داخل غرفة واسعة مرتبة بدقة عالية، غرفة تشبه غرف الأميرات بل الملكات. ألوانها من الروز بمختلف درجاته، بها كل شيء. خزينة ملابس مملوءة بأفخم الثياب، ألعاب كثيرة جداً بكل ركن بالغرفة بمختلف أنواعها، أكثرها من عرائس الباربي الشهيرة. بها حائط كامل به الكثير من الصور الفوتوغرافية لـ "إسراء" وابنتها بأوضاع مختلفة منذ كانت صغيرة بشهرها الخامس، وهي الآن أكملت ثمانية عشر شهراً.
على فراش مخصص للأطفال بحواجز جانبية مرتب بعناية فائقة، تجلس عليه "إسراء" تحتضن ابنتها بقوة بعدما تركها "فارس" من حضنه بصعوبة بالغة. تضم صغيرتها، تستنشق رائحتها، تقبل كافة وجهها وكلتا يديها، وحتى قدميها بلهفة مرددة ببكاء: "ياروح قلب أمك واحشتيني أوي".
بمنتصف الغرفة يقف "فارس" يتابعها بابتسامة وملامح منذهلة. فهي لم تبدِ أي اهتمام للغرفة المجهزة حولها بميزانية باهظة الثمن. هي من الأساس لم تبدِ أي اهتمام للقصر بأكمله. حتى ما أحضره لها من ثياب ومجوهرات من الماس والذهب الخالص، وجعل خديجة تضعهم بالغرفة الخاصة بها هي ووالدتها بعدما أخبرتها أنهم لأجلها. لم تكلف نفسها حتى لرؤيتهم. اكتفت بانتقاء فستانين بغاية الروعة، كلاهما من اللون الأسود وحجاب من نفس اللون. لم تلقِ نظرة عبرة حتى على ما جلبه لها من عطور وأدوات من الميك أب ذات الماركات العالمية. فهو يتابعها بكل لحظة عبر الكاميرا الموضوعة داخل غرفتها.
تحولت نظرته المنذهلة إلى أخرى منبهرة بها. اتسعت ابتسامته حين تأكد أن الله قد أحسن له الاختيار وأنها ستكون له الزوجة الصالحة التي يحلم بها دوماً. تأملها بأعين تفيض عشقاً يشعر به لأول مرة محدثاً نفسه قائلاً: "أنا مغلطتش لما قولت عليكي ساحرتي.. بتسحريني بأخلاقك يا إسراء".
لم يكن الغنى يوماً غني المال. الغنى الحقيقي غني النفس بالأخلاق، هذا ما كان يبحث عنه بطلنا دوماً بمن يريدها أن تكون شريكة حياته. حتى عثر على "إسراء" الأنثى الوحيدة التي سرقت اللب من عقله، استطاعت بمهارة الرقص على إيقاع نبض قلبه حتى أصبحت وحدها غرام المغرور.
انبلجت ابتسامة ماكرة على محياه الوسيم، وسار نحوهما وهو يخلع قميصه الأبيض ويلقيه بإهمال على أقرب مقعد، وظل بكنزة سوداء تظهر ذراعيه القويتين أثر ممارسته المستمرة لألعاب القوة. جلس خلف "إسراء" على الفراش، ولف يده حول خصرها ضمها لصدره، دافناً وجهه بشعرها الكستنائي الحريري المنسدل على ظهرها بهيام مدمدماً: "اممم.. ريحتك تجنن".
جرأته الشديدة معها تجعلها تفقد النطق والحركة للحظات تكن كافية بالنسبة له بأن يحكم حصاره حولها. تخشبت بين يديه جاحظة العينين، هيئتها راقت الصغيرة التي تتابعهما براءة وتضحك بقوة على نظرة والدتها ظناً منها أنها تلاعبها. "قولتي عايزة تتكلمي.. اتكلمي.. أنا سامعك".
همس بها داخل أذنها من بين قبلاته المتفرقة على كتفها صعوداً بعنقها حتى وصل لوجنتيها. لفحت أنفاسه الساخنة بشرتها المتوهجة أثر خجلها وغضبها الشديد. بدأ صدرها يعلو ويهبط، وتتنفس بصوت مسموع، واستدارت برأسها قليلاً نظرت له نظرة حارقة مردفة بأمر من أسفل أسنانها: "اتأدب وأبعد إيدك عني". "تؤ.. أنا مرتاح كده، وأوي كمان". داعب أنفها بأنفه مكملاً: "وأنتي كمان أنا عارف إنك مرتاحة جوة حضني بس مكسوفة شوية، وأنا بموت في كسوفك دا".
