الفصل 1 | من 30 فصل

رواية غيبيات تمر بالعشق الفصل الأول 1 - بقلم مروة محمد

المشاهدات
16
كلمة
4,929
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

كانت تجلس بغرفتها تفكر كيف وصل الأمر بها إلى هذا الشكل المهين؟ كيف له أن يقوم بالإعلان عن زواجه بأخرى أمام ناظريها؟ ويعلن أيضًا أنها سوف تلد له طفلًا عما قريب. هل انصاع لأوامر عمته؟ أم حقًا هو يريدها؟ أو ربما مهلًا مهلًا مهلًا! أيعقل أنه سار على الخريطة التي رسمتها له عمته وفكر بها ونفذها، وهذه هي نتيجتها أن زوجته حامل بطفله. معنى ذلك أن عدم إقدامي على الخريطة كان قرارًا غير صحيح.

استشعرت أنها تقف عند قمة جبل عالية تريد أن تقفز من فوقها لتتخلص من ذلك الهم. من سيرضى بها بعد ذلك؟ حتى لو رضي بها أي شخص، هي لن ترضى. لقد كرهت الرجال بمقدار حبها له. تتذكر عندما وقفت في وجه والديها وصممت على الزواج منه رغم بساطة عيشه، إلا أنها تنازلت وتحملت وأوصلته إلى مكانة مرموقة. هو أيضًا فهم تمامًا أنها من الممكن أن تستمر بزواجها معه، ولذلك تفاجأ من ردة فعلها وهو يدلف عليها بزوجته الثانية.

وبالرغم من محاولاته معها وتوضيح أمور لها، لم تستطع سماعها، إلا أنها رفعت سبابتها تحذره. فقام بتطليقها. قام بتدميرها وتحطيم قلبها وفقًا لقوانين عمته الصارمة. العمة التي عرفت تمامًا كيف تلعب لعبتها، وهي الخلاص من خطيبة ابنها وإيقاعها في شباك ابن أخيها منذ لحظة دخوله بها. ظنت أنها دخلت في حرب مصيرها الهزيمة، باعها بلحظة.. باع كل شيء.. حبها وإخلاصها وتضحيتها. انهارت مثل الجبال. تتذكر شبابها ومقابلته الأولى منذ عشر سنوات.

كانت صبية يافعة عشقته بجنون منذ اللحظة الأولى. تعاونت معه منذ بدايتهم. حسنًا، علمت أنها غبية. كيف للنساء أن يقمن بتلك التضحيات منذ البدايات وينتظرن ثمار تضحياتهن. كان أمامها أمثلة، ولكنها لم تدرك أنها ستقع مثل باقي النساء بالفخ، ولكن فخها كان أكبر. دلت عليها شمس والدتها، والتي من المفروض أن تقوم بالتخفيف عنها، ولكنها كانت تذكرها كل يوم بالإهانة التي وقعت على ظهرها. فزفرت بحنق قائلة:

كتير أوي اللي أنت عملاه ده، بقالك تلات شهور قافلة على نفسك باب الأوضة، يدوب بتخرجي للحمام وللأكل والشرب اللي أنت مش عارفة فلوسه جايه منين. رفعت ريحانة عينيها إليها تود البكاء بين ذراعيها، ولكن كيف تبكي بين يد لا ترحم. لتهبط بظهرها على الفراش تتأمل سقف الغرفة وتضع يدها أسفل رأسها قائلة بتركيز: عارفة فلوسه جاية منين، من بارتيتة القمار أخر مرة، وعارفة إني كنت حالفة مش هاكل ولا هشرب بفلوس حرام، بس أعمل إيه ما باليد حيلة.

جزت شمس على أسنانها تحاول تمالك أعصابها حتى لا تفتك بها، لترد قائلة بتعالي: طب ولما أنت عارفة إن الأكل والشرب من فلوس حرام، ضيعتِ حقوقك ليه؟ مش العز اللي فيه المحترم طليقك ده، تعبك وشقاكِ؟ أغمضت ريحانة عينيها بمرارة تحاول التمسك بدموعها حتى لا تذرف، لتتحشرج قائلة: طب تيجي إزاي وكل حاجة باسمه؟ وبعدين عايزاني على آخر الزمن أشحت منه؟ أنا مش عايزة منه حاجة، الله يسهل له. أنا عايزة أنسى الجرح بتاعه. شمس

بصوت قوي جعل ريحانة تنتفض: أنا بستغباكي الصراحة، ده مكنش عايز يطلقك، وقالك قدامي خليكي معايا أنت حبيبتي، بس أنت صممتِ على الطلاق زي ما يكون مش حاسة إنك مش هتنفعي غيره. أنت مش مستوعبة إنك عاقر؟ وضعت ريحانة يدها على رأسها تصرخ من الألم النفسي قائلة: مستوعبة وعارفة ومدركة، بس محدش حاسس بالنار اللي جوايا اللي حرقاني لوحدي. مكنش ينفع أستنى معاه لحظة واحدة حتى.. مهما كان حبي ليه. لوت شمس شفتيها باستهزاء قائلة: حبك ليه!

تصدقي بالله أنت حالك يصعب على الكافر. ما كنتِ تخليكي معاه، إيه المشكلة؟ واحدة تخلف والتانية مزاج. وخصوصًا أنت الحب. جحظت ريحانة بعينيها تبغض تفكير والدتها، لتزفر قائلة: الحب وتفتكري الحب ده كفاية؟ إيه هيكون ليا عنده بعد ما الحب يخلص. الحب مات من زمان واندفن، وأنا السبب في اللي حصل ده. وضعت شمس يدها في خصرها قائلة: نعم يا ختي، أنت هتجننيني؟ السبب في إيه بالظبط؟

وبعدين أنا بستعجب، بقالكم تلات سنين متجوزين، ويوم ما روحتوا رحتوا لدكتورة واحدة؟ لا وايه عمته. تقدري تفهميني مروحتيش لدكتور تاني ليه؟ أصبحت تكره النقاش معها في هذا الموضوع، لتزفر قائلة: في كذا دكتور روحنا ليه، بس هو هو نفس التشخيص، وأنا خلاص كرهت نفسي وكرهت الدكاترة، وكان نفسي نكمل مع بعض يمكن ربنا يفرجها من عنده. تنهدت شمس قائلة:

طب بصي بقا، اللي بيحصلك ده أنا مليش دعوة بيه. افتكري زمان لما اتقدملك واحد وكان مرتاح، عنه سيادتك رفضتي وقلتي إنك بتحبيه، دلوقتي أهو رجعتي تاني. أنا بقا ذنبي إيه في رميتك دي؟ استشعرت ريحانة مدى تعقد الأمور، خاصة عندما تذكرت حبس والدها، فردت قائلة: أنتِ ملكيش ذنب، الذنب ذنب الأب اللي بيجري ورا لعب القمار، وهنروح بعيد ليه؟ ما أنتِ كمان علشان تجمعي قرشين بتلعبي، والله أنا خايفة أبقى زيكم. ابتسمت شمس بسماجة قائلة:

متخافيش، دي لعبة لذيذة خصوصًا لو بتتلعب وسط ناس راقية، بس لو مش عايزة علشان وضعك ككيميائية، بلاش. إيه رأيك في واحد ابن واحدة بتلعب معايا القمار؟ شاف صورتك عن طريق فون صحبتي وهو حابب يتجوزك؟ سخرت ريحانة من ضعفها، وهي بزمانها امرأة قوية، الكل يستمد منها القوة، حتى طليقها، فردت قائلة: ابن صاحبتك وعجبه؟ وجوازة تانية؟ ويا ترى بقي جوازة في السر ولا عرفي ولا جواز مزاج؟ ولا استنى يكون متجوز وحابب مزاجه يتعدل؟

زفرت شمس بحنق قائلة: والله أنا أمك، وأكيد مش هحطك في موقف زي ده. ده جواز شرعي، وبعدين هو راضي بيكي كمطلقة وعاقر، وبالنسبة له هو متجوز. أشارت ريحانة لها بعدم استكمال كلماتها، لترد بابتسامة قائلة: فهمت الليلة، البيه هيرضى بيا لأنه متجوز ومخلف، وطبعًا قرفان من بيته ومراته وأولاده، وأنا هكون المزاج بتاعه، مش كده؟ ابتسمت شمس قائلة:

أنا قلت اللي عندي بصراحة، ده ميترفضش. عريس بشقة وعربية ورصيد في البنك. إيه يعني لما تكوني في السر؟ ولو مش عاجبك دوري على شغل أكلي وشربي نفسك بيه. وبمنتهى العصبية كورت ريحانة قبضة يدها وضربتها في الفراش، لتصرخ قائلة بهستيرية: ربنا يخدني. عارفة ليه يا ماما؟ علشان أنا كنت مفكرة إن قصي أحن عليا منكم، طلع واطي. ولما رجعت قلت هصعب عليكي، لقيتك بتبيعيني بالرخيص. برقت شمس بعينيها وخشت هجوم ريحانة الهستيري وابتعدت تبتلع ريقها

قائلة وهي تداري خوفها: أيوه اعملي الحبتين بتوع كل مرة. مين قال إن أنا ببيعك بالرخيص؟ هو اللي باعك، رغم إنك اشتريتيه ووقفتي ضدنا. أنا بحاول أدورلك على عيشة حلوة. هبطت ريحانة من على الفراش تكمل بصوتها الهستيري: لا، أنتِ بتحاولي تخلصي مني أنا. خلاص معدش ليا قيمة. الفرخة قطعت البيض عنك، كانت فين فلوس أول شهر اللي ببعتها ليكي؟ شمس بارتباك: صرفناهم. إيه بتبعتيهم وعينك فيهم؟ ولا كنتِ عايزة أنحوشهم؟

كنتِ فلحت في نفسك وعملتي ليكي مستقبل، طالما بتدوري في الدفاتر القديمة. وضعت ريحانة يدها على رأسها تقاوم انهيارها قائلة بتضرع: مش بدور.. أنا عايزة ألغي الدفاتر القديمة، عايزة أنساه وانسى إن عرفته.. ومش عايزة أتجوز. فاهمة؟ مش عايزة أتجوز. وحوار الفلوس، أنا هشتغل. مطت شمس شفتيها، لم تشفق على حالة ريحانة وزفرت وهي خارجة من الغرفة تقول: اللي عايزة تعمليه اعمليه. أنا كان قصدي مصلحتك. مش يمكن تتجوزي وارادة ربنا يرزقك بعيل؟

هو كان يعني حد يتوقع إني أخلفك أنت وأخوكِ. خرجت شمس من عند ريحانة، لتشعر ريحانة بالضعف تستند على الفراش وتجلس عليه تنهار عبراتها تتحسر على حالها، تود الهروب والاختفاء.. أو الموت. نعم، إنه الموت الذي يريحها عن الطريق المهلك. تراقص في عقلها فكرة ترك البيت، ولكن كيف بدون مال؟ نعم المال الذي يصنع كل شيء، حتى الحب. نظرت إلى النجوم التي تنير السماء وتذكرت حماقتها عندما صدقته وهو يقول: أنت نجمة تنير داخل قلبي.

حبه كان بذرة صغيرة في قلبها، لا تنكر أنه رواها بنجاح، ولكن فجأة تحول حبه إلى سم لعين عندما وجدت له نبتة أخرى في قلب شيطانة أماتت حبًا آخر كان يسكن داخلها. شعرت بتلك الانهزامية التي ألقاها شكران عمته أمامها، أو بالمعنى الأدق، انهزامية سمح بها قصي عندما مل منها بقرار زواجه، قام بتخليص طائر يجلس في قفص لسنوات عديدة ولا يعلم إلى أي مدة تطول، ولكن أتى الأوان ورأى غيرها ليعوض نقصه.

