الفصل 8 | من 20 فصل

رواية غريق على البر الفصل الثامن 8 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
19
كلمة
2,364
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

مع صباح يومٍ جديد استيقظت فرحه بحماس ونشاط. خرجت من مسكنها الخاص وطرقت بأصابعها الرقيقة على كوخ "أحمد" فلم يجيب. "أنا هنا يا فرحه." أتاها صوته من خلفها، فنظرت للوراء مبتسمة وقالت: صباح الخير. صباح النور. الموج عالي النهارده فقولت أستغل المد والجزر في حاجة. حاجة إيه؟ أمسك برسغها ثم مشى بها خطوات وتوقف أمام البحر قائلاً: بصي يا ستي. لما يبقى في مد وجزر زي النهارده كده السمك بيخرج مع الميه. فأنا عملت إيه بقااا؟

جمعت حجارة ورصيتها على شكل حرف V بحيث تكون الفتحة في اتجاهنا والسن المدبب في اتجاه البحر زي ما انتي شايفة كده. فمع المد والجزر الأحجار دي هتحتجز الأسماك. يعني صيد بدون مجهود. بدل ما نقعد في الشمس طول اليوم نصيد من بين الصخور. وإنت مقتنع بالكلام ده بذمتك؟ في إيه يا بنتي على الصبح؟ متشائمة ليه؟ ده إحنا لسه بنقول يا هادي. قلبي مش مطمن. حاسة إن حاجة هتحصل. لا سمّي بالله كده وفكري في الإيجابيات. إيجابيات؟

إيجابيات إيه اللي ممكن تكون في مكان زي ده؟ ده إحنا واقعين من طيارة وكل الركاب ماتوا ومفضلش غيرنا على جزيرة مهجورة لا فيها ميه ولا أكل. ده إحنا عايشين كده حلاوة روح بس. ثم أضافت ساخرة: قال ويقول لي إيجابيات! لم تروقه سلبية تفكيرها ولا تشاؤمها، فقال غاضباً: احمدي ربنا إنك عايشة على الأقل وما متيش مع اللي ماتوا. منا كده كده همووت. ياريتني كنت مت معاهم على الأقل كنت ارتحت بدل ما أنا عايشة مستنية الموت.

قطب حاجبيه بشدة من أسلوبها المغاير تماماً وقال: انتي إيه اللي حصل لك؟ انتي مكنتيش كده! صرخت بألم قائلة: زهقت.. أعصابي تعبت يا أخي. بقالنا شهر ونص هنا ومليش أمل نرجع. أهلي وحشوني. أختي وحشتني. أهلي زمانهم خدوا عزايا. أبويا زمانه هيموت من قهرته عليا. كل ده اكتشفتيه في يوم وليلة؟ ده انتي امبارح كنتي بتقوليلي مش عايزة أرجع وامبارح بردو كنتي بتغني معايا وفضلنا للصبح نضحك ونهزر. إيه اللي حصلك فجأة كده؟

كنت بواسي روحي. بضحك على نفسي. بس مش قادرة أضحك على نفسي أكتر من كده. أنا عايزة أرجع لأهلي. فقد سيطرته على أعصابه بالكامل وتكلم صارخاً بوجهها وقال: على فكرة يا فرحه لو تلاحظي. أنا مش خاطفك. أنا كمان واقع معاكي من الطيارة وأنا كمان عندي أخت عايزة أرجع لها. وأنا كمان زمان أهلي خدوا عزايا يعني نفس الزفت اللي انتي فيه أنا فيه كمان. وأنا أصعب منك كمان. أصعب مني في إيه؟

إقترب منها بغتةً بعصبية أفزعتها وتكلم من بين أسنانه قائلاً: لأنك دلوقتى مسئولة مني. وحمايتك فرض عليّ. يعني مسئولية مضاعفة. أحست بالندم لما آل إليه حاله، فأشاحت بوجهها عنه. فأمسك بذقنها يدير وجهها إليه بلطف ونظر بعينيها مباشرةً وقال: فرحه أنا.. رأى الدموع تلتمع بعينيها، فزفر مطولاً وقال: أنا لو في إيديا حاجة أعملها عشان نرجع صدقيني هعملها بس للأسف.. ما باليد حيلة.

إبتعد عنها قليلاً وولّاها ظهره وأخذ شهيقاً يحاول به لملمة شتات نفسه. لا يصدق ما كان على وشك التفوه به. إقتربت منه ووضعت يدها على ظهره تحثه على الالتفات. فسرت قشعريرة بجسده يختبرها لأول مرة. إستدار سريعاً ولكنه شعر بوخزات ألم عندما رأى لآلئ عينيها تتساقط وتقول: متزعلش مني أنا مقصدش أرمي الحمل عليك. أنا بس اتخنقت وملقيتش قدامي غيرك. إزداد نشيجها وازداد ألمه، فإحتضنها بغتةً علّ كلاً منهما يشفي بعناق الآخر.

