الفصل 13 | من 40 فصل

رواية غرام المغرور الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
20
كلمة
2,487
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

"إسراء".. إخلاصها لزوجها المتوفي يعتبر نادراً في وقتنا هذا. قلبها ينبض بالحب الحقيقي رغم مدة زواجها القصيرة، فالعلاقات لا تقاس أبداً بطول العشرة، ولكن تقاس بجميل الأثر وجميل الإخلاص والمحبة. فكم من معرفة قصيرة المدى لكنها بجمالها وهدوئها أعمق وأنقي بكثير من أطول معرفة.

أغلقت قلبها على حبها ووفائها وقررت عدم فتحه لأحد مرة أخرى. بنظرها لن تجد مثل والد طفلتها. اكتفت بحب والدتها وصغيرتها وتعمدت تنسى نفسها، وتدفن شبابها بيدها. غافلة عن القدر وما يخبئه لها. لم تضع في حسبانها أنها ستقع بقبضة رجل سيقتحم بعشقه قلبها المغلق. داخل جناح فارس.

تدور "إسراء" حول نفسها بملامح يظهر عليها الصدمة والذهول بعدما استمعت لصوت إحدى العاملين يخبر "فارس" بوصول خطيبته "ديمه" منهارة من شدة خوفها عليه بعدما علمت عن الهجوم المسلح الذي حدث له. رفعت كف يدها ومسحت على وجهها بعصبية، وهي تطرد زفرة نزقة من صدرها متمتمة لنفسها بصوت خفيض: "أنا إيه اللي عملته في نفسي دا ياربي؟!

بينما يتابعها "فارس" باهتمام بعدما اعتدل بجلسته بوضع أكثر راحة مستنداً بظهره على المقعد ورفع قدميه على طاولة أمامه، وقد تناسى إصابته وجروحه البالغة وهو يتأمل جمالها البريء. "أنت اتجوزتني وأنت خاطب؟! أردفت بها "إسراء" وهي ترمقه بنظرات منذهلة، وبعقلها بدأ يدور ألف سؤال وسؤال إجابتهم جميعاً أنها وقعت تحت سطوة مغرور.

عقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت له بملامح جامدة رغم تعاطفها مع هيئته المزرية، وجرحه الذي لم يتوقف عن النزيف. بادلها "فارس" النظرة بأخرى مستمتعاً، وغمز لها بشقاوة قائلاً بتساؤل: "بتغيري عليا ولا إيه؟! ابتسمت بسخرية وهي تقترب منه بخطوات بطيئة وكأنها تسير على إيقاع نبضات قلبه حتى توقفت أمامه مباشرة ومالت برأسها عليه قليلاً. تنظر لعينيه بكراهية شديدة ظاهرة عليها بوضوح، وتحدثت

من أسفل أسنانها قائلة: "أغير عليك إيه وزفت إيه يا فارس بيه!! أنت مش واخد بالك إنك مش نازلي من زور يا مغرور". أين هذا المغرور هو فقط يتأمل ملامحها الرقيقة التي تروقه وتثير جنونه بدقة وافتتان. اعتدلت بوقفتها، ونفخت بضيق مكملة بنفاذ صبر: "ذنبها إيه خطيبتك دي تظلمها معاك وذنبى أنا إيه علشان تتجوزني عليها؟!

شهقت بفزع حين جذبها من يدها ببعض العنف. فختل توازنها وسقطت على قدميه. حاولت الفرار منه، لكنه حاوطها بيده السليمة، وضمها لصدره بقوة. مستنداً بجبهته على جبهتها، وتحدث بأنفاس متلاحقة تدل على شدة تعبه: "ذنبك أنك بقيتي غرامي يا إسراء". تنقل بنظره بين شفاتيها وعينيها وتابع بتلذذ: "بقيتي غرام المغرور يا ساحرتي".

