تحميل رواية «غرورها جن جنوني» PDF
بقلم ابتسام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سحب كثيرة تملأ السماء، تعلن عن بدء يوم عصيب؛ شديد البرودة، والأمواج تتلاطم ببعضها بقوة، كأنها في حديث مستمر لا ينتهي. ذلك المنظر العجيب جعل الشمس تتوارى خلف السحب، كالطفل الصغير الذي يحتمي خلف ظهر أمه. مر بضع ثوانٍ كشرت السماء عن أنيابها بحدة، جعلت حبات المطر تنهمر سريعًا، فأخذتها الرمال في عناق حميم، لكنها ابتلعتها بوحشية حتى تروي ظمأها، وتعوض عطش حرمانها من شهور الصيف القاسية؛ فاليوم بداية شهر أكتوبر. من محافظة عروس البحر الأبيض المتوسط أمام إحدى الجامعات الحكومية، تمشي فتاة طويلة وجسدها الريا...
رواية غرورها جن جنوني الفصل الأول 1 - بقلم ابتسام محمود
سحب كثيرة تملأ السماء، تعلن عن بدء يوم عصيب؛ شديد البرودة، والأمواج تتلاطم ببعضها بقوة، كأنها في حديث مستمر لا ينتهي. ذلك المنظر العجيب جعل الشمس تتوارى خلف السحب، كالطفل الصغير الذي يحتمي خلف ظهر أمه.
مر بضع ثوانٍ كشرت السماء عن أنيابها بحدة، جعلت حبات المطر تنهمر سريعًا، فأخذتها الرمال في عناق حميم، لكنها ابتلعتها بوحشية حتى تروي ظمأها، وتعوض عطش حرمانها من شهور الصيف القاسية؛ فاليوم بداية شهر أكتوبر.
من محافظة عروس البحر الأبيض المتوسط أمام إحدى الجامعات الحكومية، تمشي فتاة طويلة وجسدها الرياضي يزيد جمالها، عينيها الواسعة السوداء مثل الجو تطلق شرارًا، تريد حرق كل شيء حولها، وأنفها الرفيعة متوسطة الطول حمراء من كثرة غيظها، شعرها ملفوف أعلى رأسها، تعلو وجهها خيوطًا من الضيق، ترتدي بنطال صاعقة و”تيشيرت” أبيض، تمشي تضرب الأرض بقدميها، لا تطيق أحد أمامها وتحدث نفسها بعصبية وجنون:
– أنا؟ طب إزاي؟ لا مش معقول، دا مستحيل! بس إزاي مستحيل.
ثم تمسك الورقة التي داخل قبضة يدها، قائلة وهي توبخ نفسها:
– ما أهو مكتوب، أنا لازم اعرف كل حاجة.
أكملت توبخ في ذاتها، حتى وقفت سيارة بجانبها فجأة، ينزل منها شاب طويل مُلثم، يقبض عليها ثم يدفعها لداخل السيارة، لكن بكل قوتها وبدون أي خوف تقاومه بشراسة، حاول السيطرة عليها قائلًا:
– اهمدى يا بت أحسن أقتلك.
ثم يخرج سلاحًا من وراء ظهره. لا تبالي لتهديده وبلياقة وبسرعة تمسك السلاح وتوجهه على رأسها، ثم تصوب بقلب قوي عليه، لكن يخرج من السلاح مياه بدلًا من الرصاص.
يضحك الشاب بأعلى طبقات صوته وأردف بمزاح:
– حرام عليكي يا مفترية نفسي أعمل فيكي مقلب أكمله للآخر.
تشد “توتا” القناع من على وجهه بنرفزة، وتقول بحدة:
– تصدق إنك أرخم خلق الله.
ثم دفعته بقوة، ونزلت من السيارة.
– يا توتا، أنتي يا مفترية خدي هنا.
رمقته بغضب وهي ترفع سبابتها أمام وجهه:
– بقولك إيه يا مستقبل الجنان بتاعك دا قولتلك ميت مرة مش عليا.
ثم تضرب رأسها بكف يدها، قائلة:
– دي هربانة مني.
ثم تمسك تيشيرته وتكمل حدثها:
– خاف على نفسك.
يضحك وهو يقترب إليها يعانقها باشتياق:
– والله أنتي أحن أخت على المجرة كلها، أما دي تهرب عليه هو، أنا لا.
فكان يؤكد على حروف آخر جملة وهو يشير على رأسها ويغمز لها بمكر، أردفت وهي تضيق عينيها بعدم فهم قائلة:
– هو! دا بقى اللي هو مين؟
يفتح يده باستسلام ليقول ممازحًا:
– بهزر يا شرس، دا أنا أخوكي حبيبك اللي مشهيصك دلع.
تتذكر الذي قرأته منذ قليل، فتردف بحزن:
– أخويا! اتنيل اسكت.
– بت هي هتهرب منك بجد؟
قالها باستغراب، تزفر أنفاسها وهي ترفع الورقة أمام عينيه قائلة بغضب:
– اقرأ الورقة دي.
– أكيد مش هشوف.
قالها وهو يرفع يده اليسرى يأخذ الورقة، فيكمل كلامه بتعجب بعد أن نظر إليها ببلاهة، ولم يعطها أي اهتمام:
– إيه اللي مش عجبك فيها.
تجلس على واجهة السيارة الأمامي؛ تعقد قدماها وهي تتفحص السيارة:
– أنت جيت إمتى؟
– لسه واصل يا دوب سلمت على البوب وماما وجيتلك.
– ومن أين لك هذا؟
أجابها بكل ثقه وغرور:
– يا عسل، أخوكي مش شوية.
ردت عليه بصوت مرتفع:
– اتنيل اقرأ أم الورقة دي، وبعد كده اتكلم.
عندما قرأ أول سطر لم يكمل، حدق عينه بذهول وفتح فمه بدهشة، فقالت وهي تعوج فاها:
– ها، فهمت إيه بقى؟
الضحكة التي تملأ وجهه دائمًا اختفت وحل مكانها التعجب، متفوهًا بجدية:
– احنا لازم نعرف كل حاجة، أكيد في غلط.
– يعني أنت ما تعرفش؟
يرجع إلى الخلف قائلًا:
– بتزعقي ليه؟ هعرف من فين يعني! هو مين فينا الكبير.
حل الصمت عليهما، ثم يقطعه بقوله:
– استهدي كده بالله وتعالي نروح نفهم كل حاجة.
تزفر أنفاسها وهي تقفز من أعلى العربة متحدثة:
– ماشي لما أشوف أخرتها.
ثم صعدت السيارة بعصبية، وتحرك “مستقبل” على الفور.
داخل الحرم الجامعي يقول العميد بقلق وخوف على منصبه:
– أنت إزاي تدي لـ”توتا مهيمن” ورق زي دا! دا باباها موصي إنها ما تشوفهوش خالص.
أجابه الموظف بتوتر:
– هي كانت عايزة تقدم لبطولة وكانت عايزة صورة، والله أنا نسيت خالص.
– دا هيخرب بيتنا كلنا، يا رب عديها على خير.
قالها وهو يتحرك في المكتب ذهابًا وإيابًا كالأسد المقيد داخل قفص.
– نايا كنت عايز أتكلم معاكي.
قالها “مهيمن” وهو يفشل في إخفاء الضيق، تفوهت بوجه يتخططه علامات الاستفهام:
– خير يا حبيبي، في إيه؟
صمت لثوانٍ، ثم أخبرها بحنق:
– وصلني إن الاختراع بتاعك مستهدف، وناس عايزين يعرفوا مين اللي بيعمله.
فتحت عينيها برعب، ثم أبلغته بصوت مضطرب:
– مهيمن طيب هعمل إيه؟ أنا لازم أكمل الاختراع،؛ لأنه هينقذ ناس كتير من الموت.
يقف في مقابلتها، يضع يده اليسرى على وجنتها اليمنى:
– قلبي مش عايزك تقلقي خالص، أنا مستحيل أخليكي تتخلي أو تبعدي عن شغلك، واختراعك هتنفذيه بس هنا قدام عيني، هعملك معمل في البدروم وهجيبلك كل اللي تحتاجيه.
مالت بجسدها داخل حضنه الحنون قائلة:
– ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا روحي.
– ولا يحرمني منك.
وبعد قليل حضرت لزيارتها “دانية” وزوجها وبنتهما، و”فريدة” وزوجها وبنتهما. استقبلتهم استقبالًا حارًّا وجلسوا يتسامرون، قطع حديثهم دخول مستقبل بسيارته بسرعة جنونية، فيضرب فرامل يجعل العربة تلف حول نفسها.
يقف “مهيمن” بعصبية، تمسك “نايا” يده وهي تقول:
– حبيبي معلش عديها علشان خاطري، دا بقاله كتير مسافر ما صدقت لما جيه.
جلس بهدوء قائلًا بتحذير:
– عقلي ابنك يا نايا، وخليه ينسى أم جنانه.
– أحبك وأنت هادي.
ابتسم لها ابتسامة حانية. تنهض “كارما” من جانب والدتها، تركض نحوه بلهفة، قبل أن تصل إليه يميل “مستقبل” على أذن أخته همسًا:
– توتا شكل عندنا بارتي النهاردا، أهدي كده واستني لما الناس تمشي.
أجبته بفظاظة:
– أنت شايف إن الموضوع يستنى؟ وسع كده أنا على أخري مش هقدر.
ثم توجهت إلى أبيها فهرول خلفها، تقابله “كارما” التي تلبس فستانًا واسعًا وعليه حجاب، متحدثة بحب:
– وحشتني.
حنى جزعه العلوي حتى يصل لأذنها بسبب طول قامته، مردفًا:
– بصي يا كارما هنقول كل حاجة؛ بس لما ألحق المجنونة دي.
تقول بزعل طفولي وهي تكلم نفسها:
– ماشي يا مستقبل، ما أنا اللي غلطانة اللي بترمي عليك، ما أنت لسه راجع من بره وديل الكلب عمره ما يتعدل، أكيد لفيت على كام واحدة ما أنت طفس.
عندما اقتربت “توتا” من أبيها أردفت بعصبية:
– عايزاك جوة يا كوتش.
تنهض “فريدة” تقترب إليها:
– احنا هنتغر بعد ما أخدتي الكأس الدهبي وما نسلمش.
أردفت بحب:
– أبدًا يا فوفا، بس عايزة الكوتش.
يجلس “مهيمن” واضعًا قدمًا على الأخرى، قائلًا وهو يرمقها:
– ما تسلمي على الناس.
– إزيكم عاملين إيه؟ أكيد كويسين.
قالتها بتحكم في أعصابها مع ابتسامة مجاملة، ثم توجه نظرها إليه مرة ثانية:
– ممكن تتفضل معايا.
يتدخل “مستقبل” في الحوار ويغييره قائلًا بضحكة صفراء:
– أهلًا يا بوب واحشني والله.
– عملك حاجة الرخم دا.
قالها “مهيمن” وهو يشير عليه، فرد عليه مسرعًا:
– أبدًا دا أنا غلباااان، ولسه جاي من السفر على إيدك، مفيش حمد الله على السلامة؟
– كوتش لو سمحت قوم معايا.
قالتها بإصرار، ابتسمت لها “نايا” وهي تنظر لها بتعجب متسائلة:
– توتا مالك يا قلبي؟ أنتي كنتي نازلة مبسوطة الصبح! حصلك إيه قلبك كده؟
يرد عليها “فادي” بمزاح وهو يضحك:
– هي بنت مين يعني؟
لم ترد عليهما جالسة في هدوء مخادع، برغم كم الصراعات التي تدور برأسها.
ركز “مهيمن” النظر على رقبة ابنه، قام من مجلسه وقال بأمر:
– ورايا يا مستقبل.
لاحظت “نايا” الوشم الذي يستقر على رقبة ابنها المشاغب، تنهض بسرعة تقترب من زوجها الغاضب:
– مهيمن بالله عليك مش والناس قاعدة.
– عاجبك يعني عمايل ابنك.
– علشان خاطري.
أخذ أنفاسه وهو يكز على أسنانه، فجلس مكانه وهو يهز قدمه بضيق.
في هذه اللحظة شعر “مستقبل” وكأنه قد سُكب عليه دلو من الماء المثلج من الخوف من والده، ثم انسحب وهو يغلق قميصه، الذي نسي أن يغلقه وفُضح أمره.
شاب يجلس بجانب صاحبه داخل سيارة.. في أواخر العشرين، ملامحه حادة، طويل القامة، ويده تبرز منها العضلات، والعروق كالأفاعي تمشي تتبختر بحرية داخل يده. يضيق عينيه العسلية التي تشبه رمال الفلاة، ومن نظر بها تاه في أنحائها، يرفع يده يرجع شعره الأسود كغسق الدجى الشديد للخلف، مرددًا:
– ممكن ما تتكلمش في الموضوع دا.
أجابه “وجود” الذي يشبه أخاه التوءم في الملامح والطول، يفرق ما بينهما ذقن أخيه، فيرد بقلة حيلة:
– طيب وبعدهالك.
– ما تخلنيش أندم إني قولتلك، وأنا مقتنع جدًّا بالحياة دي.
أخبره “حازم” بإصرار وقوة، فيرد عليه محذرًا:
– والله خايف عليك.
– وجود أنا قولتلك؛ لأن لازم حد يعرف.. ما تخلنيش أندم.
– تمام ما تزعلش، بس عجبني تغير شخصيتك، بقيت حد تاني خالص، بس اوعى تشوط في أصحابك كمان يا عم احنا مش قدك.
– أنت أخويا وحبيبي.
قالها وهو ينظر له بحب أخوي صادق، فيقول “وجود” وهو يبتسم:
– بتعزف على الوتر الحساس، المهم هتروح معايا؛ لأن الكوتش عامل حفلة مفاجأة لماما وعايز الكل يكون موجود.
انتظر حتى يعطي “حازم” ردًّا، لكن استمر الصمت بينهم، فكان شاردًا بخياله في من تسلب كل إنش فيه، فتفوَّه “وجود”:
– سكت ليه؟
– مش عارف هي ليه بتعمل معايا كده؟
– أنت عارف، هي مغرمة بالكوتش وهو فارس أحلامها ومثلها الأعلى، مستحيل تغير دماغ زي دماغ توتا، بنت عنيدة.
رد عليه بابتسامة تحمل ألمًا وأسى:
– نسيت تقول ومغرووورة جدًّا.
فأجابه بتوضيح:
– أختي مش مغروورة، أختي واثقة في نفسها.
– بالله عليك سيبني أمشي، مش عايز اتنكد من معاملتها وطريقتها معايا في الكلام.
– والله هزعل منك، الكوتش موصيني إنك تحضر.
يأخذ “حازم” نفسًا طويلًا وبقلة حيلة يقول:
– ماشي يا وجود لما نشوف أخرتها.
يدخلا الفيلا، تنظر “توتا” إلى سيارة أخيها وتتفاجأ بوجود “حازم” بجانبه، تقول بتأفف:
– ياااااي هي كانت نقصاه.
تنهض من مجلسها حتى تدخل للداخل، لكن صوت أبيها أوقفها:
– توتا اتفضلي خدي شاور وتعالي، مش هسمح النهاردا بأي خناق مفهوم؟
– مفهووم.
قالتها بغضب مكتوم، ثم تمشي تكلم نفسها:
– أوووف هو ورايا ورايا، إيه الكائن دا.
عندما رأت “زينة” “وجود” نظرت إليه بعينيها الخضراء باشتياق؛ فهي تعشق قربه. أغمضت عينيها وتخيلت كثيرًا؛ فهي فتاة جميلة المظهر، هادئة الطباع، لكن من داخلها وفي أعماقها كانت تغوص بخيالها في بحور عينيه، تخيُّلها أنها قريبة منه يجعلها أسعد فتاة، اقترب منها قائلًا بحزم شديد:
– إزيك يا زينة؟
فتحت عينيها ولم تصدق نفسها أنه بالقرب منها، ونطق باسمها “يا لها من فتاة مراهقة حقًّا!”. حركت رأسها حتى تركز في أفعالها، تطاير شعرها الذي يميل لونه للشمس الساطعة في يوم الربيع، يبعث لمعان ضيائه إلى كل من نظر إليه، نظر لها بتعجب والدهشة تسود وجهه، رفع حاجبه الأيسر وبسط يده، مرددًا بنبرة قوية:
– زينة إزيك.
توردت وجنتاها باللون الأحمر خجلًا وهي تحدقه بهيام، تنحنحت برقة وهي تشيح بنظرها عنه وتقول:
– أنا كويسة.
ثم مدت يدها تصافحه، ما إن تعانقت الأيدي سرحت في لمسة يده، شردت في صوته الرجولي الخشن الذي تعشقه، استنشقت عطره المفضل والمثير لها، ثم كتمت أنفاسها تشبع رئتيها؛ ليس لأنها تحب ذلك العطر، لكن لأنه هو الذي يضعه، شعر برعشة جسدها، بصرها بقوة وإحراج وهو يسحب يده.
أفاقت لنفسها وذهبت بعيدًا تقبل يدها، وتستنشق عطره الذي ترك في يدها رائحته.
صافح الجميع ثم جلس هو و”حازم”، ثم مال عليه قائلًا:
– عاجبك كده أول ما شافتني زي ما يكون شافت عفريت.
– أنت عارف طبعها.. كبر دماغك.
قام “شادي” خلف “زينة” وسند ظهره على جزع شجرة مربعًا يده، رمقها بعتاب فكان ملاحظًا كل ما حدث فيقول بجدية:
– ممكن اعرف بنتي هتعقل إمتى من الوهم دا؟
تخفض رأسها وتنظر على الأرض باستحياء مرددة بخجل:
– بابي أنا فيه حاجة بتحصلي أول ما بشوفه، إحساس غريب بيسيطر عليا، بحاول أقاوم لكن مش بقدر اتحكم في مشاعري، أنا مش طفلة زي ما بتقولوا.. أنا كبرت.
يقترب منها ويأخذها داخل حضنه:
– حبيبتي أنا خايف عليكي، وجود فعلًا شاب طموح مفيش في دماغه أي حاجة غير الشغل، وما ينفعش بنوتي الأمورة اللي عندها ١٨ سنة تفرض نفسها على شاب عنده 26 صح.
أومأت برأسها بإحراج وخفضت بصرها أرضًا.
بعيدًا عن نظر كل الحاضرين، تجلس “كارما” على أرجوحة، “مستقبل” يقف خلفها يحاول أن يصالحها:
– قلبك الأسود دا دايمًا ظالمني.
ترفع رأسها بغيظ تنظر إليه:
– والله! دا قلبي ها؟
يميل ويقترب من أذنها، مرددًا:
– والله.
تنهض وتقف أمامه واضعة يدها على خصرها وتقول بحدة:
– ممكن تقولي بصيت لكام بنت، ورغيت مع كام واحدة، واتمشيت مع كام زفتة، وحضنت كام معزة؟
يمسح أول أنفه وهو يضحك بمكر، تلوح بيدها حتى ينجز:
– قول قول، اتفضل رد ما تتكسفش؟
– بصراحة كتييير.
– تصدق لو كنت قولت لا كنت هضايق أكتر يا حبيبي، أنا أعرفك أكتر من نفسي.. معشراك ٢٣ سنة.
قالتها بغيظ قبل أن تدفعه وتذهب.
يميل يمسك يدها قائلًا بصدق:
– بس أنتي اللي في القلب وربنا، أي حاجة تشبه الساعة الرملية مش بعرف أمسك نفسي قدامها، بموت في صنفكم اعمل إيه؟
– تبقى قابلني لو عبرتك بعد كده.
أولته ظهرها ومشت، ثم قذفت الأرجوحة الخشبية بغيظ وعنف، نتج عن تأرجحها خبط “مستقبل” بخفة، وقف مكانه بثقة مدعيًا الألم، قائلًا:
– آآآآه.
رجعت تجري عليه بخضة ولهفة:
– حبيبي مالك؟ حصل إيه؟ أنت مش بتتكلم ليه؟! ما ترد عليا؟
رد عليها ببرود:
– مفيش، رجعتي تاني ليه؟ مش قولتي مش هعبرك.
– اعمل إيه لقلبي اللي بيعشق واحد عينه فارغة.
– والله أنتي وبس اللي في قلبي وبتوحشيني.
– أنت اللي بتوحشني أووي أووي، نفسي اعرف أخرت اللي بتسافر كل شوية عشانه دا إيه؟
– يا فنتازيا روحي، جوزك اللي في المستقبل إن شاء الله.. ما تقولي إن شاء الله.
أخذت أنفاسها بفرحة قائلة:
– إن شاء الله يا حبيبي.
– رائد فضاء ولازم أتدرب كتير، علشان أي رحلة للفضاء أكون مستعد لأي غزو حريمي.
وقفت تصرخ وهي تتركه، فيقول وهو يهرول خلفها:
– أقصد غزو فضائي يا مجنونة.. خدي هنا.
توجهت نحو “نايا” وأمها قائلة:
– نون ابنك دا لو ما لمش نفسه والله هدبحه.
– ابني حبيبي اللي جايبلي الكلام دايمًا.
ثم تقترب إليه باسطة يديها حتى تأخذه بأحضانها مرددة:
– وحشتني يا ندل كل دي غيبة.
يقبل يدها بحنان، ثم يقول:
– والله يا نون أنا ما أقدرش أبعد عنك، بس أنا والكوتش مستحيل نقعد مع بعض ثانية، الدنيا بتولع.
– اسمع كلامه وبطل شغل جنانك واعقل علشان أجوزك البت.
قالها “فادي” الذي سمع الحوار وهو يقترب منهم.
– ما تشغلش بالك، البت كده كده هتجوزها.
ردت “دانية” بهزار:
– هي عافية، انسى يا حبيبي إنك تطول ضفرها حتى.
– أنسى مين؟ دي هي كرزمة (Charisma) حياتي اللي بتخلي عندي أمل في بكرة، وحنين إني أرجع بلدي، ووفاء ليها بيحصني من أي غلط.
تضربه كارما بغيظ، فتقول وهي تعد على أناملها:
– والله! أمل، حنان، وفاء، مفيش انشراح يا آخر صبري، أي أسماء حريم ترشق فيها وخلاص، علشان كده عينك زايغة.
أجابها “فادي” بمشاكسة:
– ما بيقولك أنتي اللي بتديله أمل، وحنان، ووفاء.
فرد “مستقبل” بمزاح:
– وأهو كمان بتعرضي عليا انشراح قدامهم.
فتردف “نايا” بجدية:
– والله يا مينو لو ما احترمتش نفسك لأجوزها لواحد عاقل وملتزم كده.
فتقول “كارما” بعفوية:
– لا يا نون، يا مينو يا بلاش.
رد وهو يفتح يداه إليها:
– قلبي بقى.
يضع “فادي” يده على صدره قائلًا:
– اهدى على نفسك.
يمسح طرف أنفه قائلًا:
– مش تقولي أبوكي هنا.
يقترب إليهم “مهيمن” بنفس هيبته وثقته بنفسه، فيقول مستقبل بصوت منخفض، مسرعًا:
– حد يخبيني إلا هتلاقوا المطبخ كله أنبوبة وانفجرت.
“كارما” ضحكت بأعلى صوتها.
احترم “مهيمن” ابنه، أمام الجميع ولم يعاقبه على ما تفوَّه به.
كانت تسير “زينة” بالحديقة، لمحته يقف بجوار المِشْواة يشوي اللحم ويهوِّي عليه، هرولت تجاهه ووقفت بجانبه صامتة، لكن تحدث نفسها هل يا تُرى يشعر بي؟ أم أعيش في خيال ووهم حبه؟
فاقت على صوته الذي يجعل قلبها يذوب، وهو يقول:
– شكلك جعانة؟
تطلعت إليه بعينيها الخضراء، قائلة برقتها المعهودة:
– مش أوووي.
كانت تتمنى أن تخبره:
– ها هو حقًّا سوف يطعمني وبيده.
يا لها من سعادة هدر بها قلبها! اقتربت، فتحت ثغرها الوردي الخالي من مستحضرات التجميل، أخذت قطعة اللحم بين أسنانها التي تشبه اللؤلؤ.
نظر لها بعينيه السوداء اللامعة كالمدينة الخالية من الأنوار، يستقر بها نجم في وسط البؤبؤ، وسحابة بيضاء صافية لا يوجد بها أي ضباب أو غيوم، قائلًا بابتسامة:
– إيه رأيك؟
ردت بصوتها الناعم الرقيق:
– حلوة أوي، أنت إزاي عملتها؟
نظر إليها، ووضع يده اليمنى على كتفها وبيده اليسرى رفع السبابة والوسطى ومشى بهما في الهواء يقول:
– كل شيء بيبدأ بخطوات.
ثم يمشي بيده في الهواء خطوة تلو خطوة.
تاهت هي من لمسة يده، ولم تسمع أي شيء؛ فكانت شاردة داخل خيالها، حتى وضعت رأسها على كتفه.
فأتى أخوه وقال بطبعه الفكاهي دائمًا:
– أنا بطني بقيت بتهوهو.. فين اللي استوى؟
فاقت على كلمات “مستقبل” وبعدت بعيدًا، هل تلوم نفسها؟ أما تحضن نفسها؟ فهي المتيمة بحبه، وهو لا يشعر بما يكنُّه قلبها له.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثاني 2 - بقلم ابتسام محمود
تنزل “توتا” من غرفتها، تمشي تحدث نفسها، تود أن تعلم كل شيء سريعًا.
تصطدم في “حازم” الذي كان يرجع بظهره، فسرعان ما صرخت تتلفظ بصوت جهوري:
– أنت أعمى.
لم يصدق نفسه أنها أمامه وبالقرب منه، كم اشتاق أن يسترق النظرات إليها دون أن يظهر هيامه بها.
فكل شيء فيها اشتاق إليه، فتمنى أنها تحن على حاله ثانية حتى بابتسامة.
يفوق من شروده وهي تضع يديها عليه تبعده عن طريقها، وهي تهمهم بطلاسم لا أحد يفهم تفسيرها.
ثم تقترب من أبيها تنظر في سحابة عينه الصافية بتمعن، تتمنى أن تعرف حقيقة ما قرأته.
وفي الوقت ذاته تدعو الله أن يكون كابوسًا وليس له أي أساس من الصحة.
لكنها انتبهت على يد تحاوط خصرها وهو يقول بتساؤل:
– القمر واقف بعيد ليه وسرحان؟
نظرت مسرعة إلى أبيها بتوتر ولم تعرف ماذا تقول عن ما أخفاه عنها وعن حقيقة هويتها.
– حبيبة بابا مالك؟
رمشت بعينها عدة مرات، ثم بللت شفتيها مجيبة عليه بعد تفكير:
– أنا.. أصل أنا عايزة أتكلم معاك ضروري.
وقبل أن تُنهي حديثها انهمرت دموعها كالشلال.
لم يرَ ابنته في هذه الحالة من قبل، أخذها في حضنه قائلًا:
– توتا بتعيطي ليه؟ قلقتيني عليكي، تعالي يا حبيبتي اقعدي وقولي كل اللي أنتى عايزاه.
تدخل”مستقبل” في حديثهما سريعًا، قائلًا بمشاكسة:
– هيكون فيه إيه يعني، ها إيه؟ تعالي معايا يا توتا وسيبي البوب يحتفل النهاردا.
ثم قال مازحًا وهو يلوح بيده:
– أهو مش سامح لحد يعكنن عليك يومك.
– اقسم بالله ما في غيرك…
قاطعه قائلًا بمزاح:
– أنا عارف كل حرف في قلبك ليا، يا حبيبي يا باااابا.