في صباح اليوم التالي، هاتفتها نورا لتبشرها بفرصة العمل التي حصلتا عليها، ألا وهي كيميائية بمصنع عطور، ذلك الحلم الذي حلمته قديمًا، مصنع لتحضير العطور لطالما عشقتها. ذهبت إليها، ولمعرفة نورا بأن ريحانة لا توافق على شيء بسهولة، فابتسمت بتوجس وهي تنظر إليها قائلة: هاااا، أظن مفيش أحسن من كده وظيفة محترمة، لا وايه أنت اللي هتحضري العطور بنفسك يا دكتور، ومحدش هيشرف عليكِ. تنهدت ريحانة قائلة:

تمام، كويسة يا نورا، فعلًا زي ما كنت بحلم بجد، ويمكن القدر يلعب لعبته معايا ويبقا عندي مصنع صغير في يوم من الأيام وهستقل بحياتي. عضت نورا على شفتيها بسعادة قائلة: هيييه، فرحتني يا ريحانة بجد، مبسوطة إنك رضيتِ. يا سلام بقا لو تسميه زي اسم المصنع ده، مصنع عطر الريحان لريحانة الدار. ارتفعت أنظار ريحانة إلى اللافتة المعلقة على واجهة المصنع، لتقطب جبينها قائلة:

وهو صاحب المصنع ده، بعد ما أشتغل هنا، هيوافق إني أروح أفتح مصنع وبنفس ذات الاسم؟ استحالة. وبعدين مش غريبة يا نورا، اسم صاحب المصنع فين؟ عقدت نورا هي الأخرى حاجبيها ورفعت أكتافها ومطت شفتيها قائلة: مش عارفة، بس خلي بالك، حتى عقود المصنع اسم المدير مختصر توقيعه في حرفين ز&ر. متعرفيش بقا مش يمكن ست واسمها زهرة الريحان؟ تحدثت ريحانة بلا مبالاة قائلة: لا معتقدش، في ستات يعملوا كده.. أصل هتستفاد إيه من مصنع عطور؟

ده مصنع صاحبه راجل باين عليه الجدية جوه، مش ستات اللي هيمسكوا مصنع زي ده. تذكرت نورا وضع ريحانة وربتت على كتفيها بحنان قائلة: أنتِ مش هتنسيه بقا يا ريحانة. قصي عمره ما كان قاسي، بالعكس ده كان حبه ظاهر قدام الكل، مش عارفة إيه اللي خلاه يقلب كده. تنهدت ريحانة وفتحت سيارة نورا الصغيرة ودخلت بداخلها، لتبتلع ريقها وتتحدث بصوت مجروح:

عمري ما هنساه، بس مش عشان حبيته في يوم من الأيام، بالعكس عشان دبحني بسكينة تلمة. أوى تفكري إنها خيانة ومن زمان، لا ده نقص موجود فيه. هتفت نورا الجالسة خلف مقود السيارة بحنان قائلة: معاكِ يا ريحانة، إنه إنسان ناقص، بس أوعي توقفي حياتك عليه. أنا اللي مستغربة ليه إزاي قدر ياخد البت المنيلة دي من خطيبها. رفعت ريحانة أنظارها بكل قوة قائلة:

أنا السبب يا نورا، أنا السبب. كنت كل مرة ألفت نظره ليها وأقوله صعبانة عليا، ابن عمتك قاسي عليها أوي. مش عايشة سنها، رغم إنها أصغر منه. زفرت نورا بحنق قائلة: الله ياخده هو وأمه وعمته، وياخدها هي وخطيبها مرة واحدة. طب أنا عايزة أعرف وحش الشاشة معملش أي رياكشن بعد ما خطيبته المصون اتجوزت ابن خاله. أغمضت ريحانة عينيها بمرارة قائلة:

أنا عارفاه كويس. عارفة لو كنت ضامنة إنه ممكن يعيد الأوضاع زي ما كانت، كنت كملت. بس زي ما قلتي، ده وحش وهي بالنسبة ليه حشرة هفت على وشه وضربها بالمنشة. أمالتها نورا لتنام برأسها على كتفيها قائلة بحنان وهي تمسد على ظهرها كأنها أختها الصغيرة: كده كتير عليكي يا ريحانة. أنتِ استحملتي معاملة حماكي الزفت وهو كان زي العيل قدام أبوه. آه بيحبك، بس الحب مش كل حاجة. خرجت ريحانة من بين أحضان نورا قائلة بامتنان:

أنتِ جميلة أوي يا نورا، وأحلى حاجة فيكي إنك مرضتيش بأي جوازة. عارفة إنك مستنية تلاقي واحد يحبك، بس نصيحة مني، أوعي تضحي بأي حاجة. ابتسمت لها نورا وهي تهز رأسها قائلة: حاضر، عينيًا. دلوقتي بقا بما إن عندنا شغل بكرة بدري ومضينا العقد، تعالي بقا أنا عزماكي في مطعم نتغدى وهتيجي تباتي عندي وهتفضلي قاعدة عندي.