أغمض عينيه مخافة الصد، فأغمضت عينيها مخافة الفقد. شدّد من إحتضانه إليها مهابة الحرمان، فشدّدت من ضمها إليه باحثة عن الأمان. نبضات قلبيهما تقابلت وأخبر كلاً منهما الآخر بما لا يقوى اللسان على النطق به.

كانت تريد أن يتوقف الزمن عند تلك اللحظة، فلا قدرة لها بأن تقطع هي تلك الإحساس التي لن تنساه أبد ما حيت. أما هو.. ضعيف جداً ومسلوب الإرادة بين ذراعيها. لم يسبق واحتضن أنثى من قبلها ولا يظن أنه إن كان حدث ستكون لحظة مفعمة بالطمأنينة كهذه. بدأت حواسها تنذرها لما هي فيه، فإبتعدت على استحياء ومسحت عَبراتها بيديها ورفعت بصرها إليه فوجدت عينيه تفيض بالأسف. أنا متأسف يا فرحه مكنتش أقصد! قالها ظناً

منه بأنه أثار غضبها وأكمل: متضايقيش مني.. أنا مش عايزك تكوني زعلانة... اتسعت عيناه بصدمة عندما عانقته هي مطوقة رقبته بذراعيها بتملك، فرفعها عن الأرض وأحاط خصرها بيديه ودار بها مرات متتالية وسط ضحكاتهم المرتفعة الهيستيرية حتى سقطا أرضاً. إنفجرا ضاحكين دون توقف حتى تساقطت دمعاتهم من فرط الضحك والسعادة، فأطلق "أحمد" لسانه وقال: فرحه أنا...

نظرت إلى الأمام بصدمة وذعر، فنظر إلى حيث ثبتت عيناها فوجد المد قد ارتفع بشدة والموت قادم لا محالة. *** يرن هاتفه فإلتقطه بحماسة خفتت عندما أخبره المتصل: حضرتك للأسف الرحلة اتأجلت. الخطوط الجوية تم إغلاقها لسوء الأحوال الجوية. أومأ بإيجاب و قال محبطاً: تمام.. شكراً جزيلاً. قام بالاتصال بـ "نورا" التي أجابت: أيوة يا بابي. إزيك؟ الحمد لله بخير. إيه أخبارك؟

كويسة الحمد لله. عندي ميتينج أونلاين كمان ربع ساعة. كان المفروض هيوصلوا كمان ساعتين بس لسوء الجو مش هييجوا والميتينج هيبقى أونلاين. أيوة بيقولوا. يلا ربنا يصلح الأحوال. ماشي هكلمك بعدين. مع السلامة. *** ارتفع المد فاكتسح اليابسة وجرف معه كل ما يقابله بما فيها الأشجار الصغيرة والأكواخ التي صنعاها "أحمد" و"فرحه". كانا يركضان بداخل الغابة دون النظر للخلف ممسكين بيد بعضهما البعض بلا توقف. وقفت فرحه

تلتقط أنفاسها بلهث وقالت: نفسي هيتقطع. مش قادرة. معلش يا فرحه تعالي على نفسك. لازم نبعد عن البر على قد ما نقدر. حثّها على التقدم وأمسك بيدها وركضا مسرعين نحو المجهول. أسدل الليل ستائره وحل الظلام وهما لا يزالا يسيران داخل الغابة. أنا خايفة. قالتها "فرحه" بخوف حقيقي، فأمسك "أحمد" بيديها بين كفيه وقال بصدق: طول ما إحنا سوا متخافيش. تأكدي إني لا يمكن أسمح إن يجرالك حاجة وحشة. تمام؟

أومأت بموافقة فأكمل: لازم نولع نار. دوري معايا على حطب. ظلّا يبحثان سوياً حتى وجدت الحطب وأعطته له، فقام بإشعال النار عن طريق الاحتكاك كما فعل في المرات السابقة. ثم ناولها عصا وأخذ أخرى، فسألته: هنفضل هنا لما النهار يطلع؟ لا مش هينفع نفضل في مكان واحد. إحنا لازم نمشي ومبقاش ينفع نرجع. مفيش قدامنا غير إننا نمشي لقدام وإحنا ونصيبنا بقى. أنا كان قلبي حاسس إن في مصيبة هتحصل. لعله خير. يلا نكمل؟ يلا. *** ألوو.

أيوة مين حضرتك؟ إحم. حضرتك أنا رضوى اللي انت وصلتها قبل كده وخدت منك رقمك موبايلك. أيوة يا أستاذة رضوى. فاكرك طبعاً. طب كويس. حضرتك فاضي دلوقتي توصلني للسنتر؟ ولو مش فاضي أفضالك. مسافة السكة. سلام. مع السلامة. بعد نصف ساعة كان يقف أمام منزلها وكانت هي بانتظاره، فصعدت إلى التاكسي بجانبه قائلة: هاي. إبتسم. قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. زمت شفتيها بخجل وارتسمت على محياها بسمة رقيقة،

فسألها: على فين إن شاء الله؟ سنتر "IQ" اللي في آخر المهندسين. لا معلش اوصفيهالي بالتفصيل لأني جديد في المكان. وفي الشغلة عموماً. ده بجد!! يعني انت مش من مصر؟ لا إحنا من البحيرة. بس استقرينا في مصر لينا أسبوعين تقريباً. من بعد يوم المطار الأخير. أشاحت بوجهها ناحية النافذة وتمتمت: الله يرحمهم. أوصلها إلى قبلتها كما أخبرته، فقالت: ممكن بعد إذنك تفوت عليا كمان 3 ساعات. حاضر. مع السلامة. *** بعد مرور 24 ساعة.....