أولى وجهه لـ”توتا” ممسكًا يدها بحب قائلًا بصوت هادر:
– حبيبتي طمنيني عليكي.
تمسح دموعها قائلة بقهر:
– أنا كويسة، بعد البارتي نتكلم.
قلبه لم يطمئن عليها، يرمق ابنه المشاكس بعد أن قبَّل رأسها وقال بجدية:
– عايزك تقلب نفسك سيرك قومي، وتضحك البونبوناية بتاعتنا على ما أشوف الناس.
ابتسمت على الفور، ثم وضع “مستقبل” يده على عينيه الاثنين.
لكنها تمسك يد أبيها قبل أن يمشي وتقول:
– عقبال ميت سنة وأنتم مع بعض في رومانسية.
– قصدك مع بعض توم وجيري.
رفع “مهيمن” يده يمسك ابنه من قميصه بعد مزحته الأخيرة:
– وأنت إيه دخلك في الفيلم دا.
– لا ما أنا الكلب اللي بيعكنن على توم حياته.
حاول “مهيمن” أن يمسك أعصابه وهو يخبره:
– أنت صح، الناس بس تمشي واربطك في الشجرة وانفضك.
ثم يذهب بدون أن يسمع ردَّه.
يجلس بحوار “نايا” محاوطًا كتفيها بيده:
– كل سنة وأنتي جوة قلب قلب قلبي.
لم تصدق أن معشوقها يتذكر عيد زواجهما برغم كل المسؤلية ومشاغله.
فدخل عدد كبير من الندل يضعون مشروبات وكعكات عليها صورها.
ثم يصدر أصوات ألعاب نارية في أعلى السماء ويتكون بها حروفها.
ثم صوت موسيقى يرتفع في أنحاء الفيلا وتنزل لافتة مكتوب عليها:
“مرت سنوات علينا يا أميرتي وفاتنتي ومعشوقتي المجنونة، ستظلين دائمًا داخل فؤادي تنعمي، وحبك بداخلي يزداد كل يومٍ أكثر من ذي قبل، ولم يرهقني يومًا، اليوم أكملت تأبيدة أتمنى أن أحيا معك عمري الباقي وأنتِ داخل أحضاني تسعدي، مسحورًا أنا وسابحًا داخل عيونك اللتين أسرتني وخطفتني فوق السحاب لعالم لا يوجد بداخله غيرنا”.
ملامحها تهللت من آثار المفاجأة، عانقته بحب صادق يختلج صدرها.
توجهه نظر العاشق الميتم، فهذا اللقب ليس من أبيه فقط، فتيتُّم قلبه من حبيبته أصعب من ألم فراق أبيه، الذي يعلم مكان مدفنه جيدًا، إنما هي لم ترغبه.. فيا ترى من يسكن قلبها؟
فكرة أنه لا يعلم من داخل قلبها تجن جنونه، سقطت دمعة من عينه على حاله.
في هذه اللحظة دخلت بنت طويلة ونحيفة، وجهها مليء بمستحضرات التجميل بألوانها الصارخة، تضع عدسات زرقاء بعينيها، وترتدي فستانًا نبيتي قصيرًا يبين مفاتنها.
نعم، هي تعشق المظاهر ودائمًا تحب أن تلفت الأنظار لها حتى لو كان تجمعًا بسيطًا في حفلة صغيرة.
دلفت الضيفة الحسناء صاحبة الصوت الأنثوي لـ”وجود”:
– يااااي اشتقتلك كتيييير.
– أيووووو على رخمتك وتقل دم أهلك.
قالتها “كارما” وهي تشد على يد “زينة” التي تود أن الأرض يختل توازنها وتقع الفتاة بحذائها العالي على وجهها حتى تتبدل زينتها بالوحل.
ابتسم وجود، وصافحها بابتسامة:
– حمد الله على سلامتك يا كاميليا.
– الله يسلمك يا بيبي.
– يا ترى اتأخرت على عصافير الكنارية بالعصير.
قالتها “كارما” من بين أسنانها بابتسامة صفراء.
فترد عليها بتعالٍ وغرور:
– لا ميرسي عاملة رچيم.
أجابتها بسخرية:
– رچيم!
ثم ازدادت بنظرات مسكنة ونبرة خبيثة:
– لا والنبي لأنتي شاربة، أصل حمايا بيزعل على الضيوف، أصل كلام بيني وبينك عنده أي شيء يهون إلا إكرام الضيف، يرضيكي يزعل؟
أردفت بنظرة كلها عجرفة:
– لو فيه ضيوف هنا يبقى أنتي، مش أنا.
ردت عليها بتهكم وابتسامة كلها ثقة:
– لا ما أنتي مش هتطولي.
سألتها بزعر وغيظ:
– بتقولي إيه؟
نعم، “كارما” أخرجت ما تكتمه داخلها، وتتمنى لو أن خطبتهما لا تكتمل، لكنها ترد عليها بمكر دفين وتضع يدها اليمنى على ذقنها:
– ليه هو أنتي ناوية تباتي؟ لتكون ناوية!
تتركها “كاميليا” ومشيت بضيق بعد ما أبلغتها:
– ابعدي عني يا بتاعة أنتي، أنا مش عارفة وجود سابني مع البنت الغياظة دي ليه؟
تضحك “كارما” من داخل قلبها فهي دائمًا تحب مشاكساتها وكل مرة تنجح وبامتياز.
عندما وصلت “كاميليا” إلى منتصف الجميع تسلم بكل نعومة ونبرة تذيب الجليد، وتوقد اللهب بقلب “زينة” الحياة التي ارتعش جسدها بتوتر، فقد أرادت الهرب من مكانها قبل أن تراها أمام عينيها، لكنها حاولت أن تقف وتثبت حتى لا تثير انتباه أحد لشدة غيرتها من هذه البلهاء.
الجميع تبادلوا الضحك مع بعضهم حتى فرِّقوا.
الكبار في ناحية والشباب على طاولة ثانية.
وضعت “كاميليا” يدًا على صدرها والأخرى على فمها تدعى الكحة، حتى تبين لمعان دبلتها الألماظ للحاضرين.
فتقول “زينة” بلهجة ضيق لـ”كارما”:
– البت بتعمل نفسها بتكح وبتغيظني بالدبلة يا كاري.
فترد عليها بثبات انفعالي:
– سبيها عليا.
ثم تضع يدها على حجابها تظبطه، وتخرج أنفاسها بقوة قبل أن تتفوه باستهزاء:
– إيه دا! أنتي بتكحي؟
ردت بلهجة تعالٍ وهي تلعب في خاتمها الذي يسير غيظهما:
– آها.
– ويا تري الرئة في أنهي عقلة؟
– نعم.
تفوهت بها “كاميليا” بعدم فهم، فتزيد الجرعة “كارما” بقولها:
– أنا ملاحظة المشكلة في الدبلة، اقلعيها وارميها فورًا قبل ما تقلب ربو وذبحة صدرية، صدقيني أنا خايفة عليكي.. هو لبس الدبل اللي بيعمل كده.
صمتت لثوانٍ تجمع ردًّا يغيظهما حتى تخفي ضيقها:
– تفتكري اشرب إيه؟
– منقوع المحن بزيادة حلو هايخففك.
نظرتها لهما زادت في احتقارهم، ولم تُجِب على “كارما” ناظرة لـ”وجود” حتى يأتي.
فتقول “كارما” لـ”زينة” بخفوت:
– البت دي شمال وفرساني.
سمعتها “كاميليا” وقفت وحدقت بهما.
فتعدل “كارما” ما قالته بقول:
– ده أنا بقول امشي على طول أول ما تدخلي الفيلا شمال، هتلاقي بتوجاز انقعى الدبلة واشربي مايتها كل يوم على الريق.
ثم تكمل بصوت لا يسمعه إلا من يميل حتى يجلس بجانبها:
– هاتنشف ريقك وتكحي كحة تجيب أجلك إن شاء الله.
– اسمعي منها دا أنا كنت كده الكحة هاتخلع القفص الصدري، والحمد لله البنات عالجوها صح.
أخبرهن “مستقبل” هذا الحديث بكل برود، فتولي نظرها عليه هاتفة بحدة:
– بتقول إيه؟!
لم يجبها وادَّعى الانشغال بهاتفه.
تضغط على أنيابها قائلة بغيظ:
– ما تستعبطش رد عليا.
– أحط إيدي بس على السؤال وأجاوبك على طول.
– مستقباااال.
قالته “كارما” بتحذير، فأجابها على الفور خاشيًا فيضان أنهار صبرها، فقال بمكر:
– أنا بتعب من أم النبرة دي، أقصد كارما حبيبتي بتعالج ميه ميه طبعًا.
– ما الإنسان مش بيتعب أوي غير لما عينه تكون زايغة.
تضحك “كاميليا” من قلبها على من قام بفرس “كارما”.
ثم تردف “كارما” بكل هيبة وهي تتطلعها بقرف:
– دا أكيد حمض كياتين المركب اللى بنحطه للمخطوبة لما بتنهأ، بصي علشان اريحك جربي تحطي زئبق على الدبلة كدا، حتى نخلص كلنا.
– حبي اهدى عليها شوية، مهما كانت ممحونة دي خطيبة أخويا.
قالها “مستقبل” بعد أن قامت “كاميليا” تمسك حقيبة يدها متوجهه لخطيبها المشغول عنها مع “حازم” الذي حاله يصعب عليه.
تقول وهي تهز جسدها بضيق ظاهر:
– هتفضل واقف هنا كتير وسايبني.
امسك يدها ومشى بعيدًا عن “حازم” قبل أن يقول:
– “كاميليا” إيه الطريقة اللي بتكلميني بيها قدام صاحبي دي؟ أنا قولتلك قبل ما تيجى مش هكون فاضي أقعد معاكي.
– يا بيبي أنا بحب أكون معاك دايمًا والأيام دي ما بقيتش مهتم بيا خالص زي الأول.
ثم ترفع يدها تحركها على وجنته وهي تكمل:
– نسيت أيام الثانوية كنت بتخاف عليا من الهوا اللي معدي، ما كنتش بتسمح لحد أيًّا كان يرفع عينه فيا.
– “كاميليا” أنا زي ما أنا، وأنتي عارفة مليش في كلام الحب والمظاهر الكدابة.
تزفر أنفاسها بضيق:
– عارفة، بس نفسي يا وجود حتى تعمل كده علشان أكون مبسوطة.
– أعمل إيه يعني.
– زي كده مثلًا.
قالتها بعد أن مالت على ثغره المثير.
اتسعت عينه على الفور مزهولًا مما فعلته هذه البلهاء وأمام أعين الجميع.
– أنتي شايفة أن اللي عملتيه دا عادي.
لوحت بيدها قائلة بلامبالاة:
– خطيبي ومن حقي.
رفع يده يمسح وجهه حتى لا يفقد أعصابه عليها.
خشي النظر خلفه فيقول:
– امشي حالًا من وشي.
– وجو…
قاطعها بحدة مع صعود وهبوط صدره بأنفاسه الهادرة.
ثم صدح صوتًا مرعبًا بأمر:
– اممممشي.
مشيت وهي تكتم غيظها وعلى وجهها غضبًا واضحًا.
حاول أن ينظم أنفاسه ثم حك حاجبه الأيسر بإحراج من نظرات الجميع له.
فخفف أخوه من حدة الموقف بقوله:
– مين هيلعب.
تردف “توتا” التي تشعر بإحراج أخيها هادئ الطبع برغم ما تحمله داخل قلبها من ألم وحزن:
– طبعًا هنلعب، بس قول لعبه عدلة.
– فيه لعبة المعالق أو البلوك اللي هي ((JENGA أو الهاتف الورقي، اختاروا.
الجميع اختاروا أهدى لعبة وهي (JENGA).
وهي لعبة المجسمات الخشبية، والتي يمكن لعبها بمشاركة عدة لاعبين، يضع كل لاعب قطعته الخشبية لبناء كتل الأخشاب الصغيرة على شكل برج كبير للأعلى.
يتناوب اللاعبون في وضع الأخشاب دون إسقاط البرج.
يخسر اللاعب الذي ينهار البرج بسبب وضع قطعته بطريقة خاطئة أو فقدانه توازنه.
لعبوا جميعهم وخسر الجميع ما عدا “توتا” و”حازم”.
كانت ناظرة إليه بنظرات حادة تكاد أن تتحول بسببها اللعبة إلى حلبة مصارعة عنيفة.
“فحازم” كان يستمتع بنظراتها الشرسة ويكتفي أنها بالقرب منه، فكان يحاول التركيز حتى لا يسقط البرج ويبعدوا عن بعضهما من جديد.
ظلا يلعبان حتى آخر قطعة خشبية، وقامت “توتا” بضيق من عدم هزيمته.
انتهى الحفل وغادر الجميع، لكنهم يحملون الكثير داخل قلوبهم.
يدخل “مهيمن” وهو واضع يده على كتف معشوقته داخل الفيلا.
تقف “توتا” والدموع تلمع بعينها متحدثة بضيق:
– معلش مش هقدر استنى لبكرة من غير ما اعرف الحقيقة.
هز رأسه بعدم فهم وقال وهو عاقد حاجبيه:
– حقيقة إيه؟
أخرجت الورقة اللعينة من جيبها، تقدمت خطوة ورفعتها بيدٍ مرتعشة.
أخذها منها وقبل أن يتطلع بها كمشها داخل يده.
علا صوت أنفاسه المضطربة ثم أغمض عينيه بقوة ولم يجِبها.
فأكملت بغضب وحدة:
– يعني صح أنا مش بنتك، أنا مش “توتا مهيمن محمد الزناتي”، أمال أنا بنت مي…
قاطعتها “نايا” سريعًا معاتبةً بعد ما كسا وجهها الذهول والحزن، وتملك من قلبها:
– إزاي تقولي كده؟ أنتي بنتي أنا.
وضعت كلتا يديها على عينيها؛ لتجمد دموعها وتحبسها داخل محرابها مرددة بحسرة:
– بس بالتبني زي ما مكتوب في الشهادة.
ثم شردت تتذكر بعض الذكريات من الماضي.
صمتت لثوانٍ واستطردت مكملة بمرارة تغزوها من الداخل:
– عشان كده لما كنت بطلع أي ورق رسمي زي البطاقة والرخصة كنت مش بتسيبني أروح غير يا دوب على الصورة.. وأنا اللي كنت بقول علشان منصبه كل حاجة بتخلص بسرعة، ومش عايز يتعبني، أتاري ما كنتش عايزني أعرف الحقيقة المرة.
ما ترد.. ساكت ليه؟
أنا بنت حرام صح؟ انطقوا كلكم ساكتين ليه؟
عقب جملتها الأخيرة وقعت على الأرض وانطلقت دموعها الحبيسة وانهمرت بقوة.
هزت “نايا” رأسها بنفي تنفي حديثها، وهي تقترب منها تأخدها في حضنها باضطراب قائلة بهدوء:
– لا والله أبدًا، إزاي تفكري في كده؟ عمري أنا ولا بابا قصرنا معاكي في حاجة.
– مش بالتقصير إزاي أهلي يرموني.
رمق “مستقبل” والده الصامت مخبره:
– ما تقول حاجة يا بوب، قولها إن في غلط في الشهادة.
اقترب “وجود” من أبيه بصدمة قائلًا بأدب:
– بابا أنت هتفضل ساكت.
قبض “مهيمن” يده فآلامه تفوق آلامها بكثير، حزين على تفشي السر.
نعم، هما أخذاها وهي طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات، لكنهما استطاعا أن يمحوا لها الماضي، ولم تتذكر إلا هما، باتا سنين وسنين حتى نجحا في أن يجعلاها تنسى نسبها المزور، وفي لحظة كل شيء مُحي من عقلها ولا ترى غير هذا الحبر اللعين.
فأبلغها بتهكم وهو يمسك يدها:
– ممكن تقومي وتسمعيني بعقل.
نهضت ممسكة يده ناظرة بعينه، ثم جلست على مقعد بالجنينة ولم تتكلم.
قطع “مهيمن” الصمت قائلًا بلسان ثقيل:
– اللي مكتوب صح.. أنتي بنتي بالتبني.
هفكرك بكل حاجة، مع إني كنت أتمنى كل الماضي يموت مع الزمن، لكن للأسف الماضي هيفرض نفسه وهيستمر رغم أنف الجميع.
يقاطعه “مستقبل” بجدية فكان يجلس بامتعاض:
– أيًّا كان اللي هتقوله دلوقتي مش هينفي إنها أختي وبنتك.
تفوَّه “وجود” بتوتر، بعد أن اقترب يمسح دموعها:
– ممكن تهدي، أكيد يعني مش هيكون خاطفك، ومهما يكون اللي هتسمعيه مش هيغير من وضعك معانا أنتي فاهمة.
– لما اسمع احكم.
قالتها بجمود حاد.
تنحنح “مهيمن” وحاول أن يفشي سر العمر.. كانت الأحرف لأول مرة لا يمكنه تجميعها، دفن الماضي في عقلها بذكائه، وحانت الآن الساعة حتى يتم محاسبة الجميع، ويظهر كل شيء من جديد.
سرد لها كل شيء من أول دقيقة عينه وقعت عليها حتى إظهار حقيقة أنها ليست ابنة من قاما بتقديم بلاغ أنها مخطوفة، وأنها ابنة رجل متزوج من زوجة ثانية وهو أنجبها من زوجته الثانية وخاف أن يفتضح أمره أمام زوجته الأولى بعد موت الثانية وهي في حجرة العمليات فأعطاها “لجهاد” التي كانت تكذب على زوجها بأنها حامل حتى يرجعها لعصمته مرة أخرى وتسرق من ماله بكل حرية.
– يعنى أبويا باعني، واللى أخدتني كانت بتلعب بيا علشان يرجعها جوزها تانى لعصمته.
أغمضت عينيها بقوة وهي تضع يدها على وجهها.
الذكريات تلاحقها بقوة والحقائق تصدمها بوحشية.
فالذكريات كانت تخزَّن في عقلها الباطن عندما قال كل شيء تذكرته بكل سهولة.
فما تسمى أمها كانت تضربها بلا رحمة حتى لا تخبر أباها المزور كل ما تشاهده بعينها من أمها وعشيقها.
تذكرت أهم شيء سبب عقدتها من الرجال؛ فمن يسمى أباها كان يضرب زوجته بافتراء أمام أعين الطفلة، وعشيقها كان يجامعها بسادية أمامها؛ فكل هذا جعلها تكره الرجال ما عدا من حن عليها من أول يوم.
نعم، كانت تخاف منه في أول دقيقة، وترفض أن تأخذ منه الشوكولا، لكن عندما جلب لها العرائس ومازحها أحبته دونًا عن الرجال.
أغمضت عينها بقوة حتى تحاول إبعاد الذكريات البشعة، فهو محق عندما حاول جاهدًا محو كل الماضي الأسود.
بكت بحرقة.
فنهضت “نايا” من على الأريكة، جلست على ركبتها تحاوطها بذراعيها، ثم قالت بوجع على وجعها:
– توتا أنا حاسة إنك موجوعة، وافتكرتي حاجات تعبتك، علشان خاطري اهدي.. قلبي واجعني أووي ومش قادرة أشوفك كده، مش مستحملة أسمع صوت عياطك.
وقف “مهيمن” كالأسد لحظة استحواذه على مملكته بكل غضب وثوران:
– ممكن افهم إيه اللي مزعلك.
– بوب اهدى ربنا عالم بحالها.
نطق بها “مستقبل” بألم على توتا المنفطرة من البكاء.
قامت بانكسار وضعف لتخبرهم:
– أنا عايزة امشي من هنا.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثالث 3 - بقلم ابتسام محمود
في هذه اللحظة قام وجود بعصبية وبنبرة جديدة حادة:
– تمشي تروحي فين، أنتي اتهبلتى؟!
ثم يكمل مهيمن بنبرة قوية بها حزن:
– تمشي! بعد دا كله عايزه تسبينا بسهولة، طب عدي يومك لأوريكي فعلًا وشي التاني.
أردفت توتا ببكاء حار ولم تقدر على أخذ أنفاسها:
– أنا مش بستأذن أصلًا وهمشي دلوقتي كمان.
لم يستطع مهيمن أن يتمالك أعصابه وكاد أن يصفعها على وجنتيها، لكن مستقبل تصدر لها ووقف أمام أبيه محذرًا بصوت عنيف هادر:
– أنت قلبك دا إيه؛ يعني برغم كل الصراع اللى جواها بتيجي عليها أنت ووجود، سيبها تتكلم وتهرتل باللي جواها.
زجت توتا مستقبل قائلة بتحدٍ ودموع:
– آه هسيبكم؛ لأن أكيد أبويا الحقيقي عايش وعايزني، وأنت بتكدب عليا.
أثارت غضبه بكلماتها فنطق بتهور:
– بعد العمر دا تقولي بكذب، شكل الماضي عملك فقدان ذاكرة للواقع، أنتي عايزة علقة فعلًا تفوقك لنفسك.
فكان مهيمن يجذبها يريد صفعها حتى تتراجع عن كلامها، الذي يحرك رماد غضبه بقوة، فهو لا يتحمل سماع فظاظة حديثها، كيف تتركه وتبعد عن حضنه؟ فهي كل حياته ويحبها مثل أبنائه، ولم يفكر يومًا أنها ليست ابنته فكيف تسمح لنفسها أن تتفوه بتهديده!
أشارت نايا لمستقبل أن يأخذها بعيدًا، أمسكها وتوجَّه بها إلى غرفتها، ثم حدثها بهدوء:
– توتا ممكن تنفضي كل الأفكار اللي في دماغك، أنا حاسس بوجعك والله ونفسي أعرف اللي جواكي، ومتأكد إنك بتحبينا، وكل اللي أنتي فيه دا من اللي افتكرتيه.
لم ترد عليه وزادت في بكائها الحار، أخذها في داخل حضنه مربتًا عليها بحنان.
طرقت نايا باب الغرفة، قام مستقبل بفتح الباب ثم دلفت بخطوت منكسرة وبنظرات تلومها وتعاتبها على ما قالته منذ قليل، متفوهة بخذلان:
– يعنى ههون عليكي تسيبيني يا توتا، تسيبي نايا صاحبتك.. بلاش أمك اللي ربتك.
عندما شاهدت دموع أمها تتساقط، ارتمت داخل دفء أحضانها قائلة بعتاب الماضي المهين لطفلتها، ببكاء يقطع نياط القلب وتهتز له الجبال:
– ليه عملوا فيا كده؟ ماما أنا اللي جوايا دلوقتي يهد جبل.. افتكرت كل حاجة.. كأنه امبارح، كانت بتحرقني بالشمعة علشان ما اقولش لجوزها إن كان فيه حد عندنا، كنت بشوفه بيضربها بالكرباج، كنت طفلة بريئة ومش فاهمة إن دي علاقة مريضة، واللي اسمه أبويا كان بيضربني هو كمان لما اتكلم كتير واعمل شقاوة، ودايمًا كان بيضربها ويهينها إنها جابتني بنت، قال يعني هي اللي ولدتني.
ضحكت ضحكة ساخرة من هذه الذكريات ثم صمتت لثوانٍ، وبعدها قالت بانهيار:
– افتكرت حاجات دبحتني.. والله مش قادرة اتخيل إزاي كان بيحصل فيا كده، ماما احضنيني أووي أنا بتقطع من جوايا مش قادرة حتى أتنفس.
كانت تقول كلامها بارتعاش وثقلٍ في لسانها، دموعها تنهمر على وجنتيها اللتين تحولتا إلى الون الأحمر الداكن، فكان يسمعها مستقبل وتسيل عبراته من أعماق قلبه، حاوطها بذراعيه فقال:
– احنا جنبك، البوب من حبه ليكي قالك كده وبيعمل كده؛ لأن وربنا مش قادر يستوعب هرتلتك ولا حتى يتقبل بنته الجميلة تقول كلام ملهوش لازمة.
– حتى وجود بيزعقلي.
رد على سذاجتها:
– وجود لو مش بيحبك وكلامك استفزه ما كنش همه حاجة ومشي.. ولا أنتي غريبة عليه، ما هو مش بيتكلم غير لما تكون حاجة تخصه أو نرفزته، وأنتي الله أكبر عليكي من الحسد الاتنين، وكلنا بنحبك وحبنا كلنا ليكي زي بعض.. محدش هيحبك أكتر من حد، بس أنا بحبك أكتر.
ثم أكمل حديثه بمزاح وهو ممسك بوجنتيها بين قبضة يده:
– ما أنتي عارفة قلبي بيضعف لنون النسوة، مش بستحمل أشوف أنثى بعيون عسلية بتعيط.
كانت نايا تشهق من كثرة بكائها تود أن تنسف هذا الماضي من باطن عقلها من جديد، أو تحمل عنها أوجاعها وأحزانها ولا تراها تنزف من قلبها، فلا تعلم كل هذا إلا منها في الوقت الحالي، تريد أن ترجع عقارب الزمن إلى الوراء كي ترى جهاد تحيا من جديد أمامها حتى تطعنها بدل الطعنة ألف.
أشفق مستقبل على حال والدته، وأخته بقلب منفطر:
– وبعدين معاكم بقى والله أنا كمان هعيط.
رفعت نايا تمسح دموعها ناظرة لابنها حنون القلب:
– كفاية وجع.
ثم رمقت ابنتها بنظراتها القوية حتى تبعثها إليها هاتفة بثقة، لكن نبرتها بها دموع:
– توتا أنتي بنتي أنا، وأنا اللي ربيتك، احمدي ربنا إنك مطوّلتيش معاهم، لولا باباكي مهيمن كنتي فضلتي مع الناس دي بقرفهم، ربنا بيبتلي كل إنسان ولازم نتحمل بلاء الله، ومع إن البلاء دا انزاح من زمان ليه ترجعي الشريط من جديد انسي.
– لو وجودك معانا مضايقك، أنا حالًا هوصلك مكان ما أنتي عايزة، طالما حضني وحبي وعاطفتي وحناني عليكي طول السنين دي راح مع أول عاصفة.
قالها مهيمن بعد أن فتح باب غرفتها على مصراعيه، ثم تدخل وجود بقوله:
– صح كده اللي شايف أن احنا مش كفء ليه.. يتفضل من هنا.
نهض مستقبل بجنون وانهيار يصيح بكل ما أوتي له من قوة:
– إيه اللي بتقوله دا، وأنت يا عاقل بدل ما تهدي أبوك جاي تشعلله، هي كانت ناقصة بنزين.
انكمشت ملامح نايا بذهول وغضب بآنٍ واحد لتقول:
– أنا مش مصدقة إن أنت مهيمن اللي بيفكر في كلامه ألف مرة قبل ما يطلعه، إزاي تقول كده؟ بجد أنا اتصدمت النهاردا فيكم كلكم، بنتي عايزة تسيبني وابني العاقل بيزعق لأخته الكبيرة بدل ما ياخدها في حضنه ويهدي أبوه، لا والكبير بتاعنا بيقول كلام عمري حتى ما اتوقع ولا اتخيل إنه يفكر فيه.
– خلصتي كلامك.. ويا ترى يا توتا لما افتكرتي ذكرياتك ما افتكرتيش حبي ليكي كان قد إيه؟! ما افتكرتيش خوفي ولهفتي عليكي لما بتكوني تعبانة، ما جاش على بالك وجع قلبى في أول يوم مدرسة ليكي وإني فضلت أراقبك من بره لحد ما جيه وقت الخروج، ما خطرش على بالك لمجرد ثانية فرحتي بيكي وأنتي بتجري عليا بعد رجوعي من الشغل، تحفيزي ليكي وأنتي داخلة أي بطولة ونظراتي اللي بتستمدي منها القوة، كل دا اتبخر خلاص، بجد بجد أنا اللي مصدوم وهتجلط من كلامك يا بنت قلبي.