ابتسمت لها ريحانة بامتنان وسعدت لهذا العرض، لطالما حلمت أن تبتعد عن بيت والدتها لفترة.. حتى لا تتعايش مع مرارة لسانها. نظرت بعينيها أمامها بكل قوة تركز في انتصاراتها القادمة. سوف تنحي الحزن من مقلتيها، سوف تبقى جيدة، ستنظر نحو مستقبلها فقط. في صباح اليوم التالي، بعد اتخاذ قرارها أن ترى الدنيا بعين أخرى، بعين الأمل والتفاؤل، ذهبت إلى المصنع ودلفت إلى المعمل.

شعور لا يوصف كلما تقف بالمعمل، تنظر إلى أدواته، تستنشق عبير العطور، ترتدي المعطف الأبيض، وتقوم بثني أكمامه، وتتقدم من مواد التحضير لكي تغوص فيهم كأنها تخوض معركة لطيفة معهم، تكون هي الفائزة بتحضير العطر الذي تهواه. تجد أن في ذلك انتصار على ما حدث لها من قبل. تتذكر وعده لها بفتح مصنع لتحضير العطور، ولكن بعد أن أتاه المال، رفض أن يضيع مالًا في مثل ذلك المصنع. ستريه كم هي امرأة ناجحة وتشتري مصنع وتحقق أهدافها.

لو سألوها ماذا تفضلين الآن، ستكون الإجابة: أود البقاء في هذا المكان طوال حياتي. وتود أن تكون نهايتها هنا وسط رائحة مفعمة بالعطور، ولكن يوجد جزء في صدرها لا تعرف من أين أتى يحثها على الابتعاد عن هذا المكان وفورًا. تخشى أن تكون نهاية هذا الطريق مفجعة مثل نهاية زواجها. تتساءل في داخلها: لما هذا الجزء القلق في صدرها؟ ماذا تفعل الآن؟ أتستسلم للقلق وتهرب، أم تبقى حتى لو كان الختام به لعنة مثل لعنة زواجها؟

نفضت كل شيء من رأسها وبدأت عملها وانغمست فيه حتى أنهكت. ثم رفعت رأسها تبحث عن نورا لتجدها ممددة على الأريكة، لترفع نظاراتها الطبية من على عينيها قائلة: نورا، أنتِ جاية تنامي فين؟ الشغل اللي اشتغلتيه؟ ولا أنتِ جايباني أشتغل معاكي عشان أغطي عليكي؟ فين التقارير اللي كنت بكتبها لكِ بعد كل عينة؟ نهضت نورا من مكانها قائلة وهي تشير إلى اللاب توب:

لا بصي، أنتِ بس الوقت سرقك، بعد آخر اختبار اللي هو معروف طبعًا عطر الريحان يا ريحانة قلبي، فأنا قولت أنام شوية على بال ما تفوقي. زفرت ريحانة بحنق قائلة: يعني لازم تفكريني بريحانة قلبي ده. قلت لك ميت مرة مش بحب حد يقولي الاسم ده، كفاية عليه فضل محتكره سنين وقال إيه: "أوعي يا ريحانة، حد يقولك كده غيري". خبطت نورا يدها على رأسها لتتذكر لقب ريحانة، ثم عضت على شفتيها قائلة:

آه نسيت، حقك عليا يا ريري.. أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه وكنت بحب أقولك كده زمان، بس عمري ما هنسى شات الدفعة لما دخلتي تقولي: "ممنوع حد يقولي يا ريحانة قلبي إلا قصي". توجهت ريحانة لتجلس بجوار نورا تربت على فخذها قائلة: شفتي الأيام لفت ودارت إزاي؟ التملك وحش أوي يا نورا، وأنا اللي غلطانة اللي سمحت ليه بالتملك ده. المهم، هو المصنع ده مفيش فيه شاي؟ ابتسمت نورا قائلة وهي تنهض بحماس:

حتى لو مفيش، هجيب من بره وهجيب أكل كمان. إحنا من الصبح في المعمل، مفيش عامل دخل قالنا أنتوا عايشين ولا ميتين. توجهت نورا إلى الكافيتيريا، بينما ريحانة تمددت على الأريكة قليلًا بتعب منتظرة كوبًا من الشاي ليذهب الصداع الذي أنهك رأسها. بينما نورا في كافيتيريا المصنع تحمل من العامل صينية الشاي وبعض الكعكات متوجهة إلى المعمل. فوجئت بزوجين من العيون السوداء ظلت تحدق بهم كثيرًا، غير متوقعة رؤيته.

تتساءل بداخلها: ما الذي يفعله هنا؟ تتذكر أنها رأته مرتين، مرة بيوم خطبة ريحانة والمرة الأخرى يوم زواجها. ترى هل علم أن ريحانة تعمل هنا وجاء لتدمير سعادتها؟ ولكن ما الذي يخصه بريحانة؟ ثأره ليس مع ريحانة، ثأره مع أخرى. ريحانة ليس لها ذنب. أتخبر ريحانة عما رأته أم تصمت حتى لا تعكر صفو فرحتها؟ قررت الصمت لحين معرفة سر تواجده في المصنع وحتى لا تتأخر على ريحانة. ذهبت سريعًا إليها وقررت أن تسأل عن سر تواجده بوقت آخر.

دلت إلى ريحانة ووضعت الطعام والشاي، لتقوم ريحانة بالتهام الشطائر وشرب الشاي وهو ساخن. لم تستشعر سخونته من كثرة إحساسها بالبرد، لتجد نورا شاردة، فقطبت جبينها قائلة: مالك يا نورا؟ مش بتاكلي ليه؟ مش كنتي جعانة؟ ردت نورا وهي شاردة، لتقع بكلماتها قائلة: مش أنا شفت زيدان ابن عمة قصي بره في الطرقة؟ بس مش عارفة بيعمل إيه هنا في المصنع. يكونش عرف إنك هنا وجاي يخرب عليكي؟ انتفضت ريحانة من مقعدها قائلة:

ده إيه اللي جابه هنا المصنع؟ وبعدين هو ماله ومالي أصلًا. ده أنا عمري ما اتكلمت معاه غير مرتين، ومش معقول جاي يدور عليا. فاقت نورا بصدمة من حديث ريحانة وعلمت أنها قالت كل شيء، فزفرت بيأس قائلة: وأنا اللي كنت عمالة أكرر في دماغي إني مش هقولك. لغاية ما أعرف هو كان بيعمل إيه بالظبط. أديني اتدلقت زي كباية الشاي، يارب ما يطلع هو ويبقى تخيلات. ابتسمت ريحانة بسخرية قائلة:

نورا، أنتِ مش بتعرفي تخبي عليا حاجة. يا ريت قصي كان زيك. وعلى فكرة زيدان ده عمره ما يبقى تخيلات، ده يطلع في حالتين، يا في الحقيقة يا في الحلم المزعج. زمت نورا شفتيها قائلة: يبقى هو عمومًا يعمل اللي يعمله في قلب المصنع واحنا مالنا؟ والله حتى لو كان صاحب المصنع نفسه ملوش عندنا حاجة. بلا هم هو وابن خاله. ترك لهم المكان برمته لأنه يعلم جيدًا أن صديقتها لن تهدأ إلا أن تصل لمعلومات عن سبب وجوده.

ارتدى نظاراته وركب سياراته وجلس خلف مقوده واعتدل بظهره إلى الخلف وحرك وجهه يمينًا ينظر إلى المصنع بقوة. لطالما كان هذا المصنع يجلب له الراحة، حيث كان يقضي فيه طوال يومه. تذكر صديقه عندما تم الأمر وجذبها عن طريق الإعلان هي وصديقتها، فقال: تم الأمر يا زيدان باشا. أي خدمة تانية يا شقيق؟ رد عليه زيدان بثبات قائلًا: متشكر يا أمير. أنت طبعًا عارف لو الأمور مش هتمشي زي ما رسمتها، أنت هتعمل إيه.

ابتسم أمير بخبث وهز رأسه بطاعة إلى زيدان ورحل ليبدأ زيدان مسيرته الحمقاء. أخذت عينيه تتجول في المصنع قبل الرحيل إلى الضجة وترك الهدوء والرائحة الذكية. ذهب إلى المجموعة الكبيرة التي تضم شركاته والتي تديرها سمر ابنة خاله وشقيقة قصي، والتي احتفظ بها زيدان بعد فعلة قصي، خاصة عندما أثبتت ولاءها له وأخبرته أن المدبر الأعظم لهذه الزيجة هي شكران والدته. دلف إلى الشركة لتجحظ عينا سمر من رؤيته.

حيث أنها تعلم جيدًا أنه لا يميل إلى التواجد هنا إلا أول كل شهر لمتابعة سير العمل. تعلم أن له عمل آخر لا يعلمه أحد وأخذت تبحث ماذا يكون، ولكن دون جدوى، حتى أنها ملت. نهضت مسرعة واحتضنته وهو مثل جبل الجليد لتتحدث بعذوبة قائلة: حلوة المفاجأة دي يا زيدان، رغم إن إحنا في نص الشهر. أيوه كده، أنا ببقى عايزة أشوفك كل يوم. ليه حتى مش بتيجي تزورني؟ أنا بقيت عايشة وحيدة. قطب جبينه قائلًا: معناه إيه الكلام ده؟

إيه طردوكي عشان حكيتي وقلتي كل اللي حصل في غيابي؟ طب ما أنا كنت هعرف، أنتِ بس اللي اتسرعتي. خفتي على شغلك معايا؟ نظرت إليه بغيظ قائلة: هو لما أجري وأقولك خبر زي ده بدل ما تفرح بيه وتقولي شكرًا، تقول إن أنا خايفة على شغلي؟ شغل مين يا زيدان؟ أنا من امتى بيهمني الشغل؟ هتف باشمئزاز قائلًا: كلكم صنف واحد. صنف نمرود، يهمه الشغل والمركز. الوحيدة اللي مكنش بيهمها هي شذى، كانت عايزة عواطف وبس، وعشان كده أخوكي قدر يضحك عليها.

تمالكت نفسها من الغضب قائلة: ولما شذى كانت عايزة عواطف وبس، وهي في نظرك الست الشريفة، بس أخويا قدر يضحك عليها، ليه مشاعرك متحركتش وأنقذت الموقف؟ نظر لها بوجوم دون رد، فغيرت مسار الموضوع قائلة: أمير اتصل بيا النهارده من المطار وقال إنه راجع وعايزك تفوت عليه بليل، لأنه مضطر يقفل تليفونه وأنت تليفونك كان مغلق. حاول إثارة غضبها قائلًا:

تمام، ما تيجي معايا يا سمر، أهو فرصة تغيري جو، وأنتِ عارفة أمير فرفوش وبيحب يهزر معاكي كتير، ويمكن السنارة تغمز وأفرح بيكم. ابتسمت ببرود قائلة: ماشي يا زيدان، وماله. اعمل حسابي جاية معاك. أنت عندك حق، لازم أغير جو، بس بالنسبة لموضوع أمير ده مرفوض، لأن حتى لو عجبته، هو ميعجبنيش. رفع كتفيه بلا مبالاة قائلًا:

براحتك، مع إن أمير يعجب الباشا، والستات بيترموا تحت رجليه، بس هو يوافق. وعلى فكرة رومانسي زي أخوكي، وأعتقد ده النوع المطلوب في السوق. ركزت في عينيه تراها تحمل في طياتها تلميحات كارهة، فردت قائلة: آه هو فعلًا النوع المطلوب في السوق، بس أنا زيك مش بحب النوع ده خالص. النوع ده مينفعش يكمل ويكون أسرة، أنا عايزة حد أعيش معاه في أمان. كور يديه لأنه يفهم مغزي كلامها، فرد بغضب وسخرية قائلًا: في أمان!