انبلجت ابتسامة ماكرة حين شعر بارتجاف جسدها بين يديه فظن أنه استطاع التأثير عليها وأنها على وشك الخضوع لوسامته الشديدة كحال معظم النساء معه. لتتلاشى ابتسامته وتحل مكانها الصدمة حين دفعته بعيداً عنها بكل قوتها غير عابئة لجرحه النازف جعلته يتأوه بصوت عالٍ. وهبت واقفة أمامه وتحدثت بغضب،

ونبرة محذرة قائلة: "أنا مش غرامك ولا هكون في يوم من الأيام، وأظن أن جوازنا دا مجرد اتفاق أو عقد بمدة محدده يا فارس بيه، وأنت وافقت عليه. فبلاش شغل النحنحة دا علشان مش هياكل معايا، ولا هيخليني أغير اتفاقي معاك". توقفت عن الحديث وبدأ يظهر عليها التوتر والفزع وهي تراه يئن بألم حاد، وقد ازداد نزيف جرحه. عضت على شفتيها وأصبحت في حيرة من أمرها بعدما تحطم جمودها وقوتها الزائفة وهي ترى مدى تدهور حالته.

حاولت رسم اللامبالاة على محياها، وتحدثت بأسف وصوت جاهدت على إخراجه طبيعياً لكنه خرج مرتعشاً من شدة قلقها: "وبعدين أنت إيه اللي شلفطك على الآخر كده، ومروحتش المستشفى ليه بجرحك اللي عمال ينزف دا قبل ما دمك يتصفى، ولا غرورك مخليك مش عايز تتنازل وحد من البشر يعالجك".

عادت ابتسامته تزين ملامحه الشاحبة حين لمح خوفها عليه ظاهر عليها، ورفع رأسه نظر لها بعينيه الجريئة المجهدة، وتحدث بصوته الرجولي ذي البحة المميزة قائلاً: "جيت على هنا علشان في دكاترة هنا في القصر ولا نسيتي، ومتخفيش عليا أنا واخد على كده، ومش أول مرة أتعور وأنزف". غمز لها وتابع بوقاحة: "لما تاخدي عليا شوية كمان هوريكي كل الإصابات والرصاص اللي في جسمي واخليكي تعالجيني بنفسك من أول وجديد".

جحظت عينيها على آخرهم من مخزي حديثه الجريء، وحركت رأسها بيأس وهي تجز على أسنانها بغيظ مردفة: "سافل حتي وأنت تعبان؟! أنا مش هعالجك لا أنا هعيد تربيتك من أول وجديد". رمقته بنظرة حارقة، وسارت نحو باب الجناح وتابعت بحدة قائلة: "أنا هروح المطبخ أكمل شغلي، وابعتلك الدكاترة بتوعك يمكن يشوفوا علاج لوقاحتك ولسانك اللي عايز أصه دا هو كمان يا فارس بيه". "مافيش خروج من باب الجناح قبل ما أحضنك يا إسراء".

قالها "فارس" بإصرار مريب وهو يقوم بربط جرحه بكنزته بعدما قام بخلعها وظل بجزعه العاري. صكت "إسراء" بأسنانها كادت أن تحطمهم، وحدثت نفسها بغضب عارم قائلة: "ي ربي إيه البني آدم البارد دا.. في حياتي ماشوفتش كمية سفالة وبرود بالشكل دا". استجمع "فارس" قوته، وهب واقفاً وبدأ يسير بخطوات متعبة لكنها متزنة. استمعت "إسراء" لخطوات قدمه فنقطعت أنفاسها، وركضت مسرعة مبتعدة عنه.

"أهدي مش هحضنك غصب إلا لو انتي جبرتيني على كده.. أنا هجيب حاجة أشربها تفوقني شوية علشان استمتع بحضنك اللي كنت هتحرم منه للأبد من قبل حتى ما أدوقه". قالها وهو يفتح ثلاجة صغيرة بإحدى جوانب الغرفة، وأخذ منها زجاجة غريبة الشكل. عقدت "إسراء" حاجبيها وهي تمعن النظر لتلك الزجاجة، ومن ثم شهقت بقوة وهي تقول بعدم تصديق: "خمرة؟! .. بتشرب خمرة يا فارس بيه؟!

سكب فارس كأس مملوء، وتناوله على مرة واحدة مردداً: "دي شمبانيا يا بيبي.. تعالي خدي كاس هتعجبك أوي صدقيني". نهى جملته، وسكب كأس أخر ومد يده لها به.

نظرت له لأول مرة تتأمل هيئته بتفحص. تود رؤية الوجه الآخر لذلك المغرور الذي يخفيه خلف صرامته الشديدة. عينيه بهما حزن دفين، ملامحه رغم وسامتها إلا أنها قاسية. يبدو كمن يقف بين نارين رغم أن الطريق أمامه إلا أنه لا يمكنه السير بعيداً عن تلك النيران. نظرته لها نظرة غريق يستجديها أن تنقذه. يريد المساعدة ويد العون التي تساعده على السير بل الركض بعيداً عن النيران قبل أن تحرقه.