كان يقول هذا الحديث بعيون دامعة، بوجه حزين، ولم يقدر على الوقوف.
دوت ضحكته الساخرة ليجيب وجود على أبيه:
– اتبخرت إيه دي راكبة طيارة نفاسة واختفت في لمح البصر.
وبعد انتهاء حديثه الساخر، أولاه مهيمن ظهره مستعدًا للخروج من غرفتها، وقفت على الفور منادية عليه بنبرتها نفسها وهي صغيرة.. النبرة الودودة، تعلقت بكتفيه وأخذها داخل أحضانه يكاد أن يسحق عظامها من شدة العناق، يريد أن يبلغها أن هذا المكان أمانها الوحيد، وفي هذا الحضن كبرت وترعرت وأصبحت عروسًا تشاكسه، ثم يبلغها:
– الحضن دا اتربيتي فيه، وكبرتي فيه، وهتطلعي منه على بيت جوزك.
ثم ابتعدت وخرجت من عناق أبيها، أخذها وجود في عناق معاتب؛ فهو وأبوه كانا أقوى من أخيه الطائش، ووالدته المجنونة التي أصبحت تلبس ثوب العقل، كانا يريدان أن تعلم أنه إذا فقدت هذا البيت لن تجد غيره، فهم لها سندها وأمانها، وحبهم الخالص لها حب فطري خالٍ من أي مصالح حب يختلج له القلوب.
في يوم تشرق به الشمس وتبث أشعتها حتى تدفئ الكون بحرارتها، قامت توتا من نومها بعد هذا الحادث الذي مر عليه شهر، فكان خالٍ من أي أحداث جديدة؛ كل أحداثه مجرد محاولات كي يجعلوها تنسى الماضي من جديد. تقوم مستعيدة نشاطها وقوة ثقتها بنفسها، ترتدي زيًّا رياضيًّا ثم تنزل قائلة بحماس:
– صباح الخير؟
رد مستقبل عليها بسعادة:
– أخيرًا الشمس رجعت تنور بيتنا من جديد، إيه النشاط والحماس دا كله على الصبح.
– ومين قال إن شمسها غابت يوم عننا.
قالها وجود الذي أثار غيظ خطيبته التي لم تسمع منه كلامًا من هذا النوع، فردت توتا بابتسامة صافية:
– أخويا روح قلبي اللي مسيطني.
قام مقتربًا منها مقبلًا رأسها بحنان:
– ربنا يخليكي لينا ولا يحرمنا منك أبدًا.
– حبيبي ولا يحرمني منكم أبدًا أبدًا.
خرج مهيمن من مكتبه ناظرًا لها باستغراب:
– صباح الخير، رايحة فين الصبح بدري كده.
– أنا فاتني كتير والبطولة خلاص قربت، لازم أكتسح زي كل مرة.
– بس فعلًا مفيش وقت وأكيد جسمك ريح.
– متقلقش هنزل من دلوقتي وهشتغل على نفسي بتمارين مضاعفة وهرفع راسك.
– المشكلة إني مسافر مين هيمرنك.
– أووف سفرية مهمة يعني؟
– دي مأمورية، ممكن ابعتك چيم أنا بثق فيه جدًّا وكأني أنا اللي بمرنك، إيه رأيك؟
– دي فيها رأي طبعًا موافقة.
قال لها العنوان وعلى الفور الأخَوَان حدقا ببعضهما بدهشة واستغراب، فقالت توتا بسعادة:
– من دلوقتي هروح آخد منه ميعاد برايفت.
الذهول ملأ وجه الأخَوان على موافقتها بكل سهولة، وقال مستقبل بتعجب قبل أن يرتشف عصيره يبتلع به الطعام الذي تحشرج داخل حلقه:
– وكمان برايفت!
عقدت ما بين حاجبيها بعدم فهم، ثم قالت بتعجب:
– مالهم دول يا كوتش!
– سيبك منهم ويلا آخدك في طريقي.
نزلت نايا من غرفتها ترتدي روبها قائلة بحزن مصطنع:
– أندال هتمشوا من غير ما تسلموا عليا.
اقترب إليها حبيبها:
– أنا برضو أقدر، كنت حالًا هطلعلك.
ثم قبل وجنتيها، كانت كاميليا ستنفجر من الغيظ، هامسة لوجود بضيق:
– شايف باباك.
ثم هتفت بصوت جهوري:
– ما تعلم ابنك يا أنكل.
أجابها مهيمن وهو ناظر لمعشوقته:
– كل حاجة في الدنيا بنتعلمها إلا الكلام، دا بيطلع من القلب.
أغاظها أكثر بكلامه، الذي يقصد أن يضايقها به.
رفعت توتا يديها الاثنتين مخمسة في وجهها:
– الله أكبر عليكم، دول يا ماما حب أفلاطوني مش هتلاقى زيه غير في الأفلام.
تحتضن نايا ابنتها تبلغها:
– وأنا يا روحي دعيالك ربنا يوقعك في واحد بيحبك حب يفوق حبه ليا بمراحل، وإن شاء الله هتعيشي معاه أجمل قصة حب.
نعم، قالت كل حرف عن عمد تقصد غضبها؛ لأنها حقًّا منبوذة من الجميع إلا وجود، الذي يتعامل معها بطريقة رسمية دائمًا، ومتحفِّز في كلامه معها.
قامت وعلى وجهها ألوان الطيف متفوِّة:
– يلا يا وجود هنتأخر على الشغل.
أردف وهو يقوم بجمع متعلقاته الشخصية:
– يلا.
عندما خرجوا تنفس الجميع الصعداء بقوة، وقالت نايا وهي تقلدها:
بااي بااي يا أنط.
ثم تكمل بجدية:
– أنط لما تنططك يا بعيدة، ادعي عليكي بأيه وابني راكب جنبك.
ضحك الجميع على غيظها منها فقال مستقبل:
– كبري دماغك يا نون هو من أيام الثانوية واقف جمبها علشان اللي بيتنمروا عليها، وكل ما أنتي كمان هتتنمري عليها وقدامه هيتمسك بيها أكتر.
– والحمد لله أهي بقت فرعة وزي الهبلة، وحلوة بالفرح اللي بتعمله في وشها.
فقال مهيمن وهو يجهز أغراضه حتى يرحل:
– اوعي تكوني مصدقة إن ابنك بيحبها، هي مش أكتر من حالة خيرية، بيفكرني بنفسى في جوازي أول مرة.
– وليه ما اكونش بحبها، والدليل إن الحب واضح في تصرفاتي.
قال هذا الكلام وجود الذي نسي هاتفه، ورجع للداخل وسمع حديثهم.
فردت عليه توتا بإحراج:
– واحنا طبعًا مش يهمنا غير سعادتك.
أخذ هاتفه وهو يبتسم لهم ابتسامة مصطنعة وتوجه للخارج.
فكانت زينة تمارس رياضتها المفضلة وهي الركض في الشارع، وتعد هي الرياضة الوحيدة التي تمارسها؛ لأنها لا تحب أي نوع من الرياضة سوى العدو؛ لأنها تجعلها كل يوم تشاهد من دق قلبها له عن قرب، وقفت تصافحه بابتسامة، ثم أكملت ولم تعط اهتمامًا لمن تقف بجانبه.
توجه مهيمن مع توتا إلى العربة، وقام بتوصيلها للمكان الذي أخبرها عنه.
تدخل إلى الصالة تناجي الله أن يوافق أن يمرنها الكابتن بمفردها؛ حتى تكسب وقتًا وتعوِّض كل ما فاتها، تنزع نظارتها متحدثة مع السكرتيرة، وهي تنظر للمكان من حولها قائلة بتحفظ:
– الكابتن مهيمن بعتني هنا اتمرن برايفت؛ لأني داخلة بطولة قريب.
ردت السكرتيرة بأسف:
– برايفت صعب.
ألقت ما بيدها وأردفت بغيظ:
– بقولك الكابتن مهيمن هو اللي بعتني هنا، وأنا بنته توتا.
ترحب بها وهي تقول:
– أهلًا وسهلًا بحضرتك، والله رافعة راس مصر دايمًا، هدخل حالًا اسأل الكابتن على مواعيد برايفت.
اومأت برأسها وهي تبتسم، قبل أن تذهب السكرتيرة غرفة التمارين تخبره:
– كابتن بليز ثواني.
يشير للفريق أن يتوقف، ثم يمسك بمنشفته يمسح بها وجهه المتلألئ بحبيبات العرق، قائلًا:
– بريك خمس دقايق.
الجميع استغلوا الفرصة وانبطحوا أرضًا ينالون شيئًا من الراحة، رمق البنات اللاتي تمددن في وسط الشباب، فأكثر شيء يضايقه عندما تتمدد الفتيات على الأرض وبجوار الشباب، لكنه اكتفى بأن يحدق بهن بحدة حتى لا يخجلهن.. فاستقاموا عقبها على الفور.
أخرج هاتفه يتابع شيئًا سريعًا قائلًا للسكرتيرة:
– خير يا سحر.
– فيه لاعبة خماسي بره في الريسبشن عايزة تدرب برايفت.
– برايفت!!!
– باعتها الكابتن بتاعها علشان تتمرن برايفت معاك علشان بقالها فترة مريحة.
بعد تفكير يرد عليها:
– ما أنتي عارفة ماعنديش وقت لبرايفت.
– طيب أرد عليها أقولها إيه؟
دخلت توتا لهما حتى تتحدث معه وتقنعه؛ لأن لم يبقَ أمامها إلا هذا المدرب، فتقول دون أن تنظر إليه:
– ممكن أعرف المواعيد.
فتجيبها سحر:
– أنا بكلم الكابتن لسه.
فترفع توتا عينيها بابتسامة مجاملة:
– ها يا كوت…
لم تكمل حديثها عندما تقابلت عيناها مع عينيه بصدمة.
مال حازم رأسه لليسار ولليمين وهو يتفحصها بعين واسعة وحاجب مرفوع، تفهَّم أنها هي التي ترغب أن تتدرب، يقترب منها بهدوء متصنع عدم الفهم:
– خير يا آنسة؟
– هو أنت!
– أيوه أنا الكوتش وصاحب الچيم دا كله.
فأردفت سحر دون أن تعلم بوجود سابق معرفة بينهما:
– ده كابتن حازم المدرب.. بس للأسف مفيش مواع…
قاطعها بابتسامة نصر فهي ستظل وقتًا كبيرًا بجانبه.. لن يضيع هذه الفرصة، التي أتاه القدر بها على طبق من ذهب حتى يكسر غرورها:
– لا فيه مواعيد وهنبدأ من بكرة.
ثم رمقها بلامبالاة، ودخل غرفة التمرين مرة ثانية.
فتحت فمها عن آخره، فكيف لم تتوقع أنه هو من سيدربها، محدثة نفسها بغيظ:
– ده أنت أغلس خلق الله، ماشى يا بابا لما أشوفك.
بعد انتهاء التمرين ذهبت سحر لتحدثه:
– يا كابتن حازم.
يقف بدون النظر لها ويقول بفهم مقصدها:
– عارف هتقولي إيه، وأنا كلامي كان واضح.
– يا كابتن أنت كده بتهلك نفسك، وحضرتك كنت متأكد إن مفيش مواعيد برايفت، ليه دلوقتي بتقول فيه؟ مع أن فعلًا مفيش.. كنت ممكن تمرنها مع أي فريق.
ضحك داخل نفسه وهو يقول سرًّا..كيف أدربها أمام الجميع بطول لسانها؟ وكيف أمنع نفسي من النظر إليها حتى لا يفتضح أمري؟ فكان اختياري واختيارها الخاص أفضل شيء، ثم يستدير بجسده لها، يخبرها باقتضاب:
– بس دا وقت نومك!
نظر لها باستغراب وهو يرفع حاجبه الأيسر، أُحرجت من كثرة تطفلها وقالت:
– سوري.
تركها ودلف مكتبه يأخذ قسطًا من الراحة، قبل أن يختلي بنفسه ويذهب مكانه الخاص، الذي لا يعرفه أحد.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الرابع 4 - بقلم ابتسام محمود
أمسكت “سحر” هاتفها باحثة على رقم “مهيمن”، ثم قامت بالضغط على زر الاتصال منتظرة حتى أتاها صوته الجهوري:
– كابتن مهيمن، أنا سحر سكرتيرة كابتن حازم.
شعر أن هناك كارثة حدثت. نعم، كان يتوقعها لكن ليس من أول يوم، فرد بتهكم:
– أهلًا بيكي.
فأجابته بسعادة بالغة:
– أهلًا بيك يا كابتن، متصلة أبلغ حضرتك بمواعيد تمرين الآنسة توتا البرايفت؛ لأنها مشيت من غير ما تاخد المواعيد، ممكن تبلغها بيها.
– آه طبعًا.
– أربع أيام في الأسبوع الساعة (٨ : ١٠).
– تمام شكرًا أووى.
بعد أن أغلق الهاتف يحدث نفسه:
– برايفت! توتا وحازم لوحدهم ربنا يستر.
فتصل بها قائلًا بمكر:
– إيه يا توتا مشيتي ليه من غير ما تاخدي المواعيد؟
فأردفت بترجٍ:
– بليز يا بابا أنا مش عايزة اتمرن مع الكائن دا، حضرتك ما لاقيتش غيره تبعتني عنده!
يكتم ضحكته وهو يقول:
– ودا أحسن واحد يعلمك فتنس صح، وده غير إنه الوحيد اللي بيمرن خماسي.
ردت بغرور وغيظ:
– دا حمار ولا بيفهم حاجة في أي حاجة.
رد عليها سريعًا بعصبية:
– توتا ما اسمحلكيش تغلطي فيه، أنا بعتبره زيك وزي إخواتك، ولو مش كويس ما كنتش بعتك عنده. وفي التدريب حاولي تنسي إنه حازم وخلي عقدك منه على جنب، علشان خاطري بطلي تعانديه ومواعيدك أربع أيام من الساعه (٨ : ١٠) صباحًا.
– تمانية! ليه حد قاله إني بقوم أسحر الناس، لا طبعًا.
أردفتها بصوت قوي به لهجة اعتراض وسخرية، فرد عليها بعند يفوق عندها:
– هتروحي ورجلك فوق رقبتك.
– قلت مش هروح يعني مش هروح.
– توتا خلص الكلام.. سلام.
كان رده بلهجة آمرة، ثم أغلق الهاتف دون انتظار ردها.
***
يعلن هاتف “مستقبل” صوت رنينٍ فينظر إلى شاشة هاتفه وهو جالس على الأريكة بأريحية ويمسك جهاز التحكم بالتلفاز يقلب بين محطاته، ثم يمسكه ويخبره المتحدث:
– إيه يا أسطا هي دي إجازة، ولا اشتغالة عليا؟
قالتها “كارما” بصوت رجولي متضايق، فأجابها بقوله:
– اشتغالة ليه بس يا كاري؟ ما أنا أهو قاعد من غير شغلة ولا مشغلة، وفاضي ليكي على الآخر.
حدثها بنبرة ناعمة هادئة، فردت عليه بلهجة بها ملل:
– طيب إيه؟ عندك فكرة نخرب بيها اليوم ولا نفكر؟
– من غير تفكير، إيه رأيك قبل الماتش نبيع أعلام وطواقي وزمامير.
فكان يبلغها بهذه الكارثة وهو يضحك، فردها عليه كان يتوقعه لأنها أجن منه وهي في الأساس تعشق المغامرات معه.
– وااااو أيوة بقى رجعنا لأيام الشقاوة تاني يا ريس.
– نصاية وأكون جاهز بكل حاجة، سلام.
وقبل أن يضغط على زر الإغلاق قال مسرعًا:
– صحيح بقولك؛ إياكي ثم إياكي ترني عليا كل ثانية، هخلص وأكلمك.
– طب والنبي يا عم الحنين تنجز إلا أنا عارفة قلبك المرحرح بزيادة.
أردفت جملتها بسخرية، وبداخلها غل وغيظ من معاملته الناعمة لجنس حواء، ضحك عبر حديثها وأخبرها:
– ما تقلقيش هحاول ما اتأخرش.
أغلقت الهاتف قبل أن تدمره من شدة الغضب الذي تملَّكها، فقد خشيت أن تقضي فترة الإجازة في مشاحنات كهربائية لا تنتهي بينهما، فجاهدت نفسها أن تحاول السيطرة على هذا الغضب المتملك منها بسبب تصرفاته الطائشة، الذي يراه من وجهة نظره ليس له داعٍ من الأساس، فتهمهم تدعي ربها أن يصبرها ويصلح حال خطيبها المشاغب:
– ربنا يصبرني عليك.. مهما تعمل بحبك وبموت فيك، آه لو اعمل زي ما مرات أخويا ما بتقولي، بس أعمل إيه لقلبي ما اقدرش استغنى عنك ثانية، مسيرك يجيلك يوم ويتصلح حالك.
يجلس “وجود” على مكتبه، ويفتح الحاسوب ويركز في تصميم برنامج يتمنى أن يكون نقلة له ولشركته.
فقطعت الصمت “كاميليا” بقولها:
– قليلة الذوق أووي زينة.
ينصب تركيزه بالكامل داخل الجهاز، ويرد عليها باقتضاب:
– فعلًا، سيبك منها.
تقف تصُك أسنانها بضيق، فتنحني تأخذ قلمًا من أمامه تكسره بغيظ كأنه هي، وتقول:
– ممكن بعد كده ما تعبرش التافهة دي تاني.
أخرج صوتًا من حنجرته بالموافقة، ثم رفعت يديها تقفل وتغلق قبضت يداها بقوة، وتقول بامتعاض:
– ممكن تركز معايا.
نظر إليها باستغراب عاقدًا ما بين حاجبيه، وأردف يسأل:
– أنتي بتتكلمي عن مين؟
أدمعت عينها لتأكدها بانشغال عقله مع الحاسوب، فتخبره وهي تفتح باب المكتب:
– خلاص يا وجود ركز في شغلك.
بصرها بتركيز، وقال قبل أن تغلق الباب خلفها:
– معلش أنتي عارفة الشغل دا بالنسبة ليا إيه، وفعلًا نفسي أتنقل نقلة تانية في عالم البرامج؛ لأن البرنامج دا لو نجح وبقى عليه إقبال هكتسح كل المواقع الإلكترونية، وهيبقى فيه تواصل أقوى بين الناس، وتسلية كمان.
ابتسمت بأسى، ثم أردفت وهي تضع يدها على وجنته الناعمة:
– خلاص يا حبيبي ركز، بس هيبقى ليا تصرف تاني مع البنت المستفزة زينة.
– أنتي اللي بتركزي معاها أووي، وعلى العموم ادعلها ربنا يهديها.
أجابته من بين أسنانها:
– يا رب.
***
بعد أن حضر “مستقبل” كل شيء يخص المباراة أخذ “كارما” وتناوبا الوقوف على أرصفة الشوارع هاتفين ببعض الأغاني الحماسية التي تشجع الناس على الشراء منهما، فاقترب الكثير من الناس يشترون، حتى استطاعا بيع كل البضاعة التي كانت معهما، ظلت تقفز “كارما” بفرح وهي تأخذ المال قائلة:
– هتعزمني فين بقى؟
– هعزمك جوه قلبى يا وحش.
أردفها وهو يحاوط خصرها بامتلاك، بعدت عنه مسرعة متفوه بثقة تحمل مشاكسة:
– قلبك دا ملكي وأنا فيه على طول.
– إيه الثقة دي.
– لأن قلبك ما يقدرش يدق من غير حروف اسمي يا شاطر، فلازم أثق وأثق أووي.
– أموووت فيك يا شرس وأنت واثق في نفسك، بس خلى بالك تقلب معاكي بغرور.
– ولنفرض أنت عندك مانع.
– إطلاقًا مطلقًا بالتلاتة.
جريت أمامه تستنشق رائحة البحر المميزة الذي يأخذها إلى عالم آخر، وتقول له بصوت مرتفع:
– تعرف الريحة بتاعة البحر دي بالنسبة ليا إدمان وبعشقها أكتر لما تختلط بريحتك، بينتج بينكم تركيبة فظيعة.
– طب تصدقي لو قلت إن الريحة اللي بتحبيها دي بتتكون من جزيء اسمه الكيميائي كبريتيد الديميثيل، سائل قابل للاشتعال ومش بيدوب في الماية، ومن معرفة المسار الكيميائي الحيوي هو اللي بيطلع الريحة، وعشان كده الطيور بتيجي على الريحة.
– سبحان الله.
ثم سارت بنتان بجانبه فقام بمغازلتهما:
– ويا ترى الأسود اللي هياكل منك حتة دا حزن ولا موضة.
فتوجهت إليه “كارما” تضربه على كتفه هاتفة بضيق:
– بتقولهم إيه؟ سمعني كده تاني.
– بقول ناقصهم إشارتين حُمر علشان لزوم الماتش.
قالها وهو يرمق البنتين بنظراته الثاقبة، فضحكت الفتاتان، فربعت “كارما” يدها بغل قائلة:
– هتبدأ تستعبط، وتقفلني؟
– مش بستعبط.
– يبقى هتستهبل؟
– ومش بستهبل، شكلك طالبة معاكي نكد.. أكيد هتخنقيني، يلا نروح.
– نهارك أسوح أنا بنكد وبخنقك، أنت شايف اللي عملته حالًا ما يستدعيش الزعل.
– لا.
رد عليها ببرود، فحاولت مسك دموعها وأردفت:
– روحني.
قلبه لم يتحمل زعلها منه ثانية فقال:
– هنزعل أهو، والله كنت بهزر.. إلهي اتشل في لساني.
لم يؤثر فيها قوله ولم تجب عليه، فأكمل:
– طيب وكمان رجلي…
فلم يرمش لها جفن فقلبها يحمل منه الكثير والكثير، فقال بحزن:
– إن شاء الله قلبي يقف دلوقتي واقع من…
قاطعت قوله عند هذا الحد، لا تتحمل أن يذهب من الحياة من غيرها:
– بعد الشر عليك يا رخم.
– أيوة كده، والله الدنيا بتضحك لما بتضحكي يا لمضة.
– على فكرة ذوقك بقى وحش، دول ولا فيهم ريحة الأنوثة.
– طب ما توريني أنوثتك.
تحترق وجنتاها حرجًا، رفع حاجبًا وأنزل الآخر منتظرًا ردها، لكنها ضربته بحقبتها بصدره، وتركته.
قهقه بصوت مرتفع جعل كل المارة ينظرون إليهما.
***
تدخل “توتا” من بوابة الفيلا بعد الانتهاء من عملها بالجامعة، مصابة بصداع من الطلبة، وضيق تنفسي وعدم اتساع مدارك عقلها على ما أجبرها به والدها، أيمكن أن تظل مع “حازم” بنظراته التي تثير غضبها، تضرب الأرض بقدميها وهي تسير بدون النظر أسفلها، ولم تنتبه لهذا الحجر الصغير، الذي تدحرجت بسببه وتسبب في التواء ساقها اليمنى ووقعت أرضًا.
دلف “نايا” لها مهرولة بعد سماع صوت صريخها:
– مالك يا توتا؟
– رجلي يا ماما مش قادرة أحركها.
– حاولي تتسندي عليا أوديكي أوضتك.
تحاول بأقصى جهدها، لكنها لم تقدر على النهوض، دخل “مهيمن” الفيلا بسيارته أوقفها عندما شاهدها تجلس على الأرض تبكي وبجوارها زوجته، فقال بقلق بعد أن اقترب منهن:
– حبيبتي قاعدة كده ليه؟
– رجلي يا بابا مش قادرة شكلها اتكسرت.
أجابته “توتا” وهي تبكي بألم حاد بساقها، مال عليها مسرعًا حاملها وأدخلها سيارته ليسارع بها إلى المشفى، دخلت إلى غرفة الإشاعات، ثم ذهبت الممرضة تبلغ الطبيب المناوب، بعد أن علمت بوجود تمزق في الأربطة، قابلت الطبيب وهو يدخل مكتبه فأبلغته:
– دكتور في بنت عندها تمزق في الأربطة.
يدخل الطبيب مسرعًا مكتبه يأخذ البالطو ويقول:
– في غرفة كام؟
– اللي بعد الإشاعة.
توجَّه للغرفة وهو يغلق هاتفه.
***
أغمضت عيناها بنفاد صبر من شدة الألم، وعضت يد أبيها ثم أخذت تسب الطبيب بغضب حاد:
– رجلي هتموتني.. هو فين الحيوان اللي شغال هنا، أكيد طبعًا نايم والعيانين يموتوا عادي، هو لسه هيتأخر.. حد يستعجل الزفت على دماغه.
كان الطبيب بجانب الغرفة وسمع سبابها فضغط على أسنانه بشدة، كادت أن تتحطم وعزم أن يلقنها درسًا حتى تتعلم بأن تتفوَّه بأدب معه؛ فقال بحدة وهو يدلف إليها مقاطعًا “نايا” التي تلومها على أسلوبها الهمجي وسوء اختيار ألفاظها في مكان عام:
– فيه إيه لكل الدوشة دي؟ أكيد اللي بييجي هنا مش هيموت، فاطمني حتى لو سيبتك شهر هيفضل النفس داخل وخارج؛ إلا بقى لو ربنا أذن.
حدقته بعينين جاحظتين بهما ذهول فأجابته بغيظ:
– هو أنت! لا ولسه كمان بتسأل فيه إيه؟ هار إسوح عليك هو أنا جايه هنا علشان بسلامتك تقولي فيه إيه؟ وملاقوش غيرك أنت ياللي مش بتفهم وجيبينك ليا! والله شكلك دكتور بهايم.
ينظر لها “حازم” ويجاهد في الحفاظ على أعصابه ولا يتهور أمامها، حاول أن يتظاهر بالبرود في رده، عكس ما يشعر به من ثورة وغليان:
– فعلًا عندك حق، علشان كده جاي أشوفك يا بهيمة يا اللي لسانك كان لازم يتقطع وأنتي بتتولدي.
أصاب عقلها بالشلل المؤقت، من رده عليها بعكس طبعه الهادئ الصبور، فهي لم تستطع تحمله في جميع حالاته، فمسكت بشيء صغير بجوارها وقذفته عليه، لكنه تفاداه بمهارة، فأردفت بغيظ:
– حد يمشي الحيوان دا من قدامي.
كان “مهيمن” متابعًا لمشاجرتهما، ظل صامتًا حتى يرى نهايتها، لكنها احتدت فقرر أخيرًا إنهاءها بحزم شديد مرددًا:
– مالكم أنتوا الاتنين عاملين زي الديوك قدام بعض ليه؟
فأخبره “حازم” بنبرة مخنوقة سببها ضيق من قلبه الذي هواها وعشقها حد الجنون، وهي لا تشعر ولا تحس بهذا القلب الذي يتألم:
– دي عايزة بلطجي يتعامل معاها، بعتذر ليكم مش هقدر أكمل في الأوضة دي ثانية كمان، تبقى تشوف مين هيسعفها.
قال جملته واتجه نحو الباب، فذهبت خلفه “نايا” تترجاه:
– معلش يا حازم ما أنت عارفها دي رقيقة، لولا بس وجع رجلها لمس السلوك كلها في بعض.