معاكي ربنا. أنا نفسي راجل مش مضمون، يمكن شذى كده هتكون مرتاحة وهي بعيد عني، وحسبتها صح، لكن أنتِ عاملة زي عمتك، بتحسبيها غلط. زمت شفتيها باستياء قائلة: أنا مش زي عمتي. عمتي يهمها الحسب والنسب والوضع المادي، لاغية الأحاسيس والمشاعر، وعندها الأمان فلوس، لكن أنا الأمان عندي حاجة لا أنت ولا غيرك يقدر يفهمها. نظر إليها بغضب وحدة قائلًا:

يبقى يا ريت بلاش تيجي معايا مشوار بليل، خليكي بعيد. ولو عايزاني أرجعك بيت أهلك، معنديش مانع. ولا أقولك اصرفي فلوس من الشركة واشتري شقة تمليك. اهتزت لتعامله معها كالسلعة وانصرفت إلى مكتبها تلعن حظها أنها بعد أن ارتاحت من شذى وفقًا لتخطيط عمتها، هو ما زال لم يرضى بها. جاء الليل وهدوئه ونظر إلى السماء وتذكر كل شيء عندما ضاع منه في لحظة واقتص منه حق يملكه. ليجد قدمه تقوده إلى النادي الذي يمتلكه أمير ليحتضنه أمير قائلًا:

اتأخرت ليه يا عم زيدان.. ده أنا وصلت من بدري وقلت إنك هتيجي بدري نتسلى سوا. عمومًا مش فارقة، الزباين لسه موصلوش. أنا حاسس إنها ليلة فريدة من نوعها. نظر إليه زيدان بشرود قائلًا: أنا النهاردة روحت المصنع، كنت ناوي أعمل خطة هجوم، بس صحبتها ضيعت كل حاجة. هو كان يعني لازم صحبتها دي تشتغل معاها؟ ابتسم أمير بخبث قائلًا:

ما هو أنت متعرفش البت اللي اسمها نورا دي بالذات لازم تشتغل، لأنها لو ما اشتغلتش ريحانة مش هتقبل بالشغل. بس أنت غلطان. زفر زيدان بحنق قائلًا: معاك حق، مكنش ينفع أظهر ليهم في أول يوم شغل. بس أنت عارف إن المصنع ده عشقي ومحدش يعرف إن عندي المصنع ده. هز أمير رأسه بتفهم قائلًا: عارف، وعارف إنه يعز عليك تسيب المصنع في يوم وليلة وتروح تحط وشك في وش بوز الأخص. ألا قولي عملت إيه لما شافتك النهارده؟ ابتسم زيدان بسخرية قائلًا:

أولًا حضنتني حضن كبير، كان ناقص تبوسني، والله لو مراتي مش هتعمل كده. ثانيًا عرفتني اللي أنا عارفه ومطنشه، إنها عايشة لوحدها حاليًا. ابتسم أمير بخبث: امممم، طب ما ترد الصاع صاعين لقصي فيها. مهما كان، دي أخته وشرفه، وأكيد هتبقى نفسه مكسورة، وساعتها ممكن كمان تنتقم من شذى لما تحط شرط لطلاقها.

شعر زيدان بأن الذي سيخسر هي شذى، لا خسارة لقصي، سوف يرجع إلى ريحانة، ولا خسارة لسمر، فهذا ما تتمناه دومًا، ولا خسارة لشكران، فهذا مبتغاها. هو يريد أن يرى الذل في عيني شكران فقط، ليريها كيف كانت تستهين بشذى. فتلك السابحة في تركيزه سوف تسحق كرامة السيدة شكران سحقًا وستعرضها للسخرية. رد على أمير قائلًا: أنا هستفاد إيه لما شذى هتطلق؟

ولا حاجة. خلوا شذى بالنسبة ليهم سلمة علشان يوصلوا ليا. كده لا هعرف أجيب حقي منهم، ولا ريحانة هتعرف تنتقم منهم. احتار أمير كيف يرد عليه، يشعر أن ريحانة ليست بالشخص البسيط الذي يعتقده زيدان، فرد بتشكيك قائلًا: طبعًا أنت مفكر إن ريحانة ضحية، بس فكر كويس. ريحانة مش هتليق بيك يا زيدان ومش هتجبلك غير الفضيحة، دي أمها الرجالة طالعين نازلين عندها من يوم ما اتطلقت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...