اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين. اللهم اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
الفصل الحادي والعشرون الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
باتت وقلبها يبكي مثل عيونها. وهو كان على نفس حالتها، يريد إرجاع الزمن ساعة واحدة ويستفيق من هذا الكابوس الذي كان مثل الخنجر طعنها بدون رحمة بكل قسوة. حملتها وتحملت معه إهانات لم تتحملها أي امرأة مهما كانت تحب زوجها. ولكن زوجها لم يتقدم خطوة في سبيل السعادة الزوجية. ظل كما هو، يشبع رغباته بأفعال رخيصة، ولكنها ناقصة وغير كاملة. مثل زيدان الذي شعرت معه بالكامل كأنثى. ولكنها فاقت من هذا الحلم على إهانته لها. كان يظن أنه وجدها واكتمل الشيء الذي دوماً يسمع عنه وهو الحب. ولكنه بعدما فعله عاد كما كان وحيداً من دونها.
دلفت إلى غرفة نورا التي أعدتها ياسمين لنورا منذ سنوات. ولكنها نقمت عليها. نظرت إلى الغرفة بانبهار. حيث قامت ياسمين بإعدادها بعناية. كيف لنورا أن تنقم على هذه الأم رغم حنانها؟ أين العفو والسماح؟ كلنا خاطئ ناقصين. ولكن كل منا لديه فرصة أخرى. آه لو كان لديها أم مثل ياسمين لكانت ركضت عندها وخبأت نفسها بين ضلوعها. نعم، كلهم مذنب. لكن الفرق، ياسمين تريد ابنتها. أما شمس فلا.
جاء الصياح واستيقظ من نومه. ولنقل استيقظ من غفوته البسيطة التي كان يضم بها الفراش من ناحيتها، يستشعر رائحتها التي يريد ألا تزول قبل عودتها. ترك كل شيء مثل ما كان. لا يريد تنظيف ولا ترتيب ولا تطهير ولا تعقيم. إلى أن يجدها حتى يعاتب ضميره بهذا المنظر طيلة الليالي التي سيفتقدها فيها. أي شخص هذا مثله. جبروت وقاسٍ حتى في جلد ذاته. ذهب إلى منزل أهلها وهو متأكد أنه لن يجدها. ومع ذلك ذهب. ترى لماذا؟
حتى يجلد نفسه ويسمع كلماتهم اللاذعة ويتحمل توبيخهم. رغم أنه كان يترفع عليهم يوماً ما.
فتح له الباب وجدي. وقطب جبينه على تواجده بهذه الساعة. ولكنه صمت وأدلفه. ليراه مركز أبصاره على غرفتها، كأنه يريدها أن تخرج منها هائجة ثائرة، تضربه وتلعنه وتسبه. ولكنه تأكد من عدم وجودها. هو لا يشعر بها في هذا المكان. ولكن عليه أن يدلي باستفسارات. وليكن ما يكن عليه الاحتمال. جلس كالمحبط. أو لنقل كالعليل والمريض الذي يعاني من آلام العظام. وهذا ليس لضربه لقصي، ولكن من آثار حالته النفسية لفقدانها.
توجه وجدي ليوقظ شمس ويعلمها أن زيدان موجود. قائلاً: "قومي يا شمس بسرعة، زيدان بره وساكت مش بيتكلم. الظاهر إن في حاجة بخصوص ريحانة." ثم نظر إلى ساعة الحائط قائلاً باندهاش: "وخصوصاً إننا لسه بدري والبت مش معاه." هتفت شمس بصوت ناعس وتذمرت. ليشيح بيده عليها ويتركها ويخرج إليه. ناظراً إليه بتوجس قائلاً: "جرى إيه يا زيدان؟ ساكت ليه من ساعة ما دخلت؟ هي ريحانة فيها حاجة ومجتش معاك ليه؟
التزم زيدان الصمت. لا يعلم من أين يبدأ. لينفجر وجدي بغيظ قائلاً: "ليه جاي بدري أوي كده؟ طمني يا ابني." ارتفع نظر زيدان إليه وكاد يجيبه. إلا أنه سمع الصوت اللعين وهي تخرج من غرفتها بدون مراعاة لوجوده. تقوم بارتداء الروب الحريري أمامه وتربطه بكل وقاحة. تضع يدها في خصرها تهتف بغضب قائلة: "مش شايف حالته يا وجدي. أكيد جاي يقولك خلاص زهقت وقرفت، أخدت مزاجي ومش نافعاني." واستطردت
وهي ترمقه بغضب قائلة: "قلتلكم أجوزها سيد سيده ويراعي حتة عدم الخلف. محدش سمعني." خرج سامر على صوتها. يعلم جيداً ما حل بقصي من سمر لتواصله معها في الآونة الأخيرة. ولكن لا يعلم بحالة ريحانة. فتذمر وهتف بغضب قائلاً: "أنا بصراحة بستغرب وجودك. إيه جاي تضربنا وتعتدي علينا زي ما اتعديت على قصي امبارح؟ ولا ضربتها وجاي تكمل علينا؟
حدق زيدان في وجه سامر. ليتابع سامر حديثه بحدة قائلاً: "لعلمك أنا أول واحد كنت معارض الجواز ده. ومش هسمحلك تتمادى أكثر من كده." كل حرف هتف به سامر اندهش له وجدي وشمس. لماذا قام بضرب قصي والتعدي عليه؟ أيعقل أنها مازالت على علاقة بقصي؟ ليريحهم زيدان من أفكارهم البغيضة ويهتف بغضب قائلاً: "أنتم محدش فيكم عارف حاجة. ريحانة فضلت متجوزة قصي تلات سنين والنهاية عذراء." نظر إليه وجدي بعدم استيعاب قائلاً: "إنت بتقول إيه؟
اللي بتقