مردفة بطيبة: "أيوه كده اضحكي.. ضحكتك جميلة أوي ماشاء الله عليكي." "إسراء." "أنتي اللي أجمل، وشكلك طيبة أوي مش زي فارس باشا المغرور."
دفعتها خديجة برفق على الفراش مدمدمة بجدية مصطنعة: "اممم.. وأنتي شكلك تعبان أوي ومحتاجة تنامي وترتاحي.. علشان لما بنوتك تيجي تقدري تقعدي معاها وأنتي فايقة."
تمددت إسراء على الفراش وأغلقت عينيها بتعب، وعلى وجهها ابتسامة أكثر من سعيدة بعودة ابنتها لها. لتتسع ابتسامتها دون إرادتها وهي تتذكر أفعال هذا الفارس. نهرت نفسها حين شعرت بجزء ما بداخلها يروقه تلك الأفعال. فهي بالآخر أنثى، وإذا التقطت بعاشق لها من طرف واحد ووجدته دوماً ينوح ويبكي يجعلها تنفر من هذا العشق. فلو شئت أن تتقرب إلى امرأة تحبها.. فحاول ما استطعت أن تضحكها.. لأن قلب المرأة كالطفل المولع بالمرح واللهو.
ظل يعاد بذهنها همساته لها، وكلماته التي تذيب الحجر، وعناقه الحار الذي جعل جسدها يرتجف بقوة، حتى غرقت بنوم عميق. ليهاجمها حلمها المعتاد عن ما حدث لزوجها. **فلاش باك** قبل تسعة أشهر. "إسراء." تجلس على ركبتيها أمام زوجها رامي الجالس أرضًا على سجادة الصلاة بعدما انتهى من أداء صلاة الفجر. مستندًا بظهره للحائط، ضامًا ركبتيه لصدره، خافضًا رأسه ويتحدث بصوت يملؤه الأسى:
"طردوني بعد ما طلعوني حرامي ومرتشي ومكتفوش بكده كمان، وبعتوا الملف بتاعي لكل الشركات المتخصصة في مجالي علشان محدش يقبل يشغلني عنده يا إسراء." أطبقت جفنيها بقوة تكبح عبراتها، ورسمت ابتسامة رضا بقضاء الله. مدت يدها واحتضنت وجهه بين كفيها جعلته ينظر لها، لتتفاجأ بعينيه المملوءة بالعبرات التي تأبى الهبوط. وبغصة مريرة قال: "افتروا عليا وقطعوا عيشي وأنا ربنا يعلم إني شريف وعمري ما قبلت قرش حرام."
"عارفة.. والله عارفة يا حبيبي." همست بها وهي تجذب رأسه لحضنها وتضمه بلهفة. يدها تربت على شعره بحنان بالغ متمتمة بألم حاد ينهش قلبها. "دا ابتلاء من ربنا بيختبر بيه قوة إيمانك وصبرك، وبإذن الله هينصرك ويرجع لك حقك.. بس أنت أهدِ ومتزعلش نفسك بالشكل دا الله لا يسوؤك." تمسك بها بكلتا يديه، يستمد منها بعض القوة. وبدأ يتحدث بهذيان وعدم تصديق من شدة حزنه وقهرته على حاله:
"بقالي 10 سنين شغال في الشركة والكل يشهد بأخلاقي وأمانتي، وفي يوم وليلة ينقلب الحق باطل وأطعن من كل الناس حتى أقرب أصحابي شهدوا عليا إني حرامي." لهنا ولم تحتمل أكثر وانهمرت عبراتها تتساقط على وجنتيها بغزارة. وبعدم فهم همست بصعوبة من بين شهقاتها قائلة: "ليه.. ليه كل دا.. ليه يعملوا معاك كده؟! نظر لها وقد تحولت ملامحه المنكسرة لأخرى غاضبة، وأجابها بابتسامة زائفة وعينيه تفيض بالدمع:
"علشان عرفت اسم الراجل الكبير اللي ورا كل محاولات الاغتيال والسرقة اللي بتحصل في الشركة، ولما عرضوا عليا فلوس كتير وأنا رفضت وحاولت أوصل لـ "فارس" باشا صاحب الشركة قفلوا كل الطرق اللي توصلني بيه، وطردوني وقطعوا عيشي.. بس أنا هعمل المستحيل وهأوصله وهأقوله إن اللي بيحاول يقتله ومشغل ناس بتسرقه واحد مش مصري واسمه "مارفيل" وهو أكيد هيجيبه."
أنهى حديثه وبدأ يلتقط أنفاسه بصوت عالٍ. لتهرول إسراء وتجلب له كوبًا من الماء، وتساعده على تناوله مردفة بتوسل: "أهدِ يا رامي.. بالله عليك أهدِ ليجرالك حاجة.. أنا وبنتك ملناش غيرك بعد ربنا." "أنا كويس.. متخفيش." قالها وهو يرتمي داخل حضنها مرة أخرى، وبنبرة راجية همس وهو يغلق عينيه ويستعد للنوم: "خليني في حضنك شوية.. المكان الوحيد اللي بيريحني يا إسراء." قبلت جبهته مرات متتالية، وهي تقول:
"طيب قوم ريح على السرير جنب بنتك، وأنا هعمل لك لقمة خفيفة تاكلها وأجيلك على طول.. أنت مأكلتش حاجة من امبارح." حرك رأسه بالإيجاب. ساعدته على النهوض، وسارت برفقته حتى وصل للفراش. تمدد بجوار صغيرتهما. دثرته هي بالغطاء وهمت بالابتعاد عنه. ليمسك كف يدها وهمس بتعب: "متسبنيش.. خديني في حضنك." انصاعت له وتمددت بجواره. ليضمها هو بيد، ويضم صغيرته بيده الأخرى. بدأ يتنقل بشفتيه بينهما يقبلهما بحب شديد مغمغمًا بهمس لصغيرته:
"أنا مش حرامي يابنتي.. يشهد عليا ربنا إني عمري ما دخلت جوفكم لقمة إلا بالحلال." ظل وقتًا ليس بقليل يضمهما، ويقبلهما حتى أغلق عينيه وهو يهمس بأذكاره مرددًا الشهادة أكثر من مرة. ظنت زوجته أنه غاص بنوم عميق. فابتعدت عن حضنه بحذر، وهبت واقفة. سارت نحو المطبخ وقامت بتحضير الطعام على وجه السرعة، وعادت له. جلست بجواره تربت على لحيته بحنو قائلة: "رامي.. قوم يا حبيبي كل ونام تاني؟!
قطعت حديثها وانقبض قلبها بفزع حين شعرت ببرودة بشرته الشديدة. انتفضت فجأة وبدأت توقظه بعنف مرددة برعب وهلع جعل جسدها يرتجف بشدة: "رر رامي.. قوم يا حبيبي.. قوم بالله عليك.. يااااارب متحرمنيش منه ونبي يارب." ظلت تحاول مرارًا وتكرارًا إيقاظه، ولكن أمر الله قد نفذ. **نهاية الفلاش باك** "راااااامي." هكذا استيقظت إسراء من نومها، وهي تصرخ باسم زوجها ببكاء شديد. أسرعت خديجة بضمها لحضنها، وربتت على شعرها بحنو مرددة:
"بس يا حبيبتي متخفيش.. أنتي كنتي بتحلمي." تمسكت بها إسراء وأجهشت بالبكاء أكثر وبأسف حدثت نفسها: "مش هقدر أقرب منك يا فارس طول ما أبو بنتي معايا في أحلامي." **ديمة** ممسكة بهاتفها تتحدث به بغضب قائلة: "عايزة تفهميني إن فارس الدمنهوري هيبص لحتة شغالة يا صابرين؟! أجابتها صابرين قائلة بحقد: "للأسف يا ديمة هانم.. بيعملها معاملة خاصة جدًا وكلامها مشي على اللي شغالين في القصر كلهم النهارده." صكت ديمة على أسنانها بغيظ،
وبفضول قالت: "اسمها إيه البت دي؟! "صابرين." "إسراء يا هانم، وشكلها جربوعة من الشارع." "ديمة." بأمر: "طيب اقفلي، وخلي عينك عليها، وبلغيني بكل حاجة." أنهت جملتها، وطلبت رقمًا آخر، فأتاها الرد باللغة الفرنسية. "مرحباً ديمة." "ديمة." "مرحباً مارفيل.. أريدك أن تأتي إلى مصر بأقرب وقت ممكن." "مارفيل." "أخبريني ماذا حدث؟! هل كل شيء على ما يرام؟! "ديمة." ببكاء: "لا.. أريد مساعدتك.. فأنا لم أستطع أن أجعل فارس يحبني."
ضحكت مارفيل ضحكة ساخرة، وبلامبالاة تحدثت: "لا يهم بالنسبة لي حبيبتي، ولكن اطمئني لن تكوني غيره زوجة؟! صمتت لبرهة وتابعت بثقة: "ابني فارس الدمنهوري." اعتلت ملامحها الغضب وأكملت محدثة نفسها: "الذي لم أكره بحياتي شخص مثله!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!