"الصبر من عندك يارب". قالتها "إسراء" بنفاذ صبر، وهي تتحرك بعصبية بين يديه حتى نجحت بالفرار منه. وحملت صغيرتها ووقفت على مسافة منه، وتحدثت بأنفاس متلاحقة قائلة: "اسمعني كويس يا فارس بيه.. أنا مش قادرة أتحمل قلة أدبك دي كلها". ابتعدت بعينيها عن عينيه التي ترمقها بنظرات عاشقة تزيد من توترها وخجلها، وتابعت بصوت مرتجف جعله يبتسم بثقة حين تأكد أن قربه منها أصبح يؤثر عليها حتى لو قليلاً.
"لو هتفضل تعمل حركاتك الوقحة دي وتفكرني من البنات اللي هتترمي في حضنك؟! قطعت حديثها حين لمحت صورها هي وابنتها تملأ إحدى الجدران. اقتربت من الحائط وتنقلت بين الصور بأعين متسعة على آخرها مردفة بذهول: "ايه الصور دي كلها؟! نظرت له وتابعت مستفسرة: "أنت جبت كل صوري دي منين؟! هب "فارس" واقفاً، وسار نحوها وتحدث بصوته الهادئ قائلاً: "أنا أعرفك من سنة وشهر يا إسراء".
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ونظرت له تحثه على استكمال حديثه. ليأخذ هو نفساً عميقاً مكملاً: "جالي معلومات إن رامي عايز يوصلني بأي طريقة، وقتها قولت إنه أكيد واحد تبع أعدائي اللي عايزين يوصلولي، وكلفت رجالتى تراقبوه في كل خطوة، ولما راقبوه جابولي كل حاجة عنه، وفي مرة سمعت كلامه معاكي في التليفون.. كان بيمدح في أخلاقك، وإنك رفضتي فلوس كتير هيكسبها بالحرام، وموافقة على القليل بس يبقى بالحلال".
اقترب منها أكثر حتى أصبح أمامها مباشرةً، ونظر لعينيها بأعين تفيض عشقاً. "ساعتها اتمنيت واحدة زيك في حياتي.. واحدة بأخلاقك يا إسراء، وقولت هفضي نفسي وأبقى أشوفه عايز إيه بس للأسف بعدها بأقل من أسبوع تقريباً سألت عليه قالولي إنه قدم استقالته". "إسراء": بابتسامة ساخرة. "قصدك اترفض". حرك "فارس" رأسه بأسف مردفاً: "قالولي في الأول إنه استقال للأسف، عرفت بعد كده إنه اترفض، وفضلت متابعكم طول الوقت".
انهمرت دموع "إسراء" على وجنتيها بغزارة، وتحدثت بعدم تصديق قائلة: "يعني شوفته وهو بيتظلم، وبيطرد من شركتك، وعملوا عليه رباطية وخلو كل الشركات ترفض تشغله، وقعد من الشغل في البيت أكتر من 3 شهور كان كل يوم بيروح يقف قدام شركتك عشان يوصلك، ويرجع مكسور الخاطر لحد ما مات بحسرته، وكل ده وأنت متابعنا وشايف اللي بيحصله؟!
مسح على شعره بعنف حين رأى نظرتها له عادت للاحتقار مرة أخرى. حديثها جعله يشعر بالخزي من تصرفاته، وغروره الشديد. كان يتابع ما يحدث لزوجها بصمت رغم أنه كان باستطاعته وقف هذه المهزلة في الحال. ابتلع غصة مريرة بحلقه، وتحدث بصوت يملؤه الأسى:
"أنا تقريباً كل اللي حواليه بيخونني يا إسراء.. كنت محتاج وقت كافي عشان أتأكد إن رامي مش زيهم.. ماكنتش مصدق إن لسه في حد شريف لدرجة دي، وده خلاني أحطك تحت اختبار بعد موت جوزك عشان أقدر أدخلك حياتي وأسلمك قلبي وأنا مطمن". "اختبار؟!
همست بها بصوت بالكاد يسمع، وهي تضع ابنتها أرضاً بعدما شعرت بارتجاف جسدها بقوة، وعدم قدرتها على حملها. ركضت الصغيرة نحو ألعابها وظلت تلهو بهم بفرحة غامرة. بينما "إسراء" أصبحت بحالة يرثى لها. حديثه كان كالصاعقة. أيعقل كل ما مرت به من فقر، ومرض وجوع كان هو السبب به؟! "انت عايز تفهمني إنك كنت ورا كل العذاب والذل اللي مريت بيه بعد موت رامي؟! قالتها بصراخ مقهور وقد تلون وجهها بحمرة قاتمة.
