تنظر إلى دقات عقارب الساعة في غرفة الاجتماعات الضخمة تنتظر مدير الموارد البشرية لكي تقوم بعمل لقاء العمل لوظيفة السكرتارية. ولكن ليست مجرد وظيفة عادية، بل ستكون سكرتيرة تنفيذية للشركة، أي سيكون لديها أعباء ثقيلة تحت مسمى تلك الوظيفة والتي من الممكن أن تضغطها في حياتها. ولكن راتب تلك الوظيفة جعلها تتقدم إليها. شعرت أن الوقت يمر بسرعة. "لما لم يأتِ! سأتأخر!! كانت متوترة في جلستها تلعب بأصابعها في طرف حجابها.
فلقد اقترب موعد خروج طفلها من الحضانة. لكن لا، لن تخبرهم بالحقيقة، لقد قررت وحسمت أمرها. أغمضت عينيها بقوة. "يبدو أنني سأجعلهم يبقونه وقتًا إضافيًا إذًا." أخذت نفسًا عميقًا واعتدلت في جلستها عندما دخل مدير الموارد البشرية. كان رجلاً أربعينياً يرتدي حلة سوداء رسمية تناسب العمل. "بعتذر يا آنسة حفصة على التأخير." توترت لذلك اللقب، خائفة من أن يكشفها أحد.
لكنها سئمت حديث الآخرين عنها، فقررت إخفاء حالتها الاجتماعية الحقيقية. ألا وهي أنها مطلقة ولديها ثلاثة أطفال ذكور، وأصغرهم طفلها معاذ ذو الثلاثة أعوام. تحدثت بابتسامة متوترة. "مفيش مشكلة." ابتسم المدير لها والذي يدعى عمار بابتسامة بشوشة وأخذ يطالع سيرتها الذاتية وتحدث بانبهار. "ما شاء الله، أنا شايف خبرات كتيرة أوي، بقالك أكتر من خمس سنين شغالة في المجال ده." هزت رأسها بابتسامة ثم شردت تحدث نفسها.
"بالطبع تلك الخبرة خلفها الكثير من القصص والمعاناة." تنهدت منتبهة للمدير أمامها والذي أخذ يسألها الأسئلة الروتينية المعتادة في المقابلة الأولى. وبعد أن انتهى تحدث عمار. "تمام كده يا آنسة حفصة، إحنا كده خلصنا أول مقابلة ومبدئياً إنتِ معانا بس." تساءلت بعدم فهم وهي تقاطعه. "أول مقابلة؟ عمار بابتسامة هادئة وتوضيح. "مظبوط. ولحسن حظك إن صاحب الشركة (CEO)
موجود النهاردة في مكتبه، لحظة هتواصل معاه لو كده تعملي المقابلة التانية دلوقتي." رفع سماعة الهاتف الأرضي وضغط على أرقام بسيطة وانتظر. وشعرت أن الانتظار ذلك دام سنوات وليس لحظات بسبب التوتر الذي تشعر به. أجاب الطرف الآخر وتحدث عمار بابتسامة كأنه يراه. "بشمهندس، بالنسبالي أنا تمام، حضرتك هتكون متاح إمتى للمقابلة التانية؟ انتظر قليلاً ليصله الرد ثم عاد ببصره لحفصة التي تراقبه بتوتر. تنهد بارتياح.
"تمام يابشمهندس، حالا وهتكون عندك." أغلق الهاتف وتحدث بنبرة ودودة. "تقدري تتفضلي معايا، هو بشمهندس يونس متاح دلوقتي." اعتدل وجعلها تتبعه وصعدا بالمصعد للطابق التالي. كانت تتمسك جيدًا بحقيبة يدها التي تحملها على كتفها وتتلو العديد من آيات القرآن الكريم والأدعية لكي يمر الأمر على خير. واخيرا خرجا من المصعد بعدما شعرت أنه قد مر عام على مكوثها بداخله. أشار لها السيد عمار على المكتب.