ضحك على الفور بسخرية:
– رقيقة! أنتي هتقوليلي ما أنا عارفها ومش هتجيبه من بره، كربون من أخوها مستقبل.
كان يقترب منها بنظرات صقر يريد أن ينقض على فريسته، لكن وجود من يحميها يشعل ناره، فقرر أن يعاقبها على تجاوز لسانها بطريقته ولم يتجرأ أحد أن يمنعه، وقال وهو ينظر لـ”نايا”:
– ده علشان خاطرك أنتي وعمو بس يا طنط.
قبل أن تتفوه “توتا” وضع “مهيمن” يده على ثغرها حتى لا تنطق بحرف آخر، لكنها ظلت تسب وتلعن فيه بحروف غير مفهومة، مال “حازم” يمسك قدمها المصابة بحذر؛ لكنه كان بداخله يقصد أن يؤلمها بدون أن يسبب لها مشكلة في الإصابة، فصرخت صرخات مكتومة.
– الله هو أنا لسه عملت حاجة، اجمدي شوية يا بطل.
قالها بهدوء مميت، ثم التفت إلى “مهيمن” قائلًا:
بعد إذنكم تتفضلوا تقعدوا بره علشان اشوف شغلي.
نظر له ولها وقلبه لم يطمئن، فقال “حازم” حتى يطمئنه:
– الممرضات معايا هيمسكوها، ما تقلقش عليها.
أومأ رأسه وأمسك يد زوجته التي مالت على أذن “توتا” تترجاها بأن لا تتطاول عليه في الحديث بطريقة فظة، ثم تركتها وخرجا.
ينظر “حازم” لساقها ويقول بنبرة جادة يغلفها البرود:
– فيه جرح صغير محتاج أربع غرز، ومش محتاج بنج.
حدقت به بعينين جاحظتين ثم قالت بانفعالية:
– لا بقى.. لا بقى، أربع غرز ومن غير بنج دا اللي هو إزاي، ها إزاي؟ المهم أمي توصيني ما اغلطش، أنت اللي بتجر شكلي أهو!
ضحك على طريقتها وهو يمسك إبرة ليخيط جرحها، ويتصنع الهدوء والجدية في الوقت ذاته:
– يعني تاخدي أربع شكَّات ولا تاخدي أربعة وعليهم اتنين بنج.
فردت مسرعة بدون تفكير:
– أربعة بس طبعًا.
– يبقى تسكتي وسبيني اعمل شغلي.
فبدأ في خياطة الغرز، وقلبه كان يؤلمه على حالها، فقد كانت كل غرزة يشعر بأنها طعنة في قلبه الذي يعشقها، ولكن عقله يشجعه على فعلته الوحشية، كان يخشى النظر لها حتى لا يضعف وقلبه ينتصر عليه.
ما أقساه شعور بأن القلب يعشق ويحب قلبًا لا يشعر به؛ بل يتلذذ بعذابه وحيرته أمامه بكل غرور وتكبر.
وبعدما انتهى قال:
– يلا بقى علشان تستعدي للعملية.
قالها وهو يقلع القفازات من يده، عضَّت على شفتيها تكتم صراخها ثم قالت:
– العملية دي هاخد فيها بنج مش كده؟
– طبعًا كده، بس لو حابة من غير أنا مس…
وقبل أن يكمل حديثه أزاحت كل شيء من عليها ونهضت تقفز على قدم واحدة وهي تقول بصراخ وتمسك مشرط:
– وربنا لهقتلك يا دكتور البهايم، أبو شكل اللي مسكك شهادة طب بشري.
كان يركض داخل الحجرة، وهو يقول:
اعقلي يا مجنونة، كل دا علشان بنج.
– ده أنا هفرج عليك العالم يا بتاع شكتين ولا أربعة، استنى بس تقع تحت إيدي.
وقف فوق الفراش، وتمكنت الممرضات بالإمساك بها، فقفز قفزة واحدة أوصلته للباب، وبدأت الممرضات في تهدئتها وتجهيزها للعملية.
***
تدخل “كارما” فيلاتها التي تقترب من فيلا “مستقبل” وهي تهمهم ببعض الكلمات ووجهها عابس يدل علي عاصفة وشيكة جديدة بينها وبين المشاكس، توقفها زوجة أخيها التي قابلتها على هذه الحالة، اعتلت وجهها ملامح استفهام ثم استطردت قائلة بحنق:
– اوعي تقولي مستقبل اللي مزعلك تاني؟
دوت ضحكتها الساخرة لتجيب:
– هو مستقبل بيزعلني أصلًا، دا ملاك على هيئة بشر.
افتر ثغرها عن ابتسامة واهية:
– الحمد لله طمنتيني.
رفعت حاجبيها بدهشة ثم قالت بهستيرية:
– هو فيه غيره بيقدر يضايقني، يضايقني بس! دا بيولعني، أنا خلاص مش عارفة أعمل في عينه الزايغة دي إيه؟ أنا جبت جاز منه، عارفه يا “أمل” لو عود كبريت ولع حالًا أنا هنفجر.
تصمت “أمل” وتركز بحاسة شمها القوية وتقول ببكاء مصطنع:
– طمنيني وقولي أن دي ريحة شياطك.
– لا ريحة طبيخك اللي بقالك شهر بتحضري فيه.
قالتها “كارما” وهي تزفر أنفاسها بحنق، ثم تركتها وهي تتمتم بغيظ، فنعتت “أمل” حظها:
– قولتيلي ليه الصراحة، نفسي مرة أعمل أكل عدل.
اقترب “سليم” أخو “كارما” محتضنًا زوجته من ظهرها:
– حبيبتى واقفة مذهولة ليه؟
– أصل أختك بتشيط.
رفع حاجبه الأيسر باستغراب، فأردفت موضحة:
– يوووه أقصد الأكل بيشيط سيبني أنقذ ما يمكن إنقاذه.
أدارها وجعلها تقف في مقابلته:
– تنقذي إيه يا قلبى، أنا لحقت المطبخ قبل ما يتحرق هو كمان.
ثم أكمل وهو يسبل جفنيه برومانسية:
– أنا أخدت إجازة النهاردا من الشركة وهنتغدى بره، وبالنسبة لبابا وماما معاهم ربنا بقى وياكلوا أي حاجة، علشان دندن تحرم تعتمد عليكي تاني مرة.
بعد ما انتشى سرورًا قلبها، فردت “أمل” بأسف:
– بس ماما من الصبح بتحضر لفرح “أنيس”، حرام ترجع ما تلاقيش أكل.
– بقولك إجازة والبيبي سيتر هتقعد مع الواد تقولي حرام، طب خليكي وما ترجعيش تقولي نفسى أغير جو في هدوء.. إن شاء لله أقعد في المستشفى يومين.
ضحكت وهي تحاوط رأسه وتقول بدلال:
– على طول كده تقول خليكي.
– ما أنتي يا روحي بتصعبي عليا، فاعمل كل دا وأأجل كل المواعيد وأنتي عارفة إن أنا اللي شايل الشركة لوحدي الأيام دي، وتيجي دلوقتي تعصبيني.
– خلاص سوري سوري سوري.
قالتها وهي تضيق عيناها بأسف يحمل معاني الدلع، تناهد وهو يمسك يدها متوجهًا لغرفتهما:
– تحبي نروح فين؟
– لا لا لا، الجملة دي مش عايزة اسمعها، أنت توديني على طول أي حتة المهم أخرج من أم البيت؛ لأن خلاص فيوز عقلي هتضرب.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الخامس 5 - بقلم ابتسام محمود
رواية غرورها جن جنوني الفصل الخامس 5
يدلف “مستقبل” غرفة “توتا” بالمشفى بعد أن قام بإيصال “كارما” منزلها، علم ما حدث لأخته فتوجه على الفور، فيقول بقلق:
– توتا حبيبتي ألف سلامة عليكي طمنيني.
ردت بتعب مضنٍ وهي مسندة رأسها للوراء من أثر البنج:
الحمد لله يا وجود.
– أنتى فقدتي الذاكرة؟
– لا، ليه؟
– ركزي كده معايا الله يرضى عليكي ونقول واحدة واحدة تاني من الأول، أنا أبقى مين.
رمقته بغيظ:
– بالله عليك حتى لو فقدت الذاكرة، ما لقيوش غيرك ترجعلي الذاكرة يا متخلف، أنت مستقبل إيه ما أنتوا شبه بعض فمش هتفرق أقول اسمك أو اسمه.
يقاطعها بوجوم:
– لا اسكيوزمي أنا وهو نختلف اختلاف البحر والنهر.
يطرق “حازم” باب الغرفة ويدخل يطمئن على قدمها، كانت ترسل له نظرات توعد، لم يعطها أي اهتمام فكان يمسك بدفتر يكتب به بعض الملحوظات، فتقول بغيظ:
– أنت بتبصلي وتبص للورقة اللي في إيدك ليه؟
رد عليها بنبرة جديدة بها برود:
– أكيد مش برسم جمالك.
مسكت السرير بقوة تخرج به كل شحنات غضبها حتى لا تقفد أعصابها، لكنها لم تتحمل أوشكت على الانفجار:
– جمالي صعب عليك أنك تعرف توصفه أو حتى تحدده.
– أوووووه قصفت جبهتك.
قالها “مستقبل” الذي كان يصفق، ابتسم “حازم” وقلبه يعتصر ألمًا ويخبرها:
– ثقتك في نفسك هتخليكي في يوم تقعي على وشك في الوحل، وساعتها هتشوفي جمالك اللي معكوس في الطينة.
قال جملته وانسحب مسرعًا حتى لا ينقلب المكان لحرب عالمية جديدة.
صرخت بضيق وهي تضرب الفراش التي تتمدد عليه، ثم تأوهت ألمًا من قدمها فتقول لأخيها الذي يضحك بشدة:
– اللى قهرني غبائي؛ يسألنى أربعة ولا معاهم اتنين زيادة بنج، وأنا زي الهبلة أقول أربعة، لا وبعدها يدخلني يديني بنج نصفي ويعملي عملية.
ابتسم وهو ينظر لهاتفه بعد ما سمع صوت رسالة، لم يرفع عينه من الشاشة محاولًا أن يستوعب ما كُتب بها، ويحدثها في الوقت نفسه بدون وعي، فكل تركيزه ينصب في كلمات الرسالة:
– وأنتي كنتي عايزة تاخدي ستة ليه؟
– مستقبل قوم امشي أنت وفونك دا بدل ما ارميكم من البلكونة.
أغلق المحمول بدون أن يكمل الرسالة لآخرها، فكل ما قرأه هراء فتاة تحاول إثارة غضبه، فيرد عليها بتركيز:
– معلش ما كنتش واخد بالي، وقدر يضحك عليكي.
شفت بدل ما أكون ناصحة وأقوله لا شكتين البنج على الجلد أسهل وبعد كده مش هحس بحاجة أقوله خيط على طول، شفت غباء زي كده.. بيسيطر وقت اللزوم؟
– شوفت يا أختي شوفت.
– فين؟!
– لا حول ولا قوة إلا بالله، أقولك فقدتي الذاكرة تقولي لا، هكون شوفت فين؟ ما أنتي أهو قدامي ولسه قايلة بشفايفك.
– فعلًا كده كتير، امشي غور من وشي بدل ما تهديني.
قالتها بعصبية وهي تبحث عن أي شيء تقذفه به، لكنه نهض يركض باتجاه الباب وهو يفتحه اصطدم بأبيه، الذي كان قادمًا لهما.
– هو أنت يا ابني مش ناوي تعقل؟
– واعقل ليه؟ أنا كده مرتاح ومبسوط، سلام أنا بقى علشان أوفر عليكم وصلة الموعظة.
دخل “مهيمن” ولم يغلق الباب:
– ربنا يهديك يا مستقبل زي ما هدى أمك.
– حد بيجيب في سيرتي.
كان صوت معشوقته المميز التي تأتي من خلفه.
فرد عليها بابتسامة جانبية:
– كنت لسه بشكر فيكي، عملتلها أكل.
– يا روحي أنا عارفة اللي في قلبك مهما اسمع بودني.
– أحبك وأنتي واثقة في نفسك.
– تؤ تؤ، مش ثقة في نفسي، دي ثقتي في اللي جوه قلبك ليا.
– يا سيدي على عصافير الكنارية اللي مش مقدرين إن في قلب خالي عنده حرمان عاطفي.
قالتها “توتا” وهي تميل رأسها لليمين بعد أن كانت تتفحصهم بحب، فردت عليها والدتها بحنان:
– بكره قلبك يرفرف أول ما تشوفي اللي قلبك هيدق ليه، ساعتها اعرفي إنك طبيتي في مصيدة الحب.
– يا رب يوعدني يا ماما؛ مع إن شكلي كده والله أعلم هعنس جنبكم.
ضحكت “نايا” وقالت بمكر:
– أنتي بس ادي لقلبك السراح واطلقيه يتصرف زي ما هو عايز، صدقيني مش هيكمل ساعة ويرجعلك مليان بعد ما كان خالي وحيد.
– وأنت يا كوتش ما عندكش نصيحة لقلبي الغلبان، ما أنت برضو حبيب قديم.
أغمض عينيه بعد ما نظر لمعشوقته يكاد أن يخطفها لداخل أعماقه، وقال وهو يأخذ نفسًا عميقًا يملأ رئته بأفضل رائحة له:
– أنا مش بعرف أقول، بس اللي متأكد منه هتحسي بمشاعر متلخبطة جواكي أو بمعنى أصح حرب أهلية؛ لأن اللي زيك صعب يصرح بحبه غير بعد معركة داخلية بين قلبك وعقلك.
– كده اطمنت على حالي إني مش هوصل لليڤل اللي أنتوا فيه.
– ليه بقى؟
– لأن أنتوا تخطيتوا ليڤل الوحش بمراحل، وأنا ما اقدرش حتى أعدي أول مرحلة.
تحتضنها “نايا” بحنان:
– هتعدي بس ادي لنفسك فرصة وبلاش عند.
– دعواتكم معايا أنتم بس.
– ربنا يسعد قلبك الصغنن ويكبر مع كل دقة حب.
قالها “مهيمن” وهو يأكلها بيده.
– آمين يا رب.
ثم ألقى على أذنها كلام بحذر؛ جعلها تهتف بعصبية كالتي لدغتها أفعى.
★★★★★★
عندما أوصل “وجود” خطيبته منزلها، بعد أن تناولا العشاء بإحدى المطاعم، ذهب إلى منزله حتى ينال قسطًا من الراحة، فقبل أن يدخل بالعربة فيلاته يسمع صوت “زينة” الرقيق:
– أبيه وجود.
قالتها وقلبها يتسابق في دقاته؛ حين شعر باقترابه نحوها، كم تمنت أن تنطق حروف اسمه بدون أي ألقاب أو حواجز تمنعها عنه! تريد عندما تراه أن تنغمس بداخل أحضانه وتغمض عينيها، لكنها لم تتجرأ على فعل أي شيء. حتى الحديث تتفوه بصعوبة؛ تهرب منها الكلمات، وتغرق في بحر عيونه حين تنظر لها، فيحدث اضطراب وتوتر شديد بأعصابها، يجعلها صامتة، هائمة به. أما هو، يترجل من سيارته متوجهًا إليها بهدوء يسألها:
– واقفة كده ليه يا زينة، في حاجة؟
ازدردت ريقها بعد أن تحمحمت، محاولة أن تجبر لسانها على الحديث:
– أحم.. أصل.. أنكل ونون في المستشف…
قاطعها بقلق:
– مستشفى ليه، حد فيهم حصله حاجة؟
تعبث بأصابعها بتوتر وهي تجيبه:
– توتا وقعت على رجلها.
ضرب رأسه، ظنّ أنها أصيبت في ماتش:
– نفسي تبطل أم التمرينات العنيفة دي، خلاص شكرًا يا زينة أنا هروحلها.
تراقص قلبها فرحًا على أنغام حروف اسمها، فأغمضت زُرقتها وابتسمت كالبلهاء، ثم بعد أن فتحتها وجدته سيذهب، هرولت إليه قائلة:
– أبيه ممكن اروح معاك اطمن عليها.
– اتفضلي.
رد عليها بلامبالاة وهو يحرك المفتاح داخل العربة حتى تسير، جلست على المقعد وبداخلها سعادة لم توصف؛ أصبحت مثل طفلة صغيرة تلمع عيناها من كثرة فرحتها بلعبتها الجديدة، ووجهها يظهر عليه الحب والاشتياق.
★★★★★★
بعد أن نزل “مستقبل” دلف سيارته بوجه غاضب، يكمل باقي الرسالة التي جعلته مثل المجنون. حاول الاتصال بها كثيرًا لكن بدون فائدة، حرك العربة بسرعة جنونية وظل شاردًا فيما قرأه، وأصبح عقله كالطيور المهاجرة التي تسافر مسافات بعيدة ولم تتوقف أبدًا، حتى وصل أمام فيلاتها، فتح له الأمن الباب الحديدي ودخل على الفور، عندما شاهدته يمشي كالثور الهائج في الممر، الذي يوصل للباب الرئيس للمنزل، نزلت مهرولة من حجرتها بخوف وقالت عندما فتحت له الباب:
– مستقبل محدش هنا ممكن نتكلم بعدين.
– رد عليها بصوت مزمجر:
– لا ما أنتي ما ترميش كلام وتسيبيني زي المجنون، وما ترديش عليا حتى على الموب.
ابتلعت ريقها بارتباك، ثم أبلغته بتلعثم:
– طيب لو سمحت امشى دلوقتي؛ لأن بابا لو جيه وشافك هنا من غير سليم أو أنيس ما يكونوا موجودين هيعمل مشكلة.
أغمض عينيه التي اعتراهما الغضب، ثم أردف:
– تمام أنا همشي بس أقسم بآيات الله لو طلعت من هنا وما ردتيش على أم الموب هرجع اكسره على راسك.
ردت بعصبية بعد أن أخذت خطوة للوراء تحميها منه:
– مستقبل مش بحب الأسلوب دا، وأنا قلت ليك ألف مرة قبل كده.
عض على شفتيه غيظًا ليسيطر على لسانه، وأبلغها بتحذير:
– ما تعنديش قصادي علشان ما اندمكيش.
أجابته بلامبالاة:
– ما تنرفزنيش أنت علشان ما ازعلكش.
قالتها بشجاعة لا تعرف من أين أتت بها، جعلته يضم قبضته غضبًا محاولًا الاحتفاظ بعقله حتى لا يتهور عليها، وظل يستنشق الهواء بوحشية:
– تزعلي مين؟ يلا سمعيني تاني.
نظرت له بهلع وهي تخبره:
– يووووه، امشي يا مستقبل.
حدقها بوجوم، ورفع يده محذرها أن تجيب على هاتفها، ثم صعد سيارته وانصرف، ووقف بالقرب من فيلاتها متصلًا بها، حين سمعت رنين محمولها، تمنت أن تحطمه إربًا أو لا يوجد من الأساس اختراع هذا الجهاز، فردت بامتعاض:
– أمم.
– لا وحياة مامي كلميني عدل أصل بخاف.
فردت بعصبية وضيق:
– عايز إيه يا مستقبل مني بقى؟
لم ينجح في تمالك أعصابه هذا المرة ورد باندفاعية:
– أنا اللي عايز إيه يا بت عيلة زهير! ترمي كلامك زي الدبش ولا كأني واحدة صاحبتك بتاخدي رأيها، ولا كنتي متوقعة جنابك هستنى كمان تجيبيلي دعوة فرحك لحد البيت. اتعدلي يا بت الناس؛ لأن أنتي لحد دلوقتي ما شوفتيش وشي الغبي اللي المثل بيقولك عليه اتقى شر الحليم إذا غضب، تمام.
لم يأته ردها فأردف بصوت مرتفع كالرعد:
– قلت تمام.
– أنا هتج…
قاطعها مسرعًا حتى لا تندم على ما تقوله:
– بصي أنا قاطعتك وهعمل نفسي ما اعرفش كنتي هتكملي هرتلة بإيه أو ما سمعتش، أهو عداني العيب وبحذرك لو ردك ما اتعدلش هدخل أكسر دماغك وأقول لأبوكي يضربك طلقة، وأنتي عارفة أبوكي مش محتاج تسخين.
ثم يكمل كلامه بعد أن فتح هاتفه على رسالتها التي أرسلتها وهو جالس بالمشفى ويقرأها لها بصوت جهوري:
– شكلك نسيتي اللي كتبتيه، اقرأه ليكي بنفسي.
“أنا خلاص رميت طوبتك بطول دراعي، وما بقتش اطيقك.. ودا من زمان، وبحب واحد ما بيشوفش غيري قدامه وهيتقدم ليا وهتجوزه.
بعد ما أنهى الرسالة قال بتهكم وهو ما زال على وجومه:
– حد قالك يا هانم أني بشوف قمر منور غيرك.
لم تجب عليه فجملته الأخيرة ضغطت على مشاعرها، كيف أن تتحدى شخصًا تعلم جيدًا أنه سينتصر عليها من أول لحظة؟ قبل أن تبدأ معه اللعبة، وهي الآن خاسرة أمامه، فبكلمة منه جعلتها تنصهر أمام حروفه، وهذا هو حال العاشقين.. يذوبون في حروف من يحبون، فترد عليه بعينين دامعتين وهمست بحروف مرتبكة:
– لو صح ما كنتش تعاكس اللي تسوى وما تسواش.
– أمم وبعدين.
– ولا قبلين.
– وأنا بتنيل أتمرمغ في حب مين غيرك، اتفضلي جاوبي ياللي قدرتي تقولي إنك بتحبي غيري، كارما أنتي لو مش حاسة بالنار اللي جوايا اقفلي أحسن، لأن فعلًا كلمة كمان فيها مقاوحة أو استهبال وربي ما هدْرَى بنفسي هعمل إيه.
– خلاص يا مستقبل اعتبره ما حصلش.
– خلاااص! بعد اللي كتبتيه وبعد حرقتي، جاية تقولي أعتبره!
ردت بحدة:
– كنت عايزاك تحس بناري.
– نار إيه يا آنسة يا محترمة اللي بتتكلمي عنها، كنتي قفشتيني في أوضة مع واحدة ولا سمعتيني بعشق في غيرك، وكل اللي بعمله وبتقولي عليه بيضايقك، أقسم بالله مش هتكوني بتحسي بنص اللي جوايا دلوقتي، كارما أنا تعبت ومش قادر اتكلم تاني سلام.
– مستق…
أغلق الهاتف حتى لا يسمع حرفًا آخر يزيد لهيب رجولته متوجهًا إلى بار يجلس مع أصدقائه.
★★★★★★★★
أوقف العربة “وجود” في منتصف المشفى، ثم ترجل بطوله الفارع مسرعًا، عقله يكاد أن ينفجر من قلقه على أخته، فقال “للسايس” وهو يقذف له مفتاح السيارة:
– اركنها.
التقط “السايس” المفتاح من الهواء بمهارة لاعب كرة قدم:
– متقلقش عليها يا باشا هخليهالك عروسة.
نزلت “زينة” خلفه، التي كانت طوال الطريق ترسم حياتهما معًا، دلفا إلى الغرفة المرادة بعد ما استعلم عن مكانها وقال بهلع:
– قلبى أنتي كويسة؟
– أخويا العاقل اللي بيجبر خاطري دايمًا أهو وصل.
– حبيبتي طمنيني عليكي.
ردت عليه وعينها تجول في الغرفة وتشير على نفسها:
– أنا.. مش تمام خالص!
ثم تكمل بتأكيد:
– خااالص.
فيرد عليها وهو يهرول يجلس بجوارها متسائلًا:
– إيه اللي بيوجعك؟
– تحبوا تتكلموا ولا اتكلم أنا، بقول اعمل بأصلي واسبقكم الطلعة دي، اتفضل يا كوتش صب على آذننا من جديد الخبر الفاجع.
– يا ستير يا رب، هو للدرجة بقى يفجع.
قالتها “نايا” وهي تضيق عينها بذهول، فردت عليها بلهجة حادة:
– بالنسبة ليا أنا مفجع بصراحة.
زفر “مهيمن” أنفاسه بحنق ملحوظ:
مش عايز رغي كتير، مش قولتي مش موافقة.
– يعنى هو أنا قولت مش موافقة وأنتوا سكتوا، دا ما شاء الله عليكم فضلتوا ساعة تبرروا وتخططوا وترسموا، علشان تقولوا إن…
قاطعها حتى يسرد ما حدث لـ”وجود” الذي أصبح مذهولًا من تصرفاتهم وأقوالهم.
فلاش باك..
بعدما ظل “مهيمن” و”نايا” يمدحان في الحب، ويتمنان لها حياة سعيدة وأن يذوق قلبها طعم الحب، قال “مهيمن”:
– إيه رأيك في حازم؟
أجابته بكل صراحة:
– زفت والحمد لله.
فقالت “نايا” بتوضيح:
– لا مش نقصد أنتي بتشوفي إيه؛ أقصد يعني إيه رأيك فيه كعريس؟
– ومين دي اللي ترضى بواحد عنجهي ومناخيره في السما، دا ميعرفش غير الأوامر في حياته.
رمشت “نايا” عدة رمشات وقالت وهي تزدرد ريقها:
– أصل هو متقدم…
أوقفها “مهيمن” عن الحديث بقول:
– افتكري إنى حذرتك وقولتلك بلاش.
فلم تنتظر أحدًا منهما أن يكمل الخبر الصاعق بالنسبة لها، وقالت بدون أن يقدر أحد على سد فيْها الذي فتح (كالبلاعة) التي امتلأ خوفها فانفجرت وأخرجت من جوفها المياه الراكضة المتسخة، واستمرت في قذف كل ما بدخلها بدون أن تحسب حسابًا لأي شيء سوف يحدث له ضرر بعد كلامها:
– أنتوا عايزني أنا أتجوز الجزار دا، دا اللي اداله الشهادة خاف منه ليشق بطنه ببصته وكلامه اللي كله تهديد، دا مش إنسان، دا دا.. دا ناقصه ديل علشان يهوهو على حق.
فدخل “حازم” عقب حديثها اللاذع قائلًا بتحدٍ وشجاعة واهية:
– ما أنا لو ناقص ليا ديل، فأنتي ناقص يتقطع لسانك علشان تبقي تهبهبي صح، ومش هوصفك حتى بحيوان، آخرك تكوني زي البابور، وكمان مش هيبقى ناقصه جاز؛ لأن أنتي اتنين في واحد.
هزت رأسها محاولة استيعاب ما تفوَّه به، ثم ردت عليه بغل وضيق:
ضحك بسخرية قبل أن يرد عليها بحدة:
– شكل اللي فهمك الحيا فهمولك غلط؛ البرقع دا المفروض للبنات الرقيقة علشان بتختشي بسرعة، بس نجبلك من فين أنوثة علشان تتلمي وتبلعي لسانك.
– شكلك مش عايش على وش الدنيا، وما سمعتش مثل اللي اختشوا ماتوا.
– للأسف ما كنتش عايش في العصر العثماني.
أبلغها حديثه وهو يمط شفته، ثم عقد يده على صدره، يتأملها وهي تفتح ثغرها غيظًا، فكان كلًّا من أبيها وأمها يحدقان بذهول؛ لدرجة لم يتمكن أحد منهما من الحديث من شدة الدهشة التي أصابتهما بشلل مفاجئ بعدم النطق، وقبل أن يخرج أردف جملته بعند، جعلها تشتعل من الداخل والخارج:
– سبحان الله بتعاندي وأنتي أصلًا مكتوبة ليا من قبل ما توعي على وش الدنيا.