"هعوضك.. أقسم لك بالله هعوضك عن كل لحظة تعب وحزن شفتيها في حياتك". أردف بها "فارس" بلهفة وهو يقطع المسافة بينهما، ويجذبها لداخل حضنه بالإجبار. تلكمه هي على صدره بقوة بكلتا يديها، وقد أجهشت بالبكاء بنحيب مرددة: "قطعت عليا أي مصدر رزق آكل منه عيش لحد ما جيت لك أنا برجلي.. لدرجاتي غرورك عماك.. أنت إيه يا أخي.. مصنوع من إيه عشان تمرمطني أنا وبنتي وأمي المرمطة دي كلها.. ده أنا كنت بدأت أشحت اللقمة عشان آكلهم".
حاولت الابتعاد عنه بشتى الطرق لكن دون جدوى. محكم سيطرته عليها، وبلحظة كان سار بها فجأة بخطوات شبه راكضة، وحصرها بينه وبين الحائط خلفها مقيد كلتا يديها بيد واحدة فوق رأسها، وتحدث بنبرة راجية وهو يزيل عبراتها بيده الأخرى قائلاً: "أهدي واسمعيني الأول واعرفي أنا عملت كده ليه". قطعته بصراخ: "مش عايزة أسمع منك حاجة، وهاخد أمي وبنتي وأمشي.. مش هفضل لحظة واحدة هنا مع واحد زيك معدوم الضمير والرحمة".
صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها وتابعت بابتسامة مصطنعة وعبراتها تهبط على وجنتيها: "أنا كنت ناوية أقولك النهارده على اسم الراجل اللي عايز يقتلك، وورا كل اللي بيحصلك.. بس بعد اللي عملته معايا ده مش هقولك، وابعد عني مش طايقة لمستك ولا عايزة أشوف وشك تاني". تظن هي أن الاسم الذي قاله لها زوجها اسم رجل. حاول "فارس" التحكم بوتيرة غضبه، ولكن ملامحه التي تحولت لأخرى مخيفة عكست لها أنه على وشك الانفجار.
"متقوليش يا إسراء.. أنا مسألتكيش عن اسمه، ولا هسألك.. أنا هعرف إزاي أجيبه وأصفي كل حسابي معاه". نظر لعينيها نظرة محذرة، وتابع بنبرة لا تقبل النقاش: "لكن خروجك من القصر بقي مستحيل.. انتي بقيتي مراتي، وهتفضلي مراتي". نظرت لعينيه بتحدي، وأردفت بقوة أذهلته: "نجوم السما أقرب لك مني، ولو فكرت تلمسني غصب عني، والله لأقتلك بنفسي". تراقصت ابتسامة خبيثة على محياه، والتصق بها بحميمية مدمدماً: "اممم.. بقي هتقتليني".
لثم وجنتيها بعمق، وتابع بمتعة: "وأنا معنديش مانع أبداً أموت على إيدك أنتِ يا ساحرتي.. خلينا نشوف إيه اللي هيتم". سار بلحيته الخشنة على بشرتها الناعمة. حركته هذه جعلتها تنتفض بشمئزاز مصطنع بين يديه تفهمه هو جيداً جعل ضحكاته تتعالى، وغمز لها بشقاوة: "هتقتليني فعلاً، ولا هتموتي فيا". رمقته بنظرة محتقرة وهي تقول: "يبقى أنت اللي جنيت على روحك يا فارس يا دمنهوري". .. مر أكثر من شهران..
تحول بهما جميع العاملين بالقصر إلى أفضل حال بعد القواعد التي وضعتها لهم "إسراء" سيدة القصر. أصبحت هي و "خديجة" أصدقاء مقربين. بينما علاقتها هي و"فارس" بها الكثير من المشاحنات. وهذا جعلها لم تستطع تنفيذ وعدها بقتل مغرورها إلى الآن، وهو لم يتوقف عن استغلال كل لحظة ليضمها لصدره، وينعم بقربها، ورائحتها التي أصبحت إدمانه. ولكن كل ما يزعجها ويثير غيظها وغضبها تعلق الصغيرة به. تكاد تجزم أنها أصبحت تحبه أكثر منها. وأيضاً تستشيط غيظاً من قلبها الذي أصبح ينبض بجنون حين تصل رائحة عطره المثيرة لأنفها. رغم جمودها التي تنجح في إظهاره، ولكن ما سيحدث اليوم سيغير معاملتها معه لأكثر من مائة وثمانون درجة.