وتقدمت نحو المكتب بتوتر وأخذت نفسًا عميقًا. وقامت بطرقه بخفة ثم دخلت بهدوء للمكتب الضخم التراثي والراقي في الوقت ذاته. ولكن ما جعلها تلتفت عن تأمل المكتب ذلك الشخص الذي يجلس بمقعده يَصُبُّ جامَ تركيزه في ملف يحمله حتى أنه لم ينتبه لدخولها. كان رجلاً قوي البنية ذو شعر أسود وبشرة برونزية. فكه بارز، عقدة حاجبيه تلك جعلته وسيمًا لدرجة غريبة. وعندما وجدت أنها تدقق النظر به استغفرت ربها وأغمضت عينيها وحمحمت بإحراج.
رفع بصره من الملف الذي يحمله وتقابلت عيناه الزرقاء مع سوداويتيها. "أنا آسفة على الإزعاج بس هو المدير." صمتت قليلاً لأنها لا تتذكر اسم مدير الموارد البشرية على الرغم من أنه عرف نفسه عليها. ولكنها استأنفت. "قصدي الاتش آر شاورلي على المكتب هنا. حضرتك ال CEO صح؟ ظل ينظر لها بهدوء غريب ثم تحدث بصوت عميق. "اتفضلي." شعرت بشيء غريب عندما سمعت صوته، ذلك الصوت عميق جدا. جلست أمامه بتوتر. أما هو فقد بدأ أطراف الحديث أولًا.
"أهلاً بحضرتك يا آنسة حفصة." ذلك ما قاله دون أن يبتسم، بل كان يطالع هيئتها بهدوء. حيث كانت ترتدي تنورة طويلة سوداء وقميصًا أبيض فوقه سترة سوداء وحجابًا لونه أحمر قاتم. لم تضع أيًا من مساحيق التجميل في وجهها، بل كانت بشرتها نقية. "أهلاً بحضرتك." يونس بهدوء. "أنا أخدت نظرة سريعة كده على ال CV الخاص بيكي، بس أنا محتاج إنك تتكلمي عن خبراتك بشكل كامل، كنتِ بتعملي إيه في شغلك."
كادت أن تتحدث ولكنها انتبهت على اهتزاز هاتفها مما يعلن عن وصول مكالمة. كانت المكالمة من إدارة الحضانة. يبدو أنهم يتواصلون لأنها قد تأخرت على طفلها. لقد نسيت حقًا أن تتواصل معهم بعدما انتهت من المقابلة الأولى. إن توترها جعلها تنسى فعل ذلك. انتبه يونس لاهتزاز هاتفها وانتبه لتوترها. "تقدري تردي." ابتلعت ورفعت الهاتف عند أذنها بارتعاش. "معلش ممكن وقت إضافي كمان؟ يعني مثلا ساعة وهاجي إن شاء الله."
ثم أغلقت المكالمة الهاتفية بعدما أتاها الرد من الطرف الآخر. تنهدت بارتياح ثم تقابلت عينيها مع عيني يونس الذي يطالعها بهدوء. "أنا آسفة." صمتت قليلاً تستعيد في ذاكرتها ما كان يخبرها به قبل أن تتشتت بتلك المكالمة الهاتفية. وأجابت بهدوء. "أنا اشتغلت سكرتيرة في كذا شركة و... وأخذت تقص عليه مسيرتها المهنية دون الدخول في تفاصيل حياتية. كان يسمعها بتركيز شديد. وبعد أن انتهت كانت تنظر إليه في المقابل.
"طبعًا يا آنسة حفصة، الأهم من الخبرات هو الانضباط." عقدت حاجبيها بعدم فهم. ولكنه لم يتحدث ولم يقم بتوضيح أي شيء. "حضرتك تقصد إيه؟ ولكنه تجاهلها وأشار نحو مكتب في الجهة المقابلة لمكتبه داخل غرفة يفصلهما حائط زجاجي ضخم. ثم استأنف. "ده مكتبك. هنتظرك بكرة، أنا بكون في المكتب هنا الساعة ٨ الصبح. لو لقيتك جيتي ٨ ودقيقة هقولك مع السلامة." ذلك ما قاله بهدوء شديد واعتدل من كرسيه ليقف يُعطيها ظهره.
