تحميل رواية غرام في المترو بقلم ولاء رفعت pdf
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نسمات الصباح المنعشة والشمس ساطعة في سماء حي دار السلام بمحافظة القاهرة. وفي إحدى الحواري الشهيرة، يصدح من هذا المنزل القديم صوت الشيخ محمد رفعت الصادر من المذياع. أعلى المنضدة في الردهة والمائدة الصغيرة التي تتوسطها، وُضعَ أعلاها صحن من البيض المقلي وآخر به الفلافل الساخنة ذات الرائحة الشهية وصحن ثالث به قطعة من الجبن الأبيض. صوتها يدوي في الإرجاء تنادي علي أهل المنزل: "الفطار جهز، ابتسام يا ماما يا سعيد، يلا الطعميه هتبرد". خرجت من الغرفة شقيقتها التي تدرس في آخر صف بالثانوية العامة، كانت تغلق...
رواية غرام في المترو الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت
نسمات الصباح المنعشة والشمس ساطعة في سماء حي دار السلام بمحافظة القاهرة.
وفي إحدى الحواري الشهيرة، يصدح من هذا المنزل القديم صوت الشيخ محمد رفعت الصادر من المذياع.
أعلى المنضدة في الردهة والمائدة الصغيرة التي تتوسطها، وُضعَ أعلاها صحن من البيض المقلي وآخر به الفلافل الساخنة ذات الرائحة الشهية وصحن ثالث به قطعة من الجبن الأبيض.
صوتها يدوي في الإرجاء تنادي علي أهل المنزل: "الفطار جهز، ابتسام يا ماما يا سعيد، يلا الطعميه هتبرد".
خرجت من الغرفة شقيقتها التي تدرس في آخر صف بالثانوية العامة، كانت تغلق زر كم القميص.
"بالله عليكي يا غرام أعمليلي ساندوتش طعميه وواحد جبنة، أنا لبست ومش هعرف أحضر الساندوتشات".
عقب شقيقها ذو الثلاثة عشر عاماً: "وأنا كمان يا غرام أعمليلي زي إبتسام وضِيفي ساندوتش بيض".
صاحت مازحة: "هو فيه إيه؟ ما أنا زيي زيكم وورايا شغل كمان، ومستعجلة وعايزة أمشي، مفيش حد منكم خلي عنده دم وقولي عنك يا غرام واعملولي الساندوتشات".
ابتسمت والدتها السيدة عزيزة، امرأة في منتصف عقدها الرابع.
يبدو علي ملامح وجهها الذي يتميز بالشحوب إمارات التعب والمرض.
ربتت بحنانها الغادق علي كتف ابنتها: "حبيبتي ربنا يخليكي ليهم، أنتي سندهم وكمان هتبقي أمهم من بعدي".
ألتفت إليها بعتاب طفيف: "ربنا يديكي طول العمر ويباركلنا فيكي يا أم غرام، بالله عليكي وأول وآخر مرة تقولي كده".
عقبت ابتسام بمرح: "أنتم هتقلّبوها حزن كده ليه، والله أنادي لكم على طنط عدلات تيجي تضحكم".
صاحت غرام مازحة: "لأ أبوس إيدك دي بتاكل وداني من الرغي، وتشيلني ذنوب الحارة كلها من النم عليهم، الحمدلله أنا فطرت".
تناولت حقيبة اليد خاصتها وحقيبة أخرى ترتديها على ظهرها.
أشارت إليها والدتها إلى الطعام: "كمّلي فطارك يا بنتي قبل ما تمشي".
"مش قادرة يا ماما، ما أنتي عرفاني لما بكون جعانة باكل، أنا يا دوب أشرب كوباية الشاي وهاروح ألحق آخد البضاعة من مدام رشا".
"وإنتي راجعة ماتنسيش تعدي على أختك أحلام تطمني عليها وطَيّبي بخاطرها".
زفرت بضيق وأخبرت والدتها: "ليه محسساني إني قسيت عليها؟! يعني عاجبك عيشتها مع جوزها كل أسبوع يرنّها العلقة وتيجي تغضب يقوم البيه يكلمها يضحك عليها بكلمتين ولا كأنه عمل فيها حاجة، وتمشي من غير ما تقولنا ولا كأننا أهلها".
أمسكت والدتها يدها برجاء: "طيب عشان خاطري، روحي اطمني عليها حتى من على الباب وارجعي، أنا خايفة ليكون المنيل سمير عمل فيها حاجة".
لم تجد مفراً من طلب والدتها حيث لا ترفض لها أمراً، فقالت على مضض: "حاضر يا ماما، هاروح لها وأدعي ربنا إن ما أشوفش خلقة جوزها، لأن لو شفته مش عارفة ممكن أعمل فيه إيه".
"أنا عارفة إنك عاقلة ومش هاتعملي كده".
نهضت الأخرى وهمت بالذهاب: "أستأذن أنا بقي عشان اتأخرت سلام عليكم".
صاحت شقيقتها وتركض خلفها: "استني خديني معاكي يا غرام".
وعندما خرجت كلتيهما من المنزل وجدا الجارة الثرثارة -عدلات- تبتسم بشفتيها الغليظتين وتسألهما: "رايحين فين تعالوا".
"عن إذنك يا خالتي عدلات متأخرة على الشغل".
أشارت لهما نحو باب منزلها: "ما تتفضلوا تعالوا أفطروا".
ردت ابتسام وهي تهم بالمغادرة: "سابقناكي تسلمي".
خرجت وتنفست الصعداء، فقالت غرام إليها: "خدي بالك من نفسك وأول ما ترجعي قوليلي".
أومأت لها وبإجابة مقتضبة قالت: "حاضر".
***
ننتقل إلى مدينة الشيخ زايد حيث الفلل والقصور والمنازل داخل وحدات سكنية.
وبداخل الوحدة التي تشمل الفلل، تقع فيلا عائلة الشريف.
رأفت الشريف رجل أعمال شهير وصاحب علامة تجارية مسجلة في مجال الملابس «Y& N»، وذلك أول حروف من أسماء ابنيه، نور ويوسف.
فالأول يبلغ من العمر الثلاثة والثلاثون ربيعاً، متزوج من «كاميليا عبيد» التي درست معه في المرحلة الجامعية وجمع بينهما علاقة حب اكتملت بالزواج وانجبت الصغيرة الشقراء «تولين» ذات الثمانية أعوام.
بينما الثاني يوسف الذي يعيش عازب مدلل، والسبب يعود إلى والدته السيدة منيرة، والتي تبلغ منتصف عقدها الخامس.
كانت لا تدرك إنه قد أصبح رجلاً راشداً ولم يعد الابن الصغير.
وفي غرفة المائدة يتجمعون أفراد العائلة، وعلى رأس الطاولة السيد رأفت يبتلع قطعة الخبز الفرنسي بعد أن قام بدهنها بقطعة زبدة.
"لسه ما عرفتش حاجة عن اللي بيقلد البراند بتاعنا وبيوردوا للمحلات؟".
ألتفت إليه ابنه الأكبر نور وأخبره: "أنا بعت رجالة للمحلات دي وبيسألوا أصحابها عن المورد أو التاجر اللي بيشتروا منه البضاعة، وعلى بكرة بالكتير إن شاء الله هيكون عندك حضرتك التقرير".
انتبه رأفت إلى ابنه الآخر يوسف حيث كان شاردًا في صحنه وآثار النوم ما زالت على وجهه ذو البشرة الحنطية.
"وإنت يا يوسف بيه، عملت إيه في موضوع الدعايات؟".
كان سؤال ساخر من والده مثل كل مرة.
ربتت الصغيرة تولين على ذراع عمها وتخبره ببرائتها: "أونكل چو، كلم جدو".
انتبه إلى الصغيرة وكأنه استيقظ لتوه من غفوة، فسأل والده: "حضرتك كنت بتقول إيه؟".
ابتسم والده هازئاً: "هاتسمعني إزاي صح وإنت قاعد زي المساطيل، طبعاً كنت سهران لحد الفجر زي كل يوم ولا كأن ليك أهل عايشين معاك".
تدخلت منيرة لتوقف زوجها عن توبيخ ولدها المدلل: "براحة يا رأفت عليه، دي أول مرة يسهر من شهر وانت من بعد ما شغلته معاكم ومطلع عينه في الشركة".
حدق إليها زوجها بنظرة نارية قابلتها بعدم اكتراث: "أهو دلعك الزايد ده ليه فسده، وأنا عمال أصلحه وأشيله المسئولية، ابنك يا هانم لسه تامم الثلاثين سنة يعني المفروض كان متجوز وأب كمان".
وكأنه استيقظ لتوه فأجاب على والده: "وأنا مش هيعيش زي ما حضرتك عايز، دي حياتي وأنا حر فيها".
نظر رأفت إلى زوجته يعاتبها بحدة: "سمعتي يا منيرة هانم؟".
تدخلت كاميليا لعلها تهدأ من الوضع المشتعل: "معلش يا أونكل بالتأكيد يوسف ما يقصدش".
نهض يوسف وصاح بغضب: "لأ يا كاميليا أقصد، هو عايزني نسخة من جوزك نعم حاضر ويبقي ماليش أي رأي ولا شخصية".
نظر إليه شقيقه نور وقال معاتباً: "شكراً يا يوسف".
خالجه الحرج الشديد لما قاله للتو فأبتعد عنهم بخطوات سريعة.
نهضت والدته خلفه تناديه: "يوسف، يا يوسف".
توقف فاستدار إليها: "حضرتك عايزة تقوليلي حاجة أنتي كمان؟".
لكزته في عضده وتنهره: "اتلم أنا لو قلبت عليك زعلي وحش أوي، أنا بنادي عليك عشان أقولك بعد ما تخلص شغل عدي عليا في النادي تسلم على طنط راندا وماهي بنتها".
بدا على وجهه الامتعاض والضيق: "ماما ياريت تخرجيني من جو أصحابك وبناتهم، خصوصاً راندا وبنتها".
"يا سلام مش دي ماهي اللي كنت هاتجنن عليها وارتبطوا ببعض سنة وبعدين سيبتها من غير سبب؟!".
"أديكي قولتي، كنت يعني فعل ماضي وانتهي، ما ارتحناش مع بعض هي دماغها تافهة وعايزة واحد أتفه منها، وأنا ماليش في الجو ده، ياريت بقي تقفلي على الموضوع وما تفتحيهوش تاني".
قد وصل غضبها إلى ذروته، حدقت إليه بنظرة نارية قائلة بوعيد: "براحتك، ولو وقعت في مشكلة تاني أنا مش هقف معاك ولا أحوش ما بينك وبين أبوك".
دنا منها وقام بتقبيل جبهتها فقال: "وأنا واثق ومتأكد عمرك ما هاتعمليها، باي باي موني".
غادر وتركها تشعر بالحنق، فهي بالفعل السبب في عدم تحمله المسئولية، وكم كرهت عتاب زوجها ولومه الشديد لها.
كما ترى في عينيه الآن نظرة ساخرة فبادلته بعدم مبالاة وصعدت إلى الأعلى.
***
وفي الشارع الخلفي لمنزل عائلة غرام، صوت المذياع مرتفعاً فالشيخ يتلو آيات من سورة البقرة.
تحمل صغيرها وتضعه على الأريكة.
تزوجت أحلام منذ ثلاث سنوات بمن أحبته ويدعى سمير، وهذا منذ خمس سنوات مضت كانت تبلغ عشرين عاماً حينها كانت تعمل بائعة في الصيدلية، والآن هي زوجته وأم ابنه محمد ذو العامين وينادونه باسم «ميدو».
تضع أمام طفلها الألعاب وتخبره: "اقعد هنا والعب لحد ما أشيل الأكل وهاجيبلك الزبادي اللي بتحبه".
ردد الصغير بسعادة: "بادي، بادي".
قامت بتقبيل وجنته: "هاكل خدودك المقلبظين يا روحي".
"وطي الراديو ده بدل ما أسقف لك على خدودك أنتي على الصبح".
كانت صوتاً رجولياً كالنشاز قاطع وصلة المرح بينها وبين صغيرها.
ألتفت إليه وقالت بامتعاض: "جري إيه يا سمير من ساعة ما صحيت مش طايق نفسك، وبعدين أنا معليه الراديو عشان القرآن، خليه يملأ الشقة بركة ويطرد الشياطين منها".
اقترب منها فابتعدت خطوة إلى الوراء خوفاً.
قبض على عضدها وصاح يسألها: "قصدك عليا أنا شيطان؟".
ابتلعت لعابها وأخبرته بخوف وتردد: "والله ما قولت كده، أنا قصدي يطرد الشياطين اللي بتوقع ما بينا وبتخليك تتخانق معايا وتمد إيدك عليا زي ما أنت عامل فيا كده".
نفض ذراعها وقال: "أيوة زي أمك وأختك غرام كده بالظبط، كل ما تروحي ليهم يقوموكي عليا كأني أكلت ورثهم وأنا مش عارف".
"لأ وانت الصادق، بتذل بنتهم و بتهينها ديماً ومش بتتفاهم معاها غير بالضرب على طول، ياريتني ما كنت اتجوزتك يا أخي".
جلس على الكرسي أمامها ووضع ساق فوق الأخرى، يخرج علبة السجائر من جيب قميصه القطني والولاعة، يشعلها وينفث دخاناً كثيفاً.
يخبرها بتعجرف: "والله ما ضربتكيش على إيديكي عشان تتجوزيني وأنتي عارفة طباعي كويس".
أدركت ما يرمي إليه من أمرٍ تحاول نسيانه منذ ثلاث سنوات، تتمنى أن يعود بها الزمن وتغير كل ما حدث، لكن ما الفائدة من كلمة -ياليت-.
كلمة ظاهرها ندم وباطنها حسرة وجرح لن يندمل.
***
اجتازت غرام مسافة كبيرة سيرًا على الأقدام حتى وصلت أمام متجر لبيع الملابس ومستلزمات المرأة.
وقفت قليلاً تلتقط أنفاسها قبل أن تولج إلى الداخل.
تعلم ما ينتظرها كل يوم في الصباح والمساء...
"سلام عليكم".
ألقت التحية فأجابت السيدة رشا بتحية مماثلة ثم أردفت: "جيتي في وقتك يا غرام، المرة دي جايبة تشكيلة عبايات وفساتين هاي كوبي من براند مشهور، العباية عندهم ممكن تعدي الألف جنيه لكن إحنا هنبيعها بـ 300 وبس و تبقي شاطرة لو خليتي العرض اللي تاخد عبايتين يبقي بـ 500 وعليهم طرحة وبندانة هدية".
ترددت غرام أن تخبرها بما يدور في رأسها، فهي تعلم خصال هذه المرأة الأربعينية.
تبدو أمام الناس مرحة وذات قلب حنون لكن يظهر معدنها عند الغضب، لذا اكتفت الأولى بقول مقتضب: "ما تقلقيش، هاعمل زي ما حضرتك قولتيلي".
ابتسمت الأخرى فأشارت إليها: "طيب اقعدي استريحي على الكرسي ده عقبال ما أطلع أجيبلك الحاجة ونازلة".
وقبل أن تتفوه غرام بكلمة رأت الفرح يتراقص في عينين رجب، شقيق رشا هذا الشاب الثلاثيني الذي لا يعرف معنى للمروءة والشهامة.
يعيش بغرائزه الحيوانية كما يحلو له، يركض خلف كل ما هو صعب المنال، ويزداد تشبثاً إذا كان هذا المنال يتجسد في غرام.
الفتاة الشرسة أمام كل ضبع يظن إنها فتاة ضعيفة، فبرغم إنها لا تمتلك جمالاً ساحراً أو عيون ملونة بل ملامحها مثل أغلب الفتيات المصرية، البشرة القمحية والعيون ذات اللون البني.
ترتدي وشاحاً يُغطي خصلات شعرها ما بين الأسود والبني، غالباً تعقصه على هيئة كعكة محكمة بربطة شعر مطاطية.
جسدها ما بين الرفيع والممتلئ، ومع كل ذلك فهي أنثى بالنهاية، ولو امتلكت جمالاً وسطاً فما زال يطمع فيها أمثال رجب، فالمحرك لدى هؤلاء الضباع ما هي إلا الشهوة!
عندما ذهبت شقيقته ترك عصا النرجيلة من يده على المنضدة ونهض فاقترب من غرام.
سمع صوت زفيرها الذي يخبره عن عدم تحملها لوجوده جوارها: "مفيش صباح الخير يا رجب؟ أو عامل إيه يا ريجو؟ أي كلمة حلوة تطري على القلب منك للغلبان، اللي هو أنا يعني".
ألتفت إليه وعلى وجهها كل إمارات الغضب: "غلبان؟! قصدك تقول أنت تِعبان، ويا ريت تبعد عن وشي عشان لما بشوفك اليوم بيقفل".
اجفلها بصوته المزعج: "جري إيه يا بت؟ أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟! أومال لو كنتي حلوة، ده كلك على بعضك ما تسويش في سوق البنات قرش واحد".
"فعلاً ما أساويش قرش، لأن اللي زيي ما بيتقدروش بالفلوس، إحنا غاليين أوي، لكن أنت بقي في نفس السوق ده ما تساويش ربع جنيه".
ظل يعيد كلماتها في رأسه حتى أدرك الإهانة التي وجهتها إليه أو ربما قصف جبهة جعل دمائه تكاد تفور من الغيظ.
صاح مرة أخرى بغضبٍ جم: "نهار أبوكي أسو...".
"إياك تجيب سيرة أبويا الله يرحمه على لسانك".
"إيه اللي بيحصل يا رجب؟".
كان سؤال رشا التي تنزل على الدرج وتحمل كيساً أسود كبير.
سبقته غرام قبل أن يخبر شقيقته بالافتراء: "مفيش يا مدام، المعلم رجب كان بيوصيني على البضاعة".
عاد إلى الكرسي والنرجيلة خاصته، بينما كانت رشا اللاصق بالسكين: "سيبك من أخويا وركزي في الحاجة اللي هديهالك".
أخرجت عدة قطع من الثياب، كل قطعة مغلفة بغطاء بلاستيكي شفاف: "10 قطع أهم، ولو خلصوا ومحتاجة تاني كلميني وأبعتلك رجب بالحاجة".
قامت غرام بفتح حقيبة الظهر وأخذت تضع القطع: "حاضر يا مدام".
وبعد أن أخذت البضاعة غادرت المتجر متجهة إلى محطة المترو حيث مكان البيع المناسب لها.
فهي تعمل بائعة متجولة داخل القطارات في عربة السيدات وأحياناً خارج المحطة برغم ما تتعرض له من مضايقات من المارة وأيضاً من رجال الأمن داخل المحطة.
وفي الطريق أوقفها صوت صديقتها هند، تخرج رأسها من المركبة ذات الثلاث إطارات: "غرام؟ يا غرام؟".
ذهبت الأخرى إليها فتركت لها صديقتها براحاً لتجلس بجوارها: "اطلعي اركبي، جمال يوصلك عند المحطة وأنا هاكمل معاه لحد المصنع".
"يا بنتي كملوا أنتم طريقكم عشان ما تتأخريش على شغلك".
أخبرها جمال وكان هو من يقود المركبة: "اركبي يا غرام، كده كده المترو في طريقي".
صعدت إلى داخل المركبة وجلست ووضعت حقيبة الظهر على فخذيها.
"إيه أخبار الشغل معاكي؟".
سألتها هند فأجابت الأخرى: "الحمدلله، أهي ماشية".
"ما تقلقيش أنا سمعت الحاج عبدالتواب صاحب المصنع بيقول إن فيه اتنين هيسيبوا الشغل آخر الشهر وكلمتوا عليكي وعلى أحلام أختك".
"أحلام أختي؟!".
رفعت زاوية فمها جانباً ساخرة وتابعت: "أحلام شغلنتها الوحيدة جوزها".
"هو جه خدها ولا لسه غضبانة؟".
"هما يومين اللي قعدتهم والتالت خلتنا نايمين وخدت ابنها ومشيت، هاموت وأعرف هو عاملها إيه مخليها ماشية وراه تقول آمين، يضربها تغضب وبدل ما تاخد معاه موقف ترجعله، ده لو كان ساحرلها مش هتعمل في نفسها كده".
ضحكت هند على حديث صديقتها وعقبت: "ده مش سحر، ده الحب ياختي، بس أختك هي اللي بتحبه، لكن هو على عمايله معاها ما بيحبهاش".
"والله يا هند أنا وأمي وابتسام حتى الولاه سعيد أبو 13 سنة كلنا بنقولها كده، يعني أنا أسمع عن اللي يبيع كليته أو يبيع قرنية لكن دي اللي باعت كرمتها وببلاش كمان".
تدخل جمال والذي كان متابعاً: "معلش على تدخلي في الحوار يا غرام، أختك غلبانة ومالهاش أي خبرة في الناس وحظها إنه سمير ظهر في حياتها وأقدر يخليها تحبه وتتعلق بيه، يعني عندك مثلاً أنا وهند حبينا بعض واتخطبنا ومحدش فينا يقدر يستغنى عن التاني، صح يا دودو؟".
نظرت إلى صورته في المرآة وأجابت بعشق تنضح به عينيها وتلفظ به شفتيها: "صح يا عيون هند، بس طبعاً لو فكرت تزعلني أنا مش هغضب ولا هعيط، أنا حقي هاخده بإيدي أنت ونصيبك".
"خليكي شاهدة يا غرام على صاحبتك، عشان لو في يوم لقيتو جثتي في أكياس أعرفوا إنها اللي عملت فيا كده".
عقبت هند: "بعد الشر عليك يا حبيبي".
"ربنا يبارك لكم ويتملكم جوازكم على خير، يا جمال مفيش وجه مقارنة ما بينك وما بين جوز أختي، أنت ابن أصول لكن هو، خليني ساكتة أحسن".
"ربنا يهديه ليها، يا عالم يمكن يتغير".
"أتمنى، المهم أختي تكون بخير".
"وصلنا".
توقف جمال أمام الدرج المؤدي إلى المحطة.
أخرجت غرام من حقيبة يدها ورقة نقدية: "اتفضل يا جمال".
نظر إليها بعتاب ولوم ثم قال لهند: "شوفي صاحبتك يا هند".
"خلاص يا غرام، جمال زي أخوكي وجارنا".
عقب جمال: "خدي فلوسك عشان ما أزعلش وأزعل صاحبتك".
أخبرها بطريقة فكاهية فضحكت غرام: "ربنا ما يجيب زعل أبداً، أسيبكم أنا بقي سلام".
ولجت إلى داخل المحطة وقامت بشراء تذكرة القطار، وعلى الرصيف فتحت الحقيبة وأخرجت قطعتين مختلفتين.
وصل القطار للتو وانفتحت أبوابه، دخلت إلى عربة السيدات وبدأت تعرض للركاب البضاعة بمهارة تجعل الجميع يلتفت إليها ويبدأ الإقبال على الثياب وعروض الأسعار تجعل البعض منهن يشتري على الفور.
***
يقف يوسف في وسط بهو الاستقبال للشركة ويتجمع من حوله الموظفون يستمعون إلى تعليماته.
فبالرغم من كونه مدلل لكنه في العمل جاد ومتقن للغاية: "عايزكم تسمعوني كويس، من يومين جاتلنا عينة من شغل شبه شغلنا بالظبط وعليه نفس التيكت بس طبعاً مضروب ومتقلد وفرق خامات وجودة.
عملنا بحث عشان نوصل لمين صاحب المصنع اللي بيقلد شغلنا بس للأسف كل ما نسأل حد يدخلنا في متاهة، وفاهمين طبعاً إنهم مش هيقوله هو مين لأن كلهم بيستفادوا.
فأنا بقولكم اللي هيقدر يوصل لصاحب المصنع ليه مكافأة ست شهور".
تصاعدت الهمسات بينهم، فقال أحدهم: "ما تقلقش يا مستر يوسف، يومين وهايكون عندك اسمه وعنوانه".
ردد آخر: "أديني حضرتك يوم وملفه هايكون على مكتبك".
عقب يوسف قائلاً: "أنا مش عايز كلام، وروني الفعل وزي ما وعدتكم بالمكافأة، يلا كل واحد يروح على مكتبه".
تقدمت منه إحداهن تحمل بعض الأوراق وقلم: "مستر يوسف، ممكن حضرتك تمضي على الأوراق دي؟".
صدح رنين هاتفه ويزيل اسمه في أسفل كل ورقة، أجاب والسماعة اللاسلكية في أذنه: "ألو؟".
"هاي چو أنا ميري".
"أزيك يا ميري، أخبارك إيه؟".
"طبعاً مش بخير وانت بقي لك شهر مش معبرني ولا بتخرج معايا ونسهر زي كل مرة".
انتهي من التوقيع وأومأ إلى الموظفة لتأخذ الأوراق وتذهب ثم مضى نحو الدرج يصعد إلى الأعلى.
"معلش بقي أصل عندي شغل في الشركة فبضطر أصحي بدري وأنام بدري وزي ما أنتي فاهمة".
صاحت بتعجب: "شغل؟! Oh my God، معقول چو الشريف بقي بيشتغل؟!".
ابتسم وعقب بمرح كالعادة: "شوفتي بقي، ربك قادر على كل شيء".
"ربنا يوفقك، أنا كنت بكلمك عشان أعزمك على الـ party عيد ميلادي الـ week end الجاي".
"هحاول إن شاء الله".
"تحاول إيه، ده أنت لو ما جتش هاخد الشلة ونيجي نحتفل عندك في الشركة النهاردة أنت حر".
ضحك قائلاً: "خلاص هاجي أطمني".
"هستناك، أسيبك بقي عشان ما أعطلكش، باي".
"باي".
أنهى المكالمة وما زال في طريقه إلى غرفة مكتبه الخاص.
توقف أمام مكتب شقيقه فوجده مشغولاً بالحاسوب، طرق الباب لتنبيهه: "ممكن أدخل؟".
رفع عينيه عن الحاسوب وخلع عويناته، تركها على سطح المكتب وقال: "اتفضل".
جلس يوسف أمام مكتب شقيقه يخبره معتذراً: "أنا آسف على الكلام اللي طلع مني الصبح، أنت عارف لما بتعصب ما بشوفش قدامي وبيخرج مني كلام أندم عليه".
"طب خلي بالك لأن غضبك ممكن يخسرك أقرب الناس ليك".
نهض واقترب من شقيقه ثم دنا منه رأسه: "وأدي راسك أبوسها، لسه زعلان مني؟".
ابتسم نور وأخبره: "وأنا قبلت أسفك، بس خد بالك أنت المسئول قدام بابا أنك تعرف مين اللي بيقلد شغلنا".
"ما أنت شاطر وذكي في الشغل أهو، أومال بقي لك شهر مدبسني في شغلك ليه؟".
صاح يوسف متباهياً: "لأ أنا أعجبك أوي، بس لما تكون دماغي رايقة".
رفع شقيقه يديه داعياً: "ربنا يزيدك روقان كمان وكمان".
أخذ الآخر يضحك.
وعلى بُعد أمتار حيث مكتب رأفت الشريف، يقوم بالتوقيع على عدة أوراق وتقف بجواره «سوزي» المساعدة الخاصة به، ذات الشعر الأشقر البلاتيني والعدسات اللاصقة ذات اللون الفيروزي.
ترتدي كنزة وأسفلها تنورة كلاهما يكاد يتمزق من فرط الضيق، رائحة عطرها الفواح يضرب أنفه.
فعندما أنتهي من التوقيع رفع رأسه إليها وأخذ ينظر إلى ملامح وجهها المنير، سألها في هدوء يخفي نيران مشتعلة من شوق يكاد يلتهمه: "فكرتي في اللي قولته لك عليه؟".
ظلت تنظر بمكر ودلال وأجابت: "من غير ما أفكر، طبعاً موافقة، المهم هاكون مراتك يا فوفو يا حبيبي".
ابتلع لعابه، فهذه صاحبة الجمال الصارخ اختطفت لبه منذ مجيئها هنا في الشركة، لم يمر سوى خمسة عشر يوماً على عملها ونجحت في السيطرة عليه.
"يبقي تجهزي نفسك بالليل هاجي أخدك ونطلع على شقتنا وهناك هايكون مستنينا المحامي واتنين شهود".
تلي حديثه رنين الهاتف وكان المتصل زوجته «منيرة»!!
رواية غرام في المترو الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء رفعت
بعد عناء يوم شاق ما بين القطار والمحطة، انتهت من بيع جميع قطع الثياب التي لديها، وكما تفعل مثل كل يوم، تعود بالمال إلى السيدة رشا، والتي تعطيها مبلغًا من المال كل يوم.
قررت أن تذهب إلى شقيقتها، وحملت لها ما تحب من الفاكهة والحلوى. وقفت تنتظر سيارة أو مركبة ثلاثية الإطارات. توقفت إحداها، وخرج السائق رأسه:
"مروحة على بيتكم ولا رايحة مشوار؟"
ولجت إلى داخل المركبة وأخبرته:
"رايحة الشارع اللي ورانا عند أختي."
نظر إليها عبر المرآة الجانبية وسألها:
"وأحلام عاملة إيه؟ كويسة؟"
كانت نظرة عينيه تخبرها عن ماضٍ ملخصه حب قد دفنه منذ أن دخل سمير في حياة شقيقتها وتزوجها رغماً عن اعتراض الجميع. لكن سؤاله الآن مجرد الاطمئنان، وربما الفضول لديه، وهو كيف تعيش أحلام الآن مع غيره؟
تنهدت غرام وقامت باختصار حال شقيقتها في جملة قصيرة:
"الحمد لله يا عاطف، أهي عايشة."
"هو جوزها لسه بيمد إيده عليها؟"
ليس هو فقط من يعلم بهذا، بل الحارة كلها. لم يمر أسبوع أو بضعة أيام إلا ويسمع الجيران صراخ أحلام وزوجها يقوم بضربها وينعتها بصفات مشينة، وهو تحت تأثير المخدرات.
"ادعيلها يا عاطف ربنا يهديلها جوزها يا يبعده عنها."
توقف عاطف أمام منزل سمير، وكانت أحلام في الشرفة في الطابق الثاني، تضع الثياب المبللة على الحبل. انتبهت إلى غرام التي تنزل من المركبة، ويليها عاطف الذي رفع رأسه رغماً عنه ليراها تنظر إليه، دون أن يبدو عليها أي تعبير على ملامح وجهها.
"اتفضل يا عاطف."
قالتها غرام وتعطيه الأجرة. انتبه إليها ورفع يده:
"أقسم بالله أبداً، أنتي كده بتشتميني يا غرام."
"يعني أنت وجمال جايبين التوكتوك ده عشان تسترزقوا منه ولا تقضوه لله؟!"
"طب أنا راضي بذمتك، عمرك شوفتي سواق ياخد من أخته الأجرة؟"
ابتسمت وهزت رأسها:
"لاء."
"يلا أطلعي لأخدتك بقى، ولو عايزة أي حاجة اتصلي عليا."
"تسلم يا عاطف، وابقى سلم لي على خالتي أم عنتر."
ولج إلى المركبة بعد أن ألقى نظرة على أحلام، فوجدها دلفت إلى الداخل.
"يوصل إن شاء الله."
وبالأعلى كانت أحلام تنتظر شقيقتها بعد أن فتحت الباب:
"إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
وقبل أن تتفوه غرام، سمعت الصغير يناديها:
"خالتو غرام!"
"أنا أصلاً مش جايه عشانك، جايه عشان ميدو حبيب قلبي خالته اللي واحشني."
حملته وقامت بتقبيل وجنته المكتنزة. ضحك وعانقها بذراعيه الصغيرين.
التفتت إلى أحلام وظلت تنظر إليها، بينما الأخرى تحدق إلى أسفل بخجل:
"وجايه عشانك برضه يا بنت عبد الرحمن المصري."
رفعت وجهها وابتسمت، ثم احتضنت شقيقتها بقوة:
"حقكم عليا، دايماً بتشيلوا همي وبخذلكم في الآخر."
لكزت غرام كتف الأخرى وعقبت:
"إحنا أهلك يا عبيطة، لو إحنا مشيلناش همك مين غيرنا هيستحملك ويتفقع مرارته."
ضحكت كلتيهما، وولجتا إلى الداخل بعد أن أغلقت أحلام باب الشقة.
وضعت غرام الصغير فوق الأريكة. لاحظت شقيقتها ما جلبته وتركته بالقرب من الباب:
"إيه اللي أنتي جايباه ده؟ هو أنتي جاية عند حد غريب؟"
"أنا جايبالك أنتي وميدو، ويا ريت ما تأكليش سمير منهم."
أخبرتها بمزاح، فضحكت أحلام وهمت بالذهاب:
"ادخلي اغسلي إيديكي عقبال ما أغرف نتغدى مع بعض."
أوقفتها الأخرى تمسك بيدها:
"تعالي هنا، أنا مش جعانة. أنا جايه أقعد معاكي شوية وأقولك حقك عليا، ماتزعليش مني على اللي قولتهولك، بيت أبوكي مفتوحلك في أي وقت."
جلست أحلام وتشعر بالحزن أكثر:
"أنا اللي حقكم عليا، كل مرة لما باجيلكم غضبانة وماما تكلم سمير عشان تاخد حقي، وأنا في الآخر أرجع بيتي من وراكم."
نهضت الأخرى وجلست جوار شقيقتها، واضعة يدها على يد الأخرى:
"ماما عمرها ما زعلت منك، بالعكس هي زعلانة عليكي وعلى اللي بتعمليه في نفسك. أنا مش عايزة أفتح مواضيع ونقلب في المواجع، أنا كل اللي يهمني أنا وماما نشوفك مبسوطة."
"ربنا ما يحرمني منكم."
تجمعت الدموع في عينيها، فأخبرتها غرام:
"أبوس إيدك بلاش دموع، أنا معيش مناديل أديهالك."
ابتسمت رغماً عنها وقامت:
"لو مش عايزاني أعيط يبقى كولي معايا."
وعلى المائدة، انتهت غرام للتو من تناول طعامها:
"الحمد لله، تسلم إيدك يا حلومة، نفسك في الأكل زي نفس ماما بالظبط."
"بالهنا والشفا، اغسلي إيديكي وروحي اقعدي مع ميدو عقبال ما أعملنا كوبايتين شاي ونقعد نرغي زي زمان."
عاد عاطف أمام منزله فوجد والدته ما زالت تجلس أمام الخضروات التي تقوم ببيعها. نزل من المركبة ورأى القادمة على بُعد أمتارٍ تتمايل بخصرها مع كل خطوة لها، وصوت كعب نعليها الذي يجذب إليها رجال وشباب الحارة. يتابعها عاطف حتى وصلت أمام البناء الذي تقطن به. لاحظت نظراته إليها، فحدقت نحوه بنظرة ساخرة ثم ولجت إلى الفناء.
"هو أنت تنسى أحلام وتتعلق لي بالبت سماح بنت مليجي؟!"
التفت إلى والدته يخبرها:
"هو أنتي شوفتيني جريت وراها ولا قولتلها بحبك؟"
أمسكت كوبًا من المعدن وتقوم بسكب الماء منه ثم تنثره فوق ربطات الجرجير والبقدونس حتى تظل طازجة.
"أومال كل ما بتشوفها بتنح ليه؟"
تهرب من الحديث مع والدته وولج خلف عجلة القيادة دون أن يتفوه بحرف.
"رايح فين يا ولاه؟"
"رايح أشوف أكل عيشي."
وانطلق بالمركبة. عقبت والدته بوعيد:
"بتتهرب مني؟! ماشي يا عاطف."
ولدى سماح ذات القد الذي سحر عيون الرجال، فهي تتعمد ارتداء عباءة تجسد منحنيات جسدها، وتظهر جزءًا من خصلات شعرها الملونة من أسفل الحجاب. تطلق الغرة تنسدل على جانب وجهها المليء بمساحيق التجميل.
جلست داخل غرفتها على طرف السرير، تخلع حجابها وتزفر بضيق. أتاها صوت والدها بالخارج:
"بت يا سماح أنتي جيتي؟"
ردت بصوت جهوري:
"أيوة يابا، لسه راجعة من السوق."
"طيب أنا نازل هاروح القهوة أتفرج على الماتش وراجع تكوني عملتي العشا."
"طيب."
سمعت صوت إغلاق الباب، أردفت بحنق:
"طبعاً ولا على بالك الأكل والشرب دول بيجوا منين ولا إزاي!"
صدر من هاتفها صوت تنبيه لرسالة واردة. أخرجت الهاتف من المحفظة الجلدية خاصتها، فتحت الرسالة والتي من رقم مسجل باسم "نيكول مصلحة".
ومحتوى الرسالة كالآتي:
"هاي سماح... أنا نيكول اللي بعتلك من البارح على رسايل التيك توك تبعك، فكرتي ولا شو؟"
قامت سماح بالرد كتابيًا:
"أيوة فاكراكي، بس كنت عايزة أعرف حاجة، هما اللي هعملهم لايف على الخاص، عايزين مني إيه بالظبط؟ يعني أنا بعمل فيديوهات ومخبية وشي وبطلع بهدومي عادي."
رأت الأخرى الرسالة فسرعان قامت بالرد:
"هتسوي نفس اللي بتسويه عادي... لكن ممكن يطلب أو تطلب منك شيء زيادة... متل تشلحي تيابك وتضلي بتيابك الداخلية عادي... ما تخافي ما بيطلبوا أكتر من هيك."
"ثواني بس يا نيكول... أنتي بتقولي ممكن تطلب؟ قصدك ستات؟"
"إي حبيبتي... وزي ما فهمتي هيك بالضبط... هدول بيدفعوا مصاري كتير... وبعدين أنتي كل اللي يهمك يتبعتلك الدولارات وبس... ما تسألي عن أشيا ما تخصك... فهمتي عليا؟"
"طيب أنا إيه اللي يضمن لي الفيديوهات دي ما ياخدوهاش وينزلوها على المواقع إياها؟"
"انتبهي شوي سماح... أنا قلتلك في المسج الأولى أن هاد المقاطع أو اللايف كيف ما بدك تسوي منهم... كلها بتتم في غرف سرية يعني ما بيقدروا ينزلوها على الفون تبعهم أو تتاخد سكرين... لأن هاد شغل وبنربح منه وأنتم نفس الشيء."
"مين أنتم بقى؟"
"أوف سماح... بعيدلك للمرة المية ما تسألي عن شيء ما يخصك... عليكي تنفذي الأوامر وبس... وأه كنت بنسى لو بدك تربحي مصاري أكتر ممكن تتواصلي مع رفيقاتك... صحباتك يعني أو صبايا أو سيدات من محيط معارفك أو يقربون لإلك... لكن تعرضي الأمر عليهن بطريقة غير مباشرة."
"هو أي نعم هيبقى صعب... بس إيه هي الطريقة؟"
"انتبهي معي منيح وأنا بخبرك بكل شيء."
"أنتم فاهمين سمير غلط، هو والله يبان مفتري وظالم لكن جواه عكس كده خالص."
كلمات أحلام سبرت أغوار شقيقتها التي كانت تداعب الصغير:
"ده على أساس إحنا ما نعرفهوش؟! روحي بصي لنفسك في المراية يا أحلام وبصي على درعاتك ورقبتك ووشك اللي لسه عليه آثار الضرب، وتقولي لي مش مفتري، لاء إحنا اللي بنفتري عليه وظالمينه."
أخذت الأخرى طبق حلوى من أعلى المنضدة لتعطيه إلى شقيقتها:
"اللي بيعمله معايا بيكون غصب عنه، أنا اللي بخرجه عن شعوره وبنرفزه."
وضعت غرام ابن شقيقتها بجوارها لتخبر الأخرى بحدة:
"أحلام بطلي استهبال، كلنا عارفينك كويس، يا بنتي ده أنتي أكتر واحدة فينا هادية وفي حالك، عمرنا ما سمعناكي بتزعقي ولا بتتخانقي، أنتي أغلب من الغلب."
"يعني عايزين مني إيه؟! أتطلق منه عشان ترتاحوا؟"
نهضت غرام وأخذت الصحن من شقيقتها وأعادته فوق المنضدة:
"بقولك إيه، أنا قايمة ماشية أحسن، عمالة أفهمك من بدري إنك تعملي لنفسك شخصية وتاخدي موقف مع جوزك لما يمد إيده عليكي، لكن أنتي في ملكوت تاني."
ذهبت أحلام خلف شقيقتها:
"استني بس يا غرام، إحنا بنتكلم مش بنتخانق."
"أنا على أي حال كنت هامشي عشان أطمن على أختك ابتسام أشوفها رجعت من الدرس ولا لسه، وأخوكي سعيد اللي زمانه من الصبح وهو في الشارع."
"طب استني، خدي ده لماما ولأخواتي."
ذهبت إلى البراد وأخذت منه علبة بها الكثير من الحلويات. وضعت العلبة داخل كيس وتعطيها إلى غرام التي امتنعت عن أخذها:
"عندنا وخير ربنا كتير، خليهم ليكي أنتي وميدو، وأهم حاجة خلي بالك من نفسك."
احتضنتها وفعلت المثل مع الصغير وأردفت:
"سلام."
"مع السلامة، ابقي سلميلي على ماما وابتسام وسعيد."
"يوصل."
تنزل الدرج وفي الفناء وجدت زوج شقيقتها يدخل وينظر إليها بتوتر:
"سلام عليكم يا غرام."
حدقت إليه بازدراء ولم تبادله التحية وكأنه شيء مقزز تتجنبه، مما جعله يستشيط من الغيظ. أسرع في الصعود وقام بالضغط على الجرس باستمرار دون انقطاع:
"شكلها نسيت حاجة، حاضر جاية أهو."
قامت بفتح الباب فوجدت زوجها يقف أمامها والشر يتطاير من عينيه.
ابتلعت لعابها وتتراجع إلى الوراء خوفًا من نظراته المرعبة لديها:
"أزيك يا سمير، مالك فيه حاجة؟"
"أختك العقربة أرمي عليها سلام ربنا، تقوم تبص لي من فوق لتحت وما تردش كأني لوح خشب واقف قدامها؟!"
"معلش حقك عليا، بالتأكيد ما تقصدش، أو ماخدتش بالها."
جذبها من يدها بقوة:
"قصدك إن أنا بتبلي عليها ولا إيه؟"
ترتجف من الخوف وتخبره:
"ما أقصدش والله، بس... بس..."
قام بهزها قائلاً:
"أنا ممكن كنت مسكتها وأديتلها حتة علقة، بس أنا بقول عيب ياض يا سمير، دي أخت مراتك وخالة ابنك."
رفعت يدها في وضع الدفاع على وجهها حتى لا تتلقى منه لطمة مفاجئة كالعادة:
"أنا آسفة وحقك عليا، أنا هعاتبها لما أشوفها."
دفعها بغلظة فوقعت على الأرض. تأوهت وترفع طرف العباءة وأخذت تمسد ساقها لتخفف الألم. وبدلاً أن يشعر بالشفقة حيالها لرؤيتها في تلك الحالة المزرية، ظل ينظر إليها بشهوة. فزوجته أكثر شقيقاتها جمالاً، شعرها مثل سلاسل الذهب والبشرة الشقراء، وعيون بلون العسل، ملكة جمال دار السلام كما لقبها شباب الحارة. لكن كما قالوا قديمًا أن الجميلات أكثر الناس تعاسة في الحظ، ولنا في قصص السابقات عبرة. كليوباترا اختارت الانتحار من أجل فقدان عشيقها، جولييت التي تجرعت السم أيضًا لأنهم قد حرموها من حبيبها، وبين قصص المشاهير امرأة الأحزان المغنية التركية بيرجن التي تم إطلاق الرصاص عليها من طليقها، وذلك كان في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. كان مهوسًا بها لكن كثيرًا كان يعنفها ويضربها ضربًا مبرحًا.
حاولت أحلام أن تنهض فوجدته مازال يقف أمامها:
"عايزاني أنسى اللي عملته أختك؟"
سألته بعدم إدراك منها أو ربما الطيبة الزائدة لديها تجعلها لا تبصر الأمور جيدًا:
"أكلمها تعتذر لك؟"
ابتسم على صفاء ونقاء زوجته، جذبها بين ذراعيه، يحاصر خصرها بين يديه:
"لأ تعالي جوه أوضتنا هقولك تعملي إيه."
وحين أدركت ما يريد، أوقفته لتخبره:
"استني بس هنيم ميدو الأول."
جذبها خلفه كالشاة:
"ما هو قاعد يلعب أهو، أنا أهم."
ولج إلى داخل الغرفة وأغلق الباب خلفه. انتبه الصغير وشعر بالخوف عندما اختفى أبويه من أمامه. ذهب باتجاه الغرفة ووقف أمامها. أخذ يطرق الباب بكفيه الصغيرين ويبكي مرددًا:
"ماما؟ ماما؟"
تخرج الفتيات من بوابة هذا البناء بتدافع، وذلك بعد انتهاء المحاضرة لمادة اللغة الإنجليزية. تحتضن ابتسام المذكرة والدفتر وتسير بمحاذاة زملائها. أخبرتها التي على يمينها:
"ابتسام كلمي."
وأشارت إليها نحو شاب في بداية العشرين من عمره، يستند بساعده فوق دراجة نارية.
ابتعدت عن الفتيات وذهبت إليه وتلتفت من حولها لتطمئن أن لا يراها أحد من أهل الحارة ويبلغ شقيقتها:
"إيه رأيك في المفاجأة دي؟"
وقفت أمامه وتحدق إليه بغضب:
"أنت اتجننت يا عثمان؟! جاي لحد السنتر في وسط أصحابي، وافرض حد من الحارة شافني معاك؟"
"إيه اللي هيجيب بتوع حارتنا لحدائق المعادي؟ أنا خلصت شغل في الورشة بدري النهاردة روحت استحميت ولبست طقم شيك وقولت أجيلك عشان وحشاني، على الأقل تشوفيني من غير شحم ولا ريحة جاز اللي على طول بتعايريني بيهم."
"أنا عمري ما عايرتك، بس ما ينفعش لما تحب تشوفني تيجي لي بملابس الشغل المبهدلة، لو مش عشاني، على الأقل عشان نفسك، يارب تكون فهمتني."
هز رأسه بسأم وأجاب هازئًا:
"أنا فاهمك طبعًا."
"ما قولتليش جبت الموتوسيكل ده منين؟"
ضحك وأخبرها:
"ده اسمه Race يا حبيبتي، بتاع عيل فرفور من المعادي اتخبط منه وجابوه على الورشة نظبطه، قولت أجربه وأخدك ونلف بيه شوية."
تراجعت بتردد:
"أنا بخاف أركب الحاجات دي."
"ما تخافيش وأنا معاكي، هتركبي ورايا وتمسكي فيا، بس تمسكي بضمير."
غمز بعينه لتدرك أنه يقصد أن تحتضنه من ظهره:
"بلاش يا عثمان أنا..."
حملها من خصرها ووضعها أعلى الدراجة، صعد هو أيضًا:
"طيب والملزمة والكشكول أحطهم فين؟"
"اقعدي عليهم."
فعلت كما قال، ووضعت يديها على كتفيه:
"جاهزة؟"
"آه، بس سوق براحة بالله عليك عشان بترعب من البتاعة دي."
ضحك وقبل أن ينطلق رأت معلم الإنجليزية يقف لدى سيارته السوداء وينظر إليها غاضبًا.
شهقت ورددت دون أن يسمعها عثمان:
"مستر حسن!"
انتفضت عندما انطلق عثمان بقوة فجعلها تتشبث به أكثر، وتخفي وجهها عن نظرات معلمها، وداخلها تخشى أن يخبر شقيقتها بما رآه.
على موسيقى أشهر أغاني كوكب الشرق ترقص وتميل جذعها إلى الأمام تارة وإلى الخلف قليلاً تارة أخرى، تهز خصرها مع الإيقاع بمهارة أمام عينين هذا الستيني. يحدق إليها بفرح عارم لم يصدق حاله، إنه أخيرًا نال قسطًا من الراحة هربًا من ضغوط العمل وتعويض إهمال وتقصير زوجته تجاهه، فهذا سبب وعذر يأخذه في كل زواج سري له. لكن هذه المرة هي الأفضل إليه. استطاع في خلال أسبوعين أن يقع بها ويجعلها توافق على الزواج منه في السر وعرفيًا أيضًا. فهو لا يريد أن تختلط نزواته بحياته الشخصية أو أن يشارك أحدًا أبناءه في إمبراطورية رأفت الشريف الذي بناها من الصفر حتى هذا الوقت الحالي.
انتهت الموسيقى واكتفت هي بهذا القدر من الرقص. جلست جواره بدلال:
"إيه يا فوفو، بعرف أرقص؟"
"تعرفي إيه بس، ده أنتي أستاذة ومعلمة."
قامت بتناول علبة السجائر وأخذت واحدة فقامت بإشعالها. أخذها من أناملها:
"انتي بتعملي إيه؟ هاتي البتاعة دي، إذا كان أنا بطلتها أنتي هاتشربيها."
"الله يا بيبي، أنت بتخاف عليا؟"
احتضنها بين ذراعيه وأخبرها:
"آه طبعًا بخاف عليكي، مش بقيتي مراتي؟!"
قامت بتقبيل خده ثم نهضت من جواره:
"لما أروح أصب لنا كاسين وراجعة لك."
"ما تتأخريش عليا."
"عينيا."
وأطلقت ضحكة جعلته يصيح بسعادة:
"الله أكبر، دي ليلتنا هتبقى أحلى ليلة."
أخرج من درج الكمود علبة مليئة بالأقراص، تناول منها حبة زرقاء وابتلعها وتجرع معها الماء.
بعد قليل...
نهضت من جواره تسأله بخوف:
"مالك يا رأفت فيه إيه؟"
يضع كفه على موضع قلبه، يخبرها بصعوبة:
"قلـ... بي، ألحـ... قينـ..."
رواية غرام في المترو الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت
يجلس الطبيب بجواره ويمسك معصم يد رأفت لقياس نبض قلبه، متابعاً على العداد في هاتفه. بينما الآخر يفتح عينيه كل فينة والأخرى، والوهن جلي على ملامح وجهه. على الجانب الآخر من السرير تقف وتراقب الفحص وتبكي في آن واحد. بكاؤها بدافع الخوف أن يحدث مكروهاً لزوجها، وتضع في محل الاتهام أمام زوجته منيرة وولديها نور ويوسف.
لاحظ الطبيب بكائها الصامت فأخبرها ليطمئنها:
"اطمني يا مدام سوزان، رأفت بيه بخير. هو بس اللي حصله إنه قلبه ما استحملش المنشط اللي خده."
ونظر الطبيب إلى رأفت وتابع:
"مش من أسبوع كنت عندي يا رأفت بيه وحذرتك إنك لو هتاخد أي منشط، تيجي قبلها تستشرني؟!"
أجاب الأخر بصعوبة:
"ده مستورد يا دكتور."
"مستورد ولا محلي ضررهم واحد. وأنت مريض قلب وضغط عالي، ومش أي منشط تاخده من دماغك. المرة دي الأزمة الحمدلله جتلك على خفيف، ولولا مدام سوزان لا قدر الله يا عالم كان حصلك إيه."
نزع الورقة من الدفتر وأعطاها إلى سوزي وقال:
"دي الفيتامينات اللي هايمشي عليها والدوا الخاص لقلبه. كتبت له على بديل أحسن وأقوى، وراحة لمدة أسبوع لحد ما أشوفه الأسبوع الجاي."
نهض وأغلق حقيبته:
"أنا مضطر أمشي عشان ورايا ميعاد كشوفات في العيادة. لو في أي حاجة اتصلوا عليا على طول. حمدالله على السلامة يا رأفت بيه، سلام عليكم."
"وعليكم السلام يا دكتور."
بادلته التحية وذهبت خلفه، وبعد أن غادر وأغلقت الباب ثم استندت عليه بظهرها وقالت بصوت لم يصل إلى زوجها:
"ولما هو مش قد الجواز اتجوزني ليه؟! أحسن بصراحة كنت شايلة هم الموضوع ده وأهو اتحل لوحده. عقبال يارب يبقى أسبوع الراحة يبقى سنة وبعدها أخلع منه."
تخرج من البناء التي تقطن به تتحدث في الهاتف:
"صباح الخير يا جمال، بقولك يا حبيبي خمس دقايق وأنا وغرام هانكون جاهزين، أبقى عدي علينا قدام بيتها."
"ماشي يا حبيبتي، بس بالله عليكي يا هند ما تتأخروش. أول ما أزمر تطلعوا على طول."
"حاضر، يلا سلام عشان وصلت قدام بيتها."
أغلقت المكالمة وولجت إلى الفناء ثم ضغطت الجرس الخاص بمنزل عائلة غرام. فتحت السيدة عزيزة:
"صباح الخير يا هنوده، اتفضلي."
"صباح النور يا خالتي، أومال فين غرام؟"
أشارت إليها نحو غرفة ابنتها:
"ادخليها قاعدة جوة ومش عايزة تروح الشغل، وكل ما أسألها بتقولي أهو كدة."
ربتت هند على ذراع والدة صديقتها:
"ما تقلقيش يا خالتي، هادخل أشوفها مالها."
طرقت الباب ثم ولجت خطوة:
"ممكن أدخل؟"
نظرت إليها غرام وهي تجلس على الأريكة ذات الطراز الشعبي:
"اتفضلي يا هند، أنتي مش غريبة."
جلست بجوارها تسألها بقلق:
"مالك حصل حاجة في شغلك؟ ولا اتخانقتي مع مدام رشا؟"
تشعر الأخرى بالضيق والهم، بل بالإحباط والهزيمة. نظرت إلى صديقتها وعينيها يملأها الحزن:
"عمالة أدور في ساقية وشغل كله بهدلة ومش عارفة أوفر كل حاجة لأمي ولأخواتي. اللي جاي يا دوب بيقضي بالعافية، ولا الست رشا أبيعلها كل الكمية وتيجي تديني فتافيت يا دوب يقضوا مصاريف يومين بالعافية."
وضعت هند يدها على ظهر غرام تربت عليها لتجعلها تهدأ ولو قليلاً:
"استغفري الله، كل كرب وضيقة بعده فرج ووسع. أنتي بتسعي وربنا عالم بحالك، ما تعلميش يمكن ربنا شايلك حاجة أحسن يمكن النهاردة ويا عالم بكرة أو بعده."
مسحت دموعها بالمحرمة وعقبت:
"ونعم بالله يا هند، أنا مش معترضة على اللي ربنا كتبهولي، بس أنا بني آدمة وليا طاقة. لما بفكر في اللي بيحصل بقول ياريتني كملت الكلية كان زماني بشتغل في شركة أو كاشير في أي مول ولا محل كبير. على الأقل أحسن من بياعة في مترو، اللي يسوى وما يسواش يضايقني ولا ظابط تفتيش يبهدلني إهانة وقلة قيمة. أنا أقسم بالله عمري ما حصل فيا كده لما أبويا كان عايش."
أطلقت زخات من الدموع، تلقتها صديقتها بين ذراعيها، مازالت تربت عليها:
"اهدي يا حبيبتي، بإذن الله ربنا هيرزقك من وسع، وهايعوضك بالأحسن يارب. بس أنا ياما قولتلك يا غرام، لما توافقي على عريس محترم كان زمانك ملكة في بيتك."
"يعني أتجوز ومين اللي يصرف على أمي وأخواتي؟! معاش أبويا الله يرحمه يا دوب على قد كهربا ومياه وغاز وعلاج أمي، لكن أكل وشرب ودروس ابتسام وسعيد أنا اللي بسددها."
عقبت صديقتها:
"يعني لو قعدتي مش هتلاقي تاكلوا وأخواتك هيطردوا من الدروس. يلا قومي ووحدي الله، وطول الوقت استغفريه، وأدعي ربنا يرزقك وأنا قلبي حاسس هيديكي رزق كبير قوي، وبكرة تقولي هند كان عندها حق، بس أبقي افتكريني أنا وچيمي."
ابتسمت غرام، فصديقتها تنجح دائماً في رسم البسمة والفرح على وجهها، كلما تمر بكل ضائقة.
صدح صوت تنبيه المركبة في الخارج:
"أهو جمال وصل بره، قومي بلا ألبسي بسرعة عشان نوصلك عند مدام رشا."
وهكذا استطاعت هند بأن تجعل صديقتها تنهض وتسعى إلى رزقها أفضل من الجلوس بين براثن الأفكار السلبية وتنهش من روحها كالوحش.
ترجلت غرام من المركبة أمام متجر السيدة رشا، ملوحة بيدها إلى هند وجمال الذي انطلق نحو عمل خطيبته، لكنه توقف في منتصف الطريق ونزل ليجلس بجوارها:
"فيه إيه يا جمال وقفت ليه؟"
يشعر بالهم يتسلل إلى داخله فأخبرها بما حدث معه الأيام المنصرمة:
"المفروض كنا ندخل بعد شهرين لو في حال لاقيت شقة إيجار في خلال شهرين."
تابعت الأخرى بدلاً منه:
"ولافيت طول الفترة اللي فاتت ومالقتش حاجة مناسبة، صح؟"
"أقسملك إنه مش بإيدي، وإن كان عليا عايز نتجوز النهاردة قبل بكرة، بس على يدك وأنتي عارفة كل حاجة."
"أنا إن كان عليا أنت عارف ممكن أستنى العمر كله، بس بابا آخر مرة قالك إنها آخر مرة نأجل فيها الجواز. هو بيحبك ومتفهم ظروفك، لكن ماما زي أي أم ده غير أنا بنتهم الوحيدة وشيء طبيعي مش هايعجبها الوضع."
"طيب أنتي قوليلي أو شوري عليا أعمل إيه؟"
أثرت الصمت قليلاً قبل أن تعرض عليه هذا القرار الذي تعلم ما يخلفه من رفض تام من قِبل والدتها قبل والدها:
"الحل إننا نتجوز في شقتكم مع مامتك لحد ما ربنا يفرجها وننقل لشقة مقدمتها وإيجارها على قد اللي معانا."
وقع الحل على سمعه كالصدمة:
"أنتي بتهزري؟! أنا لو قولت لعم رمضان ومامتك كده هيقولولي معندناش بنات للجواز إذا أصلاً ما طردونيش بعدها."
"ما تخافش يا جمال، ماما وبابا بيعملوا لي أي حاجة فيها راحتي، وراحتي هي أكون معاك حتى لو هنعيش في النار."
ابتسم وأمسك يدها يداعب أناملها، وسرعان جذبت يدها من يده:
"للدرجدي بتحبيني أوي؟"
أجابت بخليط من المزاح والرومانسية:
"المفروض بعد اللي قولتهولك وهو أن أتجوز وأعيش مع حماتي في نفس الشقة ده أكبر جواب ودليل."
"ومين قالك إن هابقى فرحان؟! أنا نفسي أنا وأنتي نقعد في بيت لوحدنا خاص بيا وبيكي محدش يضايقك ولا حتى يفكر يزعلك."
"لاء يا حبيبي محدش يعرف يزعلني، بعرف أخد حقي، ولو معرفتش حبيبي هياخد لي حقي."
عقب واقترب منها أكثر:
"طبعاً هاخدلك حقك وأديكي فوقيه بوسة."
كاد يقبلها، وضعت كفها على فمه محذرة إياه:
"وبعدين؟ مش متفقين ممنوع أي تجاوزات لحد ما أبقى مراتك على سنة الله ورسوله؟!"
صاح بسخط مازح:
"لاء أنا كده بقى هاجي لعمي رمضان وأقوله بعد ما يوافق، إننا نتجوز في خلال أسبوعين، أنا مستحمل بقالي كتير."
أخذت تضحك على اعتراضه كالطفل المتمرد، نهض وجلس على كرسي المقود وانطلق بالمركبة قبل أن ينفذ صبره ويرتكب فعلاً فاضحاً في الطريق العام.
"أيوه يا عثمان عمال ترن ليه؟ أنا في المدرسة."
تتحدث بصوت خافت داخل المرحاض:
"ما أنا عارف، هو ما ينفعش تزوغي من عندك؟"
"أنت بتستعبط؟ ده لو اتقفشت هاخد فيها فصل، إحنا عندنا ناظرة ولا مرات أبو لهب نفسه."
"على فكرة أنا واقف قدام البوابة ومفتوحة وفيه طلبة بيخرجوا منها."
"دول بنات من سنة تانية رايحين في نشاط تبع المدرسة."
"الحق عليا كنت هاخدك زي فسحة امبارح ونروح ناكل كريب وبيتزا ونحلي بالقشطوطة اللي بتحبيها ونطلع على الملاهي أركبك الألعاب اللي بتحبيها وأروحك في ميعاد رجوعك من المدرسة."
تفكر في الأمر ملياً، وجدت العرض مغرياً للغاية، كم تحب كل ما قام بذكره، فمنذ وفاة والدها حرمت من أغلب الرفاهية وذلك بسبب الحالة المادية التي أصبحت عائلتها تمر بها فأخبرته:
"طيب استناني وأنا هاتصرف."
وبعد دقائق كانت خلفه فوق الدراجة النارية.
سألها:
"مبسوطة؟"
تتشبث به أو لنقل بالأحرى تحتضنه من ظهره:
"فرحانة أوي."
صاح لكي تسمعه من صوت الهواء والموتور:
"ربنا يقدرني وأخليكي فرحانة كده ديماً."
دفعت دفة الحديث في اتجاه آخر حتى لا تصل معه إلى الأمر الذي تتهرب منه دائماً، أخبرها بعد ظهور النتيجة لديها سيذهب إلى والدتها وشقيقتها الكبرى غرام لطلب يدها وبعد انتهائها من مرحلة التعليم الجامعي سوف يتزوجها، بينما هي تمتلك طموح ليس له حدود، فآخر ما تفكر به الزواج من عثمان ابن الجيران الذي أحبها منذ نعومة أظافرها، ربما سبب عدم قبول ذلك يعود إلى المستوى الاجتماعي والمادي لدى عائلته لا يقل حالاً عنها، كم تحلم أن تخرج من بوتقة تلك الحارة المتعفنة إلى حي آخر أكثر رقي كما ترى في التلفاز، أحلام وردية وسط ظلام حالك يتخلله بصيص أمل تتشبث به لعل تتحقق أحلامها.
تقف غرام منذ أكثر من نصف ساعة في انتظار السيدة رشا، تنظر كل فينة وأخرى إلى ساعة هاتفها، فقد أخبرتها أن لديها أمر هام لدى مصلحة الضرائب ستنتهي منه وتأتي إليها لكي تعطيها البضاعة مثل كل يوم.
"هاتفضلي واقفة عندك في الشمس كده لحد ما تتحرقي؟"
كان صوته البغيض يأتي من داخل المتجر وهذا سبب آخر في انتظارها بالخارج.
ألتفت إليه ورمقته بابتسامة كراهية:
"وأنت مالك، خليك في حالك أحسن لك."
شعر بالحرج وبداخله يكن لها وعيد عزم على تنفيذه منذ البارحة:
"براحتك خليكي عندك."
فتابع بهمس:
"ما بقاش المعلم رجب لو ما كسرتش عينك ونفسك وأخلي سيرتك على كل لسان يا غرام."
رفع هاتفه وقام بإجراء مكالمة، انتبهت إنه يتحدث في الهاتف ثم اقترب منها:
"أهي واقفة يا رشا مش عايزة تدخل."
أعطى الهاتف إلى غرام وأخبرها:
"خدي رشا عايزة تكلمك."
أخذت الهاتف على مضض وترمقه بازدراء:
"ألو يا مدام رشا."
"بصي يا غرام، شكلي هتأخر وحرام تستنيني كل ده، خلي رجب يديكي مفتاح المخزن فوق وخدي البضاعة اللي في أول كيس على يمينك أول ما تدخلي."
"خلاص يا مدام مش مشكلة النهاردة، هابقي أعدي على حضرتك بكرة إن شاء الله."
"أنا بكرة مسافرة البلد مش هابقى موجودة ورجب هو اللي هايفتح، وأنا عارفة إنك مش بتحبي تتعاملي معاه، ومعرفش هاغيب قد إيه، عشان كده بقولك خدي البضاعة اللي في الكيس كلها هتكفيكي 5 أيام لحد ما أرجع."
زفرت وصدرها يزداد ضيقاً، فقالت مرغمة:
"حاضر يا مدام رشا، هاخد الحاجة ولما أبيعها هاعدي على المعلم رجب أديهاله."
"لاء خليها معاكي أحسن."
"حاضر، ترجعي بالسلامة."
أعطت الهاتف إلى رجب والذي أعطاها المفتاح كما أخبرته شقيقته بحسن نية.
تركته غرام منشغلاً في التحدث مع شقيقته وولجت سريعاً ثم صعدت على الدرج وقامت بفتح باب المخزن، وهو عبارة عن شقة شاغرة من الأثاث، تتخذها رشا مخزن.
وجدت الكيس الذي أخبرتها به، كان حمله ثقيلاً فقامت بدفعه جراً على الأرض وتتجه نحو باب المخزن بظهرها حتى اصطدمت بجسد كالحائط، تركت الكيس على الفور فزعاً والتفت إليه:
"أنت طالع هنا ليه؟"
أغلق الباب بقدمه وبدأ بفك أزرار قميصه، وعينيه تنضح بما سيقبل عليه:
"هاكون طالع هنا ليه؟"
تتراجع وتخرج من حقيبتها مبرد الأظافر دون أن تلفت النظر إليه:
"أنا بحذرك يا رجب، أبعد عني أحسن لك."
"أنا قفلت باب المحل بالقفل، والمخزن مالهوش باب غير اللي دخلتي منه، يعني برضو على المحل المقفول بابه، مش هاتعرفي تهربي ومهما صرختي محدش هايسمعك."
خلع قميصه وألقى به على الأرض ثم وثب نحوها فكاد يمسك بها، لكنها كانت أسرع منه وقامت بتسديد إليه طعنة بهذا السلاح الضعيف، وبالفعل أصابه لكن لم يؤذيه بل انكسر ووقع على الأرض، شهقت بخوف، فهي الآن أشعلت جذوة الغضب لدى هذا الذئب الماثل أمامها، ظلت تجول ببصرها من حولها لعلها تجد شيئاً تدافع به عن نفسها فلم تجد، خطوة أخيرة إلى الوراء شعرت بأن أسفل قدميها شيئاً...
"هتروحي مني فين أنا قتيلك النهاردة."
مد يديه لكي يجذبها إليه، وفي لمح البصر انحنت إلى أسفل حتى لا يقيدها واختطفت هذا الشيء من أسفل قدميها، فكانت عصا معدنية في مقدمتها خطاف صغير تستخدم في تعليق الثياب على المشجب المرتفع في حائط العرض.
"مش عايز تبقى قتيلي خد يا روح أختك."
عبارة ساخرة تزامناً مع ضربة من العصا المعدنية على رأسه من الخلف جعلته يترنح ويفقد الرؤية مع فقدان الوعي.
بصقت عليه وقامت بفتح الباب والركض إلى أسفل، تمكنت بفتح باب المتجر بصعوبة، أطلقت ساقها للريح حتى وجدت نفسها داخل المنزل لا تعلم كيف ومتى وصلت، ارتمت على مضجعها ترتجف خوفاً كلما تتذكر ما كان سيحدث معها، أخذت تتلو بعض الآيات والأذكار ليطمئن قلبها إلى أن غالبها النوم.
قد انتهت من التسوق للتو وفضلت السير على الأقدام لترى نظرات الإعجاب والصفير من كل رجل وشاب يراها، حية يتلوى خصرها يميناً ويساراً لخطف الأنفاس، توقف أمامها مركبة ذات الثلاث إطارات، نزل منها ونظرة التعلق التي باتت لديه منذ شهور تنضح من عينيه:
"عنك يا سماح."
"تسلم يا عاطف."
تركه يأخذ من الأكياس وقام بوضعهم داخل المركبة، عاد إلى كرسي المقود وانطلق بها، توقف بالقرب من الحارة، سألته والقلق يساور قلبها:
"وقفت هنا ليه؟"
"ممكن تديني من وقتك خمس دقايق."
أطلقت زفرة يتبعها تعليقاً:
"والله كنت حاسة أخرة الجدعنة دي مصلحة، خير يا عاطف؟"
استدار ليستطيع أن يتحدث معها وجهاً لوجه:
"أنا عمري ما كنت بعمل حاجة عشان مصلحة، اللي عايزك فيه حاجة بعيد عن أي مصالح."
زفرت بضيق ونفاذ صبر:
"إنجز عندي غدا لسه هاعمله قبل ما أبويا يجي ويطين عيشتي."
"حاضر مش هاأخرك، الموضوع وما فيه أنا..."
تردد في أن يلقي عليها هكذا دون مقدمات:
"بصراحة أنا بحبك من فترة كبيرة، وعايز أجي أطلب إيدك من عم مليجي أو من عماد أخوكي."
رأى على وجهها تعبيراً لم يكن يتوقعه بتاتاً، قد وجد سخرية بل وضحكة هازئة للغاية:
"هو أنا قولت إيه يضحكك أوي كده؟"
توقفت عن الضحك بصعوبة فتحولت إلى شخصية أخرى لم تجل في خاطره يومًا:
"اسمعني يا عاطف وركز في كلامي أوي، أنا أبويا راجل على قد حاله بيشتغل في فرن عيش الصبح وبعد الظهر سباك على ما تفرج، يعني الحمدلله وبلا فخر الفقر راكبنا من ساسنا لراسنا، يعني يوم ما أطلع من بيت أبويا أروح لحد يخليني أتنفس هوا نضيف في حتة نضيفة مش أفتح البلكونة ألاقي فرشة أمك ومرصوص عليها الفجل والجرجير ولا بيتكم اللي لو بتوع الحي جم وشافوه هيطلعلوا قرار إزالة، يعني أنا وأنت على باب الله ولو اتجوزنا هندور نشحت عشان نعيش."
كانت صدمة ضارية لم تكن في الحسبان لديه، لكن قلبه الذي أراد أن يمحو حبه القديم بآخر جديد أخفق تلك المرة في اختياره:
"أنا مش فقير يا سماح، التوكتوك اللي شايفاه ده ملكي أنا وجمال، والبيت اللي بتتمسخري عليه فيه شقة ملكي، ده غير إن كل شهر يجي لي عرض سفر من عنتر أخويا عشان أشتغل معاه في الكويت."
ضحك بسخرية وعقبت:
"ويا ترى هاتشتغل مع أخوك إيه؟! مبلط ولا هاتغسل صحون؟!"
"وماله الشغل ده ولا ده، أهو كله بالحلال ورزقهم ماشاء الله يخليني أفتح بيت وأنا مرتاح."
تربت على كتفه قائلة:
"مالهوش يا أخويا، بس أنا أصلاً مش عايزة أتجوز، عندك البت يمني بنت ميمي بتاعت الطماطم اتجوزها، وأمها وأمك يضموا شغلهم على بعض ويفتحوا فرع لسوق العبور في الحارة."
كانت تضحك من بين كلماتها، وحتى لا تثير غضبه أكثر من ذلك، تناولت الأكياس من داخل المركبة ثم لوحت يدها إليه بتهكم:
"سلام يا سي عاطف."
تركته وذهبت ولم ترَ ألسنة اللهب في عينيه، ووعد بأن تأتي الفرصة وسوف يرد لها الصاع صاعين حينذاك.
أصوات الموسيقى الصاخبة تصدر من تلك السماعات المنتشرة داخل قاعة الملهى، قرع كؤوس الخمر والمشروبات يشوبها أصوات ضحكات من بين هذه وهذا، فهنا وكر الملذات حيث كل المحرمات، خمر، مخدرات ونساء عاريات موسيقى يصاحبها كلمات خليعة، تلامس وعناق وقبلات تندرج تحت بند الزنا، إنه منتجع الشيطان وأعوانه.
يجلس لدى البار ويشرب الكأس العاشر حتى ثمل:
"واحد كمان لو سمحت."
أصابه الحازوقة من فرط ما تجرع من الشراب.
كاد النادل يعطيه الكأس فقام بمنعه صاحبه وأخبره:
"كفاية شرب يا يوسف ويلا بينا عشان أروحك."
تدخلت إحداهن:
"سيبوه يا رامي قاعد، ما صدقنا يرجع يسهر معانا زي الأول."
"قعدي ساكتة أنتي وهي وملكوش دعوة."
ثم مال نحو صاحبه يخبره بالقرب من أذنه:
"يلا عشان منيرة هانم قالبة الدنيا عليك وعلى رأفت بيه."
نزل يوسف من على المقعد واستند على كتفي الآخر:
"وصلني يا رامي وحياة أغلى حاجة عندك."
"يا عم من غير ما تحلفني أنا أصلاً كنت هوصلك."
ظل يسير به حتى الخارج، ركض الحارس ليفتح باب السيارة فوضع رامي يوسف داخلها، ثم ذهب ليجلس في مقعد القيادة، أخرج ورقة مالية أعطاها إلى حارس الملهى:
"تسلم يا تايسون."
وانطلق بالسيارة وجهته فيلا عائلة الشريف.
وفي بهو الفيلا من الداخل، تجلس منيرة أمام التلفاز، من يراها يحسب إنها تتابع برنامج أو مسلسل ما، لكن هي تنتظر كلا من زوجها وابنها، فالوقت قد تأخر ونور ابنها الأكبر عاد من الشركة السادسة مساءً. يتمدد في غرفته على السرير يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي. انتبه إلى زوجته تخرج من الحقائب الكثير من الثياب والمتعلقات، لديها نهم الشراء بحاجة وأغلب ما تشتريه ليست في الحاجة إليه، لكن الشراء أصبح هوساً لديها. ترتدي ثوباً قصيراً أمام المرآة:
"بيبي، إيه رأيك في الـ dress ده؟"
بدون أن يرفع عينيه عن هاتفه أجاب:
"حلو."
"حلو من غير ما تبص؟!"
"كاميليا، أنتي كده كده اشتريتي كل اللي عمالة تقسميهم دول، يعني حلو أو وحش رأيي مش هيفرق بالنسبة لك."
ألتفت إليه بحنق:
"وأنا اللي كنت عملالك مفاجأة، أوك زعلانة منك."
ترك الهاتف ونهض ليذهب إليها:
"إيه يا كوكي، بهزر معاكي، يا ستي أنتي أي حاجة بتبقي تحفة عليكي عشان أنتي اللي بتحليها."
تعاقت بذراعيها حول عنقه:
"بجد يا نور؟"
"بجد يا قلب نور."
قامت بتقبيل خده ثم ابتعدت لتأتي بحقيبة:
"أنا بقي جبتلك معايا هدية صغننة يارب تعجبك."
أخرجت قميص قطني أبيض بنصف أكمام:
"أتفضل يا بيبي، تيشرت هتليق عليك جداً."
أخذه ويشعر بالسعادة، فأخيرًا بدأت بالاهتمام به:
"الله حلو قوي يا حبيبتي."
"دي القطعة الرجالي لكن الـ female منها نفس اللون، عاجبني ولاقيت البنت بتقولي عليه عرض لأنه معمول للـ couples والتيشرت بتاعك هدية."
خابت آماله إنها قد تذكرته ولو بهدية بسيطة، لكن هي لن تتذكره إلا عندما تريد البطاقة الائتمانية فقط!
أصوات شجار بالخارج، جعلته يخرج ليرى ما يحدث...
"عايزة مني إيه يا منيرة، أنا تعبان ومش فايق لك."
"هو أنا لما بسألك كنت فين عشان أطمن عليك، تقوم قالب عليا؟!"
"كان عندي شغل كتير في الشركة كنت بخلصه، ها إرتاحتي؟"
نظر نور إلى والده الذي شعر بالحرج أمام ابنه الذي يعلم أن والده غادر مبكراً من الشركة:
"فيه إيه صوتكم عالي قوي كده ليه؟"
كان صوت يوسف الثمل ويسنده أحد الحراس الذي أخبر والديه:
"أستاذ رامي وصلوا لحد البوابة."
كان على رأفت استغلال موقف نجله إلى صالحه، فأشار لزوجته نحو ابنهما موبخاً إياها:
"أتفضلي يا هانم تربيتك، جاية أنصاص الليالي عمال يطوح ويا عالم لو مكنش معاه رامي كان ممكن حصله إيه."
نظرت منيرة إلى يوسف بغضب فقال وهو يترنح:
"ما تبصليش كده أنا حر أعمل اللي أنا عايزه، خليكي فيه رأفت جوزك."
لم يشعر بحاله وهو يهوي على الأريكة يستسلم للنوم:
"ياريت يا منيرة ركزي مع ابنك قبل ما يضيع ويضيعنا."
كظمت الغيظ لديها، كما شعرت بالحنق، تركتهم وصعدت إلى غرفتها التي تفضل النوم بها بمفردها تاركة زوجها أيضاً في غرفة بمفرده.
عاد نور وزوجته إلى الغرفة، عقبت كاميليا:
"أنا واثقة أن أونكل رأفت بيعمل حاجة من ورا طنط موني."
تمدد الأخر على ظهره وأمسك هاتفه:
"هايكون مخبي إيه مثلاً؟"
رمقته بثقة تحسد عليها:
"أنا متأكدة أونكل اتجوز أو مرافق واحدة، what ever، هو sure في حياته واحدة تانية."
"الله أعلم، ولو كلامك صح ملناش دعوة."
أكتفى بتلك الإجابة المريبة بالنسبة إليها، يعني إنه ليس لديه مانع أن والده يتزوج بأخرى، وما أثار القلق والشك في قلبها أن نور دائماً يتخذ والده قدوة ومثال يسير على خطاه.
"بيبي أنت ممكن تتجوز عليا أو تخوني؟"
ولي إليها ظهره، وجذب الغطاء عليه:
"هو أنا عندي وقت أصلاً أقعد معاكم عشان أعرف أتجوز ولا أرافق؟! أطمني يا كاميليا أنا اكتفيت بيكي."
ابتسمت بسعادة واحتضنته من ظهره:
"i love you so much, baby."
وقامت بطبع قبلة على خده ثم تمددت بجواره، لم تنتبه إلى ضوء شاشة هاتفه، يتأمل الصور على صفحة «sozy salh»!!
الصفحة المفضلة لديه قبل أن ينام لا تفارق مخيلته أو أحلامه منذ أن عملت لديهم في الشركة!
رواية غرام في المترو الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء رفعت
أشرق نور الصباح ليبدأ يوم جديد. مازالت غرام تلتزم غرفتها منذ أن عادت بالأمس. يهرب النوم من عينيها كلما تتذكر ما سيقع بها من شر على يد هذا اللعين رجب.
"أنتي لسه نايمة؟"
كان صوت عزيزة التي ينهش القلق فؤادها على ابنتها. جلست بجوارها، والأخرى تغطي جسدها كاملاً بالغطاء، لا تريد رؤية أحد.
"قومي يا بنتي كولي لك لقمة، ده من امبارح الظهر وأنتي على لحم بطنك ونايمة."
"معلش يا أمي، ممكن تسيبني لوحدي، تعبانة ومش قادرة أتكلم."
"لو تعبانة قومي أخدك على المجمع الطبي نكشف هناك."
صاحت بالرفض وصوتها وشيك على البكاء.
"أنا تعبانة نفسياً ومحتاجة أقعد لوحدي، حرام يعني تسبوني في حالي؟!"
نهضت عزيزة وترددت بحزن.
"لا حول ولا قوة إلا بالله، يارب أبعد عنها الهم والحزن وريح قلبها."
استيقظت ابتسام وخرجت على صوت والدتها فسألتها.
"إيه يا ماما، مالها غرام؟"
جلست عزيزة على الأريكة تخبرها والشجن يغزو ملامحها.
"والله ما عارفة يا بنتي إيه اللي صابها، خايفة تكون الولية اللي اسمها رشا جرحتها بكلمة ولا عملت معاها موقف، أصل أنا عارفة أختك نفسها عزيزة أوي."
صدح جرس المنزل فقالت ابتسام.
"أهي هند جت، سيبينا إحنا هنفرفشها ونقومها تخلص لك على التلاجة."
فتحت الباب وولجت هند تلقي عليهم تحية الصباح. سردت لها عزيزة حال ابنتها منذ أن جاءت من الخارج بالأمس حتى الآن، فأخبرتها هند.
"ما تقلقيش عليها يا خالتي، أنا وابتسام عارفين هي بتفك إزاي."
ولجت كل من ابتسام وهند بخطوات غير مسموعة إلى غرام التي تغمض عينيها وتمنع دموعها. يكفيها بكاءً منذ البارحة.
لمست هند مشغل الموسيقى على هاتفها وبدأت الفتاتان في الغناء بشكل كوميدي. جذبت ابتسام الغطاء من فوق شقيقتها. نهضت وظلت تنظر إليهما بغضب لن يكتمل، فتحول إلى ابتسامة ثم ضحك من أفعال صديقتها وشقيقتها وطريقة غنائهم الفكاهية.
"يعني الواحد ما ينفعش يقعد مع نفسه؟!"
جلست بجوارها صديقتها وعقبت بمزاح.
"أومال لازمتي كصديقة ولازمة أختك إيه لما نسيبك حزينة مع نفسك؟! ده يبقى حتى عيبه في حقنا، ما تقولي حاجة يا بوسي."
ضحكت ابتسام بمكر.
"أنا ممكن أروح لخالتي عدلات وأقولها يرضيكي نسيب غرام زعلانة، وهي مش هيرضيها، هتيجي تعمل الواجب مع غرام."
ضحكت غرام رغماً عنها.
"ده هيبقى عذاب مش اكتئاب."
ضحك ثلاثتهم فقالت هند.
"بقولكم إيه، أنا النهاردة واخدة إجازة من الشغل وجاية آخد غرام، هننزل نشتري شوية حاجات وهي منها نتفسح."
"وأنا معاكم."
كانت ابتسام فسألتها هند.
"مش المفروض عندك مدرسة دلوقتي؟"
"مش هتفرق من يوم إجازة آخده، ده بعد إذن غرام طبعاً."
ونظرت إلى شقيقتها تخشى أن ترفض. أومأت إليها الأخرى.
"موافقة، بس قومي اعملي فطار لهند الأول."
ولجت عزيزة وتشعر بالفرح عندما رأت ابتسامة ابنتها.
"أنتم خليكم قاعدين مع بعض وهعملكم أنا أحلى فطار هتاكلوه من إيدين خالتك عزيزة يا هند."
صاحت ابتسام بمرح.
"الله عليكي يا ماما يا اللي مدلعانا."
نظرت إليها غرام وألقت عليها أمراً.
"روحي ساعدي ماما."
ذهبت دون مجادلة أو رفض، فهي تدرك أنها تريد التحدث مع صديقاتها كاتمة أسرارها. وبالفعل بعد مغادرة ابتسام، نهضت غرام وأغلقت الباب. سألتها هند بقلق.
"إيه اللي حصل معاكي امبارح؟"
بدأت تسرد غرام إليها كل ما حدث معها بالأمس. كلما استمعت صديقتها، كلما تشهقت من الصدمة.
"يا ابن الـ... رجب، وإزاي سكتي ما رحتيش بلغتِ البوليس ليه؟"
"أقولهم إيه؟! لو راجعوا الكاميرات ها يشوفوني أنا اللي داخلة بإرادتي جوة المحل، وهو كلب وخسيس ممكن يأجر اتنين يشهدوا زور ضدي، ومش بعيد يلبسني سرقة حاجة من عندهم."
هزت هند رأسها بسأم.
"غلطانة يا غرام، معنى إنك ما تبلغيش عشان خايفة من فضيحة أو تهمة ده هيخليه يكررها تاني وتالت سواء معاكي أو مع غيرك."
"أنا مش هكمل شغل معاهم تاني، وهكلم مدام رشا هاقولها أي أعذار."
"وأنا بقولك قومي البسي وتعالي نروح القسم نعمل محضر عشان قلبي بيقولي إن الزفت اللي اسمه رجب مش ها يسكتلك وزمانه بيدبر لك مصيبة عشان ينتقم منك."
"مش عايزة فضايح ولا بهدلة يا هند."
"وإنتي صاحبة حق، يعني هو اللي يخاف من الفضيحة مش أنتي، قومي بابا وجمال يعرفوا أمين شرطة هناك ممكن يخدمنا ويعلم رجب الأدب كمان."
ترددت غرام في الموافقة حتى رضخت في النهاية.
"خلاص اللي أنتِ شايفاه صح نعمله."
***
رائحة دخان الأرجيلة يملأ المكان. صوت فقاقيع الماء داخل الوعاء الزجاجي يصاحبه صوت سعال شديد يتبعه نداء بصوته المزعج.
"بت يا سماح، أنتي يا بت يا سماح."
خرجت من المطبخ تطلق زفرة بغضب تكبته داخلها خشية من الاحتكاك بوالدها وينتهي الأمر بتوبيخها بأفظع السباب والشتائم يصاحبها ضرباً مبرحاً ليصل صوتها إلى أهل الحارة.
"نعم يا بابا عايز إيه؟"
"مش أخوكي بعتلك فلوس امبارح؟"
"أيوه، بس عشان تنكيس البيت اللي قرب يتهد في فوق دماغنا."
"ما عنه ما اتجدد ولا اتهبب، هاتي الفلوس."
أخبرته برفض تام.
"ما ينفعش يا بابا، دي أمانة وابنك لو لقاك أخدت الفلوس ومعملتش حاجة في البيت مش ها يب بعت حاجة تاني."
نفث دخان الأرجيلة من أنفه وفمه.
"خلاص هاتي 500 جنيه."
"مش أنا لسه مديالك 200 امبارح؟! راحوا فين؟ طبعاً بتصرفهم على الهباب اللي بتشتريه من سمير جوز أحلام الله يحرقُه."
"أنتي مالك، أشتري بيهم هباب، أرميهم أتبرع بيهم ملكيش دعوة، هتجبيهم بالذوق ولا أهزقك وأبعثر بكرامتك الأرض وفي الآخر برضه هاخدهم منك."
ذهبت إلى غرفتها وغابت قليلاً ثم عادت إليه.
"خد."
أخذهم والدها موبخاً إياها.
"ما اسمهاش خد، اسمها اتفضل يا بنت الـ..."
ترك عصا الأرجيلة على المنضدة ونهض.
"أنا نازل رايح مشوار، أرجع ألاقي الأكل جاهز، وياريت تعمليه بنفسك، جاتك البلاء."
ذهب وتركها تنفث غضباً، فتذكرت أمراً هاماً عليها أن تفعله والمنزل لا يوجد به أحد سواها الآن!
***
"يعني يا عم حمدي لو عملنا له محضر دلوقتي هايتقبض عليه ولا لأ؟"
سألت هند أمين الشرطة صاحب والدها وخطيبها. أخبرها الآخر.
"ها يتقبض عليه لو في حالة إنه دخلها المحل غصب عنها ومتسجل في الكاميرات كده وكمان فيه شهود، ده غير إنه ما حصلش اعتداء يعني لمسها، يعني مجرد محاولة وهتكون تحت بند التحرش."
عقبت غرام بحزن.
"مش قولتلك يا هند، مكنش ليه لازمة إننا نيجي هنا."
"استني بس يا غرام، إحنا عايزين نعمل محضر عشان ما يحاولش يقرب منك تاني."
التفت إلى الأمين وسألته.
"ينفع نعمله محضر حتى لو مش هايتقبض عليه؟"
"ماشي هنعملكم بلاغ ولو صدر منه أي حاجة اتصلوا بيا فوراً وأنا اللي هاتصرف معاه."
"تسلم يا عم حمدي."
وبعد قليل... خارج القسم تمسك هند بورقة.
"شيلي صورة المحضر دي معاكي وخبيها لأحسن خالتي عزيزة تشوفها، و خليكي في البيت لحد ما هانشوف آخرة الشيطان رجب ده هتبقى إيه."
***
ترتدي الحجاب أمام المرآة. تمسك بطرفه وتخبئ نصف وجهها، لا تظهر سوى محيط عينيها حتى لا يتعرف عليها أحد من الشباب والرجال كما تفعل على مقاطع البرنامج الشهير.
تبتعد بمسافة وتلقي نظرة على العباءة القطنية التي تلتصق بكل إنش بجسدها ونسيج القماش الشفاف يظهر ما أسفله كما جاء إليها في التعليمات من نيكول.
تقف أمام حامل الهاتف المثبت، تضغط على الإضاءة وترسل إليها رسالة صوتية.
"أنا جاهزة يا مدام نيكول."
جاء الرد كتابياً.
"تمام، أول ما يجيلك اتصال cam افتحي في الحال، جاهزة؟"
"أيوه جاهزة."
جاء لها بالفعل مكالمة مرئية من متصل مجهول الهوية، قامت بقبول الاتصال. لم ترَ سواها حيث المتصل يراها وهي لا تراه. جاء صوت رجولي بلهجة عربية.
"أبغي ترقصين هالحين."
وكالآلة دون إرادة تنفذ الأمر كما يقال إليها. أخذت ترقص وتميل بحركات خليعة حتى ألقى عليها أمراً آخر.
"اخلعي هذي العباية وارقصين."
أذعنت للأمر دون تراجع، فالطمع لديها أطل حفنة دولارات جعلها تتخلى عن خجلها مع كل قطعة ثياب تخلعها.
ظلت تنفذ دون اعتراض حتى جاء الأمر الأخير وهو أن تقف أمام الكاميرا بدون ملابس تماماً. توقفت لاستيعاب الأمر ولم تلبي نداء المتصل العربي حتى جاءت إليها رسالة من نيكول تخبرها بالآتي:
«ليش ما بتردي على الزلمة؟... هاد اتفاق من الأول بيني وبينك وانتِ وافقتي عليه... لو انسحبتي تخسري كل شيء... الدولارات وسمعتك يا حلوة لما العالم يتفرجوا على المقاطع تبعك»
هذا تهديد صريح وعليها أن تتجنب حدوثه، فهي من اختارت هذا الطريق الخبيث وعليها أن تتراجع مع قليل من الخسارة بدلاً من التمادي مع كم هائل من الخسائر الفادحة.
«؟»
علامة استفهام تنتظر إجابة محددة منها. وقفت أمام الكاميرا وتحاول منع دموعها من التساقط. تمد يدها إلى حمالة صدريتها اليمنى ثم اليسرى ثم مدت يديها إلى خلف ظهرها لتتحرر منها. احتضنت جسدها لإخفاء ما ظهر منها حتى جاء إليها الصوت آمراً.
"و اخلعين القطعة الثانية الحين."
***
"السلام عليكم يا عم رمضان."
ألقى جمال التحية على والد هند والذي رحب به بحفاوة.
"يا دي النور، يا دي النور، ده المحل نور."
"منور بيك يا عمي."
جذب الآخر كرسي وأشار نحوه إلى جمال.
"اقعد لما أجيب لك ساقع."
"مفيش داعي يا عمي، أنا مش غريب."
"لا غريب إلا الشيطان يا بني، أنت في مقام ابني اللي مخلفتهوش."
"ده شرف ليا يا عمي، ربنا يبارك لنا فيك."
فتح رمضان ثلاجة المشروبات الغازية وأخذ أسطوانة مشروب شهير وأعطاه إلى الآخر.
"افتحها واشربها قبل ما تسخن، خطيبتك أول ما بترجع من الشغل تيجي تاخدلها واحدة وتخلصها في بوق واحد."
ضحك جمال فهو على علم بعشق خطيبته للمشروبات الغازية.
"حضرتك هتقولي عليها، ما أنا عارفها، يلا خليها تشرب براحتها وأول ما نتجوز هخليها تبطلها عشان صحتها لما تكون حامل."
"يارب يا بني يتمم لكم جوازكم على خير، وتملوا علينا البيت عيال."
"ما أنا جايلك يا عمي بخصوص موضوع جوازنا."
استمع الآخر إليه باهتمام بالغ.
"خير يا جمال يا بني، لسه ما لقيتش شقة للإيجار ولا فيه حاجة تانية؟"
نظر إلى أسفل والحرج على ملامحه ونبرة صوته يشوبها الخجل.
"أنا عارف حضرتك صابر عليا كتير أكتر من سنتين مهلة عشان ألاقي شقة إيجار، وللأسف مش لاقي حاجة تناسبني أنا وهند أو تناسب المبلغ اللي معايا."
"أنا عارف ومقدر ظروفك، عشان كده عرضت عليك تتجوزوا وتعيشوا عندي، وخالتك أم هند تراعيكم وتاخد بالها منكم."
تبدلت ملامح جمال من الحرج إلى الامتعاض.
"لأ طبعاً مش أنا اللي أقبل أعيش في بيت أهل مراتي."
"يعني إحنا غرب بالنسبالك؟"
"أبدًا والله يا عم رمضان، أنا أصلاً عايز أعيش معاها في بيت لوحدنا زي كل اتنين بيتجوزوا، بس أنا بقول كحل مؤقت، وهو..."
صمت، حثه رمضان على المتابعة.
"إيه هو؟"
"إننا نتجوز مع أمي لحد ما نلاقي إيجار مناسب."
كان يتوقع الآخر هذا الحل لكنه لا يريده، بل لا يريد لابنته العيش مع والدة جمال، هذه السيدة ذات الطباع الحادة والكلمات اللاذعة التي تلقيها على ابنته وكأنها اختطفت جمال منها.
"قولت إيه يا عمي؟"
تنهد رمضان وأجاب بحيادية.
"بصراحة يا بني، الأمر ما يخصنيش، يخص خطيبتك وأمها برضو، أنا هابلّغهم واللي كتبه المولى هو اللي ها يكون."
***
"لأ وألف لأ يا رمضان، يعني بنتي الوحيدة واللي ما ليَّش غيرها أسيبها تعيش مع عطيات العقربة؟!"
صاحت بها زوجة رمضان والذي عقب على حديثها.
"ما تسمعي للآخر يا أم هند، ما تبقيش مندَفعة على طول كده، الجدع عايز يتلم مع بنتك في بيت واحد ومش استطاعتهم يأجر دلوقتي، نقوم إحنا والزمن عليه؟!"
"وهو كان يحلم إنها تبقى ليه، لولا إن بنتك بتحبه وهو جدع محترم مكنتش هدخله البيت، واللي خلينا مستحملين أمه وأخته الحرباية عشان خاطره هو."
ولجت هند من باب الشقة على حديث والدتها، شعرت بغصة تخشى رفض والدتها.
"وفيها إيه يا ماما لما نتجوز مع أمه لحد ما نلاقي مكان مناسب للي معاه."
رمقتها والدتها بغضبٍ عارم.
"بنتي أنتي ما تتكلميش خالص، أنا سمعت كلامك في كل حاجة قبل كده، المرة دي كلامي هو اللي هيتنفذ، مفيش جواز غير لما يلاقي شقة إن شاء الله أوضة فوق السطوح بس بعيد عن الحيزبونة عطيات."
فاض الأمر لدى هند والتي ألقت ما في جعبتها غير مبالية للعواقب.
"أنا اللي قلتله كده مش هو، أنا قلتله مفيش حل غير نتجوز في أوضتك في شقة أهلك بدل ما بقالنا سنتين خطوبة وقبلها كل واحد فينا كان هايتجنن على الثاني، واحترمتك واحترمت أبويا لما طلب مني إننا نتعرف ونحب بعض عقبال ما ظروفه تسمح ويجي يتقدملي، وأنا اللي قلتله لأ لو عايزني تدخل البيت من بابه."
"وأنا وأبوكي وافقنا عليه عشان أخلاقه وجدع، واضطرينا نعصر على نفسنا ونستحمل أمه عشانه، لكن لو كان حبيبك عسل ما تلحسهوش كله، وأنا مش مستغنية عنك لما الحرباء أمه تحرق في دمك ولا تعمل فيكي حاجة."
"وهو بيحبني ومش ها يسمح لحد حتى لو أمه نفسها إنها تأذيني، وأظن مرت مواقف كتير وشوفتي بنفسك."
زفرت والدتها بنفاذ صبر.
"عندك أبوكي أهو أنتي حرة أنتي وهو، بس والله يا هند لو جيتي قولتي حماتي عملت فيا وسوت مش هرد عليكي غير بالشبشب فوق دماغك الناشفة، طالعة عنيدة زي أبوكي."
احتضنها والدها معقباً.
"ده العند وكل حاجة، حبيبة أبوها هنودة."
"حبيبي يا بابا ربنا يخليك ليا، وعشان الكلام الحلو ده جبتلك صينية البسبوسة بالمكسرات اللي بتحبها."
أخرجت الصينية من الحقيبة، صاح والدها مهللاً.
"أيوه بقى يا قلب أبوكي، وهااتصلك بجمال دلوقتي هقوله موافقين وكتب الكتاب والدخلة آخر الشهر."
قفزت هند فرحاً بين ذراعي والدها.
"حبيبي يا رمضان."
زفرت والدتها من الغيظ.
"براحتك أنت وبنتك، بكرة تجيلك معيطة بالدموع من اللي هاتشوفه في بيت حماتها، أبقى خلي البسبوسة أم مكسرات تنفعكم."
ذهبت إلى غرفتها وصفقت الباب خلفها. ربت رمضان على رأس ابنته.
"ما تزعليش من كلام أمك، لو حصل أي حاجة بيت أبوكي مفتوح ليكي ولجوزك."
تعلقت بذراعيها حول عنقه.
"يا حبيبي يا بابا."
***
تفتح منيرة باب غرفة نجلها فوجدته ما زال يغط في النوم بملابسه منذ الأمس. جلست جواره بهدوء، أخذت تربت على ظهره.
"يوسف، يوسف."
همهم زافراً بضيق، تقلب على ظهره، وبصوت يغلبه النوم.
"ماما بليز سيبيني نايم مش قادر أفتح عينيا."
"لأ هاتصحى وغصب عنك، عايز أتكلم معاك شوية."
فتح عينيه بصعوبة، الرؤية لديه ضبابية.
"وهو الكلام مش هايستنى لحد ما أصحى؟!"
لكزته بحنق في كتفه.
"ما أنت ولا على بالك، نايم من امبارح لحد النهارده المغرب، كل ده بسبب الزفت اللي شربته في النايت ورجعنا سكران."
"طيب المطلوب مني إيه دلوقتي؟"
سألها ويقاوم النوم مرغماً.
"مطلوب إنك تقوم وتصحصح عشان اللي هقوله لك مش هاعيده تاني، امبارح خليت رقبتي قد السمسمة قدام أبوك، عمال يقول لي شفتي تربيتك يا هانم، هو ده اللي اتفقنا عليه من شهر يا يوسف؟"
نهض وجلس مربعاً ساقيه، يدلك عينيه لعله يستعيد وعيه.
"وهو اليوم اليتيم اللي سهرت فيه بعد شهر شغل خلاص أجرمت؟"
"آه طبعاً أجرمت، أنت شايل اسم العيلة وأي حاجة بتعملها في وشنا، أنا سيباك على راحتك ومش راضية أضغط عليك في موضوع الجواز لأنك راجل مش بنت، لكن هتسوق فيها وهتعيش حياتك بالطول والعرض مش هاسمح لك."
زفر متأففاً، صاحت والدته.
"ولد، بدل تنفخ واتعدل أحسن ما أعدلك، والله لو ما اتلميت يا يوسف وصلحت من حالك لأسلم مسئوليتك لأبوك وبعد ما كنت بحوشه عنك هخليه يعمل فيك اللي هو عايزه، أقل حاجة ها يسحب منك رصيدك وما فيش عربية، ويسيبك تعتمد على نفسك لحد ما تتعلم الأدب."
جاء حديثها بنتيجة عكسية، صاح بسخط.
"وأنا مش عيل صغير عشان تهدديني باللي حضرتك قلتيه ده كله، أنا عندي 30 سنة مش عيل مراهق."
ابتسمت بسخرية.
"وفيه راجل ناضج يعمل اللي أنت بتعمله ده؟! ما أخوك نور أهو من وهو أصغر منك، محترم ومستقيم، في ضهر باباك على طول وعلى شرط باباك خلاه يطلع عينه في الشركة لحد ما بقى المسؤول الثاني من بعده."
نهض وبدأ يفك أزرار قميصه متجهاً نحو غرفة الثياب خاصته. ذهبت خلفه توبخه.
"يوسف، أنا مش بكلمك؟ بتعمل إيه؟"
أخرج حقيبة السفر وأخذ يضع داخلها ثيابه.
"زي ما حضرتك شايفة كده بالظبط."
التفت إليها وأخبرها بإصرار.
"هاسيب لكم الفيلا والعربية وكل حاجة وها روح أعيش مع نفسي عشان ترتاحي أنتي وبابا، معلش بقى ما هي الدنيا مش بتدي كل حاجة عندك ابن محترم زي نور وأنا الفاشل الصايع اللي ها أجيب لكم العار."
***
كانت العاشرة مساءً، تجلس ابتسام تستذكر دروسها وتتابع رسالة واردة كل حين من عثمان يخبرها كم هو يعشقها ويريد الأيام تمر سريعاً حتى تصبح زوجته. بينما سعيد الذي على مشارف سن المراهقة يختبئ أسفل الغطاء ويضع السماعات في أذنيه يشاهد مقاطع من التطبيق الشهير. تظهر فيه الفتيات والسيدات على شاكلة ما تفعله سماح. وقع أمامه مقطع لها بالفعل وعلى يقين إنها ابنة الجيران حيث أخبره أصدقاؤه المراهقون إنها صاحبة حساب على الـ TikTok باسم «Hot Soso». يكفي هذا الاسم المستعار الذي يدل على محتواها الفاضح والذي تجني من خلفه مئات الدولارات. سراباً يركض خلفه ذوات النفوس الضعيفة حتى يجدن أنفسهن على حافة الهاوية، منهن تعود إلى رشدها وتختار التوبة وكثيرات من هوت في ظلام مدقع لا نهاية له في الدنيا وجزاؤه الجحيم في الآخرة.
تغفو عزيزة على الأريكة أمام التلفاز، بينما غرام تمسك بدفتر ورقي وقلم تقوم بحساب ما تبقى معها من المال وما هو مطلوب من مأكل ودروس تعليمية ومصاريف إخوتها.
أجفلها صوت طرق عنيف على باب منزلهم، استيقظت والدتها فزعاً، خرج كل من سعيد وابتسام ليرى كل منهما من هذا الزائر المرعب.
ارتدت غرام حجاباً على عجالة وفتحت الباب، وجدت جدراناً بشرية أمامها يرتدون ثياباً غير رسمية. سألها قائد هم.
"ده بيت غرام المصري؟"
ابتلعت لعابها خوفاً، فأجابت.
"أيوه هو البيت وأنا غرام."
أمرها الضابط بحدة.
"معانا على القسم."
سألته عزيزة وتمسك بابنتها.
"فيه يا حضرة الظابط، بنتي عملت إيه؟"
"بنتك متهمة في سرقة 50 ألف جنيه."
رواية غرام في المترو الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء رفعت
علييستند رأسه علي زجاج النافذة شارداً في سنين حياته الماضية، كيف عاش ما بين الصخب وزحام الحياة بلا هدف، والدته لديها الحق فأنه يبلغ الآن الثلاثين و ماذا فعل خلالها؟!
انتبه إلي يد صاحبه الذي يقود السيارة يعطيه سيجاراً.
"ما تفوكك من جو الكآبة اللي أنت فيه يا چو وفرفش وعيش اللحظة"
أخذ السيجار ونظر إليها فسأله.
"السيجارة دي عادية و لا؟"
غمز الأخر قائلاً.
"و لا طبعاً"
"خد يا رامي بصراحة مليش مزاج"
"ملكش مزاج و لا بطلت؟، ده شكل رأفت بيه قلب عليك جامد أوي، يعني لا معاك عربية و لا كريدت و جاي تقعد معايا"
مزاح صديقه لم يتحمله، زفر بغضب و صاح.
"أقف هنا ونزلني"
توقف الأخر و ألتفت إليه يسأله بجدية.
"فيه إيه يا يوسف، ما أنت عارف بهزر معاك، لاقيك سرحان و مخنوق قولت أفك عنك شوية"
تأمل يوسف المكان الذي توقف فيه الأخر فسأله.
"إيه ده إحنا فين؟"
"أستني خليك هنا و ما تتحركش هاجيب حاجة من واحد و جايلك"
نزل رامي من السيارة وسار نحو شارع مظلم، ينتظره شاب يخفي وجهه بالقبعة، أخرج له شيء من حقيبته وأعطاه إياه فأعطاه الأخر مبلغ من المال.
"المرة الجاية هجيلك في المكان التاني أحسن من هنا، اتفقنا يا..."
أخبره الأخر مبتسماً.
"محسوبك سمير العو يا باشا، و لو عايز أي حاجة في أي وقت أديلي تليفون وهتلاقيني عندك"
نزل يوسف من السيارة يستنشق بعض الهواء، لاحظ وجود فتاة تسير نحوه، من مظهرها الفج ونظرتها الجريئة إليه علم لما هي تقترب منه.
"أنت رامي بيه؟، ده أنت طلعت حلو أوي"
عقد ما بين حاجبيه وسرعان دار الأمر في رأسه، شعر بالضيق و الحنق من هذا الرامي الذي يقضي حياته في الملذات و العربدة.
"ليلتك سودة يا رامي الزفت، أنا إيه اللي خلاني أسيب الفيلا"
جاء رامي و رأى فتاة الليل تقف أمام يوسف.
"مش معقول نهي العايقه؟"
ألتفت إليه و صاحت بسعادة بالغة.
"يبقي أنت رامي البرنس"
جال ببصره علي جسدها من أعلي إلي أسفل.
"بس إيه الحلاوة دي يا بت، ده أنتي طلعتي أجمد من الصور"
زفر يوسف الذي يشعر بـ الازدراء منهما، بالرغم إنه يقضي لياليه في الملاهي الليلية و يحتسي الخمر لكنه لم يفعل الفاحشة يوماً، ربما احتفظ بهذا الأمر أن يكون خاص مع من تشاركه حياته أو زوجة المستقبل الذي لم يجدها إلي الآن، كثيراً من الفتيات يلتفون من حوله لكن جميعهن مثل بعضهن البعض، في الثياب العارية وعمليات التجميل والتي بدلاً من أن تبدي جمالهن بل أظهرت النقيض، كم كره كل ما هو زائف.
"رامي أنا مليش في حواراتك الشمال دي، لو عايز تسهر معاها يبقي خدها في أي حتة بعيد عن البيت"
شهقت الفتاة وقالت.
"أخص عليك يا بيه يا حليوة، و أنا اللي كنت ناوية أدلعك، و أخرتها تقول عليا شمال؟!"
"معلش يا نهي أمسحيها فيا أنا، يلا أركبي ورا"
فتح رامي باب السيارة إليها فصاحت.
"مش هركب غير لما صاحبك يعتذر الأول"
عقب رامي الذي كاد ينفذ صبره.
"يا ستي حقك عليا، أنا اللي شمال إرتاحتي بقي"
أنطلق بالسيارة بين شوارع المنطقة ليجد مخرجاً إلي كورنيش النيل، لكن حظهم السيئ ظهرت أمامهم لجنة تفتيش.
"أوبا، يوسف لو معاك أي ممنوعات أرميها من الشباك، وأنتي يا نهي لو معاكي حاجة أرميها"
ردت الأخرى.
"الحمد لله معيش ممنوعات"
"بقولكم إيه الظابط لو سألكم هنقول أنك مرات عمي و تعبانة وواخدينك علي المستشفي"
عقب يوسف الذي ود أن يمسك بصاحبه ويلقي به امام رجال الشرطة.
"و الله كنت حاسس أن أخرة عمايلك هنلبس في الحيط"
"أكتم بقي يا غراب البين إحنا داخلين عليهم، بت يا نهي أترمي بضهرك لورا وأعملي نفسك بتفرفري"
"حاضر"
و عادت بظهرها إلي الوراء وألقت رأسها وكان لسانها يخرج من فمها، نظر إليها يوسف عبر المرآة وعلق.
"دي كدة واحدة مشنوقة مش عيانة، هو يوم باين من أوله ربنا يستر"
"طلع الرخص والبطايق منك ليه"
أمرهما الضابط ثم نظر إلي الفتاة فأخبره رامي بحزن زائف ليثير عطف الضابط نحوهم ويتركه يرحل.
"دي مرات عمي يا باشا و تعبانة عاملين نلف بيها من ساعة علي عيادات و الساعة عشرة ونص مش لاقين دكتور"
رفع الضابط شاشة هاتفه ليتحقق من أمر ما وينظر إلي نهي التي تغمض عينيها و ترتعش في آن واحد.
"مش كفاية تمثيل يا نهي بقي؟!، ده أنتي مطلوبة بالاسم، يلا يا حلو منك ليه أنزلوا، قال مرات عمك قال"
فتح أحد رجال الضابط باب السيارة وأخرج رامي الذي يتوسل إليهم.
"و ربنا يا باشا أنا أول مرة أشوفها"
"بطل ولولة يالاه و مش عايز أسمع صوتك، في القسم أبقي اتكلم"
و داخل سيارة الشرطة، يجز يوسف علي أسنانه، و يضم قبضته.
"الله يلعنك يا رامي، شوفت عملت فينا إيه؟!"
لوح الأخر دون مبالاة.
"يا عم أسكت بقي مش ناقصاك، مكنتش اعرف ده هيحصل"
عقب يوسف بغيظ شديد.
"شكل البت دي وراها بلوه طالما معمول كمين مخصوص عشانها، ربنا يستر و ما ياخدوناش بذنبها"
صاحت رامي من بين أسنانه.
"اسكت، كفاية بقي"
"أتلم منك ليه خلي ليلتكم تعدي"
كان صوت العسكري الذي فاض الأمر به منهما.
※ ※ ※
في المخفر تقف أمام مكتب الضابط حول رسغها صفد معدني متصل بأخر حول يد رجل الشرطة، تبكي والدتها و تنوح، تربت شقيقتها علي ظهر والدتها لتهدأ.
"ما تخافيش يا غرام، بإذن الله مفيش حاجة والمحامي يبقي ابن عمي، أنا حكيتله كل حاجة زي ما هند قالتلي، و إن شاء الله هتخرجي"
"يا جمال أنا مظلومة، و زي ما هند قالتلك عملت محضر في الزفت اللي اسمه رجب"
"طب معاكي صورة من المحضر؟"
"في البيت"
سألتها ابتسام.
"قوليلي حطاها فين و أنا هاروح أجيبهالك بسرعة قبل ما المحامي يجي"
اجابت غرام بعد أن قامت بمسح دموعها بالمحرمة.
"هتلاقيها تحت هدومي في الدولاب، أول رف و هتلاقي جمبهم فلوس هاتيهم وتعالي بسرعة"
"عشر دقايق و هاكون عندك إن شاء الله"
أوقفها جمال قائلاً.
"استني يا ابتسام أنا جاي معاكي أوصلك"
"شكراً يا جمال، مفيش داعي أنا هاروح و أجي بسرعة"
أطلقت ساقيها للريح، بينما ما زالت غرام في الانتظار، انتبهت إلي صياح إحدى رجال الشرطة يدفع ببعض المتهمين.
"اوقفوا هنا لحد ما أدخل للظابط"
تشدقت نهي بصوتها النافر.
"موبراحة يا شويش، ده لو مش عشاني، يبقي علي الأقل عشان البهوات دول"
عقب يوسف يزجرها بنظرة تحذيرية.
"اسكتي مش عايز اسمع صوتك، مش كفاية جابونا هنا بسببك؟!"
"هو أنا ضربتك أنت وصاحبك علي إيديكم عشان تاخدوني معاكم؟!، لاء يا حبيبي كان كله بالاتفاق ورسايل صاحبك معايا علي الواتس أكبر دليل"
كان كلا من غرام و جمال ووالدتها يستمعون و يرون ما يحدث، أدركت غرام التهمة التي جاءوا بها إلي هنا، حدقت إليهم بازدراء مما لفت انتباه نهي والتي وبختها.
"مالك أنتي كمان بتبصيلنا بقرف كدة ليه؟!، بصي علي قدك يا حلوة، ما أنتي متكلبشة زيك زينا، و مش بعيد جاية آداب، يعني الحال من بعضه يا عينيا"
زفر رامي بضيق من هذه النهي فصاح.
"ما خلاص يا ست نهي، مش كفاية متكلبشين بسببك، أهي دي آخرة الشمال"
دنا جمال وأخبر غرام.
"ملكيش دعوة بالأشكال دي و ما ترديش عليها"
استرقت نهي السمع فثارت كالعاصفة.
"أشكال مين يا دلعدي..."
لم تتحمل غرام أكثر من ذلك فمدت يدها بقدر مستطاع قائلة.
"بت أنتي أنا ساكتة لك من الصبح و ربنا ما أنا سيباكي"
حاول جمال منعها وكذلك والدتها، وقف يوسف حائل بينهما حتي لا تشتبك كلتيهما معاً، كان ينظر إلي غرام تلك الشرسة فكانت تدفعه من أمامها لتنال من نهي، لكنه كان يتمتم بكلمات غضبها جعلها لا تسمعها.
"اهدي يا آنسة، ما ينفعش اللي بيحصل ده خالص"
و عدم سماعها جعله ضاق به ذرعاً فصاح بغضب عارم.
"كفاية بقي"
توقفت وتراجعت تستند إلي الحائط علي نقيض توقع والدتها التي خشيت أن ابنتها تقبض علي تلابيب هذا الشاب لأنه صرخ في وجهها بغضب.
قام عامل بمناداة كلا من نهي و رامي و يوسف، و تبع قوله بأمر.
"يلا أدخل منك ليها"
ذهب ثلاثتهم بينما كان يوسف ينظر إلي غرام التي تحدق إليه بامتعاض و حنق في آن واحد.
※ ※ ※
أخذت ابتسام الورقة والمبلغ الذي كان في خزانة شقيقتها فغادرت المنزل مسرعة، أوقفها نداء عثمان.
"ابتسام، استني عندك"
توقفت حتي لا يلفت الأنظار بمناداته لها.
"هو البوليس جه خد غرام ليه؟"
أخبرته علي عجالة.
"لما نرجع إن شاء الله هبقي أقولك، أصلي مستعجلة معلش"
و انطلقت من أمامه كالزئبق، تعبر الطريق المؤدي إلي الشارع الرئيسي حيث يوجد قسم الشرطة، لم تنتبه إلي السيارة التي كادت تدهسها وصوت الزمور الذي لفت أنظار الجميع، نزل من سيارته فتفاجئ إنها هي، قد قفزت علي الرصيف بأعجوبة، همت بالنهوض فوجدت يد رجولية تمتد إليها.
"معلش ما أخدتش بالي و أنتي طلعتي فجأة في..."
تلاقت عينيها بعينيه.
"مستر حسن؟"
أخذ يتفحصها جيداً بخوف يسألها والقلق يغزو ملامحه.
"أنتي كويسة؟"
ابتسمت بخجل وأخبرته، كما تريد أن تتهرب من أمام بصره حيث كلما تجده ينظر إليها تشعر بالتوتر.
"الحمدلله أنا بخير، أنا لما لاقيت العربية كانت هتخبطني رميت نفسي علي الرصيف"
"لو حاسة بأي وجع تعالي أخدك علي أقرب مستشفي"
"مفيش داعي يا مستر، الحمدلله أنا كويسة، عن إذنك"
وجدها تتجه إلي باب المخفر فأوقفها يمسك ساعدها.
"أنتي داخلة القسم ليه؟"
فنظرت إليه بدهشة لاسيما نحو قبضة يده علي ذراعها، شعر بالحرج وتركها، تحمحم.
"أنا آسف"
قلبها يخفق من الخجل والحرج في آن واحد.
"و لا يهمك يا مستر، أنا داخلة لـ..."
"ابتسام؟"
قاطعها نداء جمال الذي خرج للتو ينتظرها، تقدم منها وهو ينظر إلي حسن باستفهام، بينما الآخر يحدق نحوه بضيق، ابتلعت ابتسام ريقها وأشارت لجمال نحو الآخر.
"مستر حسن مدرس الإنجليزي"
ثم فعلت العكس، و لا تعلم لما تبرر موقفها أمام حسن!
"أبيه جمال يبقي جارنا وخطيب هند صاحبة غرام أختي"
أومأ جمال له قائلاً.
"أهلاً وسهلاً يا أستاذ"
ثم سأل إبتسام.
"جيبتي الحاجة؟"
رفعت الورقة من داخل حقيبتها الصغيرة.
"اه جبتها وجبت الفلوس، هو المحامي جه؟"
زفر الآخر بسأم.
"أتصلت عليه عشان استعجله بيكنسل، أنا هخطف رجلي لمحامي تاني معرفة، أدخلي أقفي مع غرام و مامتك عقبال ما أجي"
تدخل حسن بعد شعوره بأن هناك خطب ما يخص عائلة ابتسام.
"أنا مش فاهم حاجة، بس لو عايزين محامي شاطر وجمبينا في المعادي"
و في غضون ثلاثين دقيقة قد اتي المحامي صديق المُعلم حسن، شرح له جمال كل ما حدث وقدم له صورة المحضر التي أحضرتها ابتسام، و بكل سلاسة ومهارة أمام الضابط نجح المحامي في اظهار الحقيقة أمام الجميع وبعد ضغط الضابط علي المدعو رجب و بمواجهته بما فعله في غرام مسبقاً فاعترف بكل شيء.
ينظر بخوف مستسلماً.
"أيوة أنا اللي دبرتلها موضوع السرقة عشان ماتعتبش المحل تاني وتحكي لأختي علي اللي حصل"
نهضت شقيقته التي كانت تجلس أمام مكتب الضابط وصاحت بغضب عارم.
"يخربيتك، إيه يا أخي دي تالت و لا رابع مرة تعملها، و أنا زي الهبلة كل ما أجيب واحدة تسوقلنا البضاعة تقوم تطفشهالي ولما أسألك تقولي حرامية، أتاري كنت بتداري علي وساختك للتفضح قدامي"
"اهدي يا مدام رشا، أموركم تناقشوها في البيت"
تدخل الضابط قائلاً ما سبق فأجابت الأخري.
"معلش يا باشا غصب عني، علي طول ما بيجليش من وراه غير المصايب لكن توصل لحد أكل عيشي، يبقي خلاص كل واحد يروح لحاله، و ياريت تحبسه عشان أنا قرفت منه"
رمقها شقيقها بعتاب في مشهد هزلي.
"بقي كدة يا رشا؟!، ده أنا أخوكي اللي مالكيش حد غيره في الدنيا"
نظرت بازدراء إليه.
"جاتك خو، و أعمل حسابك لو اتكتبلك تخرج من هنا ما أشوفش وشك تاني و ملكش حاجة عندي، أنسي إن ليك أخت خالص"
ألقت عليه كلماتها ثم تابعت.
"معلش يا حضرة الظابط، أنا هتنازل عن محضر السرقة"
تنهد الضابط وأخبرها.
"تمام يا مدام رشا، بس أخو حضرتك هيشرف معانا عشان محضر التحرش ومحاولة التعدي علي الآنسة غرام"
و بعد قليل...
خرج رجب برفقة العسكري مقيد بالأصفاد، و خلفه غرام والمحامي، ركضت كل من ابتسام و والدتها.
"إيه الأخبار طمنينا؟"
تحدث المحامي بدلاً من غرام ليخبرهم.
"مدام رشا أتنازلت عن المحضر بعد اعتراف أخوها بكل حاجة"
صاحت عزيزة داعية.
"الحمدلله يارب أنت اللي عالم بحالنا، تسلم يا بيه علي وقفتك مع بنتي"
ابتسم الأخر وقال.
"العفو يا أمي، أنا معملتش غير الواجب، كفاية أنكم معارف الأستاذ حسن، أعز أصدقائي"
ألتفت غرام نحو حسن و حدقت إليه بامتنان.
"شكراً يا أستاذ حسن"
ابتسم الأخر وعقب مرحباً.
"مفيش بين الأهل والحبايب شكر، و ربنا يعلم أنتم بالنسبة لي إيه"
و طيف نظرة من عينيه نحو ابتسام التي ارتبكت و خالجها التوتر، لم تغفل غرام عن ما حدث للتو.
"تسلم يا أستاذ حسن"
"مش كدة خلاص خلصنا و نقدر نروح؟"
سألتهم عزيزة فأجاب المحامي.
"اه طبعاً يا حاجة تقدروا تروحوا"
فقال جمال.
"يلا بينا يا خالتي أنا راكن التوكتوك بره"
فتدخل حسن.
"معايا عربيتي برة تعالوا هوصلكم كلكم"
عقبت غرام بعد أن ألقت نظرة علي شقيقتها.
"مش عايزين نتعبك معانا يا مستر أكتر من كدة"
"تعبكم راحة، أتفضلوا معايا"
ذهب كل من غرام و شقيقتها التي تتشبث في ذراع شقيقتها، كانت تخشي أن يخبر حسن غرام عن مقابلتها بعثمان و ركوبها خلفه الدراجة النارية، لم تترجم ماهية نظرات حسن بعد!
و في الرواق و هم يغادرون، تقابلت عينين غرام بخاصة يوسف الذي كان يجلس القرفصاء بجوار رامي الذي كان يجلسه مثله ويضع كفيه علي وجهه في انتظار المحامي.
※ ※ ※
تلملم والدة عاطف الخضروات في جوال بلاستيكي، رأت نجلها يقف أمام باب البناء ينفث دخان سيجاره وينظر نحو شرفة منزل سماح، كم ألمه حديثها المهين له، انتشلته والدته من براثن أفكاره.
"أنت لسه واقف هنا، أنا افتكرتك روحت مع جمال ورا عزيزة و بناتها"
نفث الدخان من فمه قائلاً.
"أنا متابع مع جمال علي التليفون، خرجوا و جايين في الطريق"
"و إيه اللي حصل؟"
"الست اللي بتاخد منها غرام شغل اتهمتها إنها سرقت منها مبلغ، و طلع في الأخر أخوها اللي عامل الحوار ده واعترف، فأفرجوا عن غرام"
"لا حول و لا قوة إلا بالله، ولاد الحرام ما بيخافوش ربنا، ده البت غرام يا عيني هي و أمها وأخواتها غلابة، من بعد موت أبوهم و الدنيا عمالة تلطش فيهم، يارب يا غرام يرزقك بابن الحلال اللي يهنيكي يا بنتي"
عقبت والدته حديثها بنظرة ما نحو ولدها الذي يعلم ماذا تقصد، نفث الدخان ثم ألقي بقايا سيجاره فدعس عليها بقدمه.
"كل واحد بياخد نصيبه ياماه"
نظرت إليه بامتعاض تسأله بتهكم.
"و نصيبك بقي سماح بنت مليجي، اللي سيرتها علي لسان الصغير والكبير في الحارة؟!"
كاد يتفوه لكنها تابعت مقاطعة إياه.
"أقسم بالله لو صممت ونفذت اللي في دماغك يا عاطف لا أنت ابني و قلبي هيبقي غضبان عليك ليوم الدين"
زفر بحنق و بنفاذ صبر أخبرها.
"من غير تهديد ياماه، الموضوع أصلاً انتهي من قبل ما يبتدي، و السبب فَرشة الفجل والجرجير اللي ملهاش أي لازمة لأننا الحمدلله أنا وأخواتي مش مخلينك محتاجة أي حاجة وبرضو ماسكة في بيع الجرجير"
رأت الغضب في عينيه وتهكم لاذع في حديثه.
"ما له الفجل والجرجير يا عين أمك؟!، مش دول اللي علموك أنت وأخواتك وأتربيتوا لحد ما بيقتوا رجالة؟!"
لم يجد قول مناسب أو الدفاع عن موقفه الضعيف، فاستطردت والدته.
"لتكون الحلوة أم عباية محزقة و شعرها طالع من نص الطرحة عايرتك بيا؟!، مش أحسن من أبوها الحشاش اللي عايش عالة علي ولاده ده غير رباهم من الحرام؟!، كفاية شوالات الدقيق المدعم اللي كان بيبعها من ورا صاحب كل فرنة يشتغل فيها، فوق يا ابن بطني لنفسك و متخليش حتة بت ما تسواش تترسم عليك و لا تعايرك، أنا ست بميت راجل من عينة أبوها، شقيت عليكم من وأنت وأخواتك لسه عيال بتلعبوا في الحارة، لا عمري مديت إيدي لحد و لا استلفت جنيه، و البيت ده"
ربتت بحدة علي حائط منزلهم.
"كل طوبة اتبنت فيه من الفجل والجرجير اللي مش عاجبينك"
اقترب منها قائلاً.
"خلاص ياماه حقك عليا، أنا بس كنت مخنوق و جت فيكي، أنا آسف"
قام بتقبيل رأس والدته التي قالت له.
"ربنا يهديلك قلبك يابني ويرشدك للصح، قادر يا كريم"
※ ※ ※
حل الصباح وضربت أشعة الشمس عينين أحلام التي غفت في غرفة صغيرها، تشعر بألم في أنحاء جسدها تتذكر ليلة الأمس...
علمت للتو من جارتها عبر الهاتف بأن الشرطة جاءت وقاموا بالقبض علي شقيقتها، جن جنونها و أرادت أن تذهب لتطمئن عليها أو تقدم المساعدة لها، ارتدت عباءتها واستعدت للذهاب، تحمل صغيرها وتفتح باب المنزل فوجدت زوجها قد عاد للتو وكالعادة ثملاً، قبض علي ذراعها ودفعها إلي الداخل.
"رايحة فين و من غير استئذان يا...."
"سيب دراعي للواد يقع مني يا سمير، هاكون رايحة فين، مليش غير أهلي اللي رايحة ليهم"
"مش هاتروحي في حتة و يلا غوري علي جوة"
دفعها مرة أخري بقسوة فوقعت وتحتضن صغيرها بين يديها، تأوهت من الألم تاركة ابنها برفق، صاحت بألم.
"يخربيت الزفت اللي كل ليلة بيخليك راجع بالمنظر ده وتبهدل فيا كدة"
حاولت أن تنهض مستندة علي الكرسي فوقفت.
"إيه رأيك والله لأنا رايحة وأعلي ما في خيلك أركبه"
اتسعت عيناه بشرٍ، فبالرغم أنه ثملاً لكن خصاله السيئة في حالة وعي ويقظة، اقترب منها.
"بتقولي إيه يا بنت الـ...، أصلي ما سمعتش"
آهه اخترقت سمع كل من يقطن في البناء و من يسير في الخارج، ذاك أثر ما فعله بها الآن، جذبها من وشاحها يسحبها كالشاه إلي غرفة النوم.
"صوتي يا بنت عزيزة صوتي، أنتي لسه شوفتي حاجة"
أغلق الباب تاركاً صغيرهما في الخارج يبكي و يردد منادياً علي والدته و الذي قام والده بدفعها للمرة الثالثة فوق الفراش، فتراجعت بخوف تتوسل إليه وهي تراه يخلع طوق بنطاله.
"خلاص يا سمير، أنا آسفة، والله ما هكررها تاني، أبوس إيدك بلاش الحزام"
"ما أنا مش هخليكي حتي تفكري تكرريها تاني، و لازم تتأدبي"
صرخاتها تتردد ما بين جدران الغرفة، كلما تهرب من أمامه وتحتمي في ركن من أركان الغرفة الأربعة، يجذبها بقسوة من خصلات شعرها بعد أن جذب وشاحها بعنف ضاري و إبرة المشبك قد جرحت جانب عنقها.
كما تكرر هذا المشهد و مازالت تتمسك بهذا الشيطان والحُجة التي لا تنطلي علي طفل صغير إنها تحبه، فكيف ذلك؟!
عادت من فلك ذاكرتها، تنعي حظها كيف تتحمل هذا الرجل الذي لا تعرف الرحمة درباً إلي قلبه.
نهضت بثقل تتحمل آلام كل إنش بجسدها، ذهبت إلي الحمام لعل المياه الدافئة تخفف و لو قليلاً من الألم الذي ينهش بها.
و في طريقها رأته يتمدد علي الأريكة في الردهة يغط في النوم، لفت انتباهها متعلقاته التي تساقطت علي الأرض، فكانت من بينها مُدية، دنت لأخذها وقامت بفتحها وإشهار النصل الحاد، تفكر في التخلص منه لكن ماذا بعد؟!
جافلتها حركة مفاجئة منه، فكان يتقلب علي جانبه الأخر، ألقت المدية برعب وركضت إلي الحمام و أغلقت الباب جيداً، فتحت الصنبور ذو الثقاب المتعددة، خلعت ثيابها ووقفت أسفله، تنظر إلي آثار الطوق علي ذراعيها وتبكي فتختلط دموعها بالماء.
※ ※ ※
ينظر نور في ساعة يده ذات التكنولوجيا الحديثة، مدت زوجته ذراعيها تعانقه من الخلف.
"لابس بدري كدة و رايح علي فين؟"
استدار ليصبح أمامها يبتسم بسخرية.
"يعني هاكون رايح فين علي الصبح يا كوكي؟!"
ضيقت عينيها و بمكر تخبره.
"ما أنا عارفة أنك رايح الشركة، بس مش عادتك تمشي بدري حتي قبل ما أونكل يصحي، و لا تكون رايح تطمن تشوف السكرتيرة الجديدة جت في ميعادها و لا أتأخرت"
ولي ظهرها إليه ليخفي عنها التوتر الذي غزي ملامحه للتو.
"و أنا مالي و مال السكرتيرة، هي مساعدة بابا مالهاش علاقة بيا"
عقدت ساعديها أمام صدرها قائلة.
"أتمني"
يدرك المغزى من وراء ما قالت، لا يريد الجدال في هذا الأمر معها لأنها سوف تكشف خبايا مكنونه بسهولة و من خصاله يخشى المواجهة أو يكون في وضع المخطئ سواء أمامها أمام والديه.
"لو فيه حاجة أبقي كلميني، سلام"
تركها وغادر الغرفة، تذكر أمر شقيقه الذي يمكث لدي صديقه، قام بمهاتفته و الأخر أجاب بعد رنين استمر لثواني عديدة.
"ألو يا يوسف؟"
أجاب الأخر وأثر النوم علي صوته بادية.
"فيه حاجة يا نور؟، ماما كويسة؟"
"و ليك نفس تنام بعد اللي عملته امبارح؟"
استمع إلي زفرة نابعة من شقيقه الذي سأله بضجر.
"نور، أنا مش فايقلك، وياريت ما تكلمنيش غير لما تكون فيه حاجة مهمة"
"تصدق أنا غلطان بكلمك عشان أطمن عليك و أقولك كفاية لعب العيال بتاعك و أرجع، لكن هقول إيه بس، بابا عنده حق لما قالك إنك دلوعة وتربية ماما"
كانت إجابة الأخر إنهاء المكالمة دون إنذار، زفر نور بحنق و يجز علي أسنانه متمتماً.
"ماشي يا يوسف، شوف مين اللي هيخرجك من أقسام و لا أي داهية تاني"
※ ※ ※
تضع عزيزة أطباق الطعام علي المنضدة وتنادي علي ابنائها، فكانت غرام تتظاهر بالنوم، فما حدث افقدها النعاس منذ الأمس و كذلك الشهية، فهي لم تلج إلي مخفر أبداً من قبل سوي عندما قامت بتقديم بلاغ في رجب فقط، لم تعلم أن الأمر سيتطور إلي تلفيق مصيبة كانت ستقضي علي مستقبلها ومستقبل أسرتها.
وعلي الجهة المقابلة تقف ابتسام أمام قطعة المرآة المعلقة علي الحائط، تضبط من هندمها وتتذكر نظرات حسن لها طوال الطريق حتي طلبت منه غرام أن يتوقف بالقرب من الحارة، حتي لا تتشدق الألسنة بالقيل والقال.
لما كلما تنظر إليه عينيه تشعر بالرهبة، و لهفة تنضح منه لكن يخفيها خلف وجه صارم أحياناً أخري بالأحرى عندما يراها برفقة عثمان.
انتبهت إلي صوت اهتزاز يأتي من هاتفها، تعلم من المتصل دون أن تلقي نظرة علي شاشة الهاتف فمن غير يتصل بها كل صباح ليطمئن عليها ويقوم بإيصالها إلي المدرسة.
"ابتسام؟"
سرعان استدارت وجدت غرام نهضت وجلست تنظر إليها، ابتلعت لعابها خوفاً من أن تسألها من المتصل.
"صباح الخير يا غرام، ماما كانت عمالة تنادي عليكي عشان تفطري"
أشارت الأخرى إليها بجوارها.
"تعالي أقعدي عايزاكي في حاجة"
جلست وتشعر بالقلق حتي تلاشي عندما ابتسمت غرام إليها و تخبرها بما لا تتوقعه بتاتاً.
"و الله و كبرتي يا بوسي، وبقيتي بتتحبي كمان"
"أتحب؟، قصدك إيه؟"
قامت بالضغط علي خدها بأصبعيها.
"مستر حسن أبو علي"
صدمة أخري، فكانت تظن أنها ستسألها عن عثمان.
"ماله مستر حسن؟"
"ده ماله و حاله متشقلب من ساعة ما أتعين السنة دي في المدرسة عندكم، و لا نظرات عينيه اللي كل ما يبصلك بتقول شعر و مواويل"
تدلي فكها و لم تكن لديها قدرة علي استيعاب ما تلقيه عليها شقيقتها.
"إيه اللي بتقوليه ده، إيه اللي هيخلي واحد زيه في مركزه يبص لتلميذة عنده والفرق ما بينهم عشر سنين؟!"
وضعت غرام ذراعها علي كتفي شقيقتها.
"و إيه العجيبة في كدة يعني، كلها كام شهر و هاتدخلي الجامعة إن شاء الله وهو باين عليه إنه محترم و ابن أصول، و أنا من خبرتي في البني آدمين بقولك إنه بيحبك و وقفته معانا إمبارح تمهيد إنه عايز يقرب مننا و يدخل البيت من بابه"
تشعر بانقباضه في قلبها عندما سمعت ما سبق، بالطبع تتمني زوجاً مثل حسن كما تطمح دائماً، لكن هناك عائق بل سداً منيعاً لا يمكن أن تتجاوزه بسهولة، فإذا علم عثمان بحرف من حديث غرام لا تضمن ماذا سيفعل حينذاك، كم هو متهور وسريع الغضب.
"بس أنا..."
"سلام عليكو"
قاطعها صياح هند التي ولجت للتو فنهضت ابتسام وكأن مجيء صديقة شقيقتها أنقذها من هذا الحديث.
"و عليكم السلام، هاسيبكم بقي ويادوب ألحق بوابة المدرسة ما يقفلوها"
صاحت غرام.
"لما ترجعي هنبقي نكمل كلامنا"
لم تقل ابتسام شىء وغادرت علي الفور قبل أن تعطلها والدتها أيضاً.
"بقولك إيه يا غرومة أنا ما فطرتش وواقعة من الجوع وخالتي عزيزة جهزت الفطار و ريحة الطعمية المحشية ما تتقاومش، قومي يلا تعالي نفطر ونبقي نرغي في اللي حصل و عندي موضوع عايزة أحكيهولك"
ما كان من غرام سوي الموافقة والذهاب لتناول الفطور مع صديقتها التي تتظاهر بالجوع لتجعلها تأكل بعد أن أخبرتها عزيزة عندما أتت بعدم تناول ابنتها الطعام منذ الأمس.
طرقات علي الباب فسألت هند بأسلوب الدعابة.
"ده مين اللي حماته بتحبه جاي علي الصبح كدة؟"
فتحت غرام فوجدت الطارق شقيقتها فعقبت الأولي بسخرية وتحمل الصغير منها.
"الله يرحمها أم سمير ماتت بعد ما بليتنا بابنها"
لم تعلق أحلام علي تهكم شقيقتها، لديها حق فزوجها بلاء بل ولعنة أصابتها ولم تقدرعلي قلبها أن تخلصه من تلك اللعنة.
جلست معهم و نظرت إلي الطعام دون شهية فقالت والدتها.
"مدي إيديكي يا قلب أمك و كولي، أنا عاملة الطعمية المحشية اللي بتحبيها"
وقبل أن تبدأ في تناول الطعام نظرت إلي غرام وسألتها.
"هو صح اللي سمعته إمبارح؟"
تركت غرام الخبز وأجابت.
"أيوة، و الحمدلله الموضوع عدي علي خير وأديني قدامك أهو"
لم يكن لديها رغبة في الحديث عن كل تفاصيل ما حدث، لا تريد أن تزيد من هموم شقيقتها فيكفي همها مع زوجها الفاسد.
هزت أحلام رأسها في صمت، لكن لفت نظر شقيقتها الوشاح الذي يخفي منتصف جبهتها و كاد يصل إلي شفتيها.
"ماما؟"
تحرك الصغير من فوق فخذي خالته، يمد ذراعيه إلي والدته، رفعت أحلام ذراعيها لتأخذه فانحصر طرف كم عباءتها عن ساعديها.
خلعت لها الوشاح لتري ما يخفيه اسفله فاتسعت عينيها وتبادلت كلتيهما النظر، فكانت عينان أحلام تنضح بالانكسار بينما غرام تشتعل عينيها بألسنه من اللهب تنذر بعاصفة علي وشك الحدوث.
يتبع...
ــــــــــــــــ
*الفصل السادس*
ولج للتو من باب الشركة الزجاجي، يستقبله كل ما يقابله من الموظفين بحفاوة و ترحاب لا يخلو من الإطراء و التملق، فهو ابن ربيب عملهم والمدير التنفيذي للشركة، بيده الكثير من الأمور والمسئول الثاني بعد والده مالك مجموعة «Y&N».
صعد عبر الدرج بخفة حتي وصل إلي الطابق المنشود الذي يوجد به مكتب والده أو المكتب الذي يسبق غرفة والده حيث تجلس ذات العيون التي تأسر قلوب الرجال من النظرة الأولي، خبيرة في العزف علي أوتار قلب كل من يقترب منها لاسيما ذوي الأفئدة التي تركض خلف كل ما هو جميل وصعب في آن واحد.
تحمحم قبل أن يعبر الباب، رفعت عينيها عن الأوراق التي تقوم بتحضيرها ريثما يأتي مديرها أو زوجها!
نهضت بخجل متقن للغاية، تنظر إلي أسفل.
"مستر نور؟، أهلاً وسهلاً بحضرتك، أنا كنت بخلص مراجعة الإيميلات بعد ما طبعتها، هخلصها وهبعتها لرأفت بيه"
جلس علي الكرسي أمام مكتبها مبتسماً، عينيه تتجول بجرأة سافرة علي ملامحها وجسدها، انتبه إلي انها تلاحظ فحصه الشامل لها، حمحم مرة أخري ليخبرها.
"أتفضلي أقعدي يا آنسة سوزي"
ابتسمت وليتها ما ابتسمت، يبدو أن درجات الحرارة ترتفع، ربما المكيف معطل، ألقي نظرة خاطفة وجده يعمل و علي درجة حرارة علي نقيض درجة حرارة جسده للتو.
"أنا جايلك مش جاي للشغل"
علامة استفهام تنضح من عينيها ذات الكحل الأسود القاتم و الأهداب الكثيفة، أكمل دون مقدمات ليس لها فائدة، شخص عملي مثله لايملك وقتاً للمرواغة فالأفضل إليه التحدث مباشرة.
"بصراحة من وقت ما قدمتي هنا في الشركة و أنا نفسي أتعرف عليكي أكتر، أقرب منك، اللي حسيته إعجاب و مع الوقت الإعجاب قلب لحب، من الأخر و من غير لف و دوران أنا بحبك وعايز أتجوزك"
※ ※ ※
طرق عنيف بكفيها علي باب منزل شقيقتها وصياح وصل إلي القاصي والداني.
"أفتح يا سمير يا عرة الرجالة، بتعمل علي أختي دكر؟!، أفتح و أنا هخليك عبرة يا حيوان"
خرج الجيران ينظرون بشماتة في هذا الجار المؤذي الذي يعتدي علي زوجته بالضرب والشتائم المهينة، اخبرتها احداهن.
"ما تسيبهوش غير لما تاخدي حق أختك الغلبانة منه، يا عيني عليها طول الليل عمالة تصرخ و هو عمال يضرب فيها"
ألتفت إليها غرام وبغضب سألتها.
"و لما أنتم سامعين اللي بيعملوا فيها الكلب ده، ما كسرتوش الباب علي دماغه و خدوتها و كلمتوني؟"
نظرت السيدة إلي الأسفل بحرج فاجابت الأخري.
"ما أنتي عارفة يا غرام اللي فيها، كل ما نيجي نحوشها منه يتجنن علينا وتقوم هي تزعق فينا وتقولنا ملكوش دعوة، واحد ومراته بيتخانقوا، أنتم ليه بتدخلوا في اللي مالكوش فيه"
زادها الحديث غضباً، كأنه وقود انسكب علي النيران فازدادت اشتعالاً، ألتفت نحو الباب في محاولة بائسة.
"أفتح يا جبان، خايف مني؟، و الله لو ما فتحت لأنطلك من الشباك و هاجي أجرك من قفاك زي الخروف يا..."
فتح الباب فظهر لها بشجاعة زائفة، يصيح بصوت جهوري.
"جري إيه يا بت فيه إيه؟!، هو أنا عشان ساكتلك لأنك أخت مراتي يبقي هتسوقي فيها وتقلي أدبك علي واحد المفروض تقوليله يا أبيه"
"بت ما تبتك، أنا أختي هخلصها منك و من شرك يا شيطان، بس قبل ما أعمل كدة لازم أخد لها حقها، أنت مقطعلها جسمها بالحزام و أنا هقطعلك وشك بالشبشب"
لم تكن لديه فرصة استيعاب ما تفوهت به للتو، في ثوانٍ خلعت نعلها ذو الكعب الثقيل وأخذت تكيل إليه ضربات عشوائية يصاحبها كلمات مهينة إليه، قابل ذلك برفع ساعديه للدفاع عن وجهه ويصرخ بوعيد و سباب يزيدها غضباً وتستمر في ضربه، حتي جذبتها يد ذات قبضة ضعيفة، تصرخ صاحبتها.
"كفاية يا غرام"
ابتعدت الأخري تنظر إلي شقيقتها التي أكملت وتقف بينها و بين زوجها في وضع الدفاع عنه أمام الجيران وهند التي أتت برفقة جمال وعاطف حيث لحقوا بغرام قبل أن ترتكب جريمة في هذا السمير.
"إيه اللي عملتيه في جوزي ده؟!، أنا مطلبتش منك تاخدي لي حقي"
كان زوجها يتأوه واضعاً كفه علي رأسه التي اصابها جرح من أثر الضرب.
"ألحقيني يا حلومتي، أختك المفترية جت فضحتني قدام الجيران و كمان مدت شبشبها عليا، وإيه ده"
نظر إلي كفه وجد الدماء فصاح بهلع يثير ضحك الآخرين.
"دم، أختك سيحت دمي يا أحلام"
ألقت غرام نعلها علي الأرض في صدمة غير مبالية لهذا الأبله تسألها.
"كنتِ عايزاني أعمل معاه إيه بعد ما شوفت اللي عمله فيكي؟!، أسقفله و أقوله برافو عليك؟!"
ابدت قوة ليست من خصالها.
"حتي لو قطعني حتت ملكيش حق تعملي اللي عملتيه، و اللي حصلي يخصني أنا"
لم تصدق غرام مدي ضعف واستسلام شقيقتها.
"إيه يا بنتي الضعف و انعدام الكرامة اللي بقيتي فيه ده؟!، لسه بتدافعي عنه و بتحامي له؟!، ده لو ماسك عليكي ذله مش هتعملي كدة في نفسك"
ابتلعت الأخرى لعابها دون أن تظهر التوتر الذي داهم داخلها، أخذت تلتفت من حولها فوجدت الجيران و هند و جمال وعاطف جميعهم ينظرون إليها بامتعاض.
"يا ستي أنا حرة، جوزي و بحبه و مش أول ولا أخر مرة بنتخانق، ياريت تاخدي صاحبتك واللي معاها وتمشوا من هنا"
و حدقت إلي جيرانها و صاحت.
"و ياريت كل واحد فيكم يخليه في حاله وبطلوا تحشروا نفسكم في حياتي"
هزت غرام رأسها لما تسمعه و تراه، خرج كلا من جمال وعاطف من الفناء، امسكت هند غرام من عضدها تجذبها إلي الخارج.
"يلا يا غرام هي اللي اختارت، سبيها براحتها"
و قبل أن تغادر برفقة صديقتها صرخت بوعيد.
"عارفة لو قالوا لي يا أحلام إنه بيولع فيكي مش هسأل و لا هعبرك"
تركتها و ذهبت، قلبها يتألم من أجل شقيقتها بالرغم من رد فعلها العجيب و ضعفها المقيت، أخذت تبكي بانهيار، ربتت هند عليها.
"بتعيطي ليه مش هي اللي أتجوزته بارادتها برغم رفضكم لجوازهم، و دلوقتي راضية باللي بيعمله فيها، يبقي سبيها تتحمل نتيجة اختيارها"
وقفت الأخري تستند بظهرها إلي حائط مبني قديم.
"يا هند أنتي شوفتي بعينيكي اللي عمله فيها، أسيبها لحد ما في يوم يخلص عليها؟!، حب إيه اللي يخليها ترمي كرامتها تحت رجل واحد محسوب علينا راجل، ده ملعون أبو الحب اللي يهين الواحد"
اكتفت هند بهز رأسها أسفاً علي ما يحدث، و داخلها تتذكر ما هي مقبلة عليه، زواجها في منزل حماتها يقلقها للغاية لكن حب جمال لها الدافع الذي يجعلها تطمئن أن لا يسمح بأحد أن يتعدي عليها بقول أو فعل حتي لو كانت والدته.
※ ※ ※
"و بكدة خلصنا Unite 6، و الحصة الجاية عندكم exam علي كل اللي فات"
صدح رنين انتهاء المحاضرة، و كانت ابتسام تلملم دفترها والكتاب و تضعهما داخل حقيبة المدرسة.
"ابتسام؟"
انتبهت إلي نداء معلمها، نهضت وأجابت بتوتر.
"نعم يا مستر؟"
أشار إليها.
"تعالي"
ذهبت إليه وتستمع إلي همس زميلاتها، اقتربت منه فسألها باهتمام.
"ماما و غرام عاملين إيه دلوقتي؟"
أومأت إليه بطيف ابتسامة.
"الحمدلله بخير، شكراً لحضرتك علي وقفتك معانا امبارح"
ابتسم إليها وفي عينيه آلاف الكلمات تخطها نظرة تجعلها كلما تنظر صوبه يخفق قلبها بشعور غريب.
"كدة أزعل، لأن زي ما قولت مفيش شكر ما بينا، و لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود، رقمي عندك علي الملازم، اتفقنا؟"
هزت رأسها بالموافقة، و كادت تستأذن بالعودة إلي المقعد لكنه اوقفه بسؤال تخشي اجابته.
"ألا قوليلي، هو مين الشاب اللي كنتِ راكبة معاه الموتوسيكل؟"
"ده، ده يبقي في مقام أخويا و ساكن معانا في الحارة، كان بيوصلني حتي استأذن من ماما"
كان التوتر واضحاً علي ملامحها و يديها المتشابكة في بعضهما البعض، و تجنبها للنظر صوب عينيه وهي تخبره، كل ذلك يعني إنها تكذب، فقال لها بنظرة مبهمة.
"تمام يا ابتسام، يلا روحي اقعدي مكانك وماتنسيش ميعاد الدرس بكرة"
"حاضر يا مستر"
عادت سريعاً ومن طرف عينيها وجدته مازال يحدق إليها بنظرة زادت من قلقها أكثر.
※ ※ ※
ولج للتو من الخارج يبحث عن والدته فوجدها تجلس أمام التلفاز وتقطع الخضروات، ألقي التحية فأجابت، جلس بجوارها في تردد فيما سيخبرها به حول موضوع زواجه و المكوث معها في منزل العائلة.
"عايز تقول إيه يا جمال؟"
سؤالها أدهشه، نظر إليها بتعجب فتابعت.
"أنا مربياك و حفظاك، لما تكون عايز حاجة و خايف لأقولك لاء بتيجي جمبي تقعد وعمال تقول في نفسك أقولها و لا لاء"
أخفي توتره خلف ابتسامة يخبرها.
"حبيبتي يا أمي، أنا فعلاً عايزك في موضوع بخصوص..."
ظل متردداً لثوانٍ فقالت له.
"عايز تعيشوا أنت و مراتك معايا هنا و خايف لأرفض"
كاد يعقب فقاطعته مردفه.
"و مين قالك إن هارفض، بالعكس ده أنا كنت هقولك كدة بس قولت خطيبتك مش هاترضي و خصوصاً أمها اللي ما بطقنيش"
"يا أمي، خالتي أم هند طيبة و بتحبـ..."
قاطعته بإشارة من يدها.
"لا عايزها لا تحبني و لا عايزة منها حاجة، أنا كل اللي يهمني هو أنت و بس، طالما مبسوط و مرتاح يبقي خلاص، علي العموم أبقي أعرض الموضوع علي حماك و شوف هيقولك إيه"
"حمايا وحماتي وهند كلهم موافقين"
رفعت جانب شفتيها بتهكم.
"و أنا آخر من يعلم؟!"
"لاء أبداً يا أمي، أنا قولت أشوفهم هيوافقوا الأول و لا لاء وبعدين أبلغك، و إيه رأيك أن اللي شار عليا كدة هند بنفسها"
"والله؟!، ماشي"
شعر بأن والدته لم تصدقه، لأنه يدرك جيداً ما بين حبيبته وبين والدته من مشاحنات ومواقف سابقة تركت سد منيع بينهما.
"طيب و ربنا هي اللي قالتلي تعالي نتجوز مع أمك لحد ما ربنا يفرجها عليك و ناخد إيجار برة، حتي أنا ذات نفسي استغربت"
"من غير ما تحلف يا ولاه أنا مصدقاك، و ما تقلقش أنا هابقي أمها التانية"
"بجد يا أمي؟"
ينضح الفرح من عينيه فأجابت بتوكيد.
"طبعاً طبعاً يا حبيب قلب أمك، و حتي كمان هسيبكم أول أسبوعين وهاروح أقعد عند أختك دلال، أهو مني أونسها بدل ما قاعدة لوحدها لحد ما جوزها يرجع من السفر و منها أخد بالي منها"
و بسعادة عارمة عانق والدته.
"حبيبتي ياماه، ربنا ما يحرمنا منك يا غالية"
ربتت علي ظهره بقوة.
"و لا منكم أنت و أخواتك يا غالي يا ابن الغالي"
و إذا اختفت النوايا في الصدور، يكفي ما تبوح به العيون من ما يدور.
※ ※ ※
تخرج الطالبات من البوابة المفتوحة علي مصراعيها، وبمجرد أن عبرت منها سمعت هاتفها يصدح بالرنين، فما غيره الذي يتصل بها منذ الصباح وهي لا تجيب عليه، مما جعلته ينتظرها بالقرب من المدرسة.
"واقفة ليه يا بوسي، يلا تعالي هنركب توكتوك"
"معلش يا سمر روحي أنتي أركبي معاهم، أنا هاتمشي عشان هاشتري حاجات لماما"
"تمام، خدي بالك من نفسك، يلا سلام"
اومأت الأخرى إليها وسارت بخطوات سريعة إلي احدى الشوارع الجانبية الشاغرة من المارة.
و لم تنتبه إلي زوج من العيون الرمادية تراقبها.
و إذا بقدميها ولجت إلي الشارع الهادئ لتجيب علي الإتصال فشعرت بيد علي كتفها تدفعها برفق نحو مدخل بناء مهجور، شهقت بخوف.
"عثمان؟"
كان الغضب يندلع من عينيه.
"أيوة الزفت اللي عمال يتصل عليكي من إمبارح و أنتي منفضاله، و الصبح و أنتي رايحة المدرسة عمال أشاورلك تقابليني في الحتة بتاعتنا كبرتي دماغك و روحتي مشيتي مع صاحبتك"
"امبارح زي ما أنت عارف اللي حصل مع غرام و الحمدلله الموضوع أتحل ورجعنا و مكنش ينفع أرد عليك، و الصبح حصل برضو حوار عند أحلام أختي حتي سيبتهم و مشيت عشان ما أتأخرش، يعني كله كان غصب عني"
كانت نبرتها توحي أنها علي وشك نوبة من البكاء، زفر بضيق من حاله، اقترب منها ووضع يده علي ذراعها.
"خلاص حقك عليا ما تزعليش، أنا بس كنت قلقان عليكي"
قد سارت قشعريرة يصاحبها حذر من لمسته علي عضدها، أبعدت يده.
"أوعي إيدك أنا زعلانة منك، عشان مش أول مرة تقعد تزعق فيا، ده غير بشوف في عينيك نظرات شك أن بكذب عليك"
"مين قال كدة، أقسم بالله أبداً، ده أنا ممكن أشك في الناس كلها إلا أنتي، أنتي روحي يا بت"
نظرت إلي أسفل بخجل فصاح مهللاً.
"الله أكبر علي حلاوة مراتي يا ناس"
اتسعت عينيها بصدمة.
"مراتك؟"
"أيوة بعتبرك مراتي قدام ربنا، ادعيلي بس أموري تتظبط و أجي أطلب إيدك من خالتي عزيزة"
انقباضه في قلبها حدثت للتو، فهو ليس الشخص الذي تتمناه، كم تحلم بأن تتزوج من رجل خارج الحارة البائسة، ذو مهنة تفتخر بها أمام عائلتها ومعارفها، و ليس صبي ميكانيكي يحصل علي أجرة يومية تكفي مصاريفه الخاصة.
"مالك ساكتة ليه؟، أنا افتكرتك هتزغرطي من الفرحة لما قولتلك هاطلب إيدك"
اتقنت إظهار ابتسامة علي شفتيها يتبعها قولها.
"بالعكس، أنا فرحانة ومبسوطة جداً، بس كل اللي طلباه منك تصبر شوية لحد ما أدخل الجامعة، مش هاينفع أتجوز و في نفس الوقت أدرس، هيبقي صعب عليا"
ابتسم ليلقي عليها مخططه.
"عادي يا حبيبتي نتجوز وتدرسي وأنتي معايا، و بين إيديا و في حضني و..."
توقف عن الحديث ليفاجئها بالتقاط شفتيها في قبلة حميمية، دفعته بكل قوتها.
"قبل كدة عملتها وحذرتك إنك لو كررتها تاني مش هاتشوف وشي بعدها"
"حقك عليا يا بوسي أنا والله..."
كاد يقترب منها بندم فصاحت وتبتعد بمسافة.
"إياك تقرب مني، المرة اللي فاتت وعدتني، و برضو مفيش فايدة"
تركته وغادرت مدخل البناء المهجور لتجد أمامها آخر ما تتمني أن تراه في تلك اللحظة، نبضات قلبها وكأنها علي وشك أن تتوقف ولسانها يتفوه بصوت يكاد يكون مسموعاً.
"مستر حسن؟"
※ ※ ※
ولج من الباب الزجاجي و وجهه ينذر بما هو جاء من أجله، قد قرر أن لا يصبح تحت ضغط تهديدات والده مرة أخرى بل مرات عديدة.
"مستر يوسف"
كان نداء احدى الموظفات تلحق بخطواته السريعة حتي وصل إلي المصعد، توقف أمامها يرفع يده برفض.
"أي حاجة عايزة تبلغيني بيها أطلعي قوليها لمستر نور أو رأفت بيه"
ولج إلي داخل المصعد وضغط علي زر الصعود فأنغلق الباب أتوماتيكياً أمام الفتاة التي عادت إلي غرفة المكتب بين زملائها و تخبرهم بما قاله لها يوسف، الابن المُدلل لدي عائلة الشريف.
و لدي رأفت الشريف يجلس خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق وبجواره تنتظر مساعدته ريثما ينتهي من توقيعه علي كل ورقة منها.
"أعملي حسابك بكرة هنسافر نقضي يومين في الساحل"
دنت منه وقامت بتقبيل خده.
"حبيبي يا فوفو، ربنا يخليك ليا يا بيبي"
حدق إليها بحزم يوبخها.
"اللي حصل دلوقت أخر مرة يحصل هنا في الشركة، فاهمة؟"
أومأت إليه و الحزن جلي علي وجهها، أمسك يدها و كاد يخبرها معتذراً من أسلوبه الحاد معها، لكن فُتح الباب فجأةً دون أن يسبقه طرق أو استئذان ليظهر يوسف الذي صوب بصره نحو يد والده التي تمسك بيد مساعدته و علي مقربة شديدة من بعضهما البعض.
حمحم والده تاركاً يد مساعدته.
"خدي أنتي الأوراق و روحي راجعيها"
لملمت الأوراق وعينيها لا تبرح عينين يوسف الذي يرمقها بنظرة اربكتها، عادت بالنظر إلي رأفت قائلة.
"حاضر يا فندم"
و ذهبت أمام يوسف، فكان يجز علي أسنانه فهو ليس أحمق حتي لا يدرك ماهية ما رآه، هناك ما يفعله والده سراً.
"مش عيب يا أستاذ يا محترم تدخل عليا من غير ما تخبط الباب و تستني لما أسمحلك تدخل و لا لاء؟!"
عقد ساعديه أمام صدره و يتحدث من مركز قوة.
"معلش يا رأفت بيه لو كنت قطعت علي حضرتك قعدتك مع سوزي السكرتيرة"
نهض والده يصيح بغضب.
"أنت إزاي بتتكلم معايا كدة يا ولد؟!، أنت نسيت نفسك و لا إيه؟!، أنا ممكن..."
رفع يوسف يده ليقف والده عن إكمال تهديده المعتاد.
"كفاية بقي كل ما نشد مع بعض تقعد تهددني بأنك هاتسحب مني العربية ورصيدي اللي في البنك، أنا أصلاً سيبتلك العربية في الفيلا و الكريدت كمان، أنا جيتلك النهاردة عشان أقدملك إستقالتي"
أخرج من جيب سترته الداخلي ورقة ووضعها فوق المكتب.
"أتفضل"
همّ بالذهاب أوقفه والده.
"استني عندك"
سار نحوه وكان الآخر يتحاشى النظر مباشرة إلي والده الذي أخبره.
"أنا لو أب قاسي زي ما بتروح تقول لمامتك، كان زماني رزعك قلمين علي وشك دلوقت وندهتلك الأمن يطردوك قدام الموظفين عشان ما يبقاش ليك عين تدخل الشركة تاني"
"أنا..."
قاطعه والده بحدة.
"أنا لسه مخلصتش كلامي، أنا هحاول أتغاضى عن أي حاجة صدرت منك و لا كأني سمعت، و لأخر مرة مفيش بعدها مرة تانية، هديلك يومين تفكر فيهم، يا تعقل وترجع لمكانك في الشركة وتكمل نص دينك يمكن ربنا يهديك، يا إما أقسم بالله لهتشوف مني وش ما شوفتوش قبل كدة، مش هقولك إسطوانة كل مرة، لكن هتتفاجىء باللي عمرك ما هتتخيله، وأنت عارف أبوك كويس لما بيهدد مرة التانية بينفذ"
لم يستطع أن يتحمل توبيخ والده أكثر من ذلك، و حتي يضمن أن لا يتهور بحديث يجعله يخسر والده غادر غرفة المكتب، وقفت سوزي عندما رأته فحدق إليها بازدراء وذهب.
اصطدم بشقيقه في طريقه.
"يوسف، اسـ..."
لم يقف يوسف إليه ومضي سريعاً، تعجب نور لأمر شقيقه، ذهب إلي والده ليعلم منه ما حدث، و قبل أن يفعل ذلك نظر إلي سوزي التي عندما رأته انخرطت في البكاء، اقترب منها قلقاً عليها.
"مالك يا سوزي فيه إيه؟، بابا زعلك أو يوسف؟"
قد قررت استغلال إعترافه بحبه إليها، وجدتها فرصة لا تعوض، فوالده غير مضمون و لا يعطي لها كل ما تريده من مال أو غيره من سيارة أو منزل، يكفي أنها زوجته في السر و عرفي أيضاً حتي لا يصبح لها حق في الإرث.
رفعت وجهها وأخذت تمسح بالمحرمة دموعها لتظهر أمام نور بالضعف لتمتلك قلبه أكثر.
"مستر يوسف كان لسه عند رأفت بيه و شكلهم كانوا بيتخانقوا و أول ما خرج من المكتب بص لي من فوق لتحت بقرف من غير ما أعمله أي حاجة"
اقترب منها أكثر و أخرج من جيبه محرمة وأخذ يمسح لها دموعها.
"معلش بالتأكيد مكنش يقصد، حقك عليا أنا، ممكن عشان خاطري كفاية دموع"
اقترب منها أكثر فأكثر حتي كادت تصبح بين ذراعيه يخبرها مردفاً.
"ما أقدرش أستحمل دموعك، قلبي بيوجعني لما شوفتك في الحالة دي"
توقفت عن البكاء وداخلها يتراقص مثل الحية عندما تصل إلي هدفها، نظرت إليه و بصوت أنثوي رقيق للغاية.
"مستر نور، أنا موافقة علي طلبك"
تراجع خطوة للوراء والدهشة تعلو ملامحه.
"قصدك موافقة تتجوزيني؟"
هزت رأسها بالإيجاب وأخبرته بدهاء.
"اه، بس علي شرط نعمل فترة تعارف زي الخطوبة نقرب منها انت تعرفني و أنا أعرفك"
اتسع ثغره بابتسامة عارمة.
"شرطك أمر و أنا تحت أمرك يا روح و قلب نور"
"و فيه حاجة تانية كنت عايزة أعرفها"
"قولي يا حبيبتي"
"مراتك هاتعرف و لا أنت هتخبي عليها و جوازنا هيبقي في السر؟!"
برغم ما يشعر به من توتر عندما أتت له بذكر زوجته وعواقب قراره الأهوج، لكنه تحلي بالشجاعة والعزم أمامها.
"أيوة هاقولها بس بعد ما نتجوز، و ما تقلقيش مش هتعمل أي حاجة، بالنسبة بقي لبابا..."
داهم الخوف قلبها فقاطعته.
"لاء، قصدي بلاش رأفت بيه يعرف بأي حاجة، أقل حاجة هيعملها معايا هيطردني من الشركة"
ابتسم مرة أخرى مما جعلها تتعجب من رد فعله الغريب، أوضح لها.
"ما أنا كدة كدة أول ما هنتجوز هاقعدك من الشركة، و ما تقلقيش ليكي كل شهر مبلغ أضعاف مرتبك اللي بتاخديه هنا، غير العربية، غير الشقة أو الفيلا اللي هتشاوري عليها"
كم هي نادمة أنها عجلت في الموافقة علي الزواج من هذا الرأفت وبيع نفسها له بثمن بخس، و ها هو نجله كالمارد الذي يريد تحقيق كل أحلامها و هي من تملي شروطها أيضاً و ليس هو كما فعل معها والده.
"سرحتي في إيه يا سوزي؟"
انتبهت إليه وعادت من أفكارها الشيطانية قائلة.
"بتخيل حياتي معاك هتبقي إزاي"
أمسك يدها يخبرها.
"هتبقي جنة"
صدح رنين هاتف المكتب، ابتلعت ريقها وقالت.
"ده رأفت بيتصل"
"ردي عليه و أنا كدة كدة راجع علي مكتبي، هاتصل عليكي بالليل نكمل كلامنا"
"تمام"
نظرت إليه مبتسمة، و بعد أن ذهب تلاشت ابتسامتها وجلست علي الكرسي تفكر كيف تلعب علي كلا الجانبين دون خسائر، بينما الضمير لديها في سبات بل في غيبوبة لن يستيقظ منها قط.
※ ※ ※
تجلس بجوار النافذة شاردة فيما يحدث من حولها، خسرت عملها الذي تقتات منه ورقات من المال تساعد مع معاش والدها، تُتهم بالسرقة وهي لن تقبل قرشاً من الحرام و ذلك كان ثمناً لأنها دافعت عن عرضها بكل ما أوتيت من قوة، و هناك أكبر همومها وهو أمر شقيقتها التي أصبحت كالجارية يفعل زوجها ما يشاء بها، ضرب، إهانة و هي تتقبل كل ذلك بصدر رحب، يكفي إنها تعيش علي ماله الآتي من بيع المخدرات، حرام يدخل البيت فيقلب حياتهما للجحيم فما العجب في ذلك؟!، و آخر الهموم كلما ذهبت إلي كل متجر للعمل يعتذر إليها صاحب المتجر بأنه ليس لديه وظيفة شاغرة لديها فتعود خالية الوفاض.
"بت يا غرام"
كان صوت سماح الذي وقفت أسفل النافذة فأنتبهت إليها الأخرى بنفاذ صبر.
"نعم يا سماح عايزة إيه؟"
"مالك ياختي متزرزره عليا كدة ليه؟!، الحق عليا جايبلك شغل وفلوسه حلوة أوي، أحسن من مرمطك في المتروهات بشوية عبايات مضروبة"
زفرت الأخرى بضيق أوشك علي الغضب.
"انجزي يا سماح وقولي"
اقتربت من حافة النافذة تخبرها بصوت خافت تسمعه غرام فقط.
"بصي هبعتلك رقم واحدة علي الواتس هتتواصلي معاها، هي من أمريكا بس بتتكلم لبناني علي فلسطيني أو أردني، ما تفهميش جنسيتها إيه بالظبط، المهم هاتطلب منك بياناتك وصورة ليكي و هتبلغك بالمطلوب منك"
"و يا تري هي مين الست دي و إيه اللي هاتطلبه مني؟!"
تراقب الأجواء من حولها حتي لا يسمعها أحد سوي غرام.
"بصي اسمعيني للأخر من غير ما تقطعيني، هي كل اللي هتطلبه منك مقاطع فيديو ليكي مخبية وشك و لا بسه هدومك عادي مرة وأنتي بترتبي أوضتك، مرة و أنتي بتطبخي، أي حاجة أنتي بتكنسي مثلاً أو بتمسحي، بس تكوني باينة كلك علي بعضك، و هتاخدي علي المقطع الواحد 200 دولار، و أنتي و شطارتك لو عملتي مقطعين و لا أربعة و لا خمسة في الأسبوع الواحد، أحسبي بقي كمان لما يتحولوا بالمصري"
عقبت الأخرى بسخرية.
"و يا سلام بقي لو الهدوم خفيفة و اللي تحتها باين و لا تكون مبلولة و لازقة عشان تجيب فلوس أكتر صح؟"
ابتسمت سماح كالحمقاء.
"برافو عليكي، طول عمرك ناصحة"
هنا لن تعد غرام في تحمل أمر أخر، صاحت بصوت وصل إلي جميع سكان الحارة.
"بقولك إيه يا سماح، أنا سيباكي يا حبيبتي تتكلمي و تقولي كل اللي عندك عشان أقطع الشك اللي جوايا و أكذب اللي بسمعه عنك علي كل لسان رجالة وشباب حتي الصبيان الصغيرة في الحارة، أتاريهم عندهم حق و ما خفايا كان أعظم، عايزاني أعمل زيك ألبس المحزث و الملزق والشفاف و أتصور فيديوهات عشان إيه، شوية دولارات أخسر بيهم دنيا وأخرة و سمعتي؟!"
كانت تتوقع أن الأخرى تبتعد أو تخشي الرد لكن حدث نقيض ذلك.
"مالك يا بت شايفة نفسك عليا كدة ليه، فاكرة نفسك مين يا ختي، و الكلاب اللي بيجيبوا في سيرتي أخواتهم وأمهاتهم فيديوهاتهم مالية التيك توك يعني لا تعايرني و لا أعايرك، و اللي بيته من إزاز ما يحدفش الناس بالطوب يا عينيا"
تجمع المارة وبعض الجيران فتدخل سعيد شقيق غرام.
"أخواتنا وأمهاتنا أشرف منك يا سماح، و لا الوسخ فاكر كل الناس وسخة زيه"
صاحت غرام في شقيقها.
"واد يا سعيد ما تدخلش في الكلام و أدخل جوة"
ثم ألتفت إلي سماح و تمسك بخشب النافذة قائلة.
"و أنتي يا أخت سماح روحي أتكلي علي الله ربنا يهديكي أو يهدك، المهم تريحنا منك، عن إذنك"
اوصدت النافذة في وجهها و تركتها تتشدق كالتي فقدت عقلها حتي توقفت عن الصياح عندما رأت عاطف يحدق نحوها بازدراء.
※ ※ ※
في صباح اليوم التالي...
"واد يا سعيد، بت يا ابتسام قوموا يلا جهزوا نفسكم عقبال ما أعملكم الفطار والسندوتشات"
تناديهم والدتهم، و كانت غرام مازالت مستيقظة منذ الأمس، لم تأكل و لم تملك الرغبة في التحدث مع أحد، أثرت الصمت حتي لا تزيد من الآلام داخلها، و كيف لا تزيد و تجد كل أبواب العمل مغلقة مهما سعت إليها.
اكتفت ابتسام بالرد علي والدتها.
"ما تعمليش حسابي يا ماما، أنا مش رايحة المدرسة النهاردة"
و صدح صوت سعيد أيضاً.
"و أنا مش رايح عشان المستر حلف علينا إمبارح اللي مش هيدفعله فلوس المجموعة مش هيدخله المدرسة"
ولجت والدتهم إلي الغرفة تسأل ابنتها.
"و أنتي يا ست ابتسام يا أم ثانوية عامة، مش هاتروحي ليه؟"
لو تعلم السبب الحقيقي لعدم ذهابها إلي المدرسة و هو تخشى و تخجل في آن واحد من رؤية معلمها الذي رآها تخرج من منزل مهجور و خلفها عثمان يناديها، تلاقت عينيها برماديتين حسن الذي حدقها بغضب شديد، لم تملك الشجاعة لتكذب علي سبيل الدفاع عن نفسها، و اختارت الفرار من أمامه غير مكترثه لنداء عثمان.
"تعبانه شوية و مش قادرة، و بعدين معظم اصحابي مش بيروحوا، أنا اللي بيخليني أروح عشان ما باخدش درس غير الإنجليزي و الرياضة و باقي المواد معتمدة علي شرح المدرسين اللي ما بيشرحوش أصلاً"
نهضت غرام و أخيراً تخلت عن صمتها.
"واد يا سعيد قوم ألبس و روح و أنا إن شاء الله قبل جرس المرواح هتلاقيني عندك، هدفعلك الفلوس"
و أخبرت شقيقتها.
"و أنتي شوفي عايزة تاخدي درس في مواد إيه و مع مين و قوليلي المبلغ المطلوب و هيبقي عندك علي بكرة"
"و هاتجيبيلهم منين يا بنتي، ده المعاش فاضل منه 500 جنيه و إحنا يا دوب في نص الشهر"
كان حديث عزيزة وتشعر بالحزن نحو ابنائها، فهي تعجز عن تقديم لهم كل ما يحتاجونه، فهي صاحبة مرض مزمن يجعلها غير قادرة علي العمل.
كانت غرام قد فتحت الخزانة و أخذت المال المتبقي معها و مدت به يدها إلي والدتها.
"اتفضلي يا أمي خلي دول معاكي وبإذن الله هتفرج من عند ربنا"
و نظرت نحو حقيبة الملابس المليئة بملابس قد اشترتها و قامت بتخزينها إلي أن تصبح عروسا!
※ ※ ※
و في مكان
رواية غرام في المترو الفصل السادس 6 - بقلم ولاء رفعت
ولج للتو من باب الشركة الزجاجي، يستقبله كل ما يقابله من الموظفين بحفاوة وترحاب لا يخلو من الإطراء والتملق، فهو ابن ربيب عملهم والمدير التنفيذي للشركة، بيده الكثير من الأمور والمسئول الثاني بعد والده مالك مجموعة «Y&N».
صعد عبر الدرج بخفة حتى وصل إلى الطابق المنشود الذي يوجد به مكتب والده أو المكتب الذي يسبق غرفة والده حيث تجلس ذات العيون التي تأسر قلوب الرجال من النظرة الأولى، خبيرة في العزف على أوتار قلب كل من يقترب منها لاسيما ذوي الأفئدة التي تركض خلف كل ما هو جميل وصعب في آن واحد.
تحمحم قبل أن يعبر الباب، رفعت عينيها عن الأوراق التي تقوم بتحضيرها ريثما يأتي مديرها أو زوجها!
نهضت بخجل متقن للغاية، تنظر إلى أسفل.
"مستر نور؟ أهلاً وسهلاً بحضرتك، أنا كنت بخلص مراجعة الإيميلات بعد ما طبعتها، هخلصها وهبعتها لرأفت بيه."
جلس على الكرسي أمام مكتبها مبتسمًا، عينيه تتجول بجرأة سافرة على ملامحها وجسدها، انتبه إلى أنها تلاحظ فحصه الشامل لها.
"اتفضلي أقعدي يا آنسة سوزي."
ابتسمت وليتها ما ابتسمت، يبدو أن درجات الحرارة ترتفع، ربما المكيف معطل. ألقى نظرة خاطفة وجده يعمل وعلى درجة حرارة على نقيض درجة حرارة جسده للتو.
"أنا جايلك مش جاي للشغل."
علامة استفهام تنضح من عينيها ذات الكحل الأسود القاتم والأهداب الكثيفة. أكمل دون مقدمات ليس لها فائدة، شخص عملي مثله لا يملك وقتاً للمراوغة فالأفضل إليه التحدث مباشرة.
"بصراحة من وقت ما قدمتي هنا في الشركة وأنا نفسي أتعرف عليكي أكتر، أقرب منك. اللي حسيته إعجاب، ومع الوقت الإعجاب قلب لحب. من الآخر ومن غير لف ودوران أنا بحبك وعايز أتجوزك."
***
طرق بعنف بكفيها على باب منزل شقيقتها وصياح وصل إلى القاصي والداني.
"أفتح يا سمير يا عرة الرجالة، بتعمل على أختي دكر؟! أفتح وأنا هخليك عبرة يا حيوان."
خرج الجيران ينظرون بشماتة في هذا الجار المؤذي الذي يعتدي على زوجته بالضرب والشتائم المهينة. أخبرتها إحداهن:
"ما تسيبهوش غير لما تاخدي حق أختك الغلبانة منه، يا عيني عليها طول الليل عمالة تصرخ وهو عمال يضرب فيها."
التفت إليها غرام وبغضب سألتها:
"ولما أنتم سامعين اللي بيعملوا فيها الكلب ده، ما كسرتوش الباب على دماغه وخدوتها وكلمتوني؟"
نظرت السيدة إلى الأسفل بحرج فأجابت الأخرى:
"ما أنتي عارفة يا غرام اللي فيها، كل ما نيجي نحوشها منه يتجنن علينا وتقوم هي تزعق فينا وتقولنا ملكوش دعوة، واحد ومراته بيتخانقوا، أنتم ليه بتدخلوا في اللي مالكوش فيه."
زادها الحديث غضباً، كأنه وقود انسكب على النيران فازدادت اشتعالاً. التفت نحو الباب في محاولة بائسة:
"أفتح يا جبان، خايف مني؟ والله لو ما فتحت لأنطلك من الشباك وهاجي أجرك من قفاك زي الخروف يا..."
فتح الباب فظهر لها بشجاعة زائفة، يصيح بصوت جهوري:
"جري إيه يا بت فيه إيه؟! هو أنا عشان ساكتلك لأنك أخت مراتي يبقى هتسوقي فيها وتقلي أدبك على واحد المفروض تقوليله يا أبيه."
"بت ما تبتك، أنا أختي هخلصها منك ومن شرك يا شيطان، بس قبل ما أعمل كدة لازم أخد لها حقها، أنت مقطعلها جسمها بالحزام وأنا هقطعلك وشك بالشبشب."
لم تكن لديه فرصة استيعاب ما تفوهت به للتو. في ثوانٍ خلعت نعلها ذو الكعب الثقيل وأخذت تكيل إليه ضربات عشوائية يصاحبها كلمات مهينة إليه. قابل ذلك برفع ساعديه للدفاع عن وجهه ويصرخ بوعيد وسباب يزيدها غضباً وتستمر في ضربه، حتى جذبتها يد ذات قبضة ضعيفة، تصرخ صاحبتها:
"كفاية يا غرام."
ابتعدت الأخرى تنظر إلى شقيقتها التي أكملت وتقف بينها وبين زوجها في وضع الدفاع عنه أمام الجيران وهند التي أتت برفقة جمال وعاطف حيث لحقوا بغرام قبل أن ترتكب جريمة في هذا سمير.
"إيه اللي عملتيه في جوزي ده؟! أنا مطلبتش منك تاخدي لي حقي."
كان زوجها يتأوه واضعاً كفه على رأسه التي أصابها جرح من أثر الضرب.
"ألحقيني يا حلومتي، أختك المفترية جت فضحتني قدام الجيران وكمان مدت شبشبها عليا، وإيه ده."
نظر إلى كفه وجد الدماء فصاح بهلع يثير ضحك الآخرين:
"دم، أختك سيحت دمي يا أحلام."
ألقت غرام نعلها على الأرض في صدمة غير مبالية لهذا الأبله تسألها:
"كنتِ عايزاني أعمل معاه إيه بعد ما شوفت اللي عمله فيكي؟! أسقفله وأقوله برافو عليك؟!"
أبدت قوة ليست من خصالها.
"حتى لو قطعني حتت ملكيش حق تعملي اللي عملتيه، واللي حصلي يخصني أنا."
لم تصدق غرام مدى ضعف واستسلام شقيقتها.
"إيه يا بنتي الضعف وانعدام الكرامة اللي بقيتي فيه ده؟! لسه بتدافعي عنه وبتحامي له؟! ده لو ماسك عليكي ذلة مش هتعملي كدة في نفسك."
ابتلعت الأخرى لعابها دون أن تظهر التوتر الذي داهم داخلها. أخذت تلتفت من حولها فوجدت الجيران وهند وجمال وعاطف جميعهم ينظرون إليها بامتعاض.
"يا ستي أنا حرة، جوزي وبحبه ومش أول ولا آخر مرة بنتخانق، ياريت تاخدي صاحبتك واللي معاها وتمشوا من هنا."
وحدقت إلى جيرانها وصاحت:
"وياريت كل واحد فيكم يخليه في حاله وبطلوا تحشروا نفسكم في حياتي."
هزت غرام رأسها لما تسمعه وتراه. خرج كلا من جمال وعاطف من الفناء. أمسكت هند غرام من عضدها تجذبها إلى الخارج.
"يلا يا غرام هي اللي اختارت، سبيها براحتها."
وقبل أن تغادر برفقة صديقتها صرخت بوعيد:
"عارفة لو قالوا لي يا أحلام إنه بيولع فيكي مش هسأل ولا هعبرك."
تركتها وذهبت، قلبها يتألم من أجل شقيقتها بالرغم من رد فعلها العجيب وضعفها المقيت. أخذت تبكي بانهيار. ربتت هند عليها:
"بتعيطي ليه مش هي اللي أتجوزته بارادتها برغم رفضكم لجوازهم، ودلوقتي راضية باللي بيعمله فيها، يبقى سبيها تتحمل نتيجة اختيارها."
وقفت الأخرى تستند بظهرها إلى حائط مبني قديم.
"يا هند أنتي شوفتي بعينيكي اللي عمله فيها، أسيبها لحد ما في يوم يخلص عليها؟! حب إيه اللي يخليها ترمي كرامتها تحت رجل واحد محسوب علينا راجل، ده ملعون أبو الحب اللي يهين الواحد."
اكتفت هند بهز رأسها أسفاً على ما يحدث، وداخلها تتذكر ما هي مقبلة عليه. زواجها في منزل حماتها يقلقها للغاية لكن حب جمال لها الدافع الذي يجعلها تطمئن أن لا يسمح بأحد أن يتعدى عليها بقول أو فعل حتى لو كانت والدته.
***
"وبكدة خلصنا Unite 6، والحصة الجاية عندكم exam على كل اللي فات."
صدح رنين انتهاء المحاضرة، وكانت ابتسام تلملم دفترها والكتاب وتضعهما داخل حقيبة المدرسة.
"ابتسام؟"
انتبهت إلى نداء معلمها، نهضت وأجابت بتوتر:
"نعم يا مستر؟"
أشار إليها:
"تعالي."
ذهبت إليه وتستمع إلى همس زميلاتها، اقتربت منه فسألها باهتمام:
"ماما وغرام عاملين إيه دلوقتي؟"
أومأت إليه بطيف ابتسامة:
"الحمدلله بخير، شكراً لحضرتك على وقفتك معانا امبارح."
ابتسم إليها وفي عينيه آلاف الكلمات تخطها نظرة تجعلها كلما تنظر صوبه يخفق قلبها بشعور غريب.
"كدة أزعل، لأن زي ما قولت مفيش شكر ما بينا، ولو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود، رقمي عندك على الملازم، اتفقنا؟"
هزت رأسها بالموافقة، وكادت تستأذن بالعودة إلى المقعد لكنه أوقفه بسؤال تخشى إجابته:
"ألا قوليلي، هو مين الشاب اللي كنتِ راكبة معاه الموتوسيكل؟"
"ده، ده يبقى في مقام أخويا وساكن معانا في الحارة، كان بيوصلني حتى استأذن من ماما."
كان التوتر واضحاً على ملامحها ويديها المتشابكة في بعضهما البعض، وتجنبها للنظر صوب عينيه وهي تخبره، كل ذلك يعني إنها تكذب. فقال لها بنظرة مبهمة:
"تمام يا ابتسام، يلا روحي اقعدي مكانك وماتنسيش ميعاد الدرس بكرة."
"حاضر يا مستر."
عادت سريعاً ومن طرف عينيها وجدته ما زال يحدق إليها بنظرة زادت من قلقها أكثر.
***
ولج للتو من الخارج يبحث عن والدته فوجدها تجلس أمام التلفاز وتقطع الخضروات. ألقى التحية فأجابت، جلس بجوارها في تردد فيما سيخبرها به حول موضوع زواجه والمكوث معها في منزل العائلة.
"عايز تقول إيه يا جمال؟"
سؤالها أدهشه، نظر إليها بتعجب فتابعت:
"أنا مربياك وحففظاك، لما تكون عايز حاجة وخايف لأقولك لأ بتيجي جمبي تقعد وعمال تقول في نفسك أقولها ولا لاء."
أخفى توتره خلف ابتسامة يخبرها:
"حبيبتي يا أمي، أنا فعلاً عايزك في موضوع بخصوص..."
ظل متردداً لثوانٍ فقالت له:
"عايز تعيشوا أنت ومراتك معايا هنا وخايف لأرفض."
كاد يعقب فقاطعته مردفة:
"ومين قالك إن هارفض، بالعكس ده أنا كنت هقولك كدة بس قولت خطيبتك مش هاترضي وخصوصاً أمها اللي ما بطقنيش."
"يا أمي، خالتي أم هند طيبة وبتحبـ..."
قاطعته بإشارة من يدها:
"لا عايزها لا تحبني ولا عايزة منها حاجة، أنا كل اللي يهمني هو أنت وبس، طالما مبسوط ومرتاح يبقى خلاص. على العموم أبقي اعرض الموضوع على حماك وشوف هيقولك إيه."
"حمايا وحماتي وهند كلهم موافقين."
رفعت جانب شفتيها بتهكم:
"وأنا آخر من يعلم؟!"
"لاء أبداً يا أمي، أنا قولت أشوفهم هيوافقوا الأول ولا لاء وبعدين أبلغك، وإيه رأيك أن اللي شار عليا كدة هند بنفسها."
"والله؟! طيب ماشي."
شعر بأن والدته لم تصدقه، لأنه يدرك جيداً ما بين حبيبته وبين والدته من مشاحنات ومواقف سابقة تركت سد منيع بينهما.
"طيب وربنا هي اللي قالتلي تعالي نتجوز مع أمك لحد ما ربنا يفرجها عليك وناخد إيجار برة، حتى أنا ذات نفسي استغربت."
"من غير ما تحلف يا ولاه أنا مصدقاك، وما تقلقش أنا هبقى أمها التانية."
"بجد يا أمي؟"
ينضح الفرح من عينيه فأجابت بتوكيد:
"طبعاً طبعاً يا حبيب قلب أمك، وحتى كمان هسيبكم أول أسبوعين وهاروح أقعد عند أختك دلال، أهو مني أونسها بدل ما قاعدة لوحدها لحد ما جوزها يرجع من السفر ومنها أخد بالي منها."
وبسعادة عارمة عانق والدته:
"حبيبتي ياماه، ربنا ما يحرمنا منك يا غالية."
ربتت على ظهره بقوة:
"ولا منكم أنت وأخواتك يا غالي يا ابن الغالي."
وإذا اختفت النوايا في الصدور، يكفي ما تبوح به العيون من ما يدور.
***
تخرج الطالبات من البوابة المفتوحة على مصراعيها، وبمجرد أن عبرت منها سمعت هاتفها يصدح بالرنين، فما غيره الذي يتصل بها منذ الصباح وهي لا تجيب عليه، مما جعله ينتظرها بالقرب من المدرسة.
"واقفة ليه يا بوسي، يلا تعالي هنركب توكتوك."
"معلش يا سمر روحي أنتي أركبي معاهم، أنا هاتمشي عشان هاشتري حاجات لماما."
"تمام، خدي بالك من نفسك، يلا سلام."
أومأت الأخرى إليها وسارت بخطوات سريعة إلى إحدى الشوارع الجانبية الشاغرة من المارة.
ولم تنتبه إلى زوج من العيون الرمادية تراقبها.
وإذا بقدميها ولجت إلى الشارع الهادئ لتجيب على الاتصال فشعرت بيد على كتفها تدفعها برفق نحو مدخل بناء مهجور.
"عثمان؟"
كان الغضب يندلع من عينيه.
"أيوة الزفت اللي عمال يتصل عليكي من امبارح وانتي منفضاله، وصبح وانتي رايحة المدرسة عمال أشاورلك تقابليني في الحتة بتاعتنا كبرتي دماغك وروحي مشيتي مع صاحبتك."
"امبارح زي ما أنت عارف اللي حصل مع غرام والحمدلله الموضوع أتحل ورجعنا ومكنش ينفع ارد عليك، وصبح حصل برضو حوار عند أحلام أختي حتى سيبتهم ومشيت عشان ما أتأخرش، يعني كله كان غصب عني."
كانت نبرتها توحي أنها على وشك نوبة من البكاء. زفر بضيق من حاله، اقترب منها ووضع يده على ذراعها.
"خلاص حقك عليا ما تزعليش، أنا بس كنت قلقان عليكي."
قد سارت قشعريرة يصاحبها حذر من لمسته على عضدها. أبعدت يده.
"أوعي إيدك أنا زعلانة منك، عشان مش أول مرة تقعد تزعق فيا، ده غير بشوف في عينيك نظرات شك أن بكذب عليك."
"مين قال كدة، أقسم بالله أبداً، ده أنا ممكن أشك في الناس كلها إلا أنتي، أنتي روحي يا بت."
نظرت إلى أسفل بخجل فصاح مهللاً:
"الله أكبر على حلاوة مراتي يا ناس."
اتسعت عينيها بصدمة.
"مراتك؟"
"أيوة بعتبرك مراتي قدام ربنا، ادعيلي بس أموري تتظبط وأجي أطلب إيدك من خالتي عزيزة."
انقباضة في قلبها حدثت للتو، فهو ليس الشخص الذي تتمناه. كم تحلم بأن تتزوج من رجل خارج الحارة البائسة، ذو مهنة تفتخر بها أمام عائلتها ومعارفها، وليس صبي ميكانيكي يحصل على أجرة يومية تكفي مصاريفه الخاصة.
"مالك ساكتة ليه؟ أنا افتكرتك هتزغرطي من الفرحة لما قولتلك هاطلب إيدك."
اتقنت إظهار ابتسامة على شفتيها يتبعها قولها:
"بالعكس، أنا فرحانة ومبسوطة جداً، بس كل اللي طلباه منك تصبر شوية لحد ما أدخل الجامعة، مش هاينفع أتجوز وفي نفس الوقت أدرس، هيبقي صعب عليا."
ابتسم ليلقي عليها مخططه:
"عادي يا حبيبتي نتجوز وتدرسي وأنتي معايا، وبين إيديا وفي حضني و..."
توقف عن الحديث ليفاجئها بالتقاط شفتيها في قبلة حميمية. دفعته بكل قوتها.
"قبل كدة عملتها وحذرتك إنك لو كررتها تاني مش هاتشوف وشي بعدها."
"حقك عليا يا بوسي أنا والله..."
كاد يقترب منها بندم فصاحت وتبتعد بمسافة:
"إياك تقرب مني، المرة اللي فاتت وعدتني، وبرضو مفيش فايدة."
تركته وغادرت مدخل البناء المهجور لتجد أمامها آخر ما تتمنى أن تراه في تلك اللحظة. نبضات قلبها وكأنها على وشك أن تتوقف ولسانها يتفوه بصوت يكاد يكون مسموعاً:
"مستر حسن؟"
***
ولج من الباب الزجاجي ووجهه ينذر بما هو جاء من أجله، قد قرر أن لا يصبح تحت ضغط تهديدات والده مرة أخرى بل مرات عديدة.
"مستر يوسف."
كان نداء إحدى الموظفات تلحق بخطواته السريعة حتى وصل إلى المصعد. توقف أمامها يرفع يده برفض.
"أي حاجة عايزة تبلغيني بيها اطلعي قوليها لمستر نور أو رأفت بيه."
ولج إلى داخل المصعد وضغط على زر الصعود فأنغلق الباب أوتوماتيكياً أمام الفتاة التي عادت إلى غرفة المكتب بين زملائها وتخبرهم بما قاله لها يوسف، الابن المدلل لدى عائلة الشريف.
ولدى رأفت الشريف يجلس خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق وبجواره تنتظر مساعدته ريثما ينتهي من توقيعه على كل ورقة منها.
"اعملي حسابك بكرة هنسافر نقضي يومين في الساحل."
دنت منه وقامت بتقبيل خده.
"حبيبي يا فوفو، ربنا يخليك ليا يا بيبي."
حدق إليها بحزم يوبخها.
"اللي حصل دلوقتي أخر مرة يحصل هنا في الشركة، فاهمة؟"
أومأت إليه والحزن جلي على وجهها. أمسك يدها وكاد يخبرها معتذراً من أسلوبه الحاد معها، لكن فُتح الباب فجأةً دون أن يسبقه طرق أو استئذان ليظهر يوسف الذي صوب بصره نحو يد والده التي تمسك بيد مساعدته وعلى مقربة شديدة من بعضهما البعض.
حمحم والده تاركاً يد مساعدته.
"خدي أنتي الأوراق وروحي راجعيها."
لملمت الأوراق وعينيها لا تبرح عينين يوسف الذي يرمقها بنظرة أربكتها. عادت بالنظر إلى رأفت قائلة:
"حاضر يا فندم."
وذهبت أمام يوسف، فكان يجز على أسنانه فهو ليس أحمق حتى لا يدرك ماهية ما رآه، هناك ما يفعله والده سراً.
"مش عيب يا أستاذ يا محترم تدخل عليا من غير ما تخبط الباب وتستني لما أسمحلك تدخل ولا لاء؟!"
عقد ساعديه أمام صدره ويتحدث من مركز قوة.
"معلش يا رأفت بيه لو كنت قطعت على حضرتك قعدتك مع سوزي السكرتيرة."
نهض والده يصيح بغضب:
"أنت إزاي بتتكلم معايا كدة يا ولد؟! أنت نسيت نفسك ولا إيه؟! أنا ممكن..."
رفع يوسف يده ليقف والده عن إكمال تهديده المعتاد.
"كفاية بقي كل ما نشد مع بعض تقعد تهددني بأنك هاتسحب مني العربية ورصيدي اللي في البنك، أنا أصلاً سيبتلك العربية في الفيلا والكريدت كمان، أنا جيتلك النهاردة عشان أقدملك استقالتي."
أخرج من جيب سترته الداخلي ورقة ووضعها فوق المكتب.
"اتفضل."
همّ بالذهاب أوقفه والده.
"استني عندك."
سار نحوه وكان الآخر يتحاشى النظر مباشرة إلى والده الذي أخبره:
"أنا لو أب قاسي زي ما بتروح تقول لمامتك، كان زماني رزعك قلمين على وشك دلوقتي وندهتلك الأمن يطردوك قدام الموظفين عشان ما يبقاش ليك عين تدخل الشركة تاني."
"أنا..."
قاطعه والده بحدة:
"أنا لسه مخلصتش كلامي، أنا هحاول أتغاضى عن أي حاجة صدرت منك ولا كأني سمعت، ولأخر مرة مفيش بعدها مرة تانية، هديلك يومين تفكر فيهم، يا تعقل وترجع لمكانك في الشركة وتكمل نص دينك يمكن ربنا يهديك، يا إما أقسم بالله لهتشوف مني وش ما شوفتوش قبل كدة، مش هقولك اسطوانة كل مرة، لكن هتتفاجئ باللي عمرك ما هتتخيله، وأنت عارف أبوك كويس لما بيهدد مرة التانية بينفذ."
لم يستطع أن يتحمل توبيخ والده أكثر من ذلك، وحتى يضمن أن لا يتهور بحديث يجعله يخسر والده غادر غرفة المكتب. وقفت سوزي عندما رأته فحدق إليها بازدراء وذهب.
اصطدم بشقيقه في طريقه.
"يوسف، اسـ..."
لم يقف يوسف إليه ومضى سريعاً. تعجب نور لأمر شقيقه، ذهب إلى والده ليعلم منه ما حدث، وقبل أن يفعل ذلك نظر إلى سوزي التي عندما رأته انخرطت في البكاء. اقترب منها قلقاً عليها.
"مالك يا سوزي فيه إيه؟ بابا زعلك أو يوسف؟"
قد قررت استغلال اعترافه بحبه إليها، وجدتها فرصة لا تعوض، فوالده غير مضمون ولا يعطي لها كل ما تريده من مال أو غيره من سيارة أو منزل، يكفي أنها زوجته في السر وعرفي أيضاً حتى لا يصبح لها حق في الإرث.
رفعت وجهها وأخذت تمسح بالمحرمة دموعها لتظهر أمام نور بالضعف لتمتلك قلبه أكثر.
"مستر يوسف كان لسه عند رأفت بيه وشكلهم كانوا بيتخانقوا وأول ما خرج من المكتب بص لي من فوق لتحت بقرف من غير ما أعمله أي حاجة."
اقترب منها أكثر وأخرج من جيبه محرمة وأخذ يمسح لها دموعها.
"معلش بالتأكيد مكنش يقصد، حقك عليا أنا، ممكن عشان خاطري كفاية دموع."
اقترب منها أكثر فأكثر حتى كادت تصبح بين ذراعيه يخبرها مردفاً:
"ما أقدرش أستحمل دموعك، قلبي بيوجعني لما شوفتك في الحالة دي."
توقفت عن البكاء وداخلها يتراقص مثل الحية عندما تصل إلى هدفها. نظرت إليه وبصوت أنثوي رقيق للغاية:
"مستر نور، أنا موافقة على طلبك."
تراجع خطوة للوراء والدهشة تعلو ملامحه.
"قصدك موافقة تتجوزيني؟"
هزت رأسها بالإيجاب وأخبرته بدهاء:
"اه، بس على شرط نعمل فترة تعارف زي الخطوبة نقرب منها انت تعرفني وأنا أعرفك."
اتسع ثغره بابتسامة عارمة.
"شرطك أمر وأنا تحت أمرك يا روح وقلب نور."
"وفيه حاجة تانية كنت عايزة أعرفها."
"قولي يا حبيبتي."
"مراتك هاتعرف ولا أنت هتخبي عليها وجوازنا هيبقي في السر؟!"
برغم ما يشعر به من توتر عندما أتت له بذكر زوجته وعواقب قراره الأهوج، لكنه تحلى بالشجاعة والعزم أمامها.
"أيوة هاقولها بس بعد ما نتجوز، وما تقلقيش مش هتعمل أي حاجة. بالنسبة بقى لبابا..."
داهم الخوف قلبها فقاطعته:
"لاء، قصدي بلاش رأفت بيه يعرف بأي حاجة، أقل حاجة هيعملها معايا هيطردني من الشركة."
ابتسم مرة أخرى مما جعلها تتعجب من رد فعله الغريب. أوضح لها:
"ما أنا كدة كدة أول ما هنتجوز هاقعدك من الشركة، وما تقلقيش ليكي كل شهر مبلغ أضعاف مرتبك اللي بتاخديه هنا، غير العربية، غير الشقة أو الفيلا اللي هتشاوري عليها."
كم هي نادمة أنها عجلت في الموافقة على الزواج من هذا الرأفت وبيع نفسها له بثمن بخس، وها هو نجله كالمارد الذي يريد تحقيق كل أحلامها وهي من تملي شروطها أيضاً وليس هو كما فعل معها والده.
"سرحتي في إيه يا سوزي؟"
انتبهت إليه وعادت من أفكارها الشيطانية قائلة:
"بتخيل حياتي معاك هتبقي إزاي."
أمسك يدها يخبرها:
"هتبقي جنة."
صدح رنين هاتف المكتب، ابتلعت ريقها وقالت:
"ده رأفت بيتصل."
"ردي عليه وأنا كدة كدة راجع على مكتبي، هاتصل عليكي بالليل نكمل كلامنا."
"تمام."
نظرت إليه مبتسمة، وبعد أن ذهب تلاشت ابتسامتها وجلست على الكرسي تفكر كيف تلعب على كلا الجانبين دون خسائر، بينما الضمير لديها في سبات بل في غيبوبة لن يستيقظ منها قط.
***
تجلس بجوار النافذة شاردة فيما يحدث من حولها، خسرت عملها الذي تقتات منه ورقات من المال تساعد مع معاش والدها، تُتهم بالسرقة وهي لن تقبل قرشاً من الحرام وذلك كان ثمناً لأنها دافعت عن عرضها بكل ما أوتيت من قوة، وهناك أكبر همومها وهو أمر شقيقتها التي أصبحت كالجارية يفعل زوجها ما يشاء بها، ضرب، إهانة وهي تتقبل كل ذلك بصدر رحب، يكفي إنها تعيش على ماله الآتي من بيع المخدرات، حرام يدخل البيت فيقلب حياتهما للجحيم فما العجب في ذلك؟!، وآخر الهموم كلما ذهبت إلى كل متجر للعمل يعتذر إليها صاحب المتجر بأنه ليس لديه وظيفة شاغرة لديها فتعود خالية الوفاض.
"بت يا غرام."
كان صوت سماح الذي وقفت أسفل النافذة فأنتبهت إليها الأخرى بنفاذ صبر:
"نعم يا سماح عايزة إيه؟"
"مالك ياختي متزرزرة عليا كدة ليه؟! الحق عليا جايبالك شغل وفلوسه حلوة أوي، أحسن من مرمطك في المتروهات بشوية عبايات مضروبة."
زفرت الأخرى بضيق أوشك على الغضب:
"انجزي يا سماح وقولي."
اقتربت من حافة النافذة تخبرها بصوت خافت تسمعه غرام فقط:
"بصي هبعتلك رقم واحدة على الواتس هتتواصلي معاها، هي من أمريكا بس بتتكلم لبناني على فلسطيني أو أردني، ما تفهميش جنسيتها إيه بالظبط، المهم هاتطلب منك بياناتك وصورة ليكي وهتبلغك بالمطلوب منك."
"ويا تري هي مين الست دي وإيه اللي هاتطلبه مني؟!"
تراقب الأجواء من حولها حتى لا يسمعها أحد سوى غرام.
"بصي اسمعيني للأخر من غير ما تقطعيني، هي كل اللي هتطلبه منك مقاطع فيديو ليكي مخبية وشك ولا بسه هدومك عادي مرة وأنتي بترتبي أوضتك، مرة وأنتي بتطبخي، أي حاجة أنتي بتكنسي مثلاً أو بتمسحي، بس تكوني باينة كلك على بعضك، وهتاخدي على المقطع الواحد 200 دولار، وأنتي وشطارتك لو عملتي مقطعين ولا أربعة ولا خمسة في الأسبوع الواحد، أحسبي بقى كمان لما يتحولوا بالمصري."
عقبت الأخرى بسخرية:
"ويا سلام بقى لو الهدوم خفيفة واللي تحتها باين ولا تكون مبلولة ولازقة عشان تجيب فلوس أكتر صح؟"
ابتسمت سماح كالحمقاء:
"برافو عليكي، طول عمرك ناصحة."
هنا لن تعد غرام في تحمل أمر آخر، صاحت بصوت وصل إلى جميع سكان الحارة:
"بقولك إيه يا سماح، أنا سيباكي يا حبيبتي تتكلمي وتقولي كل اللي عندك عشان أقطع الشك اللي جوايا وأكذب اللي بسمعه عنك على كل لسان رجالة وشباب حتى الصبيان الصغيرة في الحارة، أتاريهم عندهم حق وما خفايا كان أعظم، عايزاني أعمل زيك ألبس المحزث والملزق والشفاف وأتصور فيديوهات عشان إيه، شوية دولارات أخسر بيهم دنيا وآخرة وسمعتي؟!"
كانت تتوقع أن الأخرى تبتعد أو تخشى الرد لكن حدث نقيض ذلك.
"مالك يا بت شايفة نفسك عليا كدة ليه، فاكرة نفسك مين يا ختي، والكلاب اللي بيجيبوا في سيرتي أخواتهم وأمهاتهم فيديوهاتهم مالية التيك توك يعني لا تعايرني ولا أعايرك، واللي بيته من إزاز ما يحدفش الناس بالطوب يا عينيا."
تجمع المارة وبعض الجيران فتدخل سعيد شقيق غرام.
"أخواتنا وأمهاتنا أشرف منك يا سماح، ولا الوسخ فاكر كل الناس وسخة زيه."
صاحت غرام في شقيقها:
"واد يا سعيد ما تدخلش في الكلام وأدخل جوة."
ثم التفتت إلى سماح وتمسك بخشب النافذة قائلة:
"وأنتی يا أخت سماح روحي أتكلي على الله ربنا يهديكي أو يهدك، المهم تريحنا منك، عن إذنك."
أوصدت النافذة في وجهها وتركتها تتشدق كالتي فقدت عقلها حتى توقفت عن الصياح عندما رأت عاطف يحدق نحوها بازدراء.
***
في صباح اليوم التالي...
"واد يا سعيد، بت يا ابتسام قوموا يلا جهزوا نفسكم عقبال ما أعملكم الفطار والسندوتشات."
تناديهم والدتهم، وكانت غرام مازالت مستيقظة منذ الأمس، لم تأكل ولم تملك الرغبة في التحدث مع أحد، آثرت الصمت حتى لا تزيد من الآلام داخلها، وكيف لا تزيد وتجد كل أبواب العمل مغلقة مهما سعت إليها.
اكتفت ابتسام بالرد على والدتها:
"ما تعمليش حسابي يا ماما، أنا مش رايحة المدرسة النهاردة."
وصدح صوت سعيد أيضاً:
"وأنا مش رايح عشان المستر حلف علينا امبارح اللي مش هيدفعله فلوس المجموعة مش هيدخله المدرسة."
ولجت والدتهم إلى الغرفة تسأل ابنتها:
"وأنتي يا ست ابتسام يا أم ثانوية عامة، مش هاتروحي ليه؟"
لو تعلم السبب الحقيقي لعدم ذهابها إلى المدرسة وهو تخشى وتخجل في آن واحد من رؤية معلمها الذي رآها تخرج من منزل مهجور وخلفها عثمان يناديها، تلاقت عينيها برماديتين حسن الذي حدقها بغضب شديد، لم تملك الشجاعة لتكذب على سبيل الدفاع عن نفسها، واختارت الفرار من أمامه غير مكترثة لنداء عثمان.
"تعبانة شوية ومش قادرة، وبعدين معظم أصحابي مش بيروحوا، أنا اللي بيخليني أروح عشان ما باخدش درس غير الإنجليزي والرياضة وباقي المواد معتمدة على شرح المدرسين اللي ما بيشرحوش أصلاً."
نهضت غرام وأخيراً تخلت عن صمتها:
"واد يا سعيد قوم ألبس وروح وأنا إن شاء الله قبل جرس المرواح هتلاقيني عندك، هدفعلك الفلوس."
وأخبرت شقيقتها:
"وأنتی شوفي عايزة تاخدي درس في مواد إيه ومع مين وقوليلي المبلغ المطلوب وهيبقي عندك على بكرة."
"وهاتجيبيلهم منين يا بنتي، ده المعاش فاضل منه 500 جنيه واحنا يا دوب في نص الشهر."
كان حديث عزيزة وتشعر بالحزن نحو أبنائها، فهي تعجز عن تقديم لهم كل ما يحتاجونه، فهي صاحبة مرض مزمن يجعلها غير قادرة على العمل.
كانت غرام قد فتحت الخزانة وأخذت المال المتبقي معها ومدت به يدها إلى والدتها:
"اتفضلي يا أمي خلي دول معاكي وبإذن الله هتفرج من عند ربنا."
ونظرت نحو حقيبة الملابس المليئة بملابس قد اشترتها وقامت بتخزينها إلى أن تصبح عروسا!
***
وفي مكان آخر في حي المعادي كان قد استيقظ للتو من أجل الذهاب إلى عمل مقابلة في إحدى الشركات، بعد أن رأى الإعلان عن طلب مديرين تسويق على صفحة خاصة بالوظائف على موقع التواصل الاجتماعي الشهير.
"أنت رايح فين على الصبح يا يوسف؟"
ألتفت الآخر إلى صاحبه وأخبره:
"رايح interview في شركة طالبة التخصص بتاعي."
اقترب منه صاحبه متعجباً:
"أنا هاتجنن منك، يبقى باباك رأفت بيه الشريف صاحب أشهر براند في مصر ومصانع وسلسلة محلات في كل محافظة ورايح تقدم على شغل في شركة تانية يا عالم دول صادقين ولا نصابين؟!"
انتاب الآخر حالة من الضيق فنظر إلى صاحبه بامتعاض:
"لأن ما بحبش التحكمات والتهديد كل شوية، وأنا هوري بابا ونور إن من غيرهم قادر أعيش واعتمد على نفسي."
"غلط يا يوسف، أنت صاحبي وبعزك جداً، والصاحب لما بيشوف صاحبه في شدة يقف جمبه ويقدم له النصيحة اللي توصله لبر الأمان، والأمان إنك تكون مع عيلتك، تكون في ضهر باباك وأخوك، هم عايزين مصلحتك وأنت فاهمهم غلط، أدي لنفسك فرصة تانية وقرب منهم مش يمكن حالك يبقى أحسن؟!"
ابتسامة ساخرة غزت شفتيه:
"الأحسن إن أعمل نفسي بنفسي، مش أعتمد على حد حتى لو كانوا أهلي."
***
"أي عباية وأي فستان بـ 200 جنيه وبس، يلا عرض خاص ومش هايتكرر، كل قطعة بالتيكت بتاعها، واللي هتاخد 3 قطع هعملها خصم 100 جنيه."
ظلت تكرر حديثها داخل القطار وتقوم بعرض الثياب أمام أنظار السيدات والصبايا، تم بيع القليل من القطع وبدأ توافد النساء عليها للشراء، توقف القطار في المحطة وولجت بائعة على معرفة بها، اقتربت منها لتخبرها بهمس:
"انزلي المحطة الجاية عشان اللي بعدها فيها تفتيش، والظابط المسؤول هناك أجارك الله من رخامته وشره."
"تسلميلي يا حنان."
لملمت سريعاً الثياب من أيادي السيدات.
"معلش يا جماعة أنا هنزل المحطة الجاية."
وفي مكان آخر ليس ببعيد يقف في حيرة من أمره بعد أن كاد يطلب رحلة من تطبيق التوصيل للذهاب إلى الشركة، وجد المبلغ المطلوب أكبر من ما يملكه حالياً.
ألقى نظرة على عنوان الشركة فوجده يقع بالقرب من محطة قطار تبعد عن الحي بثلاث محطات، أخذ يلتفت حوله فوجد إنه على مقربة من محطة المعادي. شعر بالجوع فهو لم يأكل منذ أمس، وجد مطعم خاص بعمل الشطائر والأكلات الشعبية كالفول والفلافل.
ذهب وقام بشراء أربع شطائر جبن مقلي وسار نحو المحطة من الخارج باحثاً عن مكان ليجلس فيه ويتناول فطوره، وجد متجر لبيع العصائر الطازجة يوجد به مقاعد للاستراحة، جلس بعد أن طلب من البائع:
"عصير قصب لو سمحت."
سأله الرجل:
"صغير ولا كبير يا كابتن؟"
نظر إلى ما تبقى معه من مال وقال:
"صغير وعايز إزازة مياه."
أشار الرجل إليه نحو براد عرض المشروبات الباردة وزجاجات المياه المعدنية:
"اتفضل عندك أزايز المياه في التلاجة."
رفع جانب فمه بسخرية، يتحدث بتهكم على ما يحدث معه:
"فينك يا منيرة هانم، تيجي تشوفي ابنك مش معاه يركب أوبر وهييشرب عصير قصب."
أخذ زجاجة المياه من البراد وجلس على المقعد ليتناول الشطائر أولاً.
وأمام المتجر على الجهة المقابلة تقف وتحمل الحقيبة البلاستيكية المليئة بالثياب، تشعر بالعطش الشديد وبعض الدوار، فهي لم تأكل أيضاً منذ أمس وربما من قبل.
عبرت الطريق وذهبت لتستريح قليلاً على مقعد شاغر، ترفع يدها إلى البائع:
"لو سمحت يا عم جمعة واحد قصب صغير وكوباية ميه."
ابتسم إليها البائع قائلاً:
"يا صباح النور، عاش من شافك يا غرام، بقالك فترة ما بتجيش."
"ما بنزلش المعادي كتير، ما أنت عارف الناس هنا ما لهمش في البضاعة اللي بتلف المترو، دول زباين سيتي ستارز، كايرو فيستڤال، شغل ماركات عالية مش شغل التقليد ولا المحلي اللي معانا."
كان الذي يتناول فطوره منتبهاً إلى الحديث خاصة مع صاحبة الصوت المألوف لديه، يريد رؤية وجهها لكنها تجلس موليه ظهرها إليه.
بينما عقب عم جمعة:
"والله يا غرام ما كلهم، ما تخدعكيش المظاهر، ممكن واحد لابس بدلة شيك وأحدث موديل لزوم الوجاهة لكن لو دورتي في جيبه معهوش غير حق المواصلات."
توقف الآخر عن الأكل وحدق إلى البائع بحنق، يقول في نفسه:
"يا عم ده أنت لو قاصد تلقح مش هتقول كدة."
ردت غرام على حديث البائع قائلة:
"على رأيك يا عم جمعة، ربنا عالم بحال كل واحد فينا، ربنا يرزقنا جميعاً."
"آمين يارب."
أخذت الكوب وشربت العصير ويليه كوب الماء.
"عايز حاجة مني يا عم جمعة؟"
أخرجت ورقة بفئة الخمس جنيهات وتعطيها إليه، رفع الآخر يده برفض:
"والله ما هاخد ولا مليم، ومش عايز حاجة منك غير تيجي تسلمي عليا، ولا محتاجة أي حاجة أنا زي والدك الله يرحمه."
ابتسمت الأخرى وأخبرته بامتنان:
"تسلم الله يباركلك."
رفعت الحقيبة الكبيرة واستدارت لتغادر فتعثرت في مقعد مقلوب، وقعت الحقيبة وتناثرت أغلفة قطع الثياب وهي كانت على وشك أن تقع. نهض يوسف وأمسك ساعدها.
"حاسبي."
نظرت إليه واتسعت عينيها، تمتلك ذاكرة حديدية، سرعان قامت بالتعرف عليه:
"أنت اللي كان مقبوض عليك أداب في قسم دار السلام أول إمبارح؟"
جز على أسنانه بحنق ثم وجه إليها إهانة مماثلة:
"ما أنا برضو فاكرك، مش أنتي اللي كان مقبوض عليكي في تهمة سرقة برضو؟"
ابتسامة صفراء زينت ثغرها يليها رد هازئ:
"دي كانت تهمة متلفقة والحمدلله أفرجوا عني بعد ما ظهرت برائتي، الدور والباقي على الممسوك أداب."
كان سيخبرها بدفاع عن حاله إنه لا علاقة له بتلك التهمة ولا يعلم لما يبرر لها، لكن ما لفت انتباهه بقوة أغلفة الثياب المدون عليها العلامة التجارية الخاصة بشركات والده. أخذ القطعة ودقق النظر في البيانات المدونة على الغلاف، أخرج الثوب منه وقام بلمسه وفحصه ليكتشف أن تلك القطعة تقليداً لما ينتجونه.
"هات الفستان خليني أمشي، ولو هاتشتريه بـ 200 جنيه."
ابتسم إليها وعقب ساخراً:
"يعني مقلدين براند أقل فستان فيه ما يقلش عن 2000 جنية وكمان بتبيعوه بـ 200، لاء واضح إنك بريئة من السرقة بس نصابة كبيرة."
ارتجفت من داخلها لكنها صاحت في وجهه:
"أنت بتبرطم بإيه يا جدع أنت، أنا ولا حرامية ولا نصابة، أنا شارية الهدوم دي من محل عندنا، روح أسألها بنفسك لو مش مصدقني."
اختطف الحقيبة من يدها وبيده الأخرى يجري مكالمة هاتفية.
"أيوة يا نور، هابعتلك الـ location تعالي وهات معاك المسؤول القانوني والرجالة وتعالوا بسرعة."
"هببت إيه تاني يا يوسف؟"
ابتسم بظفر ويرى غرام تقف أمامه تحاول استيعاب ما يتفوه به، أجاب على شقيقه:
"لاقيت مين اللي بيضرب بضاعتنا في السوق."
يتبع...
رواية غرام في المترو الفصل السابع 7 - بقلم ولاء رفعت
ترجل يوسف من سيارة الأجرة وجذب يد غرام عنوة، فصرخت به:
"أوعي إيدك، أنا قولتلك مليش دعوة بمين بيقلد حاجتكم، أدخل لمدام رشا و أسالها."
أشارت إليه نحو متجر رشا، حدق يوسف إليها بوعيد:
"كله هيبان دلوقت، اتفضلي قدامي."
ذهبت غرام وهو يتبعها حتى ولج كلاهما إلى الداخل. ترددت غرام قليلاً قبل أن تنادي صاحبة المتجر التي كانت تقوم بضبط وضع البضاعة على الرفوف:
"مدام رشا."
استدارت الأخرى إليها وما إن رأتها صاحت بعدائية:
"غرام! أنتي إيه اللي جابك هنا؟ مش حبستي أخويا جاية عايزة تلبسيني مصيبة أنا كمان؟!"
تقدم يوسف ليجنب غرام الحديث مع تلك المرأة:
"أنا اللي جاي لحضرتك."
نظرت الأخرى إليه وسألته بنبرة هازئة:
"و أنت مين أنت كمان؟"
"أنا يوسف الشريف، المدير التسويقي لشركة وبراند Y&N."
لم تكن تتمتع بفطنة أو سرعة بديهة:
"نعم برضو حضرتك عايز إيه؟"
"عايز أعرف فين المصنع اللي بيتوردلك منه البضاعة المضروبة وتقليد للبراند بتاع مصانعنا."
صاحت بنفاذ صبر بعد أن شعرت بالاتهام:
"و أنا مالي ببضاعتكم اللي بتتقلد، أنا واحدة صاحبة محل و بشتري البضاعة من تجار الجملة أو الموردين ليهم."
زفر يوسف بنفاذ صبر من تلك الحمقاء:
"ما أنا عارف يا..."
تابعت هي:
"مدام رشا."
"بصي يا مدام رشا، الموضوع و ما فيه إحنا بقالنا فترة بنتحارب من كذا إتجاه من ضمن الحرب واحد صاحب مصنع من بتوع بير السلم، بيقلد تصاميم البراند بتاعنا و من بجاحته منزلها بتيكت إسم المجموعة عشان الناس تصدق إن الهدوم فعلاً من عندنا، الناس البسيطة هتصدق خدعة النصاب، لكن الناس اللي متعودة تشتري من فروعنا عارفين الفرق ما بين الأصلي و التقليد."
تنهدت الأخرى وهي تنظر نحو غرام تارة ثم تعود بالنظر إلى يوسف لتخبره:
"أنا هكتبلك عنوان المصنع واتصرف أنت معاه."
قامت بتدوين العنوان إليه ثم نزعت الورقة وأعطتها إليه:
"أتفضل."
أخذها وأمعن النظر في العنوان المدون:
"شكراً، و آسف على الإزعاج."
غادر المتجر وأجرى اتصالاً هاتفياً:
"ألو يا نور؟... بقولك أبقي هات الرجالة عشان لو حصل أي أمر طارئ... أنا هابعتلك العنوان في رسالة... يلا سلام."
أنهى المكالمة والتفت إلى غرام فقالت له:
"صدقتني بقي؟"
شعر بالحرج من معاملته القاسية معها واتهامه إياها دون دليل. وجد عليه الاعتذار، ظهرت على وجهه ابتسامة:
"أنا آسف على سوء التفاهم اللي حصل مني، لكن..."
صاحت الأخرى بغضب:
"سوء تفاهم إيه بالظبط؟! ما أنا قولتلك أنا مليش دعوة من الأول، لأن إحنا كبايعين سواء محلات أو مندوبين يا دوب آخرنا بنستلم البضاعة و بنبيعها ملناش دعوة بقي مضروبة و لا أصلية."
اقترب منها للغاية وبنظرة يعلم مدى تأثيرها على جنس حواء قال لها:
"و أنا أعتذرتلك، عايزاني أعملك إيه تاني يعني؟"
رفعت إحدى حاجبيها بتعجب وظلت تنظر إليه ثم أجابت:
"و لا حاجة، أظن كدة خلاص مهمتي انتهت عن إذنك."
"غرام؟"
أوقفها نداءه قبل أن تذهب، لكن أصابتها الدهشة عندما ذكر اسمها التي لم تخبره به بعد. التفتت إليه ولاحظ دهشتها، علل مخبراً إياها:
"مش اسمك غرام برضو زي ما الست اللي جوة نادت عليكي؟"
زفرت بضيق فأجابت:
"نعم؟"
أخرج شيئاً من محفظته الجلدية ومد يده بها إليها:
"ده الكارت بتاعي عليه كل أرقامي، لو احتاجتي أي حاجة كلميني."
لم تأخذ البطاقة وأخبرته برفض:
"و أنا مش بشحت، أنا بشتغل بياعة على باب الله وبكسب الفلوس بتعب وشقى."
ابتسم وعقب على ردها الذي زاده إعجاباً من موقفها الذي ينم عن فتاة ذات عزة وكرامة:
"و أنا مش بديكي أرقامي عشان تشحتي مني، أنا أخدت بالي إنك سيبتي الشغل مع اللي اسمها رشا و واضح من رد فعلها أول ما دخلنا عليها إن ما بينكم مشكلة."
"لماح، أيوة سيبت الشغل معاها، لأن ما بحبش الظلم و الافتراء."
تحفظت بالسبب الرئيسي داخلها وهو ما اقترفه رجب بها من محاولة فاشلة انتهت بزجه داخل السجن.
"و إحنا عمرنا ما ظلمنا حد، و اللي بيشتغل عندنا بنعمله كأنه واحد مننا."
بارقة أمل لمعت أمام عينيها، نظرت في البطاقة ثم أخبرته بشبه ابتسامة:
"متشكره يا يوسف بيه."
ذهبت من أمامه فصاح:
"هستنى تكلميني."
توقفت المركبة ذات الثلاث إطارات أمامها، وقبل أن تصعد داخلها هزت رأسها إليه مبتسمة.
***
يصدح رنين الجوال أعلى الكمود، تقلبت بجوار زوجها ثم فتحت عينيها والنوم مازال مسيطراً عليها، لكن عندما رأت هوية المتصل انتفضت ونهضت على الفور. ضغطت على الزر الجانبي لكتم صوت الرنين، ألقت نظرة على رأفت الذي يغط في سبات عميق، تنفست الصعداء ونهضت دون إصدار صوت أو حركة. ذهبت إلى غرفة أخرى وأجابت بصوت خافت:
"ألو يا نور بيه."
جاء صوته إليها بلهفة عبر السماعة:
"وحشاني أوي، وبعدين إيه نور بيه دي، عمرك شوفتي تقول لجوزها يا بيه؟"
"جوزها! أنا لسه موافقتش على فكرة."
"اعتبر ده رفض؟"
"لاء، بس أنا لسه بفكر."
"أنا ممكن أديكي مهلة لمدة يومين، وعلى أخر اليوم التاني هستناكي في العنوان اللي هابعتهولك في رسالة، دي هتبقى هديتك الأولى لو وافقتي."
"تمام."
"أنا عارف بتصل في وقت متأخر، بس بصراحة مقدرتش أستنى لحد بكرة، أصل صوتك واحشني زي ما كل حاجة فيكي واحشاني."
ابتسمت وتلاشت بسمتها حينما سمعت صوت سعال زوجها، أخبرت نجله مسرعة بصوت خافت:
"معلش مضطرة هقفل معاك دلوقتي، ماما بتنادي عليا، يلا باي."
أنهت المكالمة على الفور وذهبت لتطمئن أن رأفت مازال نائماً فوجدته كما تركته منذ قليل، تنفست الصعداء فعادت جواره تتمدد، تنظر نحو زوجها وعلى وجهها ابتسامة شيطانية نتجت عن ما عزمت عليه دون رادع، فالطمع قد أعمى البصيرة لديها وجعلها تنسج شباك من خيوط واهية ستكون فخاً لها لا محالة.
ولدى نور الذي يرسل العنوان إليها عبر برنامج الدردشة الشهير، يشعر بالسعادة فقد اقترب على تحقيق ما يريده هو. اختياره الحر دون تدخل من والده الذي يفرض عليه كل شيء ويجب عليه السمع والطاعة.
"يا تري مين اللي كنت بتكلمها وخلتك مبسوط أوي كدة."
التفت والفزع على ملامحه، رأى زوجته تقف عاقدة ساعديها أمام صدرها، تنتظر إجابة كاذبة بالطبع:
"أنتي هنا من أمتي؟ وبعدين مين اللي سمحلك تتصنتي عليا؟!"
جلست على مقعد طاولة الزينة، تمسك بالفرشاة تمشط خصلات شعرها المسترسل، تحدق إليه عبر المرآة بنظرة مبهمة يشوبها ابتسامة ساخرة:
"ما تقلقش، أنا عارفة من وقت كبير إن فيه واحدة تانية في حياتك، وواضح إنك أنت اللي بتجري وراها."
تركت الفرشاة وأخذت علبة الكريم تأخذ منه القليل وتضعه على يديها وعنقها، تتابع حديثها:
"طبعاً مستغرب إزاي معملتش زي أي واحدة تكتشف خيانة جوزها، تتخانق وتزعق أو تغضب، لكن دول الستات الخايبة اللي ما بتعرفش تاخد حقها بذكاء."
نهض ووقف خلفها ينظر إلى صورتها في المرآة، يسألها بوجه متجهم الملامح:
"قصدك إيه؟"
قامت واستدارت لتصبح أمامه وجهاً لوجه، علقت ذراعيها حول عنقه، تبتسم بدهاء وتجيب بتحذير يقرب إلى التهديد:
"خد بالك يا بيبي، لأن مش هنبهك تاني."
ابتعدت عنه واتجهت نحو غرفة الثياب المتفرعة، تناولت علبة مخملية من إحدى الرفوف ثم عادت إليه وتفتح العلبة، تأخذ منها سواراً مرصعاً بقطع الألماس الباهظة، ترتديها حول معصم يدها وسط صدمته وفكه الذي تدلى، هذا السوار اشتراه من متجر المجوهرات منذ يومين ليهديه إلى سوزي!
رفعت ساعدها أمام عينيه تستعرض السوار بمكر وكيد كاد يقتله من الحنق:
"آه صح يا نور، نسيت أقولك mercie يا حبيبي على هدية عيد جوازنا اللي هنحتفل بيه بعد شهرين، بصراحة زوقك يجنن."
كان يشد كلا من قبضتيه بقوة، ويجز على أسنانه وعروق عنقه نافرة من دماءه التي تفور من الغيظ. اقتربت منه قبل أن تستلقي فوق الفراش، تهمس إليه:
"تصبح على خير يا نور."
قامت بتقبيل خده وبداخلها تنتشي من لحظة الانتصار وهي تراه مكتوف الأيدي وفي خوف من علم والديه عن أمره الذي يخفيه.
***
ذهب يوسف إلى النادي الخاص بالطبقة الأرستقراطية نظراً للمبلغ الباهظ الذي يدفعه أعضاؤه كاشتراك سنوياً.
قد قامت والدته بالاتصال عليه وأخبرته تريد رؤيته لأمر لا يتحمل التأجيل، فذهب ليرى ماذا تريد.
تجلس برفقة كاميليا وصديقتها السيدة راندا وابنتها المدللة ماهي التي سألت منيرة:
"هو يوسف ليه أتأخر يا طنط؟"
"ما تقلقيش يا حبيبتي، زمانه جاي لسه قافل معايا وقال إنه وصل على البوابة."
نظرت في شاشة الهاتف للتأكد من ضبط هندامها قبل مجيء يوسف:
"أهو يوسف جه."
قالتها كاميليا، رفعت يدها إليه:
"تعالي يا يوسف، إحنا مستنينك."
اقترب منهم وانتابه الضيق من والدته التي دبرت موعداً مع ماهي، هذه المدللة التي لا تكف عن اللحاق به.
وجد والدته تنظر له أن يتبادل التحية والمصافحة مع صديقتها وابنتها:
"تعالي يا يوسف سلم على طنط راندا و ماهي."
أكتفى بفعل ذلك دون تصافح بالأيدي:
"أهلاً يا طنط يا راندا."
ابتسمت إليه الأخرى:
"أهلاً يا حبيبي."
"هاي چو."
قالتها ماهي ونهضت فاقتربت منه تمسك بيده دون خجل أمام والدتها والأخريات:
"تعالي لما أحكيلك عن رحلة الساحل اللي فاتتك، عن إذنك يا مامي."
سار يوسف معها على مضض حتى وصل كلاهما إلى المسبح:
"إيه يا چو مابقتش ترد عليا فون أو تسأل عني، أنت زعلان مني؟"
أطلق زفرة ثم أجاب:
"مشغول شوية."
"مشغول إزاي وأنت بتروح النايت مع رامي، ولا فاكرني معرفش حاجة عنك."
رفع إحدى حاجبيه يسألها ساخراً:
"ده أنتي بترقبيني بقي؟!"
"لاء، بس أخبارك بتيجي لحد عندي من غير ما أدور وراك."
"ماشي يا ماهي، ياريت تشيليني من دماغي ومن الأخبار اللي بتيجي لحد عندك، لأن أنا زي ما قولتلك قبل كده، أنا بعتبرك زي أختي."
شهقت وكانت على وشك البكاء:
"وأنا رديت عليك وقولتلك أنت بالنسبة لي إيه، أنا بحبك أوي يا يوسف، وأنا اكتر واحدة مناسبة ليك، بنحب الخروج والسهر، دماغنا زي بعض."
زفر بضيق وقال:
"بس أنا مش تافه ودماغي فاضية."
شهقت مرة أخرى بصدمة:
"أنا تافهة يا يوسف؟!"
"يوه، بقولك إيه هاتعيطي هاسيبك وأمشي."
حدقت إليه بوعيد وأخبرته:
"وعلى إيه، أنا اللي هاسيبك وأمشي."
وإذ فجأة قامت بدفعه في المسبح ليقع في الماء بثيابه وسط ضحكات من رأى ما حدث.
***
سمعت صوت مفتاحه وهو يضعه في فتحة القفل، ركضت سريعاً إلى داخل غرفة ابنها وتظاهرت بالنوم تجنباً لرؤيته أو التحدث معه.
"بت يا أحلام؟ واد يا ميدو؟"
ندائه بصوته المنكر هذا جعلها تضع كفها على أذنها، ولج إلى غرفتهما لم يجدها فذهب إلى غرفة ابنه فوجدها تغفو في سبات عميق، ابتسم وعاد إلى الغرفة الأولى ليتحدث في هاتفه دون أن تسمعه زوجته، بينما هي عندما سمعت صوت إغلاق باب الغرفة تيقنت أنه يخبئ شيئاً أو يحيك مصيبة كعادته.
نهضت ووضعت أذنها على الباب تسمعه يضحك ويتحدث عبر الهاتف:
"و أنتي كمان وحشتيني يا بت."
"ما أنا بكلمك عشان أقولك هعدي عليكي بكرة وهجيبلك المزاج اللي بتحبيه ومعاهم إزازة فودكا تحلو بيها قعدتنا."
"عايزه طبعاً أحمر دم غزال، ويا سلام لو قصير وضهره مكشوف، هيبقي عليكي إيه.."
اندفع الباب ورأت آخر وجهه لا يريد رؤيته:
"اه يا سافل يا خاين، مش كفاية مستحملاك ومستحملة قرفك، كمان بتتفق مع الـ.... اللي بتخوني معاها عشان تروحلها."
"سلام أنتي يا وزة هكلمك بعدين."
أنهى المكالمة وألقى هاتفه على المقعد، وبدون خجل بل وجرأة سافرة يخبر زوجته:
"آه بخونك، وهخونك، عندك مانع؟"
"و كمان ليك عين و بتقولها في وشي؟! يالهوي."
أخذت تصرخ، اقترب منها ووضع كفه على فمها:
"اخرصي لأخنقك، مش أنتي اللي عملالي زعلانة ومانعاني أقربلك؟!"
أزاحت يده بصعوبة لتخبره:
"أيوة ومش هاتقرب مني تاني غير لما تعترف بغلطك وتبطل القرف اللي أنت عايش فيه، لأن خلاص فاض بيا منك ومعدتش هاستحمل تاني ده وإهانتك ليا."
أخذ يضحك ويقهقه ساخراً منها:
"الله يرحم الحب اللي كان مولع في الدرة، تحبي أفكرك؟"
"كان يوم أسود يوم ما اتجوزتك يا شيخ."
اقترب منها ليعيد عليها آثام من الماضي:
"هو أنا ضربتك على إيدك وقولتلك وافقي، ولا أنتي اللي جيتي أتحايلتي عليا وكنتي هتبوسي رجلي عشان أكمل معاكي؟"
غمز بعينه فاتسعت خاصتها بصدمة تتذكر ما حدث منذ ثلاث سنوات:
"إيه اللي حصل بيني وبينك كان بسببك وكان مكتوب كتابنا، أنت بقي اللي كان نيتك تخلع مني بعد ما فضلت زي الشيطان تحوم حواليا لحد ما سلمتك نفسي، كنت فاكراك بتحبني زي ما بحبك، كنت بكدب أهلي وكل اللي كان بيقولي أبعد عنك لأنك واحد مالهوش أمان ولا بيخاف ربنا، بس أنا اللي أستاهل عشان بعتهم واشتريتك، وللأسف اشتريت الرخيص بالغالي."
جذب شعرها في قبضته وصاح بغضب جم:
"أنا برضو الرخيص يا و....، شوفي شكلك بقي عامل إزاي."
دفعها أمام مرآة الزينة وتابع:
"بقيتي شبه الست اللي عندها سبعين سنة، أنا بقرب منك عشان مزاجي وخلاص، لكن أنا مش شايفك أصلاً."
ردت بقلب جريح:
"شكلي اللي مش عاجبك بسببك أنت، لو أنت راجل ولو لمرة واحدة مكنش بقي ده حالي."
جذب شعرها بقوة فصرخت:
"راجل غصب عنك يا بنت الـ..."
استدارت بصعوبة صارخة به وتهوي بكفها على خده:
"أنت اللي.... وابن ستين....، أبويا الله يرحمه أنضف منك ومن اللي زيك."
كان الشر يتطاير من عينيه:
"بتشتميني وبتمدي إيدك عليا؟! ده أنتي ليلة أهلك سودة ومش هاسيبك غير لما ما أموتك."
ركضت من أمامه وهو يلحق بها، صفقت باب غرفة ابنها في وجهه، فقام بدفعه بجسده حتى استطاع كسره:
"وحياة أمك ما هاسيبك يا أحلام."
تمكن من الإمساك بها في ظل صرخات استغاثة أطلقتها لعل أحد يأتي وينقذها من يد هذا المجرم!
رواية غرام في المترو الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء رفعت
تتمدد أحلام على سرير المشفى في عنبر ملئ بالمرضي المصابين من قسم الطوارئ داخل مشفى حكومي.
تفتح عينيها فوجدت عائلتها تحيط بها من كلا الجانبين.
"حمدالله على السلامة يا ضنايا، حاسة بإيه دلوقتي؟"
كان سؤال والدتها والخوف ينضح من عينيها، تري ابنتها طريحة الفراش من أثر اعتداء زوجها العنيف عليها، نتج عنه كدمات في الوجه وشرخ في الساعد الأيمن، حول رقبتها طوق طبي لتقويم فقرات عنقها.
"أنا فين؟"
أخذت تنظر إليهم بتيه، تجد نظرات الشفقة من شقيقتيها غرام وابتسام والحزن على ملامح وجه والدتها.
اقتربت منها ابتسام التي تحمل ابن شقيقتها، تمسك بيدها تخبرها:
"أنتي في المستشفي، جبناكي على هنا بعد ما جيرانك كلمونا وقالولنا إنهم سمعوا جوزك بيتخانق معاكي وبيضربك وفجأة لقوه خارج من البيت وشايلك بيجري بيكي."
تذكرت ما حدث لها وكم الإهانة التي تلقتها من معايرة ونعت بالألفاظ النابية من زوجها، انتهى كل ذلك بمشاجرة ليست في صالحها ولم تتحمل توابعها من ضرب مبرح وفقدان الوعي.
"هو فين؟"
أجابت والدتها وكانت تكبت غضبها من ضعف شخصية ابنتها الذي جعل زوجها يفعل بها ما يحلو له:
"هايكون راح فين، اللهي داهية تاخده مطرح ما يكون، بتسألي عليه بعد اللي عمله فيكي؟!، ده مخلاش فيكي حتة سليمة."
عقبت غرام بسخرية:
"وفري كلامك يا ماما، عشان مفيش عقل بيفهم ولا كرامة هتنقح عليها."
اكتفت أحلام بالنظر إلى شقيقتها بعتاب وكبت دموعها، جاء الطبيب المسؤول عن علاجها.
"عاملة إيه يا مدام أحلام؟"
هزت رأسها وبضعف أجابت:
"الحمدلله."
"هو إيه اللي حاصلها يا دكتور؟"
سألته عزيزة فأجاب الآخر:
"ما حبيش عليكم جوزها أول ما جابها الطوارئ كان مغمي عليها وشها كان مايل للأزرق، كأنها في بداية حالة اختناق وزي ما أنتم شايفين كدمات على وشها وشرخ في دراعها."
شهقت والدتها:
"يا ضنايا يا بنتي، منك لله يا سمير الكلب، كنت عايز تقتلها."
نظر الطبيب إلى أحلام وأخبرها:
"جوز حضرتك هو اللي جابك وأول ما خدناكي عشان نعملك الإسعافات فجأة لاقيناه اختفى."
وإذا بصوت جاء صاحبه للتو من الخارج:
"أحلام حبيبتي، عاملة إيه يا روحي؟"
نظر إليه الجميع بازدراء وكذلك زوجته، أخبرهم الطبيب:
"كويس أنك جيت عشان الظابط مستني برة يحقق معاك."
اتسعت عينان سمير وشعر ببرودة في أطرافه، رأى نظرة شماتة في عينين غرام التي ألتزمت الصمت لأنها تعلم جيداً رد فعل شقيقتها نحو ما فعله زوجها.
التفت إلى الطبيب وقال برجاء:
"ممكن أقعد مع مراتي دقيقتين؟"
رفع الآخر زاوية فمه جانباً فأشار له على مضض:
"أتفضل، بس ياريت بسرعة عشان الظابط مستعجل."
وما أن ذهب الطبيب، جلس سمير جوار أحلام، يمسك بيدها يقبل ظهر كفها باعتذار وتوسل يثير الاشمئزاز.
"أنا آسف يا أحلام، حقك عليا والله أنا مش عارف إزاي ده حصل، أصل مكنتش في وعيي وإحنا بنتخانق، والله أنا ما هقرب منك كده تاني، حقك عليا وأدي راسك كمان."
قام بتقبيل جبهتها، علقت غرام:
"بذمتك مش مكسوف من نفسك، بتتأسفلها على إيه ولا إيه، أنا كان ممكن كنت خليتك رقدت مكان أختي، بس أنا هاخدلها حقها بالقانون، لما تترمى في الحبس ويا الشمامين والبلطجية اللي زيك."
نظر إلى زوجته ثم قال بصدق غير معهود:
"وأنا راضي طالما ده هيرضي أحلام وهيخليها تسامحني."
نظرت إليه وكان داخل عينيها آلاف الكلمات قد أدركها جيداً، عتاب ولوم والكيل قد فاض ما به من هموم وأحزان عاشتها بين يديه، حتى حانت تلك اللحظة أخيراً واختارت الصواب، افترقت شفتيها وتفوه لسانها بالطلب الذي وجب أن يحدث منذ البداية.
"طلقني."
تلتقط أنفاسها من الآلام، آلام قلبها وآلام جسدها، صعق الآخر لمطلبها فتابعت:
"طلقني لو عايزني أسامحك، وهقول للظابط مش إنك اللي عملت فيا كده."
"انتي بتقولي إيه؟!، ده يطلقك ورجله فوق رقبته وياخد جزاءه كمان."
صاحت بها غرام، فنظرت أحلام إليها بقلة حيلة، عقبت والدتها:
"طلقها يابني وسيبها في حالها، المرة دي ربنا ستر وراقدة على السرير، يا عالم المرة الجاية تجيبهالي بعد الشر عليها جثة."
وجد أن لديهم حق وكفى إلى هنا، كم عانت من بطشه وظلمه لها، لم يبالي إلى حبها إليه يومًا ويمن عليها بإتمام زواجه منها والذنب الذي حدث بينهما هو الذي تسبب فيه عندما كان يحوم كالذئب حول فريسته، استغل ضعفها وطيبة فؤادها من قبل الزواج وبعد الزواج تحول الاستغلال إلى اضطهاد وقهر.
نهض وفي تردد انتهى بالاستسلام إلى رغبتها:
"أنتي طالق."
صاحت كل من غرام وابتسام بسعادة وقاما بمعانقة شقيقتهما.
"مبروك يا أحلام، كان زي الهم وإنزاح أخيراً."
كان قول غرام فقابلته أحلام بالصمت وتركت دموعها تقوم بالرد.
وبعد إجراء الضابط التحقيق، أنكرت أحلام أن الفاعل زوجها، وما حدث لها كان أثر سقوطها على الدرج، يكفي أنها نالت حريتها من هذا الطاغية سمير.
في اليوم التالي كانت تقف ابتسام تنظر إلى لافتة عنوان المركز التعليمي، تخشى الصعود إلى أعلى ومواجهة معلمها الذي فرت من أمامه عندما رأى ما حدث بينها وبين عثمان، وكان أكبر مخاوفها هو أن يخبر غرام لذا قررت أن تتحدث معه وتشرح له الأمر.
صعدت إلى الطابق الثاني حيث قاعة المحاضرة، مرت أولاً على المساعد وأخبرته باسمها لكي يسمح لها بالدخول، وإذا به المساعد يقول لها بجفاء:
"ممنوع الدخول."
صاحت بصدمة:
"ممنوع إزاي؟!، أنا دافعة فلوس حصص الشهر كلها مقدماً حتى إسأل مستر حسن."
"مستر حسن اللي بنفسه مديني أمر بمنع دخولك ويا ريت تشوفيلك مدرس تاني غيره."
أدركت معنى رسالته إليها ودون مواجهتها، لم تأبه لقساوة رده ذاك، وذهبت إلى القاعة.
يحاول المساعد منعها، صاحت برجاء:
"مستر حسن."
التفت إليها ببرود:
"نعم؟"
تأسر دموعها داخل عينيها، تخبره بنبرة سمع منها كم ما تشعر به من حزن وغصة عالقة في حلقها:
"ممكن أتكلم مع حضرتك."
نهض من خلف مكتبه المرتفع على منصة الشرح، ذهب إليها في الخارج:
"عايزة إيه يا ابتسام؟"
لم تستطع كبت دموعها أكثر من ذلك، انفجرت باكية:
"حضرتك فهمت غلط، كل اللي ما بيني وما بين عثمان علاقة جيرة وأصحاب مش أكتر."
كان داخله يشفق على حالتها المؤسفة لكن تظاهر بعكس ذلك:
"وأنا مالي، بتبرري ليه؟!، ولا خايفة أحكي لأختك ووالدتك على اللي شوفته؟"
ابتلعت غصتها وقالت:
"لاء، أنا جيتلك عشان أقولك أنا مظلومة أو.."
بتر حديثها قبضته التي اعتصرت عضدها يغادر المكان إلى سيارته، يدخلها فجلست وذهب هو ليجلس خلف المقود، قد اشتد غضبه إلى ذروته:
"مظلومة إزاي وأنا شايفه مقرب منك ولازق فيكي لاء وكمان كان بيبوسك، أنا مش أعمى ولا ساذج عشان أصدق تمثيلك الرخيص."
ابتلعت ريقها لا تدرك بعد ما وراء غضب معلمها الثائر، تحسب أنه من دافع الخوف عليها لأن شقيقتها قد أوصته عليها.
"والله العظيم ما بمثل، أنا بعتبره فعلاً زي أخويا لكن هو لاء."
"أخوكي!"
ابتسم ساخراً وتابع:
"واللي أنا شوفته ده بيحصل ما بين الأخوات؟"
هزت رأسها بالنفي ومازالت تبكي وتحاول الدفاع عن نفسها ولا تعلم لما كل هذا الإصرار لديها:
"لاء، بس أنا ما ليش ذنب ولا أقدر أقوله ما تحبنيش، أنا ببعد عنه كل شوية لكن هو متهور وخايفة جنانه يعمل مشاكل ليا ولأهلي عشان معندناش راجل يقف له، مفيش غير أخويا سعيد ولسه صغير."
تبدلت ملامحه من القسوة والغضب إلى اللين:
"كان ممكن تحكي لأختك تروح تكلمه وتحطه عند حده أو تكلم أهله، على الأقل أحسن من مشيك معاه في كل حتة، ولا ركوبك وراه الموتوسيكل بعد ما بتخلصي الدرس."
"عندك حق، أنا معرفتش أتصرف، أنا أصلاً ما بكلمهوش من وقت ما شوفتنا وعمـلـه بلوك كمان عشان لو حاول يتصل عليا."
لا ينكر السعادة التي يشعر بها حالياً، فأخبرها بجدية زائفة:
"كل اللي قولتي ده ما يخصنيش، أنا اللي أعرفه المفروض سيادتك في تالتة ثانوي وفاضل شهر ونص على الامتحانات، يعني تركزي في مذكراتك اللي هاتنفعك، وزي ما قولتلك قبل كدة أي حاجة أنتي محتاجاها أنا موجود، واللي اسمه عثمان لو اتعرضلك تاني بلغيني وأنا هاتصرف من غير ما يوصل الموضوع لوالدتك أو أختك، اتفقنا؟"
هزت رأسها بالموافقة، فابتسم وتابع بنبرة حانية:
"متزعليش مني عشان شديت معاكي في الكلام وقسيت، ساعات قسوتنا بتكون دافع من خوفنا على اللي بنحبهم."
نظرت إلى عينيه وأقسمت داخل نفسها رؤية ما ينبض به قلبه، وكأن كلماته الأخيرة اعترافاً مبيناً.
مر يومان وليس بجديد بل كان الحال سيئاً لدى غرام، نفذت لديها النقود ولا تعلم ماذا عساها أن تفعل، كلما تتقدم إلى العمل في متجر أو مطعم يعتذر إليها صاحبه ويخبرها إنه مكتفي بالعمالة التي لديه.