– بابا البني آدم دا قال إيه؟ ها حد يسمعني تاني كده؟
مالت على “الكومود” متخذة آلة حادة، ثم قالت:
– وتسمعوني ليه تاني، أنا أروح أشق بطنه وأريح البشرية وأمه وارتاح.
قفز “مهيمن” من مجلسه ممسكًا يدها بحذر:
– هو عيل وفهم غلطه سيبك منه وارتاحي، أنتي شكلك نسيتي إن رجلك بتوجعك.
أخرجت صرخة قوية من أعماقها سمع بها كل من في المشفى.
رواية غرورها جن جنوني الفصل السادس 6 - بقلم ابتسام محمود
عندما كان يروي “مهيمن” لـ”وجود” ما حدث، كانت “توتا” تسترجع الواقعة كشريط سينما أمام عينيها، وتصطك أسنانها بغيظ.
أردف “مهيمن”:
– ومن ساعتها مش مبطلة تتوعد ليه.
تنحنح “وجود” فكان شكلها يكفي عن أي حديث. فبذكاء غيَّر مجرى الحديث الساخن كلهيب الشمس الساطعة في يوم حارق:
– أنتوا جيتوا ليه هنا؟ زينة…
عندما تذكر “زينة” حدق بالغرفة يبحث عنها. وجدها تقف بخجل بعيدًا. فنادى عليها:
– ادخلي يا زينة، هو أنتي غريبة عن توتا.
حركت “نايا” رأسها للخلف عندما رأتها، ثم نهضت تصافحها بحب:
– معلش يا زينة، بسبب اللي حصل ما أخدتش بالي منك.
ردت بنبرة منخفضة تكاد تكون همسًا:
– ولا يهمك يا أنط.
بسط “مهيمن” يده صافحها واطمأن عليها. تطلعته بابتسامة وهي ترفع يدها حتى تسلم عليه. ثم نقلت بصرها “لتوتا” النائمة وتضرب فراشها غيظًا تسأل على صحتها. فأجابتها “توتا” بضيق:
– عاملة مشلولة والحمد لله.
رد “وجود” سريعًا وهو يحاوط جسدها:
– بعد الشر، إن شاء الله اللي يكرهك.
أردفت “توتا” بفرحة وغيظ بآنٍ واحد:
– يا رب اسمع منه، إلهي أشوفه كده ماشي متكسح، لا يزحف على الأرض شبه التعبان.
حدقتها “نايا” بزعر وخوف على من تقصده:
– بعد الشر عليه، وغير كده هو بيحبك مش بيكرهك.
– كده وبيحبني، أمال لو فيه بيني وبينه تار كان علقني على باب المستشفى.
قالتها وهي تحرك فاها يمينًا ويسارًا. ثم زفر “مهيمن” أنفاسه المتحجرة داخله بقوة حتى لا يتحدث ويغضبها بسبب كلامها المسيء لابن صديقه الغالي. ثم أخبر “زينة”:
– عندها تمزق في الأربطة.
فأردفت “زينة” بهدوء:
– الحمد لله إنها جت بسيطة.
– دا لو كان كسر كان هيبقى أرحم عليا من إنى أدخل مكان فيه الدكتور المبجل، وكمان عايز يتجوزني، بعد الشر عليا.
أخبرتهم ما تتمناه بملامح يعتليها الغضب. فترد عليها “زينة” بتساؤل وذهول وبنبرة خجولة:
– هو الجواز شر؟
أجابتها بشراسة وهي تقضم شفتها السفلى:
– طبعًا مش شر.
كان “مهيمن” يمسح وجهه بعصبية بالغة حتى يسيطر على أعصابه، لكنه فشل. فشل كليًّا وقال بتحذير:
– وبعدين معاكي يا توتا.
رفعت يدها باستسلام معتذرة منه، فهي تعلم موجة ثوران أبيها جيدًا، قائلة بتصليح ما قالته سابقًا:
– يلا مبروك عليكي يا زينة حضرة الجزار حازم.
ازدردت “زينة” ريقها بصعوبة وهي ترفع يدها ترجع بعض خصلات شعرها من على وجهها. تقول بعد أن أخذت وقتًا كيف تجيب على من تريد أن تزوجها من شخص لم يخطر على بالها حتى في أحلامها، فمن تعشقه يجلس أمام عينيها. وأجابتها بحرج:
– يا رب ألاقي حد يحبني كده وأنا مش هسيبه.
دوت ضحكة ساخرة على ثغر “توتا” الذي طلته باللون الكريزي من الغيظ:
– يالهوي، حد يقوله يجيب صبارة ويدفن نفسه، محدش طايقه خالص، البت بتخلع منه بس بشياكة.
وهي تقول جملتها لمحت نظرات نارية في عيون أبيها، فتكمل بعد أن رمشت بخوف:
– احنا قاعدين ليه؟ مش بسلامته قال ممكن امشي.
أومأ “مهيمن” رأسه وهو يضم قبضتيه غضبًا، فتنهض من على الفراش مسرعة وهي تطأطئ رأسها، تكاد أن ترى كوبرا تتسحب حتى تلتف على رقبتها لتخنقها. أسندها أخوها وذهبوا جميعهم في جو كالأسلاك الشائكة؛ من يقترب منها تكهربه.
***
كان “مسقبل” يرد على أصحابه باقتضاب، حتى وقف شاب أمامه يشعل رماد غضبه عن قصد. وقف بكل ما أوتي به من قوة وضربه بالرأس، جعله يستلقي أرضًا، وذهب جلس بعيدًا وحده.
اقتربت منه فتاة:
– ما كنتش أتخيل إنك كده، فكرتي عنك بصراحة اتغيرت.
أخبرها باستهزاء وهو يمسك كأس الخمر بيده اليسرى:
– وأنا مش مسؤول عن الفكرة اللي أخدتيها عني، ركزي في فكرتك الشخصية اللي منشورة في كل مكان، وعلى كل لسان…
ثم نهض وتركها وهو يبتسم بسخرية، متوجهًا إلى منزله.
***
تدخل “أمل” التي تحضن زوجها إلى الفيلا في سعادة بعدما قضت عشاء ماتعًا مع زوجها كما تتمنى. يلمحان “كارما” تبكي بقهر، فتوجها إليها وعلى وجهيهما التساؤل والاستغراب:
– كاري مالك؟!
– أنا خلاص هتشل.
– ليه بس بتقولي كده؟
قالتها “أمل” بلهفة وقلق، فيقول “سليم” بمكر:
– إن شاء الله اللي زعل كاري القمر…
– بعد الشر عليه.
قالتها سريعًا بنبرة بها صدق من أعماق قلبها. حرك رأسه يسارًا وهو يحركها بتفهم الأمر، فقال:
– أمممم، هي فيها بعد الشر.. يبقى اطلع انام أحسن.
رفعت رأسها بعيون اغرورقت بالدموع، وتقول بعد أن بللت شفتيها:
– أبيه.. كده هتطلع من غير ما تعرف اللي مزعلني؟
ثم أخذت تستنشق الهواء بصعوبة وتكمل حديثها:
– أهون عليك تسيبني مقهورة.
نظر للأعلى بحيرة، وقال وهو يرفع جانب شفته العلوية:
– إذا كان قبل أي كلام قولتي بعد الشر فهقول إيه بقى، كاري يا حياتي الكلام في أي حوار يخص مستقبل أنا منسحب منه؛ لأني تعبت من كتر الكلام في نفس الموضوع اللي مش بينتهي.
– خلاص يا أبيه أنا غلطانة، وحتى مش هشتكي منه بعد كده، ما دام حضرتك بعتني بطول دراعك.
أخبرته بتعب مضنٍ بعد أن أغمضت جفنها بكسرة وضعف، فلم تجد من يربت عليها ولا حتى يهدِّئها؛ فهي كانت تحتاج إلى من يساعدها على إخماد نارها، وليس من يقول لها إن زواجها محكوم عليه بالفشل، من وجهة نظرهم.
رفع “سليم” رأسه مستغفرًا ربه؛ لأنه يعلم أن أخته تفكيرها مثل من أحبته وارتبطت به؛ تحب الجنان ولا تفضل أن يأمرها أحد بما تفعل، فيقول بقلة صبر:
– أنا هطلع أوضتي؛ لأن مهما أقول كلامي مش هيعجب.
ثم وجه نظره لزوجته وجد دموعها تنهمر، فأردف بعدما حرك يديه على بعضهما، وأخرج طرف لسانه وحركه على شفته السفلية:
– وهسيبلك أمل؛ لأنها دخلت في جو الكأبة وأنا مش طااالب نكد، تصبحوا على خير.
فكانت “أمل” تبكي بحزن صادق، على حال أخت زوجها، فهي لا تستطيع التحكم في دموعها والسيطرة عليها، عندما ترى أحدًا ممن تحبهم يبكي أو بداخل قلبه شيء يزعجه. فترد على سليم وهي تمسح دموعها:
– ماشى يا سولو، أنا نكد! طيب استعد للنكد اللي على حق لما اطلعلك.
لوح لهما بيده في الهواء قائلًا، قبل أن ينصرف من أمامهن:
– هشششششش، كاري بيتيها في حضنك النهاردا، اوعي تسيبيها شكلك فعلًا محتجاها.
جلست كارما على المقعد ترمقه وهو يبتعد بخطواته الجامدة، تحضن نفسها. تعرف وتأكدت أن مهما يحدث بينها وبين خطيبها لن تجد أخاها يقف في ظهرها؛ لأنه حذرها كثيرًا من الارتباط به، فتسأل نفسها سؤالًا بصوت مسموع:
– يا ترى لو عرف إن مليش ضهر هييجي عليا أكتر من كده؟
جلست “أمل” بجوارها تربت عليها:
– ما تقوليش كده، أخوكي لو شافك في مشكلة كبيرة هو أول من هيقف في وش التخين.
– أنتي ما سمعتيهوش يا أمل، أنا والله رجل في الجنة ورجل في النار، أعمل إيه لقلبي ما يقدرش يبعد عنه ثانية، كان نفسي أنيس يكون موجود.
– طيب ممكن تحكيلي حصل إيه؟
كتمت أنفاسها تحاول ترتيب كلامها لكن من أين تبدأ، أخيرًا أخرجت أنفاسها بقوة وفتحت هاتفها على رسالتها التي قلبت الموازين كلها.
بعد أن كانت هي من لها كل الحق في غضبها منه، أصبح هو الآن من له الحق. أخبرتها بصوت مبحوح من كثرة النحيب:
– اقرأي المسدج دي.
صعقت “أمل” مما قرأته، وأردفت بدهشة:
– أنتي اللي كتبتي كده؟
لم تجب عليها وأكتفت بهز رأسها، فتكمل “أمل” بحدة:
– ما أنتي بصراحة غلطانة في بنت عاقلة تقول لحبيبها، بحب غيرك وهتجوزه، وهو أصلًا لاسع لوحده.
تبكي “كارما” بحرقة أكثر من ذي قبل، تلوم نفسها على ما فعلته فكانت تود تهديده فقط، لم تعرف أن كل شيء سينقلب فوق رأسها، وينقلب الأمر من الجاني إلى المجني عليه. أخذتها “أمل” داخل حضنها الحنون، وتحاول أن تهدِّئها بقولها:
– والله كبري دماغك منه وهو يتعدل، بطلي حرق في دمك كل شوية، سيبيه يتفلق.
فما كان من كلامها إلا أنه زاد من اشتعال لهيب قلبها، شعرت برخص نفسها معه. هي تعلم حبه لها لكنها تود خضوعه لها وحدها ولا ينظر لفتاة غيرها حتى لو كان مزاحًا سخيفًا منه، فترد بشهيق غير قادرة على أخذ أنفاسها:
– بحبه يا أمل، مش عارفة أعمل في قلبي إيه؟
شعرت “أمل” بتخبط مشاعرها، فلم تحب أن تزيد من تمزق قلبها، فقالت بهدوء حتى تهدئ من حالها:
– خلاص اهدي كده، وروحي ليه الصبح اتكلمي معاه، وأكيد هو عارف إنك بتثيري غضبه، ومتأكد إنه كلام اتكتب من غير تفكير، وملهوش أي صحة.
– أكلمه!
قالتها بخوف منه، فتكمل حديثها بتوضيح بعد أن فتحت جفن عينيها:
– هكلمه بكرة أفضل؛ لأن لو كلمته دلوقتي ممكن يقسمني نصين أو يولع فيا، وأكيد زمانه راح يسكر مع أصحابه ما هى فرصة بقى، ولو لومت عليه يرمي عليا الوزر.
كان الدور على “أمل” أغمضت عينيها بضيق من هذا الشاب المستهتر متعجبة من حاله، تريد أن تعرف لماذا تحبه بكل سلبياته التي يتحلى بها من غير كسوف؟ تفتح عينها، وتطلق عنان أنفاسها بحنق محاولة التحفظ بسخطها داخلها؛ حتى لا تردف بحديث يحزنها أكثر من ذلك، مخبرة إياها باقتضاب:
– ادعيله، وبكرة إن شاء الله هيتصلح حاله.
نظرت كارما للسماء تترجى الله أن يبدل طبعه للأفضل، فهو وحده قادر على كل شيء، ثم تهتف وهي ترفع يدها للسماء:
– آمين يا رب.
لم تتركها أمل لحظة وظلت بجانبها تواسيها.
***
تنزل “دانية” من عربة ابنها “أنيس” في ظلمة الليل الدامس، تمسك رأسها بعد يوم طويل في شراء أغراض تجهيز حفل خطبة “أنيس”. تدخل مستندة على يده الحنونة بحب وفرحة، فأردف “أنيس” بإحراج:
– تعبتك معايا يا أمي.
– يا حبيبي تعبك راحة، أنت الغالي وأول ما العين شافت.
قالتها بعد أن وقفت من سيرها أمامه تمسد شعره، تتطلع بعيونه العسلية بسعادتها نفسها؛ التي تكاد أن تكون منغمسة بعسل النحل، وضعت يديها على ذقنه الذي يحددها شعر خفيف، فقبل “أنيس” يدها اليسرى برضا، وقال:
– ربنا ما يحرمني أبدًا من حنانك، اللي ممكن ما كنتش ألاقيه عند أمي الله يرحمها.
قال جملته الأخيرة بحزن واضح وعين لامعة بالدموع، رفعت يدها تمسح عبراته ثم ربتت على وجهه وعلى وجهها حزن:
– الله يكون في عون قلبها اللي عاش ومش شايفك، وأي أم يا حبيبي بتستنى اليوم دا.
دخل “فادي” عليهما وهو مبتسم، يقول:
– والله وعجزتوني يا أنيس.
– دا أنت كلك شباب يا بابا، شكلك بتخزي العين.
– لا وأنت الصادق، شكله بيداري على نصيبه عملها بره.
قالتها “دانية” وهي تقترب من زوجها بعين متفحصة، ضحك بشدة ثم وضع يده على خصرها يجذبها نحوه:
– بتشكي فيا يا عيوني.
– لا أبدًا يا حياتي، بس انجز وهات من الآخر حصل معاك إيه وأنت جاي؟
– لا أنا أسيبكم تصفوا أموركم مع بعض، وأروح أكلم شاهي قبل ما تحضر ليا محكمة وسين وجيم.
أردف “فادي” بتحذير:
– الحق بسرعة؛ لأن تأخير دقيقة كمان هتلاقيها فوق راسنا.
– مشكلتها شغلها في المحاماة باهت على راسها.
قالها “أنيس” وهو يصعد غرفته، فترد “دانية”:
– وليه ما تقولش ناصحة وبتحافظ عليك يا روحي؛ لأن اللي زيك ما يتعوضش؛ راجل چنتل، وسيم، وصاحب شركة وغير دا كله بيحبها، وبيحافظ على كرامتها قدام أي حد.
وقف على الدرج يبلغها:
– حبيبتي يا أمي، ربنا ما يحرمني من مجاملتك ليا، بس شاهي فعلًا بنت جدعة وتتحب.
– ربنا يخليكم لبعض يا روحي.
– اللهم آمين.
***
بدأت السماء تتجرد من ملابسها القاتمة بردائها الأبيض الزاهي، وبدأت الشمس تبعث أشعتها معلنة عن يوم جديد، بخيوطها الذهبية اللامعة ببهجة. تقف “زينة” في شرفتها تراقب من يرهق قلبها، وعندما لمحته يستيقظ من نومه ويقف في شرفته يستنشق الهواء النقي، عارٍ منتصفه الأعلى، تغمض عينها بخجل وتولي له ظهرها. وبعد ثوانٍ دخل المرحاض ويخرج على خصره فوطة قطنية، وشعره ينقط بعض قطرات الماء على صدره العاري، دلف داخل غرفة ملابسه.. ارتدى ملابس كلاسيك ونزل مسرعًا.
جهزت نفسها حتى تمارس رياضتها المفضلة، التي تجعلها تقابله كل صباح، وحين لم ترَ “كاميليا” التي تسكن بالقرب منهما، تقف تشجع نفسها وتقول:
– شكل كاميليا مش هتروح معاه النهاردا الشغل، لازم استغل الفرصة واعترف بحبي ليه، كفاية كتمان في قلبي.
ثم استمرت في الركض حتى رأته يهرول إلى ركوب سيارته، فتقول بصوت جهوري:
– أبيه أنا بحبك، واوعى تقول عليا طفلة.
شعرت بيد على كتفها، فتحت عينيها اللتين كانتا مغلقتين حتى تتشجع في ترتيل جملتها كي تحفظها وتلقيها بإتقان على أذنه عندما يخرج بالعربة من داخل الفيلا، لكن أفزعها رؤية “كاميليا” أمامها، التي أرسلت لها نظرات كالذئب الذي يود أن ينقض على الكتكوت الضعيف. أردفت بنبرة كفحيح أفعى:
– روحي يا شاطرة العبي بعيد عن هنا، لحسن تقعي على بوزك تتعوري.
أنفاسها أصبحت غير منتظمة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة غزالة تهرب من نمر متوحش. وعندما وقف أمامهما “وجود” انسحبت “زينة” مكملة ركضها بعد ما ألقت عليه السلام وحده، ولم تبدِ أي اهتمام لمن أرعبتها.
***
لم يغمض لـ”كارما” جفن طوال الليل؛ تود أن تصل إليه، فهو لم يكن يرد على مكالماتها عقابًا لها على ما تفوَّهت به. كانت تنتظره في شرفتها حتى تراه متى يرجع بيته. عندما أتى في الصباح الباكر نزلت مهرولة إلى فيلاته. دخلت من البوابة الحديدية وجدته يجلس على الأرض أمام المسبح يتحدث في هاتفه. مشيت بخطوات خفيفة لم يصدر لها صوت؛ حتى تسمع مع من يتكلم، كان المتحدث يعاتبه:
– ينفع ارجع البيت مش ألاقيك؟
رد عليه باعتذار:
– آسف إني مشيت يا وسام، هتتعوض أكيد.
أتاه صوت المتحدث بحزن:
– كنت عامل حسابي على اصطباحة في الجون.
– يا وسام بصراحة الجو نار عندك وتكييف الأوضة البايظ دا هولع فيه، تبقى تظبط التكييف وهتتعوض مرة تانية، وأسبوع كمان مش ليلة، وهيبقى أسبوع مليطة، بس سد.
– كلمت الصيانة وهيتصلح النهاردا، هستناك بكرة.
– تمام، على بركة الله.
كانت “كارما” واقفة تبرق عينها وتفتح فاها من حديثه الخليع. عندما قفل هاتفه تركض تقفز عليه، لكنه في هذه اللحظة كان يستعد للوقوف، فبعد بجسده حتى ينهض، فوقعت داخل المسبح:
– أكيد كنتي هتعملي ليا حاجة، شوفتي ربك عمل فيكي إيه.
قالها وهو يقهقه، فترد عليه بضيق:
– ما تتكلمش عني يا خمرجي يا بتاع البنات.
رمقها باستغراب وهو يضيق عينيه بتساؤل:
– أنتي هنا من إمتى؟
– من ساعة ما كنت بتقدم فروض الولاء والطاعة لوسام هانم.
قالتها ببرود، لكن بداخلها بركان لا يقدر على إخماده المحيط. ارتسمت على شفتيه ابتسامة، ثم مال برأسه لليمين وهو يتفحص ملامحها الغاضبة بهدوء، ثم تلفظ بوجوم:
– أممم، ويا ترى شوفتي قدمتها صح؟ ولا كان ناقص حاجة!
– كان ناقص طبعًا تبوس رجل الهانم علشان تغفر ليك، شكلك ما ظبطتش الأداء معاها، وإلا ما كانتش عاتبتك كل دا.
كان يقف يسمعها وهو يضع يديه على خصره، ولم يعطِها جوابًا ولا دفاعًا على ما قالته، فأردفت هي بغيظ ودموع بعد أن خرجت من المسبح تقف أمامه مبتلة حجابها رجع للخلف وخرجت خصلة من شعرها تقطر نقط الماء على وجهها الخمري:
– ولا مشاعري وتعب أعصابي، مش ليهم أي قيمة عندك.
– روحي غيري وبعدين نتكلم.
– ما تغيرش الموضوع، رد عليا.
قالتها بعصبية، فرفع يده يسحب نظارته الشمسية من على عينه فتظهر مقلتاه الناعستان، يمسحهما بأطراف أنامله حتى يفوق ويقدر على فتحها، ثم لوى فمه استهزاء قائلًا:
– يا سبحان الله، تعصبيني وترجعي تزعلي.
– أعصبك؟ طب تمام أنا هعتبر نفسي طرشة وسمعت غلط، قول أنت كنت بتكلم مين.
أجابها بشجاعة واهية:
– كنت بكلم وسام؛ زي ما قولتي.
تمسح وجهها ثم ترد ببرود:
– آها وسام، مش تقول من بدري.
أجابها بتهكم، وهو يعقد ذراعه أعلى صدره:
– شوفتي مش حد غريب.
ترفع يدها بغل تمسكه من تلابيب قميصه وتقول بوجوم:
– وتطلع مين وسام دي كمان؟
يرفع يده بكل هدوء ينزل يديها، ويجيبها بلامبالاة:
– لا كله إلا وسام، دي خط أحمر.
رواية غرورها جن جنوني الفصل السابع 7 - بقلم ابتسام محمود
انكمشت ملامحها بغضب، فهتفت:
– ولحد إمتى هتفضل تكلم بنات؟
جلس على المقعد خلفها بهيبة، ساخرًا من سذاجتها وهو يرفع جانب شفته العلوية:
– ومين قالك إنها بنت؟
– والله.
قالتها بتريقة وهي تربع يدها وتهز قدمها اليسرى بتوتر، رمقها بتحدٍ وهو يمسك هاتفه بين يده ويعيد الاتصال على آخر رقم، ويبلغها وعلى ثغره ابتسامة شيطانية:
– تحبي تسمعي صوتها؟ اللي جنني طول الليل.
اتسع بؤبؤ عينيها بصدمة، فهو يتصل بها ويقول بعد أن فتح الطرف الثاني:
– ويسو حبي وحشتني، ينفع كده أمشي من غير حزام البنطلون.
أتاه صوت ناعس رقيق:
– مش أنا قولتلك هاخده.
– لا أنا اتكسفت أقولك لا يا بيضة لتزعلي.
– ولا.. أنت شكلك مفوق، وهتصطبح عليا.
قالها وسام بقوة وهو يقعد على فراشه بتململ من الحر.
وضعت يدها على وجهه خجلًا وإحراجًا، ونظرت بعيدًا عنه، قفل في وجه من يحدثه حين اكتشفت أنه رجل، لكن قبل أن يتحدث “مستقبل” بلوم، تصل له رسالة عبر البريد الإلكتروني، تخطف المحمول من يده وتخبره بغيظ:
– ومين الأخت اللي عايزاك ضروري دي؟
نظر معها في الهاتف وقال بثقة:
– دى علا.
– والله أنا بشوف وبعرف أقرأ مش جاهلة، ولا دي كمان خط أحمر وناسي تحط الهمزة.
قالتها وهي تقلب في هاتفه مثل المجنونة، فوجدت رسالة ثانية من ساعتين، فتقول:
– ومين دي كمان؟ لا أستنى كده لتكون دي كمان تبع دوكها خط أحمر.
– عليكي نور، بالظبط كده.. الله يفتح عليكي أخت كاري.
– أممم وسام خط أحمر، وعلا كمان، ودوكها كمان معاهم! أمال أنا إيه؟ خط من فودافون وعليه عرض فري!
قالتها بامتعاض وحزن، وهي تلوح بيدها يسارًا ويمينًا، فيقول بهدوء مخادع:
– خلصتي اللي عندك، ولا لسه في عندك تاني.. ما دام سكتي يبقى خلصتي، اللي بعمله مش جديد عليكي، ومش بعمل حاجة من ورا ضهرك، ممكن أعرف بقى إزاي آنسه زيك شغالة حب وغراميات في واحد؛ وهي بتحب وبتخطط كمان تتخطب لغيره؟
طأطأت رأسها ناظرة على الأرض بخجل، ثم ردت عليه بتلعثم واضطراب، وهي تلعب بأطراف أناملها:
– أنا كنت بهزر في المسدج.
نهض بطوله الفارع يقترب منها بخطوات بطيئة، فكانت تبتعد عنه للخلف بقلق، فأمسكها من خصرها قبل أن تقع مرة ثانية داخل المسبح، يمسك خصلتها المتمردة عن حجابها يقبلها بعد أن استنشق رحيقها، مرددًا:
– لو حصل وقولتي كده تاني، ساعتها أنا اللي هتجوز غيرك.
ابتسمت وهي تقول بمزاح مختلط بالعند:
– يا حبيبي ما تحاولش أنا مكتوبة ليك من يوم ما نورت الدنيا، بس لو شوفتك بقى بتكلم بنات تاني أعمل فيك إيه؟
– يا بت افهمي، قلبي مقفول عندك بقفل.
– كذاب.
هز رأسه بنفي، ويقول:
– وحياة اللي خلق الخلق وخلقك ليا مخصوص ما بكذب.
– طيب ويا ترى فين بقى المفتاح؟
– هو دا السؤال الصح، معايا طبعًا.
– لا طمنتني افتح في أي وقت واهرب.
ضحك من قلبه وأخذها داخل حضنه يخبرها:
– وحشتيني.
– وأنت كمان يا غلس.
أبعدها بحنان يتطلع إلى سحر عينيها الجذاب، ثم ينزل بعينه على ثغرها، ويحرك أطراف أنامله عليه باحتواء، فأغمضت عينها فطبع على شفتها السفلية لأول مرة قبلة، ثم أبعدها بهدوء وهو يضع يداه الاثنتين على خصرها مقربها إليه:
– كده حطيت عليكي صك ملكية.
فتحت عينها ببطء، متمنية أن لا يتركها، فتقول بخبث:
– إيه اللى هببته دا افرض حملت دلوقتي؟
دوت ضحكته الساخرة المكان بصوت مرتفع:
– مش من بوسة يا جاهلة.
– أمال من إيه؟
ابتسمت وهي تتساءل بمكر، قرص خدها بمداعبة قائلًا وهو يجلس:
– لما تكبري تبقي تعرفي لوحدك.
تجلس بجانبه بعد أن ضربت الأرض بقدميها بطفولة وتقول بتأفف:
– لا أنا كبيرة قول.
– بت هو أنتي هتصاحبيني قومي فزي من جنبي.