لم تنتبه لطوله الفارع إلا حينما وقف. أرادت أن تسأله عن الكثير ولكنها تنهدت باستسلام وخرجت من غرفة مكتبه وتتحرك مسرعة لكي تمر على معاذ في الحضانة لكي يعودا للمنزل. ركبت أقرب وسيلة مواصلات لتوصلها بسرعة إلى وجهتها. وبعد مرور عدة دقائق كانت تدخل الحضانة مهرولة ووجدت طفلها يجلس بجانب الأطفال الآخرين الذين ينتظرون عودة آبائهم وأمهاتهم من العمل أيضًا. ابتسم بسعادة طفولية وركض نحوها وقامت بضمه بقوة.
"معلش يا حبيبي إتأخرت عليك جدا." ضمها معاذ بحنان طفولي. واعتذرت لمسئولي الحضانة على التأخير وتحدثت مع إحدى المسئولين. "مفيش مشكلة، بلغينا بس لو هتسيبيه وقت إضافي لحد الوقت ده عشان نعمل حسابنا ومنزعجش حضرتك." ظلت حفصة صامتة قليلاً تفكر في حديثها حائرة فيما سيحدث في الأيام القادمة. ثم تحدثت. "إن شاء الله." أمسكت بيد معاذ وخرجت من الحضانة وركبت وسيلة مواصلات أخرى ووصلت للحارة الشعبية البسيطة التي تسكن بها.
وصعدت للشقة البسيطة التي التزمت بدفع إيجار شهري لها. وكان في استقبالها أطفالها أو بمعنى آخر رجالها: علي ذو الصف السادس الابتدائي ويزن ذو الصف الرابع الابتدائي. فهما يخرجان من مدرستهما ويقومان بالتمشية مشتبكي الأيدي ويسيران في طريق المنزل بحرص كما تخبرهما أمهما دائمًا. كما أن كل واحد منهما يمتلك نسخة من مفتاح الشقة في حين لو ضاعت نسخة من الآخر. في المساء. "عملتي إيه في يومك يا ماما؟ ذلك ما تحدث به علي باستفسار.
"اه صحيح يا ماما كنتِ قولتي إنك عندك مقابلة في شركة النهاردة، عملتي إيه؟ سألها يزن ذلك السؤال بحماس. كانا يجلسان أمام كتبهما على الطاولة الصغيرة يقومان بعمل واجبهما المدرسي. وبجانبهما حفصة تلعب مع معاذ الذي يضحك بطفولية. تحدثت بابتسامة. "الحمدلله، إتقبلت وهبدأ من بكرة إن شاء الله." سعد الاثنان كثيرًا لها. "بس في مشكلة." انتبها لكلمتها تلك وأخذا ينظران لها باستفسار.
"المشكلة في معاذ. أنا هخلص كل يوم الساعة خمسة وآخر مواعيد الحضانة الساعة 4. زي مانتوا شايفين كده بالوقت الإضافي كمان، فمش عارفة هتصرف إزاي. وحظ معاذ إني النهاردة كنت انترفيو فخلصت قبل انتهاء مواعيد العمل عندهم. فمش عارفة أعمل إيه؟ كان الاثنان ينظران لها بحيرة. ثم تحدث علي ببساطة. "إحنا ممكن نعدي عليه يا ماما بعد المدرسة وكده هيخرج في ميعاده ومش هتضطري تدفعي فلوس زيادة." "لا لا خايفة تتوهوا و...
قاطعه علي بابتسامة طفولية هادئة. أو من الممكن أن نقول أنه في بداية مراهقته فعمره إحدى عشرة عامًا. "ماما أنا كبرت وبعدين مش إنتي كل شوية بتقوليلي دايما إن أنا الأخ الكبير، ولازم آخد بالي من يزن وإحنا مروحين من المدرسة علطول؟ أردفت بيأس. "أيوة." "يبقى خلاص هنخلص المدرسة وهنروح ناخد معاذ من الحضانة، شوفتي سهلة إزاي؟ ظلت تُطالعه بحب وقامت بتقبيل رأسه بحنان أمومي. "تحت أمرك يا أ/ علي، إعمل اللي إنت عايزه."