حسمت أمرها بعدما تردد بذهنها لما لا تكن هي تلك اليد، وتدفعه للطريق الصحيح وتفوز بالأجر والثواب؟! أخذت نفس عميق واقتربت منه وهي تقول بتعقل: "القصر دا فيه حاجات كتير أوي عايزة تتغير من أول اليونيفورم العريان بتاع البنات اللي شغالين هنا". أخذت من يده الكأس والزجاجة بهدوء ووضعتهم على الطاولة، ونظرت له وتابعت بشفقة: "لحد اللي مشاغلهم اللي هو أنت يا فارس بيه". صمتت لبرهة،

وأكملت بتساؤل قائلة: "هتسمحلي أغير اللي شايفاه غلط؟! اقترب هو منها حتى وقف أمامها مباشرة بينهما خطوة واحدة. فتراجعت هي للخلف خطوتين حين مال برأسه عليها، ونظر لعينيها بلهفة ظاهرة مغمغماً: "هسمحلك.. أنتي الوحيدة اللي مسموحلك تعملي أي حاجة في القصر وصاحب القصر يا سيدة القصر". أطبقت جفنيها بعنف، ونفخت بضيق، وفتحت عينيها وتحدثت

بنفاذ صبر دون النظر له: "طيب ممكن تفتحلي الباب علشان أتنيل أخرج أشوف شغلي، وكمان أنت راجل خاطب، وخطيبتك تحت وممكن تطلع في أي لحظة، ومينفعش تطلع تلاقيني معاك هنا". "مينفعش ليه؟! .. أنتي مراتي، ولو طلعت هقولها كده". أردف بها وهو يقترب منها بابتسامة عابثة، وهي تتراجع للخلف، وبنبرة راجية تابع: "ويله بقي تعالي في حضني، وصدقيني لو جربتيه هتدمنيه". رفعت كف يدها، وأشارت له أن يتوقف، وتحدثت بتقطع

من شدة خجلها وغضبها قائلة: "فارس بيه من فضلك التزم باتفاقك معايا، ولازم تعرف إني مش هقدر أكون لك زوجة بالسهولة دي.. لأني لسة بعشق جوزي الله يرحمه".

صرخت بصوت خفيض حين سحبها من خصرها فجأة لداخل صدره، وضمها بكلتا يديه لصقها به، وقد استطاعت الخمرة إخفاء ألم جرحه قليلاً. توهجت وجنتيها حين استشعرت ملمس جسده على يدها وهي تدفعه عنها بضعف بعدما تملك منها خوفها من نظرته الحارقة، وأنفاسه الساخنة التي تلفح بشرتها وتدل على شدة غضبه. "احضنيني". همس بها بنبرة أمره، ومحذرة بأن واحد لا تحتمل النقاش.

رفعت عينيها ببطء ونظرت له لتندهش من لمعة عينيه الغاضبة بالعبرات. يستجديها أن تضمه لتتفادى بركان غضبه حتى لا ينفجر، وستكون أول من يطولها. "مش هقولها تاني يا إسراء". همس بها وهو ينظر داخل عينيها بعمق غلفه الاشتياق الشديد. هبطت عبراتها على وجنتيها بغزارة، وحركت رأسها بالنفي عدة مرات وهي تردد بصعوبة من بين شهقاتها: "مش هقدر.. والله ما هقدر". سارت بيدها على يده حتى أمسكت قبضته التي تعتصر خصرها، وحاولت

دفعها عنها وهي تقول بتوسل: "سبني يا بيه الله لا يسيئك". "مستحيل أسيبك يا إسراء.. أنتي مش عارفه أنتي بالنسبالي إيه، ولا عارفه أنا مستني اللحظة دي بقالي قد إيه". قالها "فارس" وهو يضمها له أكثر، وتابع بابتسامة وفرحة غامرة قائلاً: "بقولك إنهرده كنت هموت وربنا كتبلي عمر جديد، وعايز أعيشه كل لحظة معاكي أنتي.. جوه حضنك أنتي قبل ما أتقتل يا إسراء". اتسعت عينيها بصدمة من جملته الأخيرة. ليحرك رأسه هو بالإيجاب،