قالها بعد ما أصابه الذعر فجأة وجحظت عيناه حين رأى من خلفها، ظن أن لم يلمحه أحد بسبب نوم الجميع في هذا الوقت، ثم رددت بتساؤل:
– لا مش هقوم، لازم أعرف إزاي هنجيب عيال؟
يغمز لها بطرف عينه ويحمحم حتى تصمت، لكنها مصرة على أن تفهم:
– ما ترد وانجز.
فيرد ردًّا دبلوماسيًّا:
– هنتجوز طبعًا.
– أيوه وبعدين.
يأخذ نفسًا عميقًا ويحك أرنبة أنفه، فتقول وهي تمد شفتيها إليه:
– طيب بوسني تاني ما دام مش هنجيب عيال.
– هو أنا بوستك أولاني، بت فوقى لنفسك وركزي وخيالك المريض دا ريحيه صف تاني.. أبوس إيدك ركزي.
– ولو، أنا هتباس يعني هتباس.
لم يجد معها فائدة من التهرب أو إسكاتها، أمسك رأسها وأدارها للخلف، وجدت والدتها تربع يدها وترمقها بنظرات ثاقبة، وتقول بعنف:
– عايزة تتباسي يا كاري؟!
اتسعت حدقتاها تتأملها بعدم تصديق، ثم توردت وجنتاها خجلًا، قائلة:
– والله أبدًا يا ماما، كنت عايزة أجرب ما دام مش هجيب عيال.
مسح جبينه بارتباك، وهو يغمغم على غبائها، ثم أخبرها بنبرة جادة:
– هو أنا يعني كنت هسمع كلامها.
رفعت “دانية” حاجبها الأيسر مقتربة منه وهي تعد على يدها وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة:
– ما أنا عارفاك بير العقل، وترعة المفهومية، وبحر الاحترام، والأدب بيشر منك.
– الله يرضى عنك يا طنط، شوفتي الناس اللي بتفهم.
قالها ناظرًا للأسفل باحترام، ويحرك يده على صدره، فتقول “كارما” بتبرير موقفها بضيق من كونها هي المخطئة دائمًا لكن (جت تكحلها عمتها):
– لا ما تصدقيهوش باسني بوسة خطف.
فأخبرها “مستقبل” وهو يبصرها بنظرات توعد:
– إلهي تطلع يا كارما وترشق في ناموسة زنانة تبرجل مخك، ولا خليها في صاروخ علشان نرتاح.
– ماما شايفة بيقول عليا إيه.
– ما أنتي اللي سمحتي ليه وادتيله الفرصة، قدامي.
بعدت من جانبه ناظرة لأمها بخوف:
– هتضربي شكلك.
– اخلصي قولت.
اخذتها وسارت وعلى ملامحها غضب مما رأته منذ قليل، وقف “مستقبل” ينادي على “دانية” بصوت مرتبك واهن:
– طنط دانية، بعد إذنك ممكن لحظة.
نظرت له وداخلها غضب، فلوحت له بيدها مرددة:
– بعدين يا مستقبل.
– لو سمحتي ثواني، بعد إذنك.
اقتربت إليه وهي تمط شفتيها:
– خير؟!
مسك يديها ومشى بها بعيدًا من أمام “كارما”، قائلًا:
– أنا آسف على اللي حصل، ممكن ما تقوليش لعمو فادي ولا إخواتها، وأوعدك مش هيحصل تاني.
– أووك، بس دا مقابل إنك ملكش دعوة بيها خالص.
نظر أسفل قدمه بخيبة أمل، شعر بسكاكين تطعن قلبه بلا رحمة، لا أحد يحبه من أهلها غير كارما، فقال بامتعاض:
– أنا هبعد خالص علشان أريحكم كلكم مني، بس أرجوكي بلاش تخلي حد منهم يقلل منها بسببي.
– كده تمام، سلام.
حين أولت ظهرها، رفع عينه يحدق بـ”كارما” بمكر ويغمز لها، وهو يعض شفته بطرف أسنانه، ابتسمت وهي تفعل مثل ما فعل، رأتها “دانية” وهي تغمز له، فالتفت نحوه مرة ثانية مرددة:
– هتشلني يا مستقبل.
– بعد الشر عنك يا طنطي.
قالها وهو يقلد نساء الحواري الشعبية، يمسح فاه بإصبعه ثم يضرب يد على يد على صدره، فقالت “دانية” المشتعلة:
– أمال إيه جو الدراما دا! تصدق كنت هتصعب عليا وهعيط.
– وما حصلش، وأنا ما اقدرش أبعد عن حبي ثانية.
تابعها وهو يرمق حبيبته بحب، رحلت من أمامه وهي تمسك بيد ابنتها، تأففت من أسلوبه الذي يشبه ثلاجة تحمل الكثير من الثلج.
***
تنزل “كاميليا” من سيارة خطيبها وعلى تقاسيم وجهها ضيق، لا تطيق أن يحدثها أحد، فأمسك “وجود” يدها حتى ينهي الصمت ويفهم ما بها:
– ممكن اعرف حالك اتقلب ميه وتمانين درجة فجأه ليه؟
تقف عقب جملته تنظر له بعين حادة، فتقترب منه خطوة وتجيب عليه من بين أسنانها:
– يعني ما تعرفش؟!
زفر أنفاسه بقلة صبر، ثم يستعيد هدوءه ويقول:
– يا “كاميليا” الله يهديكي على الصبح، لو أعرف هسأل ليه؟
– البت السهونة هتشلني يا وجود.
أبلغته وهي ترفع يدها تلوح بها في الهواء وبنبرة بها غيظ دفين، رفع حاجبه الأيسر بذهول يحاول أن يستنتج من هي “السهونة” التي أثارت غضبها:
– بنت مين؟
– هي فيه غيرها اللازقة أم بامبرز، اللي أول ما بتشوفك بتسبل على نفسها وتشغل مساحات عينها.
– كاميلياااا، ياريت تلتزمي حدودك وتتكلمي عدل من غير ألغاز، يا إما تسكتي وتدخلي نشوف شغلنا.
أجابها وهو يقترب منها محذرًا بصوت عنيف هادر، فردت عليه بمسكنة ودلع حتى تستعطف مشاعره لها:
– الظاهر ما بقيتش تحبني فعلًا.
نظر لها بغيظ ثم دلف لداخل شركته بوجه جامد، ولم يعطها أي اهتمام، فهي أصبحت تجبره على فعل أشياء يندم عليها، لكنه لا يتحمل دلعها وغيرتها الزائدة والمبالغ فيها، ذهبت خلفه تبكي، حتى وصل لمكتبه وأغلقت الباب تحاول إخباره كرهها لها بطريقة أخرى قائلة:
– وجود، مش عايزاك تزعل مني، بس البنت اللي اسمها زينة بتقصد تجرحني وتحرجك، ما خدتش بالك الصبح عملت إيه؟
اقترب منها بحنان يمسح دموعها فارتمت داخل صدره القوي الذي تزينة العضلات، فرفع يده يمسد على شعرها القصير قائلًا:
– يا كاميليا دي طفلة مش عايزك تشغلي بالك بيها، ولا تحطيها في دماغك ولا تشغلك من الأساس، وكل البنات اللي في سن المراهقة كده فكبري، دبلتي في إيدك أنتي، فخليكي واثقة في نفسك وسيبيها بكرة تكبر وتعقل.
– يعني مهما تعمل مش هتخطفك مني.
رفع رأسها بين يديه ومسح عبراتها، فابتسمت:
– ممكن ما تتكلميش عنها تاني.
افتر ثغرها عن ابتسامة واهية، ثم أومأت رأسها بالموافقة.
***
توجه “مهيمن” لغرفته وجدها تجلس تقرأ كتابًا بتركيز، اقترب منها بخطوات صماء وعلى شفتيه ابتسامة، ثم مال برأسه داخل الكتاب فجعلها تنتفض في مكانها، وجلس يقهقه بضجيج، فأردفت بزعل مصطنع:
– فجعتني.
تذكر أول مرة سمع فيها هذه الكلمة، عندما كان بمركز القوات الخاصة وهي كانت ترتدي زي “نضال” فاق من ذكرياته وأردف بحب:
– تصدقي وحشتني أيام زمان.
تهلل وجهها بسرور وهي تقول:
– بجد يا هيمو، يعني مش زعلان إني خدعتك.
– في البداية كنت هولع بس حاليًا تؤتؤ، بالنسبة ليا أجمل ذكريات، ولولا تهورك وجنانك مكنتش عرفتك يا أحلى وأرق مجنونة.
– وأنا كمان بعشق الأيام دي أوي، وكنت مش بحب أجيب سيرتها قدامك علشان ما تتعصبش زي زمان.
تنهد وهو يأخذ الكتاب من بين يديها قائلًا:
– خلينا في الحاضر، عندي ليكي مفاجأه.
– مفاجأة إيه؟
قالتها وهي تبتسم، نهض من مجلسه وهو يبلغها:
– وتبقى مفاجأه إزاي؟ تعالي أوريهالك.
أمسك يدها وأوقفها، ثم أغمض عينيها بوشاح، وانحدر بها إلى غرفة أسفل الفيلا تسمى “البدروم”، لا يقترب منها أحد ولا يعلم أحد عنها شيئًا.. فكانت بمنزلة المخبأ، ورفع يده وفك رباط عينيها، فتحت هي ببطء ثم وضعت يديها على شفتيها من السعادة، وعندما استوعبت قفزت فرحًا إليه، عانقها بسعادة لا توصف، فكانت فرحته أنه استطاع أن ينتشل الحزن والخوف من قلبها على اختراعها، فأردفت بنبرة بها فرحة:
– أنا مبسوطة أوووي، ربنا يباركلي فيك.
– ويباركلي فيكي يا قلب قلبي، المهم مش عايز حد يعرف إنك بتعملي حاجه حتى عيالك، اتفقنا.
– اتفقنا طبعًا يا روحي.
***
مر اليوم، وظهر القمر بضوئه الخافت متوسطًا كبد السماء، وقف “مهيمن” يرتب كلامه وأفكاره أمام غرفة “توتا”، وقال حين دخل إليها:
– دلوقتي على ما أظن مفيش غيره اللي ينفع يدربك.
شعرت بأن مهما قالت وبررت فالكلام أصبح لا فائدة منه، أغمضت عينها بثقل وضيق، ثم حاولت أن ترفض للمرة الألف:
– يا بابا افهمني…
قاطعها بجدية حتى ينهي المشاجرات التي زادت عن حدها:
– بصي لو هتعاندي يبقى بتعاندي نفسك فأنتي حرة، قدامك بطولة ورجلك فيها إصابة، يا تتعالج صح وفي نفس الوقت تكوني بتتمرني، يا إما البطوله تروح عليكي وترجعي في البطولات، وممكن اسمك يتشطب من بطولة العالم.
فكلام والدها صحيح، فكيف ترفض فرصة مثلها، تقدم لها على طبق من ذهب بعد إصابة قدمها؟ والآن لا يوجد أحد غيره أمامها، كزّت على أسنانها بضيق، ثم أردفت:
– ماشي يا كوتش، مواعيد الكابتن إيه؟
نهض وقبل أن يخبرها بالمواعيد، حذرها من أي تصرف جنوني تفعله؛ لأنه هو من يعاقبها على تصرفاتها غير المحسوبة والمتهورة، وقال قبل أن يذهب:
– تمانية، إن شاء الله الصبح.
– تمانية! لا طبعًا خلاص رجعت في كلامي.
– توتا هتروحي، لازم رجلك تقوى شوية بعد إصابتك، واعتبريه دكتور مدرب وانسي إنه حازم؛ لأن هو الوحيد في الوقت دا هيعرف ياخد باله من الإصابة وكمان هيمرنك كويس جدًّا.
– أووكي لما اشوف أخرتها معاه.
حنى ظهره ليقبلها على جبينها بسعادة قائلًا:
– كده أسافر وأنا مرتاح، لا إله الا الله.
– محمدًا رسول الله.
قالتها وهي ترتمي داخل أحضانه، فهذا الحضن مصدر الأمان لها دائمًا.
مضى يومان كل شخص داخله مشاحنات للطرف الثاني، فعندما أشرقت الشمس نهضت “توتا” تجهز نفسها لأول يوم تمرين، وهي تنزل الدرج قابلها “وجود” أخدها في طريقه وكانت “كاميليا” ثالثتهما.
دخلت من باب الصالة تصطك ضروسها بغيظ، حتى شاهدته يجلس ينتظرها وحده على مقعد خشبي، فتقترب منه وهي تقول بكل غرور:
– هاي.
لم يرفع رأسه نحوها وأكمل ما كان يفعله في هاتفه وهويقول بتصحيح ما قالته:
– اسمها السلام عليكم.
أغمضت جفنها بنفاد صبر، وهي تقضم على شفتها السفلية غيظًا، وتحاول أن تمسك لسانها، وتقول بابتسامة مصطنعة:
– أوك، هنبتدي ولا هنقضيها كلام؟
نظر بعمق داخل عينيها، كان يريد أن يقول لها لقد اشتقت لكِ ولسماع صوتك الرنان، لكنه لم يتجرأ وهتف بقول حاد:
– قولي السلام عليكم.
– هو أنت جاي تدربني ولا تعلمني أقول إيه؟
هتفت بها بصوت مرتفع مشتعل، ولم تنجح في سيطرتها على نفسها.
وقف قبالتها يرفع حاجبه بتعجب من حالتها الحانقة:
– اهدي على نفسك يا آنسة، واتفضلي على التمرين.
– على فكرة أنت بشع ولا تطاق.
قالتها وهي تكاد أن تفتح رأسه بحقيبة أدواتها التي تحملها على كتفيها، فأدار رأسه فقط لها وهو يجيبها بسخرية:
– والله الفكرة إني كنت بحاول أكون زيك مش أكتر.
– يالهووووي هتشل مش قادرة، دا أنت تقيل ورخم.
التفت لها بجسده بالكامل ثم أمسك يدها بقوة، وأعلنت عينه الضيق الذي كان يدفنه، وأخبرها بهدوء:
– اعتذري.
وقفت تضع يدًا على خصرها والثانية على فمها ثم تحدثت بأسف:
– صح، أنا لازم اعتذر.. بس الاعتذار لنفسي إني سمعت الكلام وجيت هنا برجلي.
– عندك حق وأنا كمان لازم اعتذر لها؛ لأنها مظلومة مع بني آدمة زيك.
تود أن تفجره لكن احتياجها له يلجمها، فتقول بضيق:
– أوووف، ما تطلعني من دماغك.
رمقها ثم ركز النظر على سلة مهملات وأخبرها بتهكم:
– اطلعك إزاي؟ وأنا باخدك كل يوم وأنا نازل.
ضيقت عينيها بعدم فهم، وقالت بتساؤل:
– تقصد إيه؟
– هتعرفي بعدين.
مشيت تضرب الأرض مثل الكنغر وقالت:
– هنبدأ إمتى؟
أشار لها ترفع قدميها المصابة حتى يعمل لها علاجًا طبيعيًّا، وظل ينظر داخل ليل عينها القاتم، المستقر وسط سحابة بيضاء صافية بعمق، وشرد بداخلهما، فقالت وهي تخفض قدمها على الأرض بحرج:
– بقت أحسن اتفضل نبدأ التمرين.
أومأ لها برأسه، فرائحتها المثيرة وعيناها قضت على ما تبقى من قوة وثبات أمام مفاتنها الفتاكة، فبدأت في حمية جسدها بالركض ثم بعد، التمارين. وحين انتهاء حلبة المصارعة التي كانا بداخلها هما الاثنان، مسكت ظهرها ثم قالت له:
– أنت أكيد مش إنسان واللي بيمشي في إيدك دي مش عروق دا كبل كهربا عمومي، الله يكون في عون اللي هتتجوزك.
أردف بتصحيح المعنى، بدون النظر لها وهو يرفع الأدوات من فوق الأرض:
– تتقال الله يكون في عونك أنتي.
– وأنا مالي؟
– علشان قررت أتجوزك، ومش علشان سواد عيونك لا سمح الله، بسبب أسلوبك دا مخصوص؛ لأنك محتاجة تربية ولسانك عايز قطعه.
– بغض النظر عن كلامك الصفيق، مين ضحك عليك وقالك إني هوافق؟
ابتسم ابتسامة جانبية، ثم وضع يده في جيب بنطاله القطني، وقال بتحدٍ وهدوء قاتل:
– هتوافقي يا توتا وأنا متأكد، ووقتها هنشوف مين اللى هيضحك.
أغمضت عينها تتمالك أعصابها وتحاول أن ترد عليه بنبرته نفسها، وهي ترفع سبابتها أمام عينيه:
– على العموم اعمل حسابك اللى بيقف قدامي دايمًا هو اللي خسران.
رفع حاجبه الأيسر، ورد بابتسامة تهكم:
– ما بلاش غرورك دا.
لوت فمها استهزاء، وهي تربع يدها:
– وليه ما تقولش ثقة يا جاهل.
– أنتي شبه دي بالنسبة لي.
قالها وهو يمسك قارورة ماء يثقبها على الأرض وأشار عليها وهو يتفوه، ثم أعطاها ظهره وهو يضحك بقوة، اعتلت وجهها ملامح استفهام، لم تفهم مقصده وتفكر، هل يقصد أنها ستصبح يومًا شفافة، أم ستنتهي، أم لن يكون لديها مأوى وتكون خارج الإطار الذي تحتمي به! أخيرًا تحدثت قائلة بغرور:
– والله أنا عارفة نفسي شبه المياه، ومحدش يقدر يمسكني، ولو حد تطفل وحاول، هتبخر ولا كإني كنت موجودة.
ضحك أكثر ولم يعطها إجابة على ما فعله منذ قليل، فكان مقصده هو أنها تتحدث كثيرًا ولم يزهق منها، كالماء الذي يروي حين يكون ظمآنًا، وتقضي عليه لو ظل يتحدث ويسمعها كثيرًا، كالغطاس الذي يظل داخل الماء بدون أنبوبة أكسجين التي تملأ رئتيه بالهواء، حتى تعطيه وقتًا أكبر حتى يظل داخلها، فهو الآن يريد أن يتنفس هواء نقيًّا يهدئ ثورانه الداخلي الذي نجحت في إثارته، أمسكت حقيبتها بحنق ورحلت لمنزلها، تفكر في مقصده من تشبيهها بالماء.
خرجت “كاميليا” مع “وجود” بعد انتهاء عملهم وقبل أن تدلف معه للداخل ترجلت من السيارة وقالت له:
– حياتي ثواني هجيب حاجة وهدخل وراك.
أومأ لها برأسه ثم حرك العربة ودخل الفيلا، مشيت بخطوات أنثوية، ترفع رأسها بشموخ وأنفها يكاد يصل للسماء من شدة الغرور، وقفت أمام “زينة” الشاردة تحدثها وهي تدفعها بقوة:
توترت “زينة” من أسلوبها وازدردت ريقها بصعوبة، فكانت تحاول أن ترد عليها، لكنها لم تقوَ على التفوه من شدة إحراجها وتوترها، فرفعت “كاميليا” يدها تصفعها على وجهها وهي تقول:
– فين أهلك اللى معرفوش يرب…
– لا يا شطورة لو هنتكلم على قلة الرباية اللي على حق تبقى أنتي، ولا الحلوة مش عندهم مراية في بيتهم تشوف نفسها نازلة بإيه، ولا اوعي يا بت شوية المحن بتاعك دا تفتكري هياكل معانا، دا أنا أمسح بيكي أسفلت الشارع كله واعمل منك عبرة لمن لا يعتبر ولا يخاف الله.
سمعتها “زينة” من فم “كارما” وهي تقولها “لكاميليا” الواقفة أمامها، قبل أن تنال الصفعة من وجنتها، كانت “كارما” تمسك يدها بقوة، فكانت “زينة” تنظر نحوهما بذهول، تكاد أن ترى كائنًا ضخمًا وله أنياب حادة أتى على صوتهن “وجود”، فكانت “كارما” ما زالت تقبض على يدها وتنهرها، فجذب يد خطيبته من بين يدها، قائلًا لهما بحدة بعد ما ارتمت “كاميليا” داخل حضنه تبكي وتمسك يدها من شدة ألمها:
– جرالك إيه أنتي وهي، شكل دماغكم ساحت أنتوا الاتنين، إزاي تعملوا في خطيبتي كده؟ كل مرة أسكت وأقول بكرة يعقلوا من شغل المراهقة دا، بس كده بقى الوضع أوفر أووي، اتفضلي غوري منك ليها من قدامي.
كان يقف خلفه أخوه وسمع كل شيء تفوه به.
رواية غرورها جن جنوني الفصل الثامن 8 - بقلم ابتسام محمود
كان “مستقبل” يضغط على ضروسه بقوة تظهر على فكه من الخارج، تقدم في منتصفهم يقول بهدوء عكس ثورته الداخلية:
– صلوا على النبي يا جدعان احنا في الشارع.
ثم نظر لأخيه بتوعد على ما قاله لخطيبته، قائلًا بتهكم:
– بتكلم البنات ليه كده؟
– بنات! هما فين البنات دول؟
أجاب “وجود” باستهزاء على منظرهم، فـ”كارما” ترتدي حجابًا يغطي شعرها بالكامل و”تيشيرت” واسعًا وبنطالًا قطنيًّا وحذاء رياضيًّا، أما “زينة” ترتدي مثلها زيًّا رياضيًّا لكن بدون حجاب، فترفع شعرها للأعلى مثل ذيل الحصان.
فرد عليه أخوه وهو يصطك على أسنانه فقد اعتراه الغضب، ولا يريد أن يرفع صوته على أخيه أمامهن، فردد من بين أسنانه:
– اهدى يا شق كده وروق بالك، ولو ليك حق عندها أنا بنفسي هجيبهولك، فريح أعصابك وخد خطيبتك وادخل البيت.
كانت نظراته ثاقبة حادة مثل الصقر، هز رأسه لليمين ولليسار وهو يرفع حاجبه، وأخذ خطيبته ودلفا معًا للداخل وهي تضع رأسها على كتفه تبكي بحرقة؛ كالتي رأت كابوسًا في منامها.
وقفت الفتاتان وقد أصابهما الذهول والدهشة، كيف أقنعته أنها هي المجني عليها وليست الجاني، فهتفت “كارما” بصوت مرتفع حاد:
– لا اسم الله على الأنثى اللي معاك، اللي كل وشها أحمر أخضر أصفر، زي إشارة المرور، جرب كده طس في وشها شوية ميه وهتشوف جعفر في كامل جعفريته قدامك.
– ممكن خلاص يا كارما.
قالها “مستقبل” وهو يمسك ذراعها يديرها نحوه حتى تكف عن الثرثرة، فتخفض صوتها احترامًا له وتتفوه بهدوء لكن داخلها غيظ:
– شوف البت اللي كانت بتبهدلنا اتحولت زي التعبان، روحى يا بعيدة إن شاء الله تعبان الأناكوندا يلف على رقبتك يفصلها عن جسمك.
لم يرد على كلام “كارما”؛ بل أزداد قلقه على “زينة” التي تقف متحجرة، عبراتها تنحدر من مقلتيها بقوة شلال بدون أن يخرج لها صوت أو نفس، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة تجعلها غير قادرة على أخذ أنفاسها، لطم وجنتها بيده بخفة قائلًا:
– زينة أنتي كويسة؟
شعر بانخفاض حرارة جسدها الذي أصبح كالثلج وقد بدأ يهزها حتى تجيب عليه، وقعت على الأرض مغشيًا عليها، صرخت “كارما” باسمها فانحنى يرفعها من على الأرض بين يديه ودخل بها إلى بيتها، ولكن لم يجد أحدًا موجودًا إلا جدتها، فنهضت بذعر عندما وجدتها بهذا الوضع وأمسكت بيدها ناظرة لهما حتى يقص عليها أحدهم ما حدث وجعلها كالعصفورة المصوب عليها طلقة، عندما وضعها على الأريكة أمسك بيد جدتها وطمأنها بقوله:
– ما تقلقيش يا آنه هي بس تعبت من الشمس، ثواني وهتكون كويسة.
لم تصدقه، قلبها ينهشه الخوف والقلق عليها فهي أقرب شخص لها؛ لأنها أتت بعد عذاب، غير أن صحتها ضعيفة وأقل شيء يتعبها ويسبب إرهاقها.
فأجلستها “كارما” بهدوء وقالت:
– والله يا آنه زينة كويسة، مستقبل هيفوقها وتطمنك بنفسها.
فكان هو يحاول إفاقتها بكل الطرق، حتى سعلت بقوة وهي تطلق زفيرًا، ثم أخذت أنفاسها التي ما زالت تصعب عليها دخل الهواء إلى رئتيها، قامت جدتها تحاوطها بين يدها التي انكمشت مع مرور الزمن وتربت عليها بحنان، شهقات “زينة” بدأت تظهر، كان داخلها فيضان نهر قضى على كل شيء داخلها.
مال “مستقبل” على أذنها يحدثها حتى تريح قلب جدتها بقول:
– اهدي علشان آنه بتعيط وهي أصلًا تعبانة، والزعل وحش عليها.
رفعت رأسها من على صدر جدتها بخفة تمسح دموعها، وأردفت:
– آنه أنا كويسة بليز بطلي عياط.
– طب احكيلي وريحي قلبي.
– أبدًا الشمس بره مولعة، والهانم كانت فاكرة نفسها طرزان وتقدر تتحداها.
قالها “مستقبل” بمزاح حتى يغير الحديث، لكنه يقصد أن يوجه رسالة معينة لـ”زينة”، فأكملت “كارما” قائلة:
– وأنا أقولها يا بنتي تعالي نبعد عن الشمس ونطلع لما القمر هو اللي يجيلك بنفسه ويتمنى ترمي عليه نظرة، لكن لا حياة لمن تنادي مصممة إنها تقدر على حرارة الشمس ومش بس كده، دي عايزة تشوف ألوان الطيف.
ابتسمت لهما “زينة” فاهمة قصدهما، ودخلت حضن جدتها تقول:
– كنت بفتكر الشمس بتنور ليا مخصوص، طلعت هي بتطلع علشان تحرقني وتجرحني بسخونيتها، وتنور طريق ناس تانية بنورها الساطع، وتفتكري يا كاري إن ممكن حد يسيب الشمس ويروح لقمر صغير بيستمد نوره من الشمس.
تحمحم “مستقبل” فجعلتهم يصمتون تمامًا عن كلامهما السخيف، فهي في هذا القول عندها حق؛ من يترك رجلًا في هيبة وشخصية أخيه وينظر لشاب صغير يقلد من حوله حتى يتعلم، كيف يصبح رجلًا ويلفت نظرها؟ فقالت “كارما”:
– طيب تعالي نطلع أوضتك علشان ترتاحي.
نهضت معها، وقف “مستقبل” مستأذنًا جدتهما بالانصراف، أذنت له بالانصراف وجلست تشاهد التلفاز وحدها بقلب منفطر.
على الجانب الآخر منذ قليل، جلست “كاميليا” تجهش في البكاء، وتقول بحزن مصطنع:
– أنا كنت رايحة أجيب هدية ليك من البيت وارجع، كنت عايزة أعمل ليك سربرايز، لقيت دول بيزعقوا ليا وزينة ضربتني بالقلم على وشي، وكارما كانت هتكسر دراعي زي ما شوفتهم، البنات دول أهانوني وبهدلوني جامد يا وجود.
– أنا ليا تصرف تاني مع البنتين دول.
قالها بضيق وهو يعطيها ظهره، فكانت هي ترسم ابتسامة نصر على ثغرها، وحين التفت إليها تحولت ملامحها لحزن وغضب.