خلاص مش قادرة. هقع من طولي. هموت وأشرب. نظر لها برأفة وقال لاهثاً: وأنا كمان عطشت جداً. بس معلش استحملي جايز نلاقي. هنلاقي فين بس د... شهقت بقوة ثم كممت فمها بيدها وجحظت عيناها وأشارت برأسها إلى الأمام، فنظر حيث تشير. حنش! قالتها بصوت متقطع مذعور. قال محاولاً تهدئتها: اهدي ومتتحركيش من مكانك. اثبتي خالص وهو هيمشي. أنا خايفة. برز بها صوتها عندما تشبثت به في خوف وكادت تغرس أصابعها في ذراعه من فرط خوفها،

فقال: فرحه بصيلي. بصيلي أنا. نظرت إليه بأعين فزعة دامعة، فقال: متخافيش. ولا كأنك شيفاه. ده تعبان طالع من بطن الأرض يعني مبيشوفش. ولو مسمعش حركة وغروشة جنبه هيمشي. اهدي. صمتت عن الكلام ولكن تقسم أنها كانت تستمع إلى صوت ضربات قلبها العنيفة المذعورة. قبض على يدها بإحكام وخلّل أصابعها بين أصابعه ثم قال: متقلقيش يا فرحه. كل ده هيعدي. نظر إلى مكان الثعبان ببطء فلم يجده. جال ببصره يمنة ويسرة حتى تأكد أنه غادر.

إمشي على أطراف صوابعك. بشويش يا فرحه. فعلت كما أخبرها حتى تجاوزا تلك المنطقة، فقال لها: اجري يا فرحه. بسررررعه. وثبت بسرعة وبعد مرور قرابة النصف ساعة توقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة: خلاص همووت. أنا متأكدة إننا مش هنخرج هنا عايشين. ثم أكملت بيأس وهي تنحني تضع يديها على ركبتيها من شدة الألم: كل اللي بنعمله ده على الفاضي. لم يعير حديثها المتشائم أي أهمية وقال: يلا يا فرحه. لازم نحاول نوصل لأي حاجة قبل ما الليل يدخل علينا.

نوصل لإيه؟! انت فاكر بعد كل ده هنوصل لحاجة؟! أمسك بيديها قِصراً وجذبها خلفه. قالت غاضبة: طيب سيبني. انت جاررني وراك كده ليه؟ هو أنا جموسة؟! هييي!! بص هناك يا أحمد أفندي. نظر إلى حيث تشير وتمتم: بحيرة! جذبته خلفها وركضت مسرعة نحو البحيرة وهي تقول: يا فرج الله.... تمساااااااااااح!!! قالت الأخيرة صارخة وهي تركض مبتعدة عن البحيرة. وقف هو يضع يد بخصره والأخرى على جبهته بتعب ويأس،

بينما تمتمت هي: تماسيح وتعابين وقرود وديابة وسناجب. أنا لو ربنا كتب لي عمر وخرجت من هنا هألف كتاب اسمه "فرحه وحيوانات الغابة". لا إرادياً ارتسمت على شفتيه ابتسامة وقال: يلا يا فرحه. المكان هنا مش أمان. لا حوش ياخويا. آحنا كنا قاعدين قبل كده في بورتو مارينا. ما إحنا من يوم ما اتهببنا وجينا هنا وإحنا مش في أمان. إيه الجديد يعني؟ بطلي لماضة يا فرحه ويلا بينا.

يا أحمد أفندي أنا رجليا ورمت ومبقتش قادرة أمشي. وعطشانة وجعانة وكل حاجة وحشة حاسة بيها. ابتلع المسافة بينهما ووقف أمامها مباشرةً لا يفصل بينهما سوى إنش واحد وأمسك بوجهها بين كفيه ونظر داخل عينيها قائلاً: فرحه اسمعيني. غاصت بعينيها داخل عينيه وتأملتهما ملياً. كم تود اقتحام حضنه الدافئ لعلها تطمئن. تابع حديثه وهو يسبر أغوار عينيها ويلقي بتعاويذه

الخاصة بداخلهما فقال: إحنا مع بعض. يعني متخافيش. زي ما أنا مش خايف لأنك معايا. خليكي قوية واستحملي. أنا على يقين إننا هنعدي من المحنة دي مهما كانت شدتها. خليكي فرحه العنيدة الطايشة اللي أول ما ركبت جمبي الطيارة كانت مصممة تركب جنب الشباك. قال الأخيرة ساخراً فضحكت عالياً فقال: اتفقينا؟ اتفقنا. يلا. 3.. 2.. 1.. اجري يا فرحاااااااااااه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...