الفصل 28 | من 40 فصل

رواية غرام المغرور الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
24
كلمة
3,668
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

بحديقة قصر الدمنهوري. "إلهام" تجلس على كرسيها المتحرك حاملة الصغير "محمود" على قدم، وحفيدتها "إسراء" على القدم الأخرى. تقبلهما بحب وتتحدث بفرحة موجهة حديثها لـ "إيمان" الجالسة أمامها على أريكة بجوار "خديجة". "ربنا يبارك لك فيه، ويجعله بار بيكي يا إيمان يا بنتي." غمغمت "إيمان" بابتسامة واسعة تدل على فرحتها الغامرة. "يسمع منك ربنا يا خالتي." تنهدت "إلهام" بصوت عالٍ، وتحدثت بقلق قائلة.

"يا ترى يا إسراء يا بنتي عاملة إيه؟ ضحكت "إيمان" بخجل قائلة. "عروسة يا خالتي الله.. يعني هتكون عاملة إيه.. ادعي لها ربنا يفرح قلبها، ويعوضها خير عن التعب اللي شافته." رمقتها "إلهام" بنظرة ذات مغزى، وهي تقول.

"ما أنا بدعيلها والله يا بت يا إيمان، وبدعيلك انتي كمان يا حبيبتي بس أنا قصدي إن بنتي بتخاف أوي.. من صغيرها عمرها ما كانت ترضى تركب مرجيحة، ولا عجلة، ولا مركب في النيل زي زميلاتها، واتحايل عليها أقولها يابنتي العبي وأفرحي معاهم تقولي لو ركبت المرجيحة ولا مركب بحس إني دايخة جامد وبفضل أرجع." وضعت يدها على موضع قلبها، وتابعت بخوف ظاهر على محياها الطيبة.

"أمال هتعمل إيه بقي وهي راكبة الطيارة ومتشعلقة بين السما والأرض كده؟! ربتت "إيمان" على يدها برفق متمتمة بابتسامتها الحانية. "أنا عارفة يا خالتي إن إسراء خوافة.. بس اطمني جوزها معاها، وشكله بيحبها أوي، وحبه ليها هيطمنها، ويضيع خوفها ده متقلقيش."

وجهت "إلهام" نظرها لـ "خديجة" التي تبتسم بشرود، وعينيها ثابتة على شيء ما. عقدت "إلهام" حاجبيها، وتطلعت لما تنظر له. وجدت "تامر" زوج "إيمان" يقف على مسافة منهم برفقة رئيس الحرس الجديد "هاشم الرفاعي".

يقف بهيبة، وهندامه تليق به كثيرًا. يرتدي بدلة أنيقة من اللون الأسود، وقميصًا من نفس اللون، يخفي عينيه الثاقبة التي تتابع كل شيء حوله بتركيز شديد خلف نظارة شمسية، ويتحدث من حين لآخر بجهاز اللاسلكي الموضوع بأذنه يملي أوامره على طاقم الحراسة الخاص به بمهارة، واحترافية. ابتسمت "إلهام" بخبث، وتحدثت بجدية مصطنعة قائلة. "شكله شديد أوي اسم النبي حارسه هاشم دا.. مش كده يا خديجة يا أختي؟!

انتبهت "خديجة" على نظرتها التي اقتربت للبلاهة قليلاً، وابتعدت بنظرها عن "هاشم" الذي انبلجت شبه ابتسامة على ملامحه الصارمة أخفاها سريعًا حين لمح توترها، وتفهم أن "إلهام" قد لاحظت نظرتها له. فعينيه تراقبها من خلف نظارته. "أيوه فعلاً يا لوما.. شكله شديد خالص."

قالتها "خديجة" برقتها المعهودة، وقد تورّدت وجنتاها بحمرة الخجل حين رأت نظرة "إلهام" العابثة لها، وابتسامتها الواسعة تخبرها بها أنها قرأت ما يدور بخاطرها، وإعجابها بهذا الـ "هاشم" ظاهر على ملامحها البريئة بوضوح. ابتلعت لعابها بصعوبة، وهبّت واقفة فجأة، وتحدثت باستعجال قائلة. "أنا هروح أشوف مارفيل، وديمة صحيوا ولا لسه."

"اقعدي بس يا خديجة ما أنتي قولتيلي قبل كده إنهم بيصحوا المغرب، ولا بعد المغرب كمان.. عايزاكي تتصلي على فارس وإسراء نطمن عليهم الأول.. نشوفهم وصلوا بالسلامة ولا لسه." "هتصل عليهم حالاً من عنيا يا لوما." قالتها "خديجة" بابتسامة، وهي تجلس مرة ثانية، وأمسكت هاتفها تطلب رقم "فارس". زمت شفتيها، وقالت بأسف. "التليفون مغلق برضوا.. يبقوا في الطريق لسه." "توصلي بألف سلامة أنتي وجوزك يا إسراء يا بنتي."

غمغمت بها "إلهام" بسرها، وهي تمسد بيدها على شعر حفيدتها الكستنائي الحريري الذي يشبه شعر ابنتها بالمثل. هبّت "خديجة" واقفة، وتحدثت بخجل، وارتباك قائلة. "أنا هروح أعمل حاجة نشربها كلنا." "وماله يا حبيبتي، وبالمرة اعملي حساب أسى الأستاذ هاشم معاكي." قالتها "إلهام" بجدية مصطنعة، وهي تنظر باتجاه "هاشم" الواقف على مقربة منهما، واستمع لحديثهما فتوجه بنظره نحوهما، وأبتسم لهما ابتسامة رزينة قاصدًا بها تلك الرقيقة "خديجة".

..................................... .. بمكان آخر.. جزيرة الجفتون من أجمل مواقع الغردقة، ومن أهم المقومات السياحية. هبطت الطائرة الهليكوبتر الخاصة بمجموعة شركات الدمنهوري. على "جزيرة الجفتون". تعتبر هذه الجزيرة الأولى من حيث الأهمية للقطاع السياحي حيث أنها الجزيرة الوحيدة المسموح بالنزول عليها. تتميز بموقعها القريب من مدينة الغردقة وبرمالها الناعمة وما يحيط بها من مواقع غوص. وتعتبر من أفضل الأماكن السياحية.

هبطت الطائرة على مقر خاص بها أعلى إحدى الفنادق الذي يملكها "فارس". من أفخم وأشهر فنادق الغردقة. "وصلنا يا روحي." قالها "فارس" بأذن "إسراء" المنكمشة على نفسها داخل حضنه. تختبئ بوجهها بصدره. ممسكة بقميصه الأبيض بكلتا يديها. رفعت رأسها ببطء، ونظرت له بملامح شاحبة من شدة خوفها، وهمست برجاء بصوت مرتعش متقطع. "الحمد لله.. نزلني بقي يا فارس بسرعة بالله عليك."

تعرقت جبهتها بشدة. ارتجف جسدها بين يديه بقوة، وشعرت بالهواء ينسحب من رئتيها، وقبضت على يده فجأة بأناملها الباردة. "أهدي حبيبتي.. متخفيش أنتي في حضني." أردف بها "فارس" وهو يقوم بفك حزام الأمان من حولها، وحزامه أيضاً. لف يده حول خصرها، ورفعها بيد واحدة، وهب واقفاً بحذر، وهبط بها بتراوٍ على درج الطائرة حتى، وقف على الأرض.

عدّل وضعها داخل حضنه، واضعاً يدًا أسفل ركبتيها، والأخرى خلف ظهرها، وحملها بين يديه وسار بها نحو المصعد. شهقت هي بضعف، وهمست بوهن. "فارس نزلني عايزه أرجع." اعتلت ملامح "فارس" القلق، وانتفض قلبه بهلع حين شعر بشدة تعبها وجسدها الذي تراخى بين يديه. "هات باسكت بسرررعه." قالها "فارس" بلهجة حادة لإحدى حراسه. الذي هرول مسرعًا وعاد حاملاً صندوقًا صغيرًا وضعه أمامها أرضًا.

أنزلها بحرص شديد، وطوقها بذراعيه القويتين. ظهرها مقابل صدره، ومال معها للأمام لتبدأ هي تتقيأ بعنف، وتئن بألم حاد. بينما هو يمسد على معدتها بحنان بالغ متمتمًا بلهفة. "خدي نفسك براحة.. إسراء أهدي يا روحي.. متخفيش أنا معاكي." "أنا آسفة.. بس دي أول مرة أركب طيارة والله." همست بها بصعوبة بالغة من بين آهاتها الحادة. "هش.. أهدي أنا عارف."

قالها "فارس" وهو يزيد من ضمها له، ويده ما زالت تمسد على معدتها تارة، وعلى جبهتها ووجنتيها تارة. ويمسح فمها بأنامله تارة أخرى وهو يبتسم لها ابتسامته المطمئنة. هدأت نوبة الهلع التي كانت تداهمها بقسوة، وألقت بثقل جسدها على جسده متمتمة بخجل. "قولتلك بلاش أنا أركب الطيارة، وأنت اللي صممت." حملها بلهفة لتسرع هي بلف يدها حول رقبته، ودفنت وجهها بعنقه.

تابع سيره بها نحو المصعد. مال على جبهتها قبلها قبلة طويلة عميقة وهو يقول بصوت يكاد يكون مسموعًا حتى لا يصل لسمع حراسه الواقفين خلفه. "نوصل بس جناحنا يا بيبي، وهساعدك تاخدي شاور جامد هفوقك بيه بطريقتي وهخليكي ترجعي زي الحصان." رفعت وجهها ونظرت له بأعين متسعة، وقد اشتعلت وجنتاها بحمرة قاتمة. بينما هو لمعت عينيه ببريق متوهج من شدة اشتياقه، ورغبته بها. "أنت مش قولتلي عندك اجتماع مهم."

همست بها بعدما خطى بها داخل الجناح، وأغلق الباب خلفه مستندًا عليه بظهره، وبدأ يغمرها بقبلاته الساخنة التي تذيب عظامها، وتدفعها للاستسلام الكامل له. "هطمن عليكي الأول وبعدين أحضر الاجتماع، وأرجع أطمن عليكي تاني وتالت، ورابع." سيطرت على مشاعرها معه بصعوبة بالغة، ودفعته عنها من كتفيه بكلتا يديها بضعف، ولكنه ظل يقبلها بلهفة دون توقف. ينثر قبلات صغيرة على كافة وجهها. نظرت له بأعين تترقرق بها العبرات متمتمة.

"أنا اللي عايزة أطمن عليك يا فارس، وعايزة أعرف أنت ناوي على إيه الأول مع مامتك وديمة؟ ابتلعت غصة مريرة بحلقها، وحاولت كبح عبراتها التي خانتها وهبطت ببطء على إحدى وجنتيها، وهمست بنبرة يملؤها الأسى. "أنا ما عنديش استعداد أبداً أخسرك، ولا هستحمل أشوفك داخل عليا في يوم متعوّر، ولا سايح في دمك زي ما شوفتك قبل كده.. مش هستحمل أشوف حياتك في خطر كده دايماً وممكن لقدر الله تروح مني في أي وقت."

صمتت لبرهة، وأجهشت بالبكاء مكملة بجملة جعلت قلبه يعتصر ألمًا وكأن تلقى طعنة قوية بسكين بارد حين قالت بتقطع. "أنا عايزك أنت اللي تدفني يا فارس.. فاهم." توقف عن تقبيلها بصدمة. جملتها كانت بمنتهى القسوة. تصلب جسده للحظات، ومن ثم خطفها بعناق محموم كاد أن يكسر عظامها من قوة ذراعيه على جسدها الصغير. طال عناقهما وكل منهما لا يود الابتعاد عن الآخر لعل هذا العناق المحموم يهدئ ارتعاد قلبيهما.

عادت ملامح "فارس" الهائمة بها لصرامتها فجأة. وسار بها نحو الفراش. أجلسها عليه برفق. وجذب مقعدًا وجلس عليه أمامها ممسكًا يدها بين كفيه. ساد الصمت للحظات تقطعه صوت شهقاتها التي تجاهد للسيطرة عليها. رغم أن هناك جزءًا بقلبه أكثر من سعيد بخوفها هذا عليه، إلا أن جملتها الأخيرة جعلت الفزع، والرعب يتملك منه. خائف عليها هي أكثر من نفسه. "قوليلي الأول حاسة إنك أحسن دلوقتي؟

همس بها "فارس" بنعومة، وهو يرفع يدها على شفتيه يقبلها بعشق. حركت رأسها بالإيجاب، وهمست باستحياء. "الحمد لله أحسن شوية." وضعت يدها الصغيرة على وجنته، وتابعت بابتسامتها الخلابة. "اتكلم قولي اللي جوه قلبك أنا سامعاك." أخذ نفسًا عميقًا، وتحولت ملامحه لأخرى شرسة متمتمًا. "اطمني.. أنا ناوي على كل خير، وهاخد حقي وحقك وحق ديجا كمان من اللي هددوها بيا علشان كده قالتلك تسبيني أتجوز ديمة."

صمت لوهلة يلتقط أنفاسه، وتابع وهو يصطك على أسنانه بغضب، وغيظ شديد. "مارفيل هتاخد عقابها على كل اللي عملته فيا." "بس عايزة أقولك حاجة مهمة.. لو هي نسيت إنك ابنها.. أوعى أنت تنسى إنها أمك يا فارس." قالتها "إسراء" وهي تمسد بكف يدها على صدره، وكأنها تمتلك مفعول السحر لمحو الألم الحاد الذي يكمن داخل قلبه بحركتها هذه التي بات يعشقها "فارس" مؤخرًا.

أغلق عينيه بمتعة من قربها، وتنهد براحة، وهو يضم يدها لصدره بيده بقوة مغمغمًا. "فاكر يا إسراء وعمري ما نسيت إنها أمي وإلا كان زماني مخلص عليها من ساعة ما عرفت إنها هي اللي ورا كل محاولات القتل اللي اتعرضت ليها في حياتي." صمت لبرهة، وتابع بتأكيد. "وبالنسبة لخطوبتي من ديمة أنا هنهيها الليلة ومش هاتجوزها طبعًا لأني ببساطة." غمز لها بمكر مكملاً بشقاوة لا تخلو من وقاحته.

"بحب مراتي اللي هي أنتي يا بيبي، ومستحيل واحدة غيرك أنتي تشيل اسمي أو حتى تدوق حضني يا إسراء." اعتلت ملامحه ابتسامة خبيثة، وهب واقفًا أمامها. خلع معطفه والقاه على المقعد بإهمال. كلماته الصادقة جعلت قلب "إسراء" يتراقص بسعادة، وعضت على شفتيها بخجل وضحكت بغنج حين رأته بدأ يفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر وهو يقول بمكر.

"حضني، وقلبي وكلي ملكك أنتي وبس يا بيبي، ودلوقتي بقي سبيني أطمن عليكي بطريقتي، وكمان في مفاجآت كتير عاملها ليكي النهارده أنا واثق إنها هتعجب القمر بتاعي." اقترب منها حد الالتصاق واضعًا جبهته على جبهتها، وهمس أمام شفتيها، وهو يحملها، ويسير بها تجاه الحمام الخاص بالجناح. "أشتاقك يا نبع الدماء بأوردتي، واطمئني ساحرتي لن أتخلى عن قلبك الذي ينبض بحبي.. فقط أحبيني أكثر وأكثر، ودعيني أنا أغمرك بعشقي."

"بتجيب الكلام اللي يجنن ده منين بس يا أبو الفوارس؟! همست بها، وهي تقبل لحيته قبلة رقيقة على استحياء تشنج جسده بقوة أثارها، وأطارت بها اللب من عقله، وزادت جنونه بها أضعاف مضاعفة. ........................................ .. بالقصر.. "يعني إيه سافر فجأة يا ديجا؟! صرخت بها "ديمة" بغضب شديد. لترمقها "خديجة" بنظرة حارقة مردفة بأمر. "وطّي صوتك ده وإنتي بتكلميني يا ديمة، وفارس سافر علشان عنده شغل مهم."

دارت "ديمة" حول نفسها بجنون، وتحدثت بذهول. "ده أنا بقالي كام يوم هنا معاه في القصر ومش عارفة أتلم عليه.. يقوم يسافر، وميقولش هو رايح فين حتى؟! "عزيزتي ديمة حدثي والدك وأخبريه عن أفعاله المشينة معكِ، وبالتأكيد سيكون على علم بمكانه ويخبرك." أردفت بها "مارفيل" ببرود، وهي تتناول سيجارها برفقة كأس الخمر المعتاد لها. ابتسمت "ديمة" ابتسامة مصطنعة تظهر بها الحقد، والشر بعينيها، وتحدثت موجهة حديثها لـ "خديجة".

"أنا هعرف هو فين، وهروح له لو حتى في المريخ." أنهت جملتها، وسارت لخارج القصر ساحبة حقيبة ثيابها خلفها. انتظرت "خديجة" حتى تأكدت من ذهاب "ديمة" وتحدثت بصوت عالٍ فجأة قائلة بلهجة حادة جديدة كليًا على شخصيتها الهادئة. "نادي رئيس الحرس حالًا يا صابرين." هرولت "صابرين" مندفعة نحو الخارج أمام أنظار "مارفيل" الساخرة، وعادت بعد لحظات برفقة "هاشم" الذي خطى خلفه أكثر من عاملة غير "صابرين".

زحف الرعب لقلب "مارفيل" حين لمحت نظرة "خديجة" المتشفية المسلطة عليها، وتحدثت دون إبعاد نظرها عنها قائلة بأمر. "خدوا مارفيل هانم لمكانها الجديد." غمغمت "مارفيل" بعدم فهم قائلة. "ماذا يحدث هنا خديجة؟! ابتسمت لها "خديجة" ابتسامة زائفة مردفة بأسف مصطنع. "حان وقت عقابك مارفيل."

سقط الكأس الكريستال من يدها أرضًا تحطم لأجزاء بعدما ارتجف جسدها بفزع، ونظرت للعاملات اللواتي اقتربن عليها بنظرات زائغة تدل على شدة خوفها، وقد أدركت أنها من الآن ستدفع ثمن جرائمها الشنعاء بحق وحيدها. ............................................. بعد مرور عدة ساعات. خيم الليل بستائره السوداء التي تلمع بها رونق النجوم. داخل الجناح الخاص بـ "فارس" وساحرته.

على فراش وثير مملوء بأروع الورود من اللون العنابي، والأبيض، وعلب من القطيفة تحتوي على أرقى وأفخم المجوهرات، وقطع الماس التي تعتبر نادرة. تغص "إسراء" بينهما بنومٍ عميق من شدة إجهادها. رنين الهاتف المستمر جعلها تتملل بنومها بعدما شعرت ببرودة تجتاح أوصلها حين وجدت نفسها وحيدة بالفراش. ليست داخل حضن زوجها الذي يحتويها، ويضمها بحماية تطمئن قلبها وتشعرها بالدفء والأمان.

فتحت عينيها ببطء، واعتدلت جالسة بتكاسل، تبحث عنه في الغرفة ذات الإضاءة الخافتة. ليصدع رنين الهاتف مجددًا فمدت يدها، ورفعت السماعة وضعيتها على أذنها. ليأتيها صوت والدتها تتحدث بلهفة. "الو.. إسراء انتي معايا يا ضنايا." دمدمت "إسراء" بصوت هامس. "اممم.. أيوه يا ماما أنا معاكي يا حبيبتي.. طمنيني عليكي، وعلى إسراء عاملة إيه وديجا كمان." أطلقت "إلهام" أنفاسها الحبيسة إثر قلقها عليها، وضحكت بعبث قائلة.

"إحنا زي الفل.. طمني قلبي عليكي أنتي وعلى أحوالك يا حبيبة أمك." تنهدت "إسراء" براحة وهي تتقلب بين الورود وتستنشق عبيرها بمتعة مغمغمة. "أنا الحمد لله كويسة أوي يا ماما، وفرحانة ومبسوطة أوي وحاسة كأني عايشة حلم جميل مش عايزة أصحى منه أبداً." لمعت عينا "إلهام" بدموع الفرحة، وتحدثت بحب شديد. "ربنا يفرح قلبك ويسعد أيامك، ويجعل فارس عوض ليكي وأنتي عوض ليه، ويرزقكم بالذرية الصالحة اللهم آمين يارب العالمين يا حبيبتي."

كانت ابتسامة "إسراء" تضيء وجهها، وظلت آمنة على دعاء والدتها، ولكن تلاشت ابتسامتها شيئًا فشيئًا حين دعت لها بالذرية الصالحة. تذكرت حينها تلك الوسيلة التي تمنعها من الحمل. "ماما اقفلي هعمل حاجة وأكلمك تاني." قالتها باستعجال، وهي تستعد بمغادرة الفراش. "افتكرتي الوسيلة اللي قولتلك شيليها من بدري يا إسراء مش كده؟ أردفت بها "إلهام" بنبرة عاتبة. لتستطرد دون انتظار سماع رد منها. "إنتي جوزك جنبك؟

أجابتها "إسراء" بنبرة مرتعشة تدل على شدة توترها. "لا عنده شغل مهم قالي هيخلصه متأخر شوية ويرجع." أخذت "إلهام" نفسًا عميقًا، وتحدثت بتعقل قائلة. "طيب اسمعيني كويس يا حبيبتي.. خليكي صريحة مع جوزك من أولها يابنتي، وقوليله الحقيقة وهو يوديكي لدكتورة يا إسراء.. متخبيش عنه أي حاجة ممكن تعمل مشكلة بينكم لو عرفها من بره يا بنتي." احتقن وجه "إسراء" بحمرة الخجل، وببوادر بكاء همست.

"أقوله إيه بس يا ماما.. هتكسف وهخاف كمان أقوله حاجة زي دي.. مضمنش رد فعله هيكون إيه أو هيفكر فيا إزاي." صمتت للحظة وتابعت. "هو قالي لو احتجت أي حاجة أطلبها بالتليفون.. فأنا هطلب دكتورة تطلعلي هنا في الأوضة قبل ما يجي." "إلهام" بنبرة راجية. "يابنتي ريحي قلبي واسمعي كلامي وقولي لجوزك ومتخفيش انتي مش عاملة حاجة غلط.. لكن لو خبيتي تبقي بتوقعي نفسك في غلط أنتي في غنى عنه."

"إسراء" بعدم اقتناع وقد هيأ لها عقلها بأن "فارس" من الممكن يسيء بها الظن حين تخبره أنها تستعمل وسيلة لمنع الحمل وزوجها توفى له عام كامل. "طيب يا ماما خليني بس أجرب كده وأسأل حتى دكتورة وأشوفها هتقولي إيه قبل ما فارس يجي وهرجع أكلمك تاني." غمغمت بها وهي تستعد لإغلاق الهاتف. "طيب يا بنتي.. هستناكي تطمنيني." قالتها "إلهام" بيأس وقد أدركت أن ابنتها لن تستمع لحديثها قبل أن تنفذ ما يدور بعقلها.

"حاضر يا حبيبتي اطمني، وبوسيلي إسراء.. مع السلامة." أغلقت الهاتف، وأسرعت بطلب رقم أملاه عليها زوجها إذا احتاجت لأي شيء. "تحت أمرك يا هانم." هكذا أجابتها إحدى العاملات المخصصات لها وحدها. عضت "إسراء" على شفتيها وهمست بخجل. "لو سمحتي عايزة دكتورة أمراض نساء تطلعلي الأوضة عندي حالًا." ................................................... .. داخل المكتب الخاص بـ فارس..

يجلس "فارس" على رأس طاولة بوجهه يظهر عليه الغضب الشديد. يتحدث بصرامته المعهودة. جعل الجميع يتأهب له ويتابعونه باهتمام وخوف ليطول غضبه أحدهم. "عايز في خلال ربع ساعة بالكتير يكون قدامي هنا كل الملفات الخاصة بشغلنا مع رئيس الوزراء.. مفهوم." دوي صوتهم بنفس واحد. "مفهوم يا فارس باشا." حرك "فارس" رأسه بالإيجاب. وفتح اللاب الخاص به يتفحصه بتركيز شديد. ساد الصمت قليلاً والجميع يتابع عمله بنشاط واجتهاد.

ليصدع صوت رنين هاتفه. فأسرع بالضغط على زر الفتح وتحدث بلهفة. "إيه الأخبار؟ "فارس باشا الهانم طالبة دكتورة عندها في الجناح حالًا، وصوتها باين عليه التعب سيادتك." سقط قلب "فارس" أرضًا بعدما تملك منه الهلع من شدة خوفه على زوجته. انتفض واقفًا فجأة، وسار بخطى شبه راكضة نحو الخارج مغمغمًا بأمر قبل أن يغادر الغرفة. "محدش يتحرك من مكانه.. كملوا شغلكم وابعتولي التقرير على جناحي."

أنهى حديثه وغادر الغرفة بهرولة متوجهًا نحو جناحه الخاص به هو وساحرته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...