والآن تجلس بقلة حيلة حتى تذكرت أمر البطاقة الورقية والتي يتوسطها «يوسف رأفت الشريف» بالإنجليزية.
وبداخل محطة القطار تقف في انتظار هذا القادم نحوها، يبتسم إليها:
"كنت متوقع إنك هتكلميني في خلال يومين."
ابتسمت فسألته:
"وإيه اللي خلاك واثق أوي كدة؟"
"إحساسي."
أخبرته بتحفظ وجدية:
"أنا اتصلت بحضرتك وطلبت أقابلك عشان محتاجة شغل، إن شاء الله حتى لو أشتغل في المصنع أي حاجة."
"فيه شغل بس مش في المصنع، في الشركة عندنا."
"طب هاشتغل إيه، أنا للأسف خرجت من سنة تانية كلية ومكملتش بسبب الشغل والظروف الصعبة اللي بنمر بيها."
"أطمني كل أوراقك اللي الشركة محتاجاها هاتكون جاهزة، وأي حاجة أنتي محتاجاها اطلبيها على طول."
أخرج من جيبه ظرف أبيض قد أخذ محتواه من صاحبه سلفاً ريثما يعود إلى العمل في شركة والده مجدداً.
"اتفضلي خلي دول معاكي هتحتاجيهم."
"شكراً يا يوسف بيه، أنا مش عايزة فلوس، أنا كل اللي محتاجاه شغل وبس."
"يا ستي اعتبريهم سلف لحد ما تشتغلي، الشركة عندنا بتهتم بالمظهر الخارجي للموظف، وهتحتاجي لبس ومصاريف، وبعدين هيكونوا عارفين إنك من تابعي."
شعرت بالحرج والخجل فتابع حديثه:
"ما تتكسفيش يا غرام، اللي بعمله معاكي ما يجيش نص وقفتك معانا، ماتعرفيش لما قدرنا نوصل للي بيخسرنا شغلنا فرحنا قد إيه والمكاسب والأرباح اللي هاتعوض خسارة كبيرة حصلت الأيام اللي فاتت، كل واحد فينا ربنا بعته للتاني عشان يخرجه من المحنة اللي هو فيها."
كم أسعد حديثه قلبها، وها هي الحياة قد ضحكت من جديد لها وسترى السعادة لاحقاً.
ترجلت سوزي من سيارة الأجرة أمام البناء المدون عنوانه لديها في الرسالة، وفي الأعلى كان نور منتظراً على أحر من الجمر، ينظر إلى عقد ملكية الشقة بسعادة، هدية قيمة سيقدمها كعربون محبة ليدلي بها لها عن حبه الصادق.
رنين الجرس مثل دقات قلبه التي تخفق للتو، ذهب ليستقبلها بحفاوة.
"هاي."
حدق إليها بقلبه وليس بعينيه، سعادة عارمة على وجهه ومحياه:
"ما تتصوريش أنا فرحان قد إيه، خوفت لا ماتجيش."
ابتسمت وليتها ما فعلت ذلك، ابتسامتها أوقعته أسيراً في سحرها.
"هو كان صعب عليا، بس أي صعب يهون عشانك."
"لاء أنا مش قدك ولا قد كلامك، أنا يا سوزي خلاص مابقتش قادر أستحمل وأنتي بعيدة عني أكتر من كده، لازم نتجوز بسرعة، الشقة أهي جاهزة من كل حاجة وعقدها واقف على إمضتك، دي أول هدية غير هدايا كتير لسه هجيبهالك."
أخذت من يده العقد ولم تصدق ما تراه، كم هو سخي معها نقيض والده الحريص، لذا لا تتركه فهو كنز ثمين عليها أن تغتنمه وتخرج بربح وفير خلال مهلة قصيرة.
"حبيبي يا نور، مش عارفة أقولك إيه، أحلى أجمل هدية."
أخرجت قلم من حقيبة يدها:
"وأدي إمضتي أهي."
اقترب منها نور وحاوط خصرها:
"عقبال إمضتك على قسيمة جوازنا."
رسمت ابتسامة زائفة على شفتيها:
"إن شاء الله يا حبيبي."
"طيب مفيش حاجة بمناسبة الهدية اللي عاجبتك؟"
تدرك مبتغاه فتظاهرت بعدم الفهم:
"حاجة إيه؟"
اقترب بشفتيه من وجهها:
"حاجة زي كده."
يقبلها بنهم نابع من شوق وعشق لا يعلم إنه سينتهي قبل أن يبدأ عندما تنكشف له الفاجعة.
تحولت قبلاته إلى لمسات تجاوز بها كل الحدود وكاد يتمادى، وإذا استسلمت له سينكشف أمرها بسهولة أمامه، فهو يعلم من بياناتها في الشركة إنها آنسة لم يسبق لها الزواج.
دفعته عنها وتصنعت الخوف والخجل:
"نور، كفاية لحد كده، لما أبقى مراتك أعمل اللي أنت عايزه."
"حبيبتي آسف، حقك عليا، من كتر شوقي ليكي مقدرتش أسيطر على نفسي، أوعدك مش هقرب منك غير لما نتجوز، بس قولي أنتي الوقت المناسب ليكي."
ابتسمت بدهاء حية رقطاء:
"بعد شهرين هاكون دبرت أموري."
"شهرين!، كده كتير."
"معلش استحمل يا حبيبي، هيعدوا بسرعة وهانكون مع بعض، خلاص؟"
أومأ لها بهيام:
"موافق، المهم هاتكوني معايا وملكي في الأخر ومش هاسيبك أبداً."
وكم من أمنية يتمناها المرء فتأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن!
رواية غرام في المترو الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء رفعت
علي ما بين الأمل واليأس درب ملئ بالكثير من الأحداث، ونهاية الصبر علي الابتلاء نجاح جاء من الإيمان والرضا.
وهذا النجاح جاء إليها علي هيئة يوسف الذي وضعه القدر في دربها بعد معاناة، فبعد أن وافقت علي عرض العمل وتقديم إليها كل ما يسهل ذلك بشرط أن كل ذلك دين سترده إليه.
وكما أخبرها أن العمل يحتاج إلي المظهر الجيد دون مبالغة أو شيء خارج الأدب والاحترام، أعطاها مبلغ من المال لشراء الثياب وكل ما تحتاجه، كما أعطي إليها أوراق تفيد بأنها قد حصلت علي شهادة جامعية تخصص إدارة أعمال وشهادات أخرى بأنها تتقن اللغة الإنجليزية وكل ما يؤهلها إلي العمل في شركة الشريف.
توقفت سيارة أجرة أمام مبني شاهق في حي الدقي الشهير، أعطت سماح إلي السائق الأجرة المتفق عليها ونزلت من السيارة، تنظر في شاشة هاتفها تقرأ رسائل هذا الرجل الذي قامت بالتعرف عليه من خلال البث المباشر التي كانت تقدمه في مقابل الحصول علي المال.
أخبرها إنه صاحب شركة إنتاج أغاني ويريد فتيات من أجل القيام بعرض فني خلف المغنى، وما جعلها تنجذب لذلك العرض دون تفكير، هو وعده إليها أن يجعلها فنانة شهيرة غضون وقت قصير في مجال الغناء والاستعراض وربما التمثيل أيضاً، كم تمنت أن تخرج من الحارة والحياة العفنة منها، لا تعلم أن العفن داخل الحي الشعبي الذي تقطن فيه أفضل من جهنم التي ستلقي نفسها بداخلها.
دخلت إلي الفناء فأوقفها الحارس وأخبرته:
"أنا طالعة لمكتب عوني بيه."
سألها الحارس ليتأكد:
"قصدك عوني القرني؟"
عبست وأجابت:
"أنا كل اللي أعرفه اسمه عوني، لكن قرني دي ما أعرفهاش، ده اسم ولا لقب وغوغوشتني؟"
كانت نظراته تخترق العباءة التي ترتديها وتجسد منحنيات جسدها، وملامح وجهها المطمس خلف مساحيق التجميل الرديئة.
"لاء، ده اسمه ولقب عيلته، عيلة القرني."
وابتسم بسخرية يشوبها نظرة وكأنه يريد إلتهامها.
"عن إذنك أنا طالعة يا..."
"محسوبك عزب."
أطلقت ضحكة تجاوزت حدود الأدب ودون الأدب ثم استقلت المصعد حتى وصلت إلي الطابق المنشود.
وفي الأعلى ولجت إلي المكتب كما أخبرها عوني، وجدت في استقبلها فتاة لا تقل عنها في المظهر المبتذل.
"ممكن أقابل عوني بيه، أصله مديني ميعاد."
سألتها الفتاة:
"أنتي سماح بتاعت التيك توك؟"
ابتسامة صفراء أصدرتها شفتيها.
"أيوة أنا."
نهضت الفتاة وأخبرتها:
"تعالي ورايا، المعلم عوني مستنيكي."
وفي طريقها إلي مكتب القرني وجدت فتاتين يتجولان بثياب فاضحة في الرواق، انقبض قلبها وصوت يخبرها أن تتراجع، لكن كيف تتراجع والمال والشهرة في انتظارها وللحصول عليهم يجب تقديم التنازلات كما قدمت الكثير أمام شاشة الهاتف.
فتحت الفتاة باب المكتب.
"معلم عوني، سماح جت."
نهض الأخر بثقل بسبب جسده السمين.
"خليها تدخل يا دندش."
أشارت إلي سماح التي ولجت ومازال قلبها ينبض بقوة، رأت رجل بدين يقف خلف المكتب، ذو ملامح خليط ما بين الرجل والسيدة، يخط أسفل أنفه شارب رفيع، وحاجبيه يبدو إنه يعتني بهما بالنمص، مظهره المقزز جعلها تتراجع خطوة.
"معلش يا عوني بيه أصل أنا..."
قاطع حديثها بعد قراءة ترددها في عينيها.
"معلش إيه بس، اتفضلي يا قمر، ده أنتي طلعتي حلوة أوي وأجمد من الفيديوهات كمان."
ابتسمت إليه.
"شكراً."
أشار إليها نحو الكرسي أمام مكتبه.
"اتفضلي، اتفضلي، ده المكتب نور بيكي وهيبقي وش السعد علينا وعليكي."
"إن شاء الله."
"تشربي إيه يا موحة، أيوة بدلعك، أصل مفيش حد بيشتغل معانا غير لما ندلعه ونشخلعه ويبقي مبسوط 24 قيراط، وأنتي هتجربي وهاتعرفي بنفسك."
أجري اتصالا.
"واد يا سمسم هاتلي قهوة وللمزمازيل سماح شوب مانجا وصاية."
أنهي المكالمة وأسلوبه في الحديث أثار اشمئزازها، شعرت وكأنها تجلس مع رجل مخنث.
"ها يا موحة، أحضر العقود ونمضي ولا إيه؟"
"مش لما أعرف هاشتغل إيه بالظبط ولا هاخد كام يبقي بعد كدة نمضي؟"
ضحك وقال.
"ده أنا هخليكي بطلة الكليبات، تطلعي مع الفنان والمخرجين والمنتجين لما يشوفوكي هيشاوروا ويقوله إحنا عايزين دي، ومن عندي هتدخلي لأبواب المجد والشهرة، إحتراف هنا وبره، هاتسافري لأمريكا وأوروبا بس أبقي افتكرينا."
تراقص داخلها وتأهب سمعها لجوابه علي سؤالها.
"طب هيبقي مرتبي بالشهر ولا بالغنوة الواحدة؟"
"بالشهر طبعاً وهيبقي 150 ألف جنيه ولو جالك أوردرات بره هتقبضي بالدولار."
لا تعي بواطن الكلمات وانجرفت في سيل الطمع الذي أعمى عينيها.
"طب وهنبدء شغل أمتي؟"
"كنت لسه هقولك بكرة الساعة 12 بالليل تكوني هنا، هنصور أول كليب مع فنان مشهور أوي."
"الساعة 12 بالليل؟!، إزاي هقول لأهلي إيه لما انزل متأخر."
نهض من خلف مكتبه بخطوات ثقيلة ليجلس علي المقعد المقابل لها.
"جري إيه يا موحة صحصحي معايا، هو أنا اللي أقولك برضو تنزلي إزاي، اللي خلاكي تعرفي تصوري الفيديوهات إياها بتاعت الروتين اليومي واللي مش الروتين من غير أهلك ما يعرفوا، هيخليكي تعرفي تنزلي في أي وقت حتى لو الفجر، ولسه كمان هيبقي عندك سفر."
أثرت الصمت تفكر بتردد.
"أنتي بتفكري لسه؟!، أنا بقولك 150 ألف جنيه، يعني في خلال سنة تقدري تشتريلك شقة هنا في الدقي ولا المهندسين أو عربية أحدث موديل ولا الشهرة."
من قال إن وسوسة الشيطان ذات تأثير علي الإنسان الضعيف!، فهناك من هم أشر وأقوي من الشيطان في السيطرة علي البشر، ومن سواهم أعوان إبليس من البشر، شياطين الإنس علي مر العصور تركوا بصماتهم التي تفوقت علي معلمهم الذي يصفق لهم بجدارة وهو ينفذ وعده إلي خالقه في اغواء كل من انساق إلي خطواته بملء إرادته غير آبه لوعيد ربه وهو يخبره أنه سوف يملأ جهنم منه ومن كل من أتبعه أجمعين.
"خلاص أنا هاتصرف."
تهللت السعادة علي محياه.
"أهو ده الكلام المظبوط، كدة بقي فاضل نمضي العقود."
أخرج لها عدة أوراق وتابع.
"كل حاجة جاهزة وواقفة علي إمضتك."
ستار من الظلام يكسو عينيها، تخط توقيعها أسفل كل ورقة، ومع كل توقيع تزداد ابتسامة هذا اللعين السمين.
عاد نور من الخارج يغني بصوت خافت كدليل علي سعادته التي تعلم زوجته سببها جيداً، توقف في بهو المنزل عندما وجدها تقف أعلي الدرج تعقد ساعديها وتحدق نحوه بنظرة باردة تثير مخاوفه من الذي تدبره له.
"حمدالله علي السلامة يا حبيبي، ما لسه بدري."
نظر في شاشة هاتفه فوجدها الثانية بعد منتصف الليل، عاد ببصره إليها ويصعد الدرج.
"كان ورايا مصالح لازم أخلصها."
حدقت بسخرية إليه.
"و هي المصالح دي ما ينفعش تخلص بالنهار؟"
زفر بضيق.
"بس بقي يا كوكي، كفاية رغي صدعتيني و لازم تنكدي عليا."
نظرت إليه بازدراء وقالت.
"أنا هاروح أنام جمب بنتي."
تركته وذهبت فقال في نفسه.
"ولو روحتي لأهلك يبقي أحسن."
سار في الرواق فوجد باب غرفة شقيقه مفتوحاً، ويوسف يجلس أمام حاسوبه، ولج إلي الداخل.
"إيه ده أنت رجعت؟"
نهض الأخر وفتح ذراعيه.
"إيه جيت وراجع الشغل من جديد، وحشتني يا برو."
عانق شقيقه بقوة وأخذ كل منهما يربت علي ظهر الأخر، قال نور.
"ربنا يهديك علي كدة دايماً."
"لو عرفت السبب هتتعجب، وعندي خبر حلو أوي."
سرد له عن غرام والصدفة الغريبة والتي من خلالها تمكن من إنقاذ الشركة من الخسارة، كما قرر العودة إلي حياة أكثر جدية ومسئولية، كما أوصاه علي غرام بأن يجعل مسئول التوظيف يوافق علي تعينها في الشركة.
"تصدق عندي فضول أشوف اللي اسمها غرام."
لكزه يوسف في كتفه.
"خد بالك دي مش زي البنات التانية، دي بنت في منتهي الأدب والاحترام، زي العملة النادرة، جدعة وبنت بلد."
"الله، الله، إيه يا چو، أنت لحقت توقع بالسرعة دي؟"
"أقع مين يا بني، أنا بساعدها مقابل وقفتها معايا مش اكتر."
ابتسم نور وسأله.
"عليا أنا الحركات دي، يابني ده أنا حافظك، عموماً ما تقلقش اعتبرها اتعينت خلاص، وكمان هتبقي في القسم اللي أنت مسئول عنه، أي خدمة."
غمز بعينه ثم هم بالذهاب.
"اسيبك أنا بقي وهاروح أنام، تصبح علي خير."
"وأنت من أهله."
وقبل أن يغادر نور الغرفة أخذ يغني.
"يا سلام، يا سلام قد إيه حلو الغرام."
أمسك يوسف بقلم من فوق مكتبه وألقاه علي شقيقه الذي فر علي الفور قبل أن يصيبه القلم.
كانت تقف أمام المرآة ترتدي الثياب التي اشتراها وتنظر إلي مظهرها، تبدو كسيدة أعمال.
"إيه ده، اش اش، إيه الحلاوة دي يا غرومه."
كان صوت ابتسام فألتفت إليها غرام.
"إيه رأيك؟، اشتريتهم عشان الشغل الجديد."
"ومن أين لك هذا؟"
تخشى أن تظن والدتها وشقيقتيها بأمر آخر فقالت.
"دي فلوس استلفتها من واحدة صاحبتي، هارجعهم ليها أول ما هقبض."
دلفت والدتها تحمل صينية يعلوها أكواب.
"العصير يا بنات."
انتبهت إلي ابنتها.
"إيه ده يا غرام؟"
"دي هدوم لسه شارياها عشان الشغل الجديد، لازم يكون مظهري شيك وكدة يعني."
"و جبتي فلوسهم منين؟"
توترت فوجدت أن الكذب لا يفيد ويجب أن تسرد كل ما حدث لوالدتها، وبالفعل قامت بذلك حتى عقبت والدتها والقلق يبدو علي ملامح وجهها.
"أنتي واثقة في الجدع ده يا بنتي ولا يطلع واحد نصاب ويضحك عليكي في الأخر."
"يا ماما ده ابن ناس ومن عيلة معروفة، طلبت منه الشغل وبصراحة لاقيته كريم جداً وما تقلقيش هو شخصية محترمة وبعدين بنتك بميت راجل، محدش يقدر يتكلم معايا أو يجي جمبه، ما أنتي مربياني وعارفاني كويس."
"ربنا يسعدك ويرزقك من وسع يا غرام يا بنتي، ويبعد عنك ولاد الحرام."
احتضنت والدتها.
"آمين يارب."
وتذكرت هذا الوسيم الثلاثيني الذي ظهر لها في وقت عسير فابتسمت وخفق قلبها بسعادة، ربما هذه بداية السعادة القادمة مهما واجهت في طريقها من عثرات.
رواية غرام في المترو الفصل العاشر 10 - بقلم ولاء رفعت
جلست غرام في هيئتها وهندامها الجديد، ترتدي ثوبًا أبيض مزدانًا بالورود الحمراء، وشاحها الأحمر القاني زاد من جمالها الذي كان مدفونًا في التجوال والبيع في القطارات.
كان المسئول يلقي عليها الأسئلة الروتينية في مقابلات طلب الوظيفة. لاحظت غرام أن جميع الأسئلة تتميز بسهولة، ربما هذا عن قصد من مسئول التوظيف، لا سيما بعد وصاية خاصة من الأخوين نور ويوسف.
وفي نهاية المقابلة، ابتسم المسئول وأخبرها: "ألف مبروك يا آنسة غرام، أهلًا وسهلًا بيكي في الشريف جروب."
"بالسرعة دي؟! ده أنا اسمع أن في أي شركة بيردوا بعد الانترفيو سواء بالموافقة أو الرفض بعد فترة، مش وقت المقابلة على طول."
نظر عبر الحائط الزجاجي نحو الرواق إلى يوسف الذي كان ينتظرها في الخارج، أخبرها: "البركة في مستر يوسف."
التفت خلفها فوجدت يوسف يبتسم إليها، وكم هي ابتسامته ساحرة. حاولت تشتيت ذهنها من الوقوع في أحلام بعيدة المنال، فيكفي ما فعله من معروف ودين لن تنساه بتاتًا.
خرجت إليه، فقال لها: "ألف مبروك."
"الله يبارك في حضرتك، بس أنا برضه لحد دلوقتي مش فاهمة هاشتغل إيه."
"مبدئيًا كده ياريت نشيل أي ألقاب وكلمات زي حضرتك ويافندم طول ما إحنا مع بعض. أما بالنسبة لشغلك، هتبقي السكرتيرة أو المساعدة الخاصة بيا، وهتبقي برضو المسئول التاني من بعدي في قسم الـ Marketing."
تدلى فكها في صدمة، يخبرها بوظائف لم ترَ مثلها سوى في التلفاز فقط.
"بس أنا ما أفهمش حاجة في السكرتاريا أو التسويق."
اعتدل من ياقة قميصه بزهو، يقول لها: "أنا هعلمك كل حاجة، وإنتي شاطرة وهتتعلمي كل حاجة بسرعة."
تراقص قلبها من السعادة، أخيرًا فتحت الدنيا لها ذراعيها، تدعو ربها أن لا يقابلها عثرات تقذف بها إلى الهاوية.
وهناك من كان يراقب صديقه والفتاة التي يخمن أين رآها من قبل. عبر من أمامه مسئول التوظيف، أوقفه يسأله: "هي مين اللي واقفة هناك مع يوسف؟"
أجاب الآخر: "خد بالك يا رامي، غرام دي تبع مستر يوسف ومستر نور، متوصي عليها جامد منهم، الله أعلم شكلها قريبتهم أو من معارفهم."
"اسمها غرام، حلو، حلو أوي كمان."
همس بها وينظر نحو غرام بنظرة يشوبها الغموض والرغبة في خطف الصيد الجديد قبل أن يقع في يد صاحبه.
***
انتهت ابتسام للتو من الشراء في السوق وفي طريق عودتها، كانت شاردة في أمر حسن الذي أخبرها إنه سيتحدث مع شقيقتها في أمر هام. وعندما سألته خشية من أن يخبر شقيقتها بأمر عثمان، فطمأنها حسن وقال لها لا تقلق وستعلم لاحقًا كل شيء.
توقفت فجأة عن السير عندما وجدت المقبل عليها أعلى الدراجة النارية، يبتسم إليها وهبط على الأرض.
"عثمان لو سمحت عايزة أروح بسرعة عشان أمي مستنياني، ولو حد شافنا من أهل الحارة سيرتنا هتبقى على كل لسان."
أخبرته بذلك وكانت ملامحها جادة. ظل مبتسمًا وعقب على أسلوبها الذي ضايقه، لكن أسر ذلك في نفسه.
"أنا عارف إنك زعلانة مني ومش طايقاني عشان اللي حصل في البيت المهجور، وقصدت ما أقربش منك ولا أكلمك طول الفترة اللي فاتت لحد ما تهدي، وجيتلك النهاردة عشان أقولك إن أنا خلاص هسافر. عنتر بعتلي أشتغل معاه في الكويت، وأنا بصراحة فرحت جدًا عشان شغلي بره هيخليني أعرف أجهز شقتي من كل حاجة ومش هخلي خالتي عزيزة تشتريلك حتى إبرة وشنطة هدومك كمان عليا."
"بس أنا..."
رفع يده لتصمت وتابع هو حديثه: "إحنا مش هنتجوز لا السنة دي ولا الجاية ولا اللي بعدها، أنا مع أول أجازة ليا هخطبك ونكتب الكتاب وبعد ما تخلصي الكلية نتجوز. أظن مفيش أريح من كده، ولا إيه؟"
هزت رأسها وعقبت باقتضاب: "إن شاء الله."
"أنا كل اللي عايزه منك تاخدي بالك من نفسك أوي، ملكيش دعوة بحد ولو حد ضايقك أخويا عاطف مكاني هيجيبلك حقك وقتها."
"ماشي."
"وحاجة أخيرة، هبقى أطمن عليكي كل يوم على الواتس أو الفيس، ياريت تردي عليها ساعتها وتطمنيني عليكي."
نظر إلى هاتفها ذي الطراز القديم وأخبرها مردفًا: "أول قبض ليا إن شاء الله هابعتلك موبايل وهيكون من اختيارك."
"سافر أنت بس بالسلامة، وأنا هاتصرف وأكلمك."
"هتوحشيني."
"وإنت كمان."
لاحظ تغيرها الطارئ وظن أمرًا آخر.
"إنتي زعلانة أوي كده عشان هسافر؟"
أخفت توترها خلف ابتسامة زائفة.
"لأ مش زعلانة، أنا اتفاجئت بس بموضوع سفرك، وفرحانة جدًا. أديك هترتاح من شغلانة صبي الميكانيكي في الورشة."
"يعني أنا هاروح أشتغل مدير شركة هناك، أنا هاشتغل حاجة من الاثنين يا نقاش يا هاغسل صحون في مطعم."
"مش مشكلة، طالما بالحلال خلاص."
صدح رنين هاتفها باسم شقيقتها، انتفضت وهمت بالذهاب.
"غرام بترن عليا شكلها رجعت، معلش أنا مضطرة أسيبك، سلام."
وركضت سريعًا وكأن الاتصال جاء لها نجدة من الوقوف أمام عثمان والاستمرار معه في وعود ستنتهي قريبًا.
***
وها قد جاء أول يوم في العمل لها، كانت تشعر بالفرح ويخفق قلبها من فرط السعادة، أخيرًا ستعمل في وظيفة مرموقة بدلًا من التجوال في القطار والتعرض للمضايقات من المارة ورجال الأمن في المحطات.
"صباح الخير."
التفتت إلى صاحب الصوت وابتسمت.
"صباح النور يا مستر يوسف، يارب أكون جيت في ميعادي مظبوط."
نظر إلى ساعة يده.
"جاية بدري عشر دقايق عن ميعادك، ده أنتي كده هتبقي قدوة لزمايلك."
ضحكت وقالت: "هو بس عشان أول يوم."
"لأ، خدي بالك أنا في الشغل جد جدًا وبحب المواعيد المظبوطة."
"ما تقلقش حضرتك، إن شاء الله هاجي على طول في ميعادي."
نهض من خلف مكتبه.
"تعالي معايا لما أعرفك بالبيج بوص، رأفت بيه الشريف."
ذهبت خلفه فوجدت أنها أمام غرفة مكتب صاحب هذا الصرح، انبهرت بكل ما ترى من حولها من رقي وشموخ من أثاث وديكور.
طرق الباب وولج بعد إذن والده له بالدخول، وجد سوزي تقف جوار والده بقرب مبالغ وتميل نحوه بجرأة سافرة غير مبالية لنظرات يوسف الحادة إليها.
"تعالي يا يوسف، كنت لسه هاكلمك عشان عايزك."
نظر إلى سوزي وأشار لها: "اتفضلي أنتي على مكتبك."
"أمرك يا رأفت بيه."
غادرت الغرفة، فالتفت يوسف إلى والده: "بابا أنا أول حاجة بعتذرلك عن كلامي معاك المرة اللي فاتت و..."
"خلاص يا يوسف، مفيش داعي نقلب في اللي فات. كونك أنك تنقذ الشركة من خسارة كبيرة ده كفيل يمحيلك أي أخطاء ويخليني أسامحك. نور أخوك حكالي على كل حاجة، وعرفت إنكم عينتم البنت اللي اسمها غرام هنا في الشركة."
ابتسم لأن والده اختصر عليه شوط كبير من الحديث.
"هي واقفة بره وكنت جايبها عشان حضرتك تشوفها وتتكلم معاها بما إنها بقت موظفة في الشركة."
حدق إليه والده بنظرة غامضة.
"وياريت تحط في دماغك إنها مجرد موظفة في الشركة."
أدرك رسالة والده الخفية من حديثه هذا. نهض ليخبر غرام بأن تدخل. ولجت تتلفت من حولها، تشعر بالرهبة والخوف، لاسيما عندما وقعت عينيها على رأفت الشريف. شملها بنظرة سريعة، فهذا الرجل ذو هيبة ووضع يجعل الجميع ينحنوا إليه احترامًا له.
نظرت إلى أسفل بخجل.
"السلام عليكم يا رأفت بيه."
"وعليكم السلام، اتفضلي يا غرام."
جلست ونظرت إلى يوسف الذي كان يبتسم إليها، ثم انتبهت إلى والده.
"أنا يوسف حكالي على كل حاجة، وقالي قد إيه إنك مجتهدة في شغلك وشاطرة، وبما إنك بقيتي منا هنا، عايز أشوف شطارتك في الشغل، في الشغل وبس."
وصلت إليها الرسالة أيضًا، علمت أنه يحذرها من الاقتراب من نجله. هزت رأسها بنعم.
"بإذن الله يا رأفت بيه."
"دلوقتي تقدروا تفضلوا على مكاتبكم."
نهض كليهما، وتشعر برجفة في يديها. ذهبت سريعًا إلى غرفة المكتب الخاص بها دون أن تلتفت إلى يوسف. وما أن خطت قدمها داخل الغرفة، أغلقت الباب والتقطت أنفاسها، تشعر بغصة وكأنها ارتكبت ذنبًا. لما يحذرها هذا الرجل من أمر تعرف حدها نحوه جيدًا، لتدرك أن الحياة ليست وردية هنا، وعليها أن لا تفكر بشيء سوى العمل فقط حتى لا تخسر مصدر رزق وفير لأسرتها.
***
الساعة الحادية عشر ليلاً، تريد الذهاب حتى لا تتأخر عن موعد عملها الجديد. ترتدي ثوبًا فاضحًا أسفل العباءة السوداء ظنًا منها هذا ما سترتديه في الاستعراض الذي ستقدمه خلف المغني كما أخبرها عوني القرني.
ألقت نظرة على والدها الذي يغط في النوم واطمأنت لأنه لا يستيقظ سوى في اليوم التالي ظهرًا، ستكون قد عادت.
غادرت منزلها وبخطوات أشبه بالركض اتجهت إلى خارج الحارة، لا ترى الذي يلحق بها منذ أن رآها وهي تتسلل من باب البناء.
استقلت سيارة أجرة، ففعل مثلها وقال للسائق: "اطلع ورا التاكسي ده ياسطا."
وبعد قطع مسافة كبيرة توقفت السيارة التي هي بداخلها، وبعد أن أعطت للسائق الأجرة.
وجدت الحارس في استقبالها بحفاوة.
"يا مرحب يا مرحب بالنجمة الجديدة."
رمقته من أعلى إلى أسفل.
"يا سم."
ولجت داخل المصعد، وبعد ثوانٍ وصلت أمام باب المكتب. فتحت فتاة أخرى غير التي كانت موجودة بالأمس.
"إنتي سماح؟"
أومأت لها الأخرى.
"آه، أومال فين عوني بيه؟"
"تعالي اتفضلي استريحي واستنيه عنده ضيوف وهيمشوا بعد عشر دقايق، تحبي تشربي حاجة؟"
هزت رأسها فهي تشعر بالعطش الشديد.
"آه ياريت، عايزة أشرب ميه."
"دقيقة وراجعالك."
ذهبت الفتاة ذات المظهر الغريب، لكن سماح لم تهتم كالعادة، فالمال والشهرة لديها هما الأهم.
عادت الفتاة تحمل صينية يعلوها كوب من العصير وآخر ماء.
"اتفضلي."
"شكرًا."
تناولت كوب الماء، ارتشفت القليل، ثم أخذت العصير تشربه على دفعة واحدة وكأنها تشعر بالحيوية بعد التوتر والقلق.
في الأسفل يصيح عاطف في الحارس: "بقولك أنا عايز أعرف اللي طلعت دلوقتي دي في أنهي دور؟"
"وأنا بقولك معرفش، وما شفتش حد طلع هنا، يلا اتكل على الله بدل ما أندهلك الرجالة يطلعوك بمعرفتهم."
"طيب إيه رأيك أنا مش ماشي من هنا غير لما أعرف هي فين وطلعت لمين."
حدق نحوه الحارس بوعيد.
"بقي كده، ماشي أنت اللي جبته لنفسك."
وفي الأعلى، بدأت تشعر بالخدر في أطرافها وعدم اتزان. أصبحت الرؤية مشوشة لديها، وكانت عيون الفتاة ذات المظهر المريب تراقبها. اقتربت منها وحاولت مساعدتها في النهوض.
"قومي معايا الضيوف مشيوا."
وقفت بصعوبة واستندت على ساعد الفتاة وسارت بخطى متعثرة.
"أنا.. مالي.. بيحصل.. فيا.. إيه؟"
تفوهت بصعوبة وكأن الخدر أصاب لسانها أيضًا.
أجابت الفتاة: "معلش هو تأثير المخدر كده، بيخليكي ما بين النوم والصحيان وتحسي أطرافك كلها كأنها مشلولة."
ولجت داخل غرفة ذات مساحة كبيرة مليئة بكاميرات التصوير في كل زاوية وإضاءة أزعجت عينيها. رجل يجلس خلف جهاز عرض صغير يذكرها بمشاهد المخرج الجالس خلف الشاشة يراقب المشهد. كما هناك وراء كل كاميرا رجل، كل منهم ذو جسد طويل وعريض وكأنهم يعملون في الحراسة.
شعرت سماح بجسدها يُلقى على فراش ذو ملمس حريري. تقوم الفتاة بتجريدها من العباءة ذات المظهر الرديء لتصبح بالثوب القصير العاري وحذائها ذي الكعب المرتفع.
تركتها وذهبت إلى غرفة قريبة لتخبر هذا الشيطان البدين. وجدته يتحدث في الهاتف.
"أوعي تخليه يطلع، أنا هبعتلك الرجالة يخلّوه يحرم يمشي من قدام البرج تاني."
أنهى المكالمة ورأى الفتاة تخبره: "النجمة جاهزة يا بوص."
ابتسامة شيطانية على محياه يتبعها أمرًا.
"بلغي سام وقوليله النجمة جاهزة وخليهم يبدأوا تصوير."
"أمرك يا بوص."
وبعد أن نفذت أوامر رب عملهم المشين، خرج من الغرفة المجاورة لغرفة التصوير شاب مفتول العضلات. تبدو ملامحه غير العربية، إنه من جنسية أوروبية. يرتدي قميصًا مفتوح الأزرار إلى خصره وبنطلون من الجينز الأسود.
ولج بخطوات استعراضية كعارض أزياء. صاح هذا الجالس خلف الشاشة.
"1 2 3 go."
تسمع أصواتهم وترى هذا الضوء المزعج والمسلط عليها. تريد أن تتحرك لكن غير قادرة على فعل ذلك. ظهر أمام عينيها رجل يخلع قميصه. تحاول أن تصرخ، لا جدوى من ذلك وكأنها داخل كابوس لا تستطيع الاستيقاظ منه. تشعر بكل لمسات وقبضة هذا الرجل الغريب على جسدها، ينفذ أوامر المخرج وهي بين يديه كالدمية يحركها كيفما شاء تحت أنظار كل من في الغرفة.
وفي الأسفل يصرخ عاطف من ألم اللكمات والركلات الموجهة إليه من رجال عوني. مع كل صرخة يناديها:
"سماح."
صرخه مسموع بينما صراخها الناتج عن اعتداء الرجل عليها أمام الكاميرات لا يسمعه سواها فقط.