– يا فتاح يا عليم، والله اللي بيحصل دا كتير، هي مالها المحن دي؟!
هكذا قالتها “توتا” التي قذفت بحقيبتها التي كانت تحملها على ظهرها، ثم استلقت بجسدها بجانب أخيها ورفعت رأسها نحو أذنه تبلغه بصوت منخفض حديثها، فرد عليها بحدة:
– مش ناقصاكي يا توتا.
– مالك شايط وعمال تهب في أي حد يقف قصادك.
قالها “مستقبل”، حين رأى “توتا” ترفع يدها باستسلام حتى يهدأ فحالته تبدو على ما لا يرام، فهو كان عازم على عتاب ولوم أخيه بشدة، لكن تماسك أعصابه عندما وجد خطيبته ما زالت جالسة.
كاد أن يتفوه “وجود” بغضب يظهر في عينه، لكن توأمه قاطعه بحدة وعصبية يفوقه، قائلًا:
– كلامنا بعدين يا أخويا، ولا أنت كمان نسيت اللي اتريبنا عليه.
تذكر كلام أبيه عندما كانوا أطفالًا يتشاجران في المنتزه، قال لهما:
– مصارين البطن بتتخانق، ومش عيب الإخوات تتخانق.. العيب إنكم تفرجوا حد غريب عليكم ويشمت فيكم ويعرف حاجة عنكم، هيقولها واحد فيكم زلت لسان للتاني، وساعتها هيعرف يوقع ما بينكم بسهولة، وعمركم ما هتعرفوا ترجعوا إخوات اللي مهما يحصل بينهم بينسوا؛ لأن الضربة بتوجع في وقتها وبس، وكلامكم اتقال وراح مع الهوا، ومفيش ودن سمعت اللي بينكم علشان يتمسك عليكم، ويفضل كل فترة يقول فاكر لما أخوك هانك وقالك كذا.
التزم الصمت “وجود”، وعاد من شروده على يد أخيه يقول:
– يالا الأكل جاهز يا شق عمري.
فكان مقصده يأكلا الطعام أحسن من أن يأكلا بعضهما.
– وماما كمان وصلت بالسلامة.
قالتها “توتا” حتى تجذب انتباه “كاميليا” التي تركز على حديث أخويها بشدة، دخلت “نايا” بابتسامة مشرقة تنير وجهها، تحضنهم ثلاثتهم بحب وحنان، ثم توجهت “لكاميليا” التي يرتسم على وجهها الحقد والغيظ صافحتها بابتسامة مجاملة، قائلة:
– يلا يا شباب أنا من الصبح في الشغل وما دخلش بطني لقمة.
اقتربوا منها ثلاثتهم بسعادة، وكل واحد منهم يدخل فمها شيئًا من الطعام الذي يفترش على السفرة، فقالت “كاميليا” وهي ترجع شعرها للخلف:
– والله يا آنط حضرتك تاعبة نفسك في شغل ولا ليه أي لزوم تتعبي فيه نفسك.
نظرت نحوها بتركيز، ثم ابتسمت وهي تسألها:
– بناء على إيه حددتي أن شغلي ملهوش لزوم؟
– لو حسبتيها هتلاقي نفسك بتقبضي ملاليم بالنسبة لمصاريفك الشهرية.
كانت تقف جانبها “توتا” وخلفها “مستقبل” وبجورها على اليسار “وجود”، أشارت لهم أن يجلسوا وقالت بهدوء وهي تنظر لـ”كاميليا”:
– أولًا أنا الحمد لله مش بصرف كتير، لأن المبذرين إخوان الشياطين، ثانيًا شغلي مكسبي المعنوي فيه أفضل من المادي، ثالثًا والأهم عمري ما في يوم اشتكيت ولا تعبت منه، بعتبره هو ملجأي بعد مهيمن وعيالي، عودي نفسك دايمًا شغلك ليه دعم قوي في حياتك، وما يتحسبش بالفلوس علشان فعلًا لو وصلتي للمرحلة دي، هتحسي نفسك ملكتي الدنيا بما فيها، وهتبدعي وتنجزي فيه، وأنتي ما شاء الله شغلك كله برمجة واختراع برامج جديدة، فياريت تركزي فيه من غير ما تفكري في المكسب.
– آها أنا دلوقتي عرفت وجود ورث دماغه الناشفة دي من مين.
مسكت يد ابنها وألقت عليه قبلة وتقول بتفاخر:
– والله فرحتيني إن ابني يبقى وارث مني حاجة.
– تصدقي يا أنط يتعرض عليه مبلغ كبير قصاد إنه يتنازل عن برنامج لسه عامله لشركة غير الشركة اللي اتفق معاها الأول ويرفض.
كان سيتحدث بعصبية، فضغطت أمه على يده وقالت بتباهٍ وشموخ:
– لأن أنا ربيت راجل يعرف يقدر كلمته لو السيف على رقبته.
– مش معقول يا أنط نفس الكلام اللي قاله ليا الصبح، دا غير جو الأمانة والعهد اللي بينه وبينهم.
– ما أنتي واحدة عديمة الضمير، ولا تعرفي يعني إيه أمانة.
قالها “مستقبل” وهو ينهض بداخله، لأنه لم يتحمل الجلوس مع فتاة لا تعرف في حياتها غير المظاهر والمال، فأمسكت “نايا” يده مسرعة بحنان وترجٍ:
– حبيبي كمل أكلك.
– شبعت.
قالها من بين أسنانه بغيظ، ثم تركهم ورحل إلى غرفته، فأردف “وجود” بنبرة حادة:
– على ما أظن اتناقشت معاكي الصبح في الموضوع واتقفل.
– لا مفكرة ماما هتقدر تغير رأيك وتزغلل عينك، بعد إذنكم شبعت أنا كمان.
قالتها “توتا” وهي تستعد على النهوض، حتى لا تفقد صوابها أكثر مع هذه البلهاء، تضايقت “نايا” من أسلوبها وعلى فقدان شهية أبنائها، فعلى الرغم من ذلك ابتسمت بتصنع مرددة:
– كلي يا “كاميليا” وبلاش تفتحي في مواضيع آخرها حيطة سد.
صمت ثلاثتهم وأكملوا طعامهم بدون فتح أي نقاش جديد.
فكانت “زينة” جالسة على مقعدها تحضن نفسها، و”كارما” تترجاها حتى تشرب ماء لتبل ريقها، فكان الحزن والأسى تملكا من وجهها الصغير، والمرارة في حلقها، غير قادرة على فتح فيْها، فتذكرها ما بدر منه يجعلها تشعر أنها تحمل فوق رأسها جبلًا من الهموم والأحزان.
– يا حبيبتي اهدي زمان خالتو وعمو شادي على وصول.
– ليه بيعمل فيا كده؟ كل دا عشانها! هو دايمًا كان قريب مني وبيحبني لدرجة كان بيقولي قطتي الصغيرة، من ساعة ما خطب حتى الكلمة دي حرمني منها، ليه وجع قلبي للدرجة دي، أنا بكرهه بكرهه بكرهه.
قالت آخر كلمة بانهيار؛ فقلبها بعدما كان ينبض أصبح يضرب دقات كالطلقات النارية، مع كل دقة تجعلها من الألم تضع يدها بقوة عليه حتى تخف من عقابه لها على من أدخلته إليها بدون حسن الاختيار، رأسها أصبحت كمصنع كبير والكل يعمل داخلها باجتهاد، فتصيبها بالصداع الهالك، أصبح كل شيء داخلها مجرد حطام مركب صغير داخل محيط لا يوجد له أي قطع غيار حتى يخرج بها إلى بر الأمان، فحطامها تتبعثر في أرجاء المحيط بلا جدوى، هل في يوم سوف تقدر أن تنجو حتى بأقل جزء منها، أم ستظل هكذا ضعيفة لا تحاول العوم بمفردها وستستسلم للغرق.
دخلت “كاميليا” إلى فيلاتها، ثم صعد “وجود” إلى غرفته، وجد “مستقبل” يذهب في الغرفة ذهابًا وإيابًا كساعة البندول والضيق يعتلي وجهه بوضوح، فقال “وجود” بحدة:
– كويس إنك موجود في أوضتي؛ لأن كنت هروحلك، بص علشان ينتهى الحوار دا يا تجيب حق كاميليا يا أنا بنفسي أروح أبهدلهم.
وضع يده على وجهه يمسحه بقوة، ثم أبلغه وهو يضع يده على خصره واليد الثانية يلوح بها أمام عينه:
– شكلك نسيت إن كارما خطيبتي وتهمني أكتر ما تهمك خطيبتك؛ كارما هي النفس ليا، مش دبلة في صباعي اليمين وخلاص، لو مش باقي عليك كنت اتخانقت وزعقت زي ما عملت أنت بالظبط في الشارع، لكن أنا هشتريك أنت عن أي شخص للنهاية، خطيبتك كذابة وعشان تتأكد اسمع مني اللي حصل…
يقاطعه بحدة ويقول بصوت عنيف:
– مش عايز اسمع؛ لأن أنا شوفت بعيني وسمعت بودني، مش ودَني زيك ورحت رميت ودني لشوية حريم.
قاطع “مستقبل” عن الحديث صوت رنين هاتفه بنغمة “كارما” التي خصصها لها، فرد على الفور ووصله صوت “كارما” المستنجدة به قبل أن يتفوه:
– الحقني يا مستقبل زينة أغمى عليها تاني، وبتنزف من مناخيرها.
– دقيقة وهكون عندك.
رد عليها “مستقبل” بقلق، وبعد أن أغلق هاتفه نظر لأخيه قائلًا:
– تمام يا أخويا صدقها وصدق نفسك وبلاش تعرف إيه سبب رد الفعل اللي وصل كارما لكده. أنا خلصت كلامي، هروح أشوف البت الغلبانة اللي روحها بتطلع بالبطيء.
قبل أن يضع قدمه على أعتاب الغرفة، أمسك وجود ذراعه بقلق وحيرة:
– هي زينة مالها؟
حرر يده من قبضة يده، ورفع يده للسماء يقول:
– ادعي ربك ياخدها؛ لأنها بنت حساسة وعندها مشاعر واللي زيها حرام يعيش في دنيتنا.
أنهى كلامه وانصرف مهرولًا، جلس “وجود” على مقعده يرجع رأسه للخلف، ويضع يده عليها بإعياء، قلبه ينتفض من مكانه، لا يعلم سبب هذا الشعور، فهل هو يتعاطف معها برغم ما فعلته في خطيبته؟ انتفض وكل ما يدور داخل رأسه من جمل وعبارات تزيد في انفجار رأسه.
قبل أن يصل فيلاتها، وجدها يحملها أبيها وعلى وجهه الخوف على ابنته الوحيدة، وكانت “فريدة” عندما رأتها في هذه الحالة فقدت الكلام والمشي ووقعت على الأرض تصرخ، عندما اقترب “مستقبل” أخبره شادي بنبره بها خوف وقلق:
– ادخل هَدي فريدة، وبعد كده هاتها ورايا المستشفى.
أومأ له برأسه، وكان قليل الحيلة غير قادر على التفكير أو التركيز، فمنظر “زينة” وهي تقطر الدماء من أنفها، يجعل أي أحد يصاب بالإغماء، لم يتحرك إلا بعدما وضع “شادي” يده على كتفه، وأدخل ابنته داخل العربة، قائلًا:
– مستقبل اتحرك.
ركض حتى لا يصيبه بالشلل المؤقت مرة ثانية، حين وجد الجميع في انهيار حاد؛ جاهد في مسك يد “فريدة” التي تضرب بها نفسها بدون وعي، أخذها داخل حضنه ممسدًا على شعرها بهدوء وظل يقرأ لها بعض الآيات القرآنيه التي يحفظها، حتى سكنت وتركت جسمها المتشنج يأخذ راحته في الاسترخاء، فأمسك يدها وأجلسها على المقعد وقال:
– زينة صدقيني كويسة، وهي متعودة على الإغماء بسبب ضعف مناعتها وقلة الحديد عندها، فاهدي وادعي ليها ربنا يقومها بالسلامة زي كل مرة.
– بنتي غير كل مرة، دا مش إغماء أنيميا ولا ضعف مناعة، بنتي حاصلها انهيار عصبي خلى جواها إعصار دمرها، أنا اعرف بنتي كويس.
كانت “كارما” واقفة تبكي بقهر وحزن على حال خالتها وبنت خالتها، قام “مستقبل” من على ركبته مقتربًا منها ممسكًا يدها يكلمها بعيدًا عنهن:
– ممكن العيون اللي دبلت دي تبطل عياط، وتعالي هدِّي آنه اللي بتصبركم وهي عايزة اللي يصبرها.
نظرت بعينين دامعتين وهمست بحروف مرتبكة:
أنا خايفة أووي على زينة، دي كانت منهارة وبتقولي حاسة بمرارة في حلقي، الدم بيغلي جوه جسمي، لحد ما دم نزل منها وأغمى عليها.
ذعر أصابه فجأة وجحظت عيناه حين سمع ما تفوهت به، وضع يده على فمها:
– هشششششش، بلاش تقولي الكلام دا لطنط فريدة.
رواية غرورها جن جنوني الفصل التاسع 9 - بقلم ابتسام محمود
أخذهن ثلاثتهن وذهب بهن إلى المشفى، كل منهن داخلها فزع وهلع من المستقبل.
وعندما وصلوا إلى المشفى، تنزل “كارما” تمسك يد جدتها، و”مستقبل” يركض خلف “فريدة” التي تركض والذعر يستحوذ على ملامحها.
سألت عن ابنتها ممرضة تسير بجوارها فأمسكت يدها وعينها تنزف دمًا بدل من الدموع، فقالت إنها في غرفة العمليات؛ لأن حدث لها انفجار في المرارة وسبب لها كل هذا.
انتظروا جميعهم بجوار الغرفة داعين الله أن ينجدها.
الخبر لم يخفَ على “نايا” فأخبرها “وجود” القلق الذي يشعر بالذنب فيما حدث لها.
لم تنتظر ثانية واتصلت على “فريدة” لكنها لا تجيب عليها، فقامت بالاتصال بـ”دانية”.
وجدتها لا تعرف شيئًا فنزلتا معًا إلى المشفى.
بعد ساعة خرجت “زينة” مغمضة عينيها، لكن دموعها ما زالت تتساقط.
حينما رآها “مستقبل” زم شفتيه وظل يسب أخاه الذي يسيطر على عقله الغباء.
أمسكت “فريدة” يد ابنتها تقبلها فصاحت عليها بدموع.
فوضع “شادي” يده على كتفها يطمئنها أنها ستصبح بخير.
وقفت “نايا” بجوار “فريدة” تهدئها، و”دانية” جلست تحت قدم أمها تطمئنها هي وابنتها.
انسحب “مستقبل” صامتًا فشكلها يمزق قلبه ولا يقدر على التحمل.
فتحت “زينة” عينها ببطء، تحاول النظر على من أمامها، لكنها لم تستطع رؤيتهم رؤية واضحة، فرمشت عدة مرات، في آخر مرة تحاول فتحها رويدًا رويدًا:
– بابي، أنت هنا.
رفع رأسه تجاهها وانطلق مسرعًا إليها ووضع يده حول جسدها بالكامل، عينه تتلألأ بالدموع.
و”فريدة” تحدثها:
– حبيبتى طمنيني عليكي أنتي حاسة بإيه؟
سمعت صوت أمها فابتعدت عن حضن والدها، لكنها ظلت تمسك يده وارتمت داخل حضن أمها:
– عيني مزغللة أووي وحاسة بصداع، دماغي هتنفجر.
حينما سمعوا ما تفوهت به قاموا جميعهم فزعين، ناظرين نحوها جاحظين الأعين بقلق ورعب، إلا أمها التي تسكن حضنها ابنتها.
تسارعت دقات قلبها ناقلة نظرها لزوجها بلهفة حتى يبث الطمأنينة إليها، فتلاقت أعينهما وأدرك ما يدور في عقلها من تساؤلات.
فهز رأسه وهو يميل بجسده عليها، ناظرًا لخضرة عينيها اللتين تدمعان.
وبعد ما كشف عليها ربت على ظهرها بحنان قائلًا:
– حبيبة بابي، أنتي كويسة هي بس فيها زغللة من الدموع وتأثير البنج، أما الصداع بسبب أنك رفعتي راسك بعد العملية، ما ينفعش ترفعي راسك ولا تنامي على حاجة عالية.
ثم سحبها من حضن أمها، حتى يمدد جسدها على فراش متساويًا بدون وسادة، بأريحية.
ثم نهض يجلس بجوار “فريدة” يسحب جسدها داخل حضنه وهو يمسد على شعرها.
***
يجلس “وجود” بتوتر واضطراب، يهز قدمه بقلق.
فنهض حينما رآه “مستقبل” يدخل الفيلا، فقال بصوت مرتبك:
– هي عاملة إيه؟
طال رده عليه وهو يتفحصه بوجوم، فكان ينتظر إجابته بلهفه وقلق.
انتظره لثوانٍ شعر أنهم ساعات كثيرة، فقال:
– في إيه يا مستقبل ما ترد؟
– سبحان الله، تكون الجاني وعايز تتطمن على ضحيتك، مش غريبة برضو؟!
كلام أخيه زاد من تأنيب ضميره، فرد بصوت مزمجر:
– جاني! تصدق إني غلطان علشان بسأل عليها.
قال جملته ورحل والضيق يظهر عليه.
وقف “مستقبل” يشفق على حال “زينة” من الحجر الذي يسكن داخل قلب أخيه جاف المشاعر.
***
صعد غرفته وأمسك هاتفه الذي يضيء ويهتز يعلن عن صدور مكالمة من خطيبته.
ضغط على زر الرفض وأغلق الهاتف، ثم قذفه على الأرض بعصبية وجلس يمسك رأسه.
لم يتحمل أن يظل بمفرده، شعر أن عقله سيصاب بالجنون.
بدَّل ملابسه ونزل يركب سيارته، لا يحدد خط سيره، أخذ يدور في الشوارع واضعًا يدًا على المقود، ويدًا يرفع بها شعره ويمسك رأسه بقوة.
فجأه سمع صوت إسعاف وصوت ضجيج وحالة هرج ومرج.
التفت بنظره على الصوت وجد نفسه أمام المشفى، الذي يكون “شادي” شريكًا فيها.
سأل نفسه، هل تكون هنا؟
لم يتردد وهو يركن سيارته وصعد ليطمئن بنفسه؛ فهي بمنزلة بنت خالته التي ولدت وترعرعت بين يديه.
فشجع نفسه حتى وصل غرفتها، أخذ نفسًا طويلًا ثم طرق على الباب ودخل.
اقتربت إليه “نايا” تستقبله بابتسامة حزينة، ثم صافح الجميع على استحياء.
وأخيرًا استقرت عينه على النائمة على الفراش.
حين لمحته يدلف الغرفة أغمضت عينها بقوة، ودموعها تتساقط واحدة تلو الأخرى في صمت، ينكمش جسدها برعب وخوف منه وقد أصبح يقف أمامها.
انتبه “شادي” للموقف فنهض متشبثًا بيد ابنته، ثم قال بصوت واهن:
– بعد إذنك هي تعبانة والزيارة ممنوعة، اتفضل.
لم يقل هذا الحديث من فراغ، فشعر بانقباض قلبها، وارتجاف جسدها عندما استقر بالغرفة.
– أنا كنت عايز أطمن عليها، على العموم ألف سلامة.
قالها بعد أن تحمحم وانصرف مسرعًا من أمام أعين الجميع التي تلقي عليه كل الاتهامات.
نزل متوجهًا لسيارته بغضب، فتح بابها بقوة يكاد أن يحطمه بيده، ثم وضع المفتاح بداخلها وانطلق بسرعة السهم.
فذهنه يفكر ماذا فعل حتى تفزع منه بهذا الشكل، فتذكر ما حدث في الصباح.
أيعقل أن تكون فعلًا صفعت “كاميليا” بالقلم على وجنتها مثلما قصت عليه خطيبته؟
فكيف للطفلة البريئة هذه أن تهاجم فتاة صاحبة هذا الطول الفارع؟!
لا بد أن هناك حلقة مفقودة فيما حدث، ويجب عليه أن يعرفها.
ذهب لتوأمه حتى يفهم منه كل شيء، عندما وصل دخل مهرولًا قائلًا:
– ممكن أفهم اللي حصل بالظبط.
مال برأسه يتأمله؛ الآن يود فهم الحقيقة!
بعدما كان يلح عليه هو أن يقص عليه الحقيقة، لكن الآن انتهى كل شيء.
فحدَّثه بسخرية:
– حصل! اللي حصل حصل بطحينة.
أمسكه من ثيابه بضيق قائلًا من بين أسنانه:
– مش وقت خفة دم أهلك، انجز.
– ما أنا قولتلك كلامي خلص قبل كده، ففكك مني.
قالها وهو يخلص نفسه من بين يديه.
زفر “وجود” أنفاسه بقوة وهو يمسح وجهه، قائلًا بحدة قبل أن يتركه:
– تمام.
فجلس “مستقبل” مكانه مرة ثانية يضحك بسخرية.
***
غاب القمر بعد مرور الوقت كالسلحفاة بالنسبة للجميع، وأشرقت شمس يوم جديد.
ينزل “وجود” درج السلم، ولم يحدِّث أخاه الذي كان وما زال يجلس أمام التلفاز.
فنزلت خلفه “توتا” وعلى وجهها الضيق وهي تلقي عليهما الصباح بغيظ.
اقترب منها “وجود” مقبلًا وجنتها:
– صباحك سكر.
فيرد “مستقبل” بمشاكسة، على شكلها:
– صباح الصباح يا جميل، مال خلقتك أنتي كمان؟
– هيكون مالي، مش عارفة بابا ليه بليني بالكائن حازم دا، وكمان على الصبح.
ضحك “مستقبل” بقوة وهو يقول:
– من أعمالكم سلط عليكم.
انكمش وجهها بضيق، فأمسكت وسادة صغيرة كانت على الأريكة وألقتها عليه.
فأمسك يدها “وجود”، بهدوء أخذها إلى الحديقة.
فقام خلفهما “مستقبل” يستند بجسده على الحائط ويضع يده داخل جيبه، يتنصت على كلام أخيه:
– ممكن أعرف مش بتطيقي حازم ليه؟ مع إن هو أكبر مني، بس بحبه جدًّا، راجل ذوق ومحترم.
– ذوق ومحترم! ومع بعض؟ دا اللي هو إزاي؟!
– اسمعي مني، أنا أعرفه كويس أووي.
– صح اسمعى واشتري من العاقل، اللي بيلبس الدنيا في بعض.
قالها “مستقبل” بتدخل وهو يتوجه إليهما، ثم وقف بجوارهما.
تركهما “وجود” بعد ما رمقه بحدة حتى لا يفقد صوابه، فتقول “توتا” بتوهان:
– طيب اعمل إيه يا مستقبل؟
– عليكي وعلى فن الرد.
مطت فمها باستغراب، وبعينها استفهام.
فيرد عليها:
– لازم تتعلمي فن الرد، يعني مهما يكون اللي قدامك بيعصبك بكلامه مش تندفعي زي الجردل وتردي.
لو عايزة تردي اسمعي كلامه كويس، ومن كلامه هتعرفي تردي عليه؛ مش أوقات كتير لما تقعدي مع نفسك بعد مشكلة، بتراجعي الحوار اللي دار بينكم في دماغك، وتقولي المفروض كنت قلت كده.
هزت رأسها بالتأكيد، فأكمل بتوضيح:
– دا معناه إنك اديتي لعقلك الفرصة يفكر في كل كلمة وأعصابك بقت أهدى، فبالتالي بتعرفي تجمعي الرد المناسب لكلامه.
– اوعي تمشي ورا كلامه، هو يبان إنه دمه خفيف ولذيذ؛ بس عقله بيودي في داهية.
نطق بها “وجود” الذي يقف بجوار سيارته.
فأجابه وهو يرمقه بحدة:
– داهية لما تشيلك.
ثم نظر لأخته يغمز لها بطرف عينه ويكمل حديثه:
– أهو من كلامه جبت الرد، اتعلمي بقى.
استشاط غيظًا، وكاد أن يرد لكن أوقفته من أتت من خلفه تلف يدها حول خصره:
– هاي بيبي، اتأخرت عليك؟ أصل كنت واقفة أشم هوا بره.
نظر “مستقبل” لـ”توتا” ففهمته، لتقول عن قصد:
– وقفت الماية في زورك.
جحظت عيناها، ثم صك” وجود” أسنانه.
فتقول “توتا” متصنعة الكسوف:
– لا أنتي فاكراني بشتمك، دا مستقبل بيعلمني فن الرد، ها يا مستقبل شغال.
– كده نجحتي واطمنت عليكي، انطلقي.
ثم تحركت تصعد السيارة متجاهلة عين أخيها التي تصب عليها نيران مشتعلة.
رمقتها “كاميليا” بغيظ، ثم نظرت لـ”وجود” الذي قال بابتسامة باهتة، وضيق ظاهر:
– بتهزر، اتفضلي اركبي.
ركبت وهي تتمنى أن تخنق “توتا” حتى تفصل رأسها عن جسدها.
***
وصلت لمقر التدريب ودخلت على تمرينها بدون حديث مع “حازم”.
فاليوم تمرين فروسية.
فقال بعد أن ركبت الفرسة البيضاء وهو يضع يده على ظهرها:
– افردي ضهرك وارفعي راسك.
– يا سافل يا قليل الأدب يا مش محترم.
قالتها “توتا” بدون تفكير بعد أن شعرت بيده تمشي على ظهرها وأصابتها القشعريرة.
فوقف يكبح غضبه وهو يضيق عينه بتساؤل واستغراب:
– كل دا أنا؟! والله أنتي هبلة فعلًا، عملتلك حاجة يا مجنونة.
– أنا مجنونة؟ تحط إيدك اللي تنشل على ضهري ليه؟
قالتها وهي تنزل من على ظهر الحصان، وكادت تصفعه على وجنته فأمسك يدها.
فرفعت الثانية أمسكها قبل أن تصل لوجهه، فوضعهما خلف ظهرها وأمسكهما بيد واحدة، ناظرًا لعينيها بتحدٍ:
– كلامك كنت هعديه بس إنك تفكري مجرد تفكير تمدي إيدك عليا، هقطعها المرة الجاية، ودلوقتي لازم تعتذري.
كانت تحاول الإفلات من بين قبضة يده القوية كالنمر، فترد عليه بتعالٍ:
– مستحيل اعتذر وليك بالتحديد، سيبني يا مش محترم.
– اللي أعرفه واتربيت عليه، هتغلط هتحط نفسك في مواضع تحرج، إنما هتمشي عدل هيحتار عدوك فيك.
فأنتي ببساطة كده هتقولي يا حازم أنا آسفة وما كنتش أقصد وإلا أقسم بالله أندمك على نفسك.
– لا أقصد وأقصد أوي، وكفاية تعرض عليا أقول إيه؛ لأني لغيت من تليفوني القاموس علشان بتخنق من اللي بيقترح عليا كلمة مش عايزاها، ما بالك بقى من اللي بيقترح عليا جمل، وأنت لو راجل ما كنتش عملت كده.
– احترمي نفسك أنا راجل غصب عنك.
– طيب سيب ووريني رجولتك!