وعاد بتركيزه نحو كتبه ليقوم بالمذاكرة. أتى موعد نومهم ونام يزن وعلي فوق سرير صغير. وقامت حفصة بتغطيتهما وقبلت رأسيهما. ثم خرجت من الغرفة وذهبت لغرفتها واستلقت بجانب صغيرها مُعاذ وضَمَّته بقوة. وأخذت تفكر بأحداث اليوم. هل كذبت عليهم حقًا؟ أم أنها حريتها الشخصية وهي لا تريد التحدث عن حياتها الخاصة؟ ظلت تفكر كثيرًا وتقوم بتأنيب ضميرها على ما حدث. ثم أردفت بحزن.
"أنا ما كذبتش، أنا مش هقدر أستحمل نظرات الناس ليا وكلامهم عني قدامي ومن ورا ظهري. كفاية كل اللي عشته." أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بإصرار أم قوي. "كده أحسن، مش عايزة حد يعرف عني حاجة، أنا رايحة أشتغل وبس عشان أجيب فلوس أقدر أصرف بيها على عيالي ونعيش بيها كمان." ثم نظرت لإبنها مُعاذ مرة أخرى وقبلت رأسه وتحدثت بحب أمومي. "إحنا الأربعة مالناش غير بعض وأنا بعمل كل ده عشانكم يا حبايبي." أغمضت عينيها قليلاً.
ولكن كعادة كل يوم قبل النوم يمر أمامها شريط حياتها مع طليقها والذي كان زميلها في العمل بعد تخرجها مباشرة. حيث خدعها باسم الحب واتضح أنه مدمن. واكتشفت ذلك متى؟ بعدما أنجبت علي ويزن. لجأت لأهلها لكي يقوموا بمساعدتها برفع قضية طلاق. ولكن ردهم لها كان قاتلاً. "طلاق! إحنا معندناش طلاق. بلاش هبل وارجعي على بيت جوزك هيتغير مع الأيام." فركت عينيها بقوة تحاول منع العبرة التي تريد النزول ونجحت في ذلك.
أخذت تحمد الله أنه أنجاها من ذلك المدمن حتى لو كانت بيدها ثلاثة أطفال. فلن تبقى معه طيلة حياتها ولن تظلم أطفالها أبدًا بوجودهم مع أب غير سوي مثله. وذلك لأنه كان يقوم بتعنيفها أيضًا. كما يقوم بأخذ حقه الشرعي منها دون رضاها. ونتج عن ذلك حبيبها العزيز على قلبها مُعاذ، وذلك قبل طلاقها منه مباشرة. وطلاقها كان صدفة لا تدري كيف حدث! ولكنها استطاعت رفع قضية طلاق وجعلت أطفالها يشهدون على تعنيفها لها ولهم!
ومن بعدها اختفى طليقها وسمعت أنه قد تزوج بأخرى أو بالأحرى نقول أنه يخدعها. وها هي الآن مطلقة لأكثر من ثلاث سنوات. ولكنها الآن تشعر بالراحة والسكينة مع أطفالها بعدما كانت تبقى في بيت والدتها. ولكنها لم ترتح بسبب نظرات والدتها لها هي وأخواتها والقيل والقال. مؤلم أن يأتي السهم الذي اخترق قلبك من أقرب أقرباءك. هزت رأسها وتنهدت وطالعت الشقة البسيطة التي تسكن بها وتحدثت بإمتنان.
"الحمدلله إني قدرت أجيبها، جميلة ومناسبة ليا أنا والأولاد، وربنا يقدرني أعيشهم في حاجة أكبر من كده." ثم غفت داعية الله أن يكتب لها الأفضل فيما هو قادم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!