.. داخل مطبخ القصر.. نظرات.. همسات.. ضحكات خبيثة.. نابعة من العاملين داخل مطبخ قصر الدمنهوري. يتطلعون لـ "إسراء" الواقفة منهمكة بإعداد الطعام بمهارة واحترافية شديدة بأعين جاحظة منذهلة. فوصفاتها جديدة كلياً عليهم. تعد أشهى الأكلات الشرقية، بينما هم لم يكونوا يصنعون سوى الطعام الغربي بمختلف أنواعه. اقتربت منها "صابرين" مديرة المطبخ بخطى بطيئة، ووقفت جوارها تنظر لما تفعله بدهشة، وفم مفتوح ببلاهة، وبتساؤل تحدثت قائلة:
"هو انتي بتعملي إيه بالظبط؟! رمقتها "إسراء" بنظرة ساخرة، وهي تجيبها بلامبالاة: "انتي شايفني بعمل إيه؟! "سمنة، لبن، دقيق، مكرونة، جبن كتيييير.. دهوووون أوفر جداً!! ، ومفكرة فارس باشا ممكن يأكل من الأكل ده؟! قالتها العاملة بصوت يملؤه الغضب، والغيظ معاً. ابتسمت "إسراء" لها ابتسامة صفراء، وببرود قالت: "ومين قالك إني بعمله للباشا بتاعك". تذوقت الطعام بتلذذ، وتابعت بفم مملوء على آخره: "أنا وديجا بس اللي هناكل".
همت العاملة بتوبيخها. بل والأكثر كانت تنوي سكب الطعام فوقها وهي تعلم أنه شديد السخونة، ولكن صوت "فارس" الصارم الذي تحدث بابتسامة لعوب جعلها تنتفض بفزع هي وجميع العاملين، ويقفون جميعاً صفاً واحداً خافضين رؤوسهم باحترام شديد. "بس أنا كمان هاكل من الأكل اللي بتعمليه".
قالها "فارس" بهدوء، وهو مستند على الحائط بكتفه وواضع كلتا يده بجيب سرواله بهنجعية، وعينيه تتأمل ساحرته بنظراته جريئة لا تخلو من الاشتياق. بينما هي لم تبدِ أي اهتمام لوجوده. بل أنها حتى لم تلتفت له، وظلت تتابع ما تفعله باهتمام. ضيق عينيه واعتلت ملامحه الوسيمة ابتسامة ماكرة، وأشار للواقفين بالمغادرة المكان فنصاعوا في الحال. سار هو نحوها بخطوات شقية وتحدث بمتعة، وثقة وغروره المعتاد قائلاً: "واحشتك أنا عارف".
"خالص والله". قالتها "إسراء" بدون تردد، وبنبرة جامدة دون النظر له حتى، وعندما شعرت بقترابه منها، وقرأت ما يدور بعقله من وقاحة أكملت بتهديد قائلة: "وجرب كده تعمل اللي في دماغك وأنا أغرقك بالبشاميل اللي بيغلي ده؟! شهقت بعنف حين احتواها بين ضلوعه ظهرها مقابل لصدره وضمها بقوة مدمدماً بهمس داخل أذنها: "امممم واحشتك وأوي كمان يا إسراء.. سامع نبض قلبك، وحاسس بلهفتك عليا".
انقطعت أنفاسها وارتعش جسدها الخائن باستجابة لحضنه الدافئ، وللوهلة كادت أن تنهار حصونها بين يديه. لكنها نهرت نفسها بشدة، واستجمعت قوتها، وأمسكت إناء الطعام الساخن أوهمته أنها ستقوم بسكبه عليه. لكنه قذفه من يدها بعيداً عنهما مغمغماً بعتاب: "أتهون عليكي تحرقيني أكتر من كده.. مش كفاية نار عشقك اللي مولعة في قلبي". أنهى جملته، وأمسك كف يدها وسار بها نحو الخارج مكملاً بسعادة شديدة:
"مش هعاقبك دلوقتي.. خليني أعرفك على أمي.. أول مرة تيجي مصر، وأول مرة أنا أشوفها على الحقيقة". "إسراء": بخجل فشلت في إخفائه. "استني بس هتعرفها عليا بصفتي إيه". "فارس": بابتسامته الرزينة. "بصفتك مراتي يا بيبي".
سار بها حتى وصل لامرأة شديدة الجمال من يراها تجلس على مقعد بجوار "خديجة" الظاهر عليها الضيق. نظرت لها "إسراء" باندهاش. فشكلها صغير للغاية على أن تكون والدته هذا الضخم الواقف بجوارها. تنقل "فارس" بنظره بينهما، وتحدث باللغة الفرنسية بطلاقة قائلاً: "هذه إسراء زوجتي التي أخبرتك عنها". ابتسمت لها والدته ابتسامة صفراء، وهي تنظر لها بتفحص شديد. نظر هو لـ "إسراء" وتابع بجملة كانت بمثابة صفعة مدمية حين قال: "دي مارفيل.. أمي".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!