– ما تحاوليش مش هسيبك غير لما…
قاطعته وهي تقفز تضربه بالرأس على رأسه، تفاداها سريعًا وهو يركلها في قدمها أوقعها على الأرض، قائلًا وهو يحاوط جسدها ورافعًا حاجبه الأيسر:
– كده هتعتذري صح.
رفعت قدمها من خلفه وضربته تحت الحزام، نهض وهو يغمض عينه من الألم.
فقامت بسرعة فهد تركض، لكنه سبقها وأمسكها من زراعها مثل الصقر.
حاولت أن تكرر فعلتها وتضربه بالرأس، لكنها فشلت مرة ثانية وأمسك شعرها، سحبت يدها من قبضته محاولة لكمه في بطنه، أمسكها ولم تنجح في إصابته.
الغضب اعترى وجهها وصاحت بصوت عالٍ من الألم الذي ينتج عن مسك شعرها:
– سيبناااااي.
وقف بجانبهما رجل يصفق، على هذا العرض.
اكتسى وجه “حازم” الإحراج، وعينيها تلألأت بدموع.
فتركها وأردف:
– حضرتك فاهم غلط.
– أمال إيه الصح.
هكذا قالها “مهيمن” وهو يأخذ ابنته داخل حضنه يمسد عليها، فأجابه “حازم” ببرود وهو يهز رأسه ببرأة ذئب:
– يا كوتش دا تمرين سرعة بديهة، توتا اللي بتتدلع.
أشارت له بطرف إصبعها السبابة، وهي ناظرة على أبيها بدموع تنفي ما قاله، ثم تخفض رأسها وتخرج لسانها “لحازم” بنصر.
لكنَّ أباها انتبه لفعلتها فأبعدها بلطف قائلًا بمكر:
– لو كده تمام، عايزك النهاردا ضروري، تبقى تجيب توتا ونتكلم.
– تمام يا كوتش، وأنا كمان عايز حضرتك ضروري.
– تمام، سلام.
– با.. ب…
كانت تحاول تستنجد بأبيها، لكنه تركها ولم يعطِها أي اهتمام.
فضحك “حازم” وأردف بتروٍ مستلذًا من ملامح خوفها:
– مفيش بابا، فيه أنا وأنتي.. فالزمي حدودك بعد كده واللي حصل ما تقلقيش هتتعاقبي عليه النهاردا وقدام أبوكي.
وانهى كلامه وهو يعقد زراعيه وأومأ برأسه بتأكد جدية قوله.
هزت كتفيها وهي تتبختر أمامه بدلال:
– ولا يهمني، هو بابا كان هيسيبك تلمس مني شعرة وقدامه.
– لا طبعًا ودى تيجي، اتفضلي على التمرين وما تستعجليش.
قالها بابتسامة كبيرة تزين وجهه، فابتسامته أقلقتها أكثر من غضبه الذي كان عليه منذ قليل.
بعدما مضى وقتًا في مكتب “وجود” ينهض بعصبية بعدما رحل من كان يجلس معه.
فتقترب منه “كاميليا” وهي تنظر لعمق عينه بضيق:
– بيبي، ما تبقاش عنيد، الفرصة مش هتتكرر.. دا ضاعف المبلغ، ومش عارفة ليه أنت متمسك بالبرنامج دا، ما دماغك تقدر تعمل زيه وأفضل كمان.
وقف أمامها يضم حاجبيه بذهول، ثم هاج بها صارخًا:
– أنتي عايزاني أبيع دماغي يا كاميليا، للدرجة دي مش مقدرة تعبي اللي مش تساوية فلوس العالم، مسألتيش نفسك هو ليه عايز يدفع كل المبلغ دا؟
– يا بيبي ما اقصدش، وما يهمنيش هو عايزه ليه؟
– أحب افهمك، اللي بيدفع جنيه في حاجة هيكسب منها عشرة، وغير إنه ممكن يستخدم البرنامج في حاجة ضد شرعنا ومبادئنا في الإسلام، ها يهمك ولا لسه؟
– ما دام دفع، ولا يهمني.
استفزه ردها فاحتدت نظراته لها ونهرها بقوة:
– أنا بقى يهمني؛ لأن أنا اللي هصممه وهشيل الذنب، وأنا بحذرك إياكي مرة تانية تتكلمي في الموضوع دا، حتى قدام أهلي زي ما عملتي امبارح.
أصابها الرعب من منظره الهائج، أخفضت رأسها لتجيب بنبرة متلعثمة:
– كنت عايزة مصلحتك سوري، وامبارح كنت بتكلم مع أنط عادي.
– كلمة عن شغلي ما تطلعش بره المكتب، مفهوم.
– حاضر.
بعد ما أنهى كلامه رحل من المكتب صافعًا الباب خلفه بقوة أفزعتها.
جعلها تعيد النظر من جديد، في كل شيء من وجهة نظرها.
ذهبت “كارما” إلى فيلاتها، حتى تحضر بعض الأشياء التي تخص “زينة”، وتساعدها في تسليتها.
أوقفتها أمها قائلة بمكر:
– هتقابلي مستقبل النهاردا؟
– أكيد يا ماما.
أجابتها وهي تحضر بعض الأشياء.
فتوجهت “دانية” إلى حجرتها وأتت لها بقلم أحمر شفاه، ثم أمسكت وجهها وضعته لها على شفتاها.
تركت “كارما” كل شيء من يدها تتطلع على الصورة المنعكسة بالمرآة بفرحة.
ثم تذكرت ابنة خالتها:
– أنا فعلًا كان نفسي أحط روچ، لكن هو دا وقته يا ماما؟
– هو حد قالك إني هطلعه زيرو؟!
– لا يا روحي أفهمك أنا، دا علشان لو “مستقبل” لمس شفايفك الحلوة دي تاني مرة اعرف، وأنا ما قولتش لأبوكي المرة اللي فاتت، أما لو حصل تاني هقوله يدبحك.
اختفى انعكاس وجه “كارما” من المرآة وهي تلف وتضع يدها على رقبتها بخوف حقيقي، وتبتلع ريقها بصعوبة:
– حرام عليكي يا ماما افرضي اتمسح وأنا باكل.
– مش مسئوليتي، وإياكي ما ترجعيش بيه يا كاري.
– ماما هو أنا كنت بتمنى تحطي ليا روچ قبل كده؟
– أيون.
– اعتبريني ندمانة.
أبلغتها حديثها، ومشيت تمد شفتيها للأمام مثل (بوز البطة) خوفًا أن يمسح، وتخرج تحمل بعض الأغراض بيدها تنتظر “مستقبل”.
الذي قال لها ربع ساعة ويكون عندها.
تقف أمامها سيارة يقول سائقها:
– تحبي أوصلك في حتة؟
تأففت بضيق، موجهة نظرها لمكان بعيدًا عنه قائلة من بين أسنانها:
– شكرًا.
– هو إيه اللي شكرًا، هو أنا باخد رأيك، اتفضلي اركبي.
رواية غرورها جن جنوني الفصل العاشر 10 - بقلم ابتسام محمود
التفت نحوه بسرعة صاروخ ينطلق قائلة وهي تهب فيه:
– ما تعصبنيش وتطلع عفريتي عليك، أنا بحاول أمسك لساني فحاول اختفي من وشي أحسنلك وأحسنلي.
– كارما إيه الأسلوب اللي بتتكلمي بيه معايا دا؟
– هو أنت لسه شوفت أسلوب، بقى تهزقني وتفرج عليا الناس امبارح، علشان ست كهن محن بتاعتك، ولسه ليك نفس تقول أوصلك، وتتكلم عن أسلوبي.
رفع “وجود” يده يضرب عجلة القيادة بعنف قائلًا بحدة:
– كارما.
تغمض عينها، وهي تحاول السيطرة على نفسها، حتى لا ترد عليه بأسلوب تندم عليه:
– وجود اخفى من وشي، أنا لحد دلوقتي بحاول أبلع لساني، اللي أنت مش محتاج معرفة عنه.
– طيب لو سمحتي ممكن تاكلي لسانك قبل ما تبلعي وتركبي.
صكت أسنانها بغيظ، وقالت وهي تزفر أنفاسها بقوة:
– اتكل على الله يا وجود، ولو شايل هم هروح إزاي، مستقبل جاي ياخدني.
– بصراحة عايز اتكلم معاكي، ها ممكن تتكلمي مع أخوكي شوية، ولا أنتي مش هتسامحي أخوكي على سوء تفاهم؟!
نظرت له وهي تفكر، أخذ هاتفه من على “تابلو” السيارة واتصل بأخيه:
– كارما واقفة في الشارع، لو وراك حاجة أنا هوصلها ما تشغلش بالك.
أخذ “مستقبل” أنفاسه بأريحية ويقول:
– أشطا؛ لأن عندي اجتماع على اللاب ومش عارف أخلع خالص.
– خلاص، تمام.
قفل الهاتف ونظر لها بترجٍ أن تركب، صعدت معه وقبل أن تتحدث، اتصل عليها “مستقبل” قائلًا بحب:
– قلبي معلش والله كنت بحاول أكروت الاجتماع، لكن الراجل رغاي ومش مبطل.
– خلاص يا حبيبي ركز في شغلك، معايا وجود.
– خلي بالك من نفسك.
– حاضر.
قالت آخر كلمة وعلى ثغرها ابتسامة تحمل السعادة والكثير من الحب، شعر كل هذا “وجود” الذي لم يذُق هذا الشعور:
– ممكن أعرف اللي حصل امبارح بالظبط؟
ردت وهي تضحك بسخرية واستهزاء بآن واحد:
– ليه القطة ما قالتش ليك؟
– كارما لو سمحتي أنا على آخري، بلاش الأسلوب دا معايا، أنا بمسك أعصابي علشان عارف لسانك، فياريت أنتي كمان تقدريني وتجاوبي؛ لأنك أنتي كمان عارفة أنا عصبي ومليش خلق للمهاتية.
سردت له ما حدث وما فعلته خطيبته “لزينة” وجعلها تتصرف بهذه الطريقة معاها، جحظت عينه ثم ازدرد ريقه، قائلًا بأسف:
– أنا بعتذر ليكي على اللي عملته امبارح، أصل اللي شوفته واللي هي قالته غير كده، ممكن تتقبلي اعتذاري.
رفعت يدها تضربه على كتفه قائلة بنبرة خشنة:
– عيب عليك يا جدع، أقل من شوكولاتة جلاكسي، توبليرون، مش هتصالح.. أنت أخويا برضو.
انفرج ثغره بابتسامة وهو يهز رأسه بالموافقة، وعندما وجد محلًّا ترجل يشتري لها، لكن فاجأها بكيس كبير مليء بكل شيء هي تحبه، أمسكت الكيس بفرحة:
– حبيبي يا وجود، ميرسي ليك كتير.. أنت كده معاك تصريح تزعلني براحتك لمدة سنة.
ثم أكملت بصوت قوي:
– بس اوعى تظيط.
– ما تقلقيش مش هزعلك، بس محتاج منك تعتذري بالنيابة عني لزينة.
– ما تعتذر بنفسك هو أنت اتشليت.
قالتها بحدة بدون قصد وهي تفتح شوكولا. رمقها بحدة مستغربها، فردت باعتذار:
– سوري زلة لسان، أنت لسانك فيك لو مقطوع كنت هقوم بدالك بالطلعة دي.
رمقها أكثر بحدة، فأردفت مسرعة:
– إيه ضاااه، ولا دي كمان إجابة بنت ناس، طيب خد دي.. حضرتك اللي غلطت فيها وأنت اللي لازم تعتذر، على ما أظن حلوة دي.. إياك تزغرلي تاني.
ضربها على رأسها وهو يقود السيارة:
– ما أنا مش عارف ليه حصلها كل دا، ما أنتي أهو زي الفل مع إن الكلام كان موجه ليكي أنتي كمان!
– للأسف تفرق من شخص لشخص، غير أن الظلم من حد أنت بتعتبره هو كل حاجة في حياتك، بيبقى أصعب.
– آها ما أنا عارف إنها بتعتبرني مثلها الأعلى.
رد بدون فهم قصدها، لوت شفتها يمينًا ويسارًا بسخرية وهي تبلغه:
– أيوة طبعًا يا أخويا أمال إيه، إنما أنا جبلة ما يهدليش بال واتنقط لو ما رديتش وأخدت حقي.
★★★★★
بعد انتهاء التمرين، تقف “توتا” في الشارع تنتظر تاكسي، فيقف بجانبها “حازم” وهو داخل سيارته:
– على ما أظن عيب وقفتك كده في الشارع وأنا كده كده رايح بيتكم، وغير دا كله الكوتش بنفسه وصاني إني أوصلك، فلو سمحتي بطلي عند واركبي.
تقف ناظرة بعيدًا عنه وتعتبره لم يتحدث من الأساس، فنطق بخبث:
– شكلك خايفة تضعفي وتقعي في حبي وأنتي جنبي، ويظهر حبي في مراية عيونك.
أراد استفزازها حتى ترد عليه، لكنها التفتت عليه بضيق تقول بضحكة ساخرة:
– أقع في حبك أنت؟!
– يبقى خايفة اتحرش بيكي.
– أنت أصلًا ولا تقدر تلمسني، دا أنا افحت تربتك وادفنك فيها قبل ما تفكر.
– أمال خايفة ليه يا سوبر توتا؟
– مش خايفة.
قالتها وهي تنظر بعيدًا عنه، فقال بذكاء:
– طب ما توريني، واركبي السبع اللي جواكي.
فتحت باب سيارته الأمامي بثقة وغرور ملقية حقيبة أدواتها، وركبت في المقعد الخلفي، أخرجت هاتفها تلعب فيه متصنعة الانشغال، كم كان يتمنى أن تركب بجواره حتى يشعر بكل نفس تستنشقه من الهواء! لكنه سعد أكثر بصعودها للخلف؛ حتى يسرق النظر إليها من المرآه الأمامية، كانت شبح ابتسامته لا تفارقه، أخرج هاتفه يلتقط لها بعض الصور وهي منشغلة لكنها كانت تنظر عليه بطرف عينها، فتقول بشهقة وانفعال:
– أنت بتصورني؟
أوقف السيارة بلامبالاة يرمقها داخل عينها:
– كنت بس عايز أخوف بنت الجيران اللى بتعمل دوشة فوقي.
لم ترد عليه، تحدقه بسخط وتفكر في أي شيء علمه أخوها لها، لكن لا تجد جملة واحدة تأتي في عقلها، فرد عليها وهو يحدجها بنظره:
– اوعي تكوني بتشككي في كلامي.
– اللهم طولك يا روح، امشي وأنت ساكت.
– طيب روحي على أقرب مراية وهتتأكدي بنفسك.
جعلها تشك بذاتها، وسألت نفسها بصوت مسموع وهي تضع يدها على وجهها تتحسسه:
– هو في حاجة في وشي.
رفع حاجبه الأيسر وهو يهز كتفه ويلوي فمه استهزاء، تمسك المقعد الذي يجلس عليه والمقعد الذي بجانبه، تنهض تنظر في المرآة الأمامية وتقول بعدما أصبح وجهها أمام وجهه وأنفاسها تتخابط بوجهه:
– ما أنا قمر أهو، ومن غير ميك أب كمان.
– أمال بتلوميني ليه يا توتا.
قالها بحب بعد أن استنشق كل هوائها بدون أن يبعد نظراته المتعلقة بيعنيها وكان يضع يده على خصلة تاركة شعرها الملفوف حول بعضه بتحكم، وقلبه ترعرع به نبتة من عطرها وأنفاسها، لكنه سرعان ما أصيب بنكسة بسبب احمرار وجنتيها خجلًا، منصدمة من قربه. رجعت بسرعة على مقعدها الخلفي تحمحم بإحراج، بعدما علت أنفاسها ولمعت عينها، هو استدار أمام مقود القيادة يحرك السيارة وهو يزم شفتيه ندمًا على ما قاله، ظلت تنظر داخل هاتفها في صمت، حتى وصلا فيلاتها ودخلا معًا، قالت وهي تسبقه في السير:
– ثواني هبلغ بابا إنك هنا.
أومأ برأسه ولم يقدر على التفوَّه؛ فمنظرها بالقرب منه حتى الآن يسرق أنفاسه ويلجلج الحروف في حنجرته وعقله، حتى قلبه ينبض بسرعة تذهب بأنفاسه، مشيت من أمامه متوجهة إلى غرفة أبيها تخبره عن وجوده، فنهض على الفور من مقعده ليستقبله، وعلى ثغره ابتسامة ترحيب، قام “حازم” من مجلسه حين تقابلت أعينهما، قائلًا بترحاب:
– أهلًا أهلًا، بالبطل اللي شكله مخاصم بيتي، إيه يا ابني هو أنت ما تجيش هنا أبدًا غير لما اطلبك.
تذكر آخر مرة وعدها ووعد نفسه أنه سيبتعد عن حياتها، ولن يقترب من طريقها، يوم عيد ميلاد أخويها العاشر، فرد باستحياء ونبرة تحمل الكثير من الألم، بعدما رفع “مهيمن” يده على كتفه يهزه بخفة:
– معاك يا كوتش، حضرتك عارف المشاغل.
جلس مشيرًا له بالجلوس:
– كنت عايز اتكلم معاك بخصوص البطولة.
– اتفضل يا كوتش.
قالها “حازم” باهتمام، فأخبره “مهيمن” بمطلبه:
– عندي شغل الفترة الجاية دي كتير، وللأسف مش هقدر انزل توتا باسم الأكاديمية عندي، ولا هقدر انزل معاها.
غمر قلبه السعادة والسرور وأردف بابتسامة تملأ وجهه:
– ولا تشيل هم يا كوتش، تنزل تبع فريقي.
– أصيل ومجدع زي أبوك الله يرحمه.
– الله يرحمه.
قالها بحزن، ثم أكمل بإحراج:
– كنت عايز اتكلم مع حضرتك في موضوع.
– اتفضل يا حازم.
– دا بعد إذنك طبعًا، عايز أطلب إيد توتا.
– نعم، ودا من إيه إن شاء الله.
قالتها “توتا” التي كانت تخرج من المطبخ تحمل العصير، بعد إلحاح والدتها عليها بتقديمه، فأكملت بنبرة حادة مرتفعة:
– حد قالك إني مستغنية عن إيدي، ولا إيدي دي سبيل.
فنهض وقف قبالتها يرفع حاجبه بتعجب من حالتها الهائجة مثل الثور، قائلًا بتحدٍ:
– تؤتؤ، مش إيدك بس.. هتجوزك وهتبقي حرم حازم محمد بسيوني الشمندري.
– إلهي تتجوزتك أم أربعة وأربعين، وترقد عليك تاكلك ونرتاح.
– تمام، أدينا هنتجوز وهنشوف مين هياكل مين.
جزت على أسنانها وهي تصدر أصوات غيظها العنيف، وذهبت من أمامهما، فالتفت “حازم” لوالدها:
– رأيك يا كوتش.
قام وضع يده على كتفه وأخذه إلى حديقة الفيلا:
– بعد اللي شوفته دا! تفتكر أوافق عليك إزاي؟
– كابتن، بعد إذنك وافق.. وصدقني مش هتندم.
– أنا واثق إنك بتحبها، بس هي مش هترضى.
– ولا عمرها هتوافق، فلازم نحطها تحت الأمر الواقع.
قالها “مستقبل” وهو يمد يده يصافح أباه و”حازم”، الذي يوجد داخل عينه حيرة واستغراب، فرد الأب باستفهام:
– وده إزاي يا ناصح؟
– نتلكك ليها.
– بالذمة أنت أخ.
قالها “وجود” بحدة وضيق، وهو يجذب كرسيًّا يجلس معهم، فرد أخوه:
– عايزها تتجوز وتستت في بيتها، أبقى غلطان!
رمقه بحدة يعلن عن قيام حرب، ثم أولى وجهه لأبيه:
– أممم، وأنت يا بوب عاجبك الكلام دا؟
– أنا واثق إن حازم بيحبها، ولو ما عملتش كده، مش هتتجوز نهائي.
– يعني أنت لو عندك متعة في قفز مرتفعات فتاخدها ترميها علشان احتمال يعجبها الموضوع بنسبة ضعيفة.
قالها “وجود” بضيق، فأردف “مستقبل” بمزاح حتى يخفف من حدة الحوار:
– الله عليك يا فنان، بس دا التشبيه.. إيه المعنى الحقيقي باللي تقصده!
وصل “وجود” لأعلى مراحل غضبه فتشنجت عضلات وجهه، مطلقًا أنفاسه بقوة قائلًا بتحذير:
– مستقبل ما اسمعش حسك خالص.
شعر “حازم” أن الحوار ما بينهم احتد، فتحجرت الحروف داخل صدره، فهو يعلم بأن صديقه الرزين، عندما يخرج من عباءة الاتزان يصبح التصدي له انتحارًا، كالذي يقف أمام موجة من موجات تسونامي، فأنقذ الموقف:
– خلاص يا جماعة أنا هتصرف.
– ما تزعلش مني يا حازم احنا أصحاب آه، بس إنك ترغم أختي على حاجة، في لحظة الصداقة اللي بنا مش هتمنعني أعاديك عشانها.
نهض مبتسمًا لصديقه وهو يخبره:
– يسعدني إن ليها أخ زيك، وما تقلقش عليها معايا.
– تمام بس لو ما عرفتش تقنعها في خلال ساعة انساها خالص.
أومأ برأسه بثقة وهو يرفع حاجبه الأيمن:
– تمام، إن شاء الله بنفسها اللي هتبلغك بموافقتها، لسه عندك شروط.
هز “وجود” رأسه بنفي، وهو يخبره:
– معاك ساعة من دلوقتي.
ابتسم لهم وانصرف وهو يمسك هاتفه يدون عليه رسالة، وبعد دقيقة استقبلتها “توتا” على هاتفها، تناولت المحمول تفتح النص، اجتاحتها نيران من الغضب وهي تقرأ الرسالة، تقوم تأفف من ذا الذي اقتحم حياتها بغوغائية بدون إذن، لكنها تصرخ بغل تريد سحق كل ما يقابلها، وبعد أن تمالكت أعصابها، خرجت إلى الحديقة متوجهة إلى مكان الذي كتبه لها بالحديقة:
– ممكن افهم إيه اللي بعته ليا.
تسطح على الأرجوحة بأريحية قائلًا بلامبالاة:
– أعتقد إنك فهمتي اللي كتبته كويس، بدليل إنك قدامي أهو.
– أنت عايز تعمل معايا ديل رخيص، قدام إنك توافق تاخدني معاك البطولة.
أومأ برأسه وهو يضع ساقًا على الأخرى، فتنهره بحدة وهي تلوح له بيدها:
– يعني لو ما وافقتش اتجوزك مش هتاخدني.
هز رأسه وهو ينظر إلى نجوم السماء التي تتلألأ أمامه، وضعت سبابتها داخل فمها تعضه حتى تفرغ فيه شحنة غضبها، ولا تتسرع في الرد وتضيع حلم حياتها في لحظة، وبعد أن تريثت في ترتيب ردها، تردف وهي تزفر أنفاسها المحبوسة:
– ديل، تاخدني معاك للبطولة وأنا اتجوزك.
– اوعي تفتكري هجوزك لجمال عيونك، مطلوب في شغلي الجديد إني أكون متجوز.
– آه طبعًا، عارفه عارفة.. أنت هتقولي، بس شغل إيه دا اللي بيشرط على الموظفين!
قفز سريعًا من على الأرجوحة، يقترب نحوها متفوهًا بصوته الأجش:
– أنتي هتبدي تحبيني وتغيري، وتسألي رايح فين وجاي من فين، والمواضيع الهبلة دي؟
– أحبك! لا بجد ضحكتني، كان سؤال عابر مش أكتر وخلاص مش عايزة أعرف، موافقة على الديل لمدة شهرين بس زي ما أنت كاتب في المسدج.
يفتح راحة يده يصافحها مرددًا:
– ديل، بس مش ممكن أنتي اللي ترجعي في كلامك وتبقي عايزة تكملي.
– نجوم السما أقربلك.
حك ذقنة مبتسمًا وهو يخبرها:
– لما نشوف، عليكي دلوقتي تروحي لوجود وباباكي وتبلغيهم إنك موافقة، تمام يا عروستي.
رفعت يدها حتى تلكمه، أبعد جسده ذاهبًا من أمامها وبداخله سعادة العالم من التي استحوذت على قلبه من صغرها؛ فهي ستكون أخيرًا على ذمته، وملكة على عرش قلبه قبل منزله، ثم يحدث نفسه بعزم وثقة:
– وأنا أتحداكي يا توتا، ونشوف مين نفسه أطول من التاني.
قبضت راحة يدها بغضب تصب غضبها على الحائط من ذاك الأهوج، ثم ذهبت بعد دقيقة نحو أبيها ترسم ابتسامة بتفنن، فبادلها الابتسامة “وجود” قائلًا بتحدٍ:
– شوفتوا أهي جاية بتضحك كسبت الرهان، أختي وأنا عارفها عمرها ما هتواف…
قاطعته بالابتسامة نفسها تخبره بمزاح:
– اسكت مش أنا وافقت.
اعتلت الدهشة ملامحه وهو يرفع يده يمسح طرف أنفه بإحراج، فيردف بعدم تصديق:
– لا، احلفي!
– والله.
زفر بضيق من تهورها، ثم تحدث بلوم وعتاب وهو يرفع جانب شفته العليا:
– إزاي، لا مش معقول! هو عملك غسيل مخ، انطقي ما تخافيش وأنا اروح امسحله ذاكرته كلها.
– ما قالتلك موافقة بكامل قواها العقلية، عايز إيه تاني.
هتف بها “مستقبل”، وهو يقف مبتسمًا ويلوح بيده لأخيه، الذي يكاد أن ينشق دماغه من رأيها غير المتوقع إطلاقًا.
نهض والدها يقف أمامها يمسك وجهها بحنان:
– قلبي، حتى لو اتجوزتي البيت دا هيفضل بيتك، وحضني أمانك، ودراعي سندك، اوعي في يوم تنامي زعلانة ولا دمعة تنزل على خدك منه، اتصلي بيا وأنا أجيلك لو فين، أملصلك ودانه، فاهمة.
– ودانه بس.
– إيه مش كفاية؟
لم تجِبه، فتدخل داخل أحضانه، تسيطر على دموعها التي تهدد بشق طريقها لتنزل أسفل حشائش جفونها السوداء، فهي ما زالت تتذكر ذكريات الطفولة، واغتصاب فهد لها مسببًا عقدة من الرجال جميعهم.
رفع “مهيمن” وجهها بأناملة يتعمق عينها الدامعتين، فتجيبه بهمس:
– اوعى تفتكر جوازي هيبعدني عنك، أنت الخير والبركة ومحدش هيسد مكانك أبدًا.
ضمها بين ضلوعه بحنان، فهتف “مستقبل” بمزاح:
– إيه جو الستينات دا، دي لازقة بغرا في أم البيت، فبلاش جو القهوة فارت، والموجة خبطت في الشباك.
– لا وأنت الصادق دا جو رخيص منك يا واطي، دا أنا أختك وهسيبك بدل ما تقعد تعيط وتقول احنا من غيرك ولا حاجة.
– في دي عندك حق، مين هيعملي التشيز كيك من بعدك ياختييي.
– امشى يا ولا من قدامي، بدل ما ارتكب جناية.
أمسكها “مهيمن” وهو يضحك، وظلوا وقتًا كبيرًا يتسامرون ويضحكون معًا، لكن أفسد عليهم هذا صوت صراخ “نايا” التي كانت تصرخ بأعلى طبقاتها:
– مهيمن.. وجود.. الحقوني.