وبأسف أكمل: "أيوه أتقتل.. ليا أعداء مش هيرتاحوا غير لما يقتلوني، وشكلي كده هخليهم يوصلوا لهدفهم.. علشان لو قتلوني هيشيلوكي من دماغهم، وهتبقي أنتي في أمان". انعقد لسانها لم تستطع النطق بحرف واحد. أيعقل سيضحي بحياته لأجلها؟! . نظرت له بشرود متمتمة ببكاء دون وعي: "تتقتل وأبقى أرملة للمرة الثانية؟! ابتسم لها ابتسامة حزينة، وبتنهيدة قال: "ما أنا عايز أخلف منك ولد علشان أبقى مطمن عليكي، ومتبقيش لوحدك أنتي وإسراء الصغيرة".

أمسك يديها، ولفها حول رقبته، وضمها بقوة دافناً وجهه بعنقها مستغل شرودها، وبتأكيد تابع: "أول ما تحملي مني هسيبهم يقتلوني، وأريحك مني ومن غروري للأبد يا ساحرة". "مش هيحصل". قالتها "إسراء" وهي تتحرك بهستيرية داخل حضنه كمحاولة منها للابتعاد عنه، ونظرت له وتابعت بثقة: "لو قتلك واقف على حملي.. فاطمن أنا مش هحمل منك يا فارس بيه". رفعت يدها، وامسكت لحيته بين أصابعها

وتابعت بابتسامة مصطنعة: "قلتلك في حاجات كتير عايزة تتغير في القصر دا.. سبني خليني أبدأ أغيرها من النهارده". ابتسم "فارس" ابتسامة عريضة حين رأى مدى قلقها، وخوفها عليه يملأ عينيها. أو أقنع نفسه أنه رآهما، وتنقل بنظرة لشفتيها، ومال عليها بوجهه وهم بغمرهما بقبلة عاشقة. لتفر هي من بين يديه مسرعة نحو باب الجناح وبرجاء قالت: "افتح الباب يا بيه؟! رفعت يدها وضعتها على فمها تكتم شهقتها حين دوي صوت أنثى باكية

تطرق على الباب بقوة مرددة: "فارس افتح حبيبي.. افتح أنا هموت من قلقي عليك". بمنزل تامر. تجلس "إيمان" بجوار زوجها حاملة "إسراء" الصغيرة النائمة على قدمها. تستمع لما يقوله لها زوجها بصدمة وذهول وبعدم تصديق تحدثت قائلة: "انت بتقول إيه يا تامر؟! .. عايز تفهمني إن كل اللي كنت بتعمله معايا ومع إسراء مرات أخوك والبهدلة اللي بهدلتهالنا كانت اتفاق بينك وبين اللي اسمه فارس الدمنهوري دا؟! أشار لها "تامر"

بالصمت وبهمس قال: "وطي صوتك الحيطان لها ودان". صمت لبرهة، وتابع بأسف: "أيوه يا إيمان، وفارس بيه من يوم وفاة رامي أخويا الله يرحمه، وعينه كانت على إسراء وبنتها، وكل اللي حصل دا من تخطيطه علشان يخلي إسراء تروحله برجليها ويقدر يحميها من اللي قتلوا جوزها". "لا دا أنت تحكيلي كل حاجة بالتفصيل". قالتها "إيمان" بإصرار شديد.

هب "تامر" واقفاً وتحدث باستعجال قائلاً: "مش وقته.. لازم أروح لفارس بيه عايز يشوفني ضروري.. ادعيلي محدش يشوفني وأنا معاه، ولو رجعت هحكيلك على كل حاجة". "إيمان".. ببكاء حاد: "لو رجعت إيه.. أنا مش هسيبك تخرج يا تامر.. أكيد أنت متراقب، وأنا معنديش استعداد أخسرك". ضمها "تامر" لحضنه مقبلاً رأسها وبابتسامة تحدث: "لسه بتحبيني يا إيمان بعد كل اللي عملته معاكي؟!

"إيمان".. "وعمري ما هبطل أحبك.. أنت كنت بتعمل كده وليك عذر يا تامر". "يعلم ربنا إني عملت كده من خوفي عليكي وعلي مرات أخويا وبنته، ودلوقتي لازم أروح يا إيمان مدام قالي عايز يشوفني يبقى الموضوع مهم وخطير ولازم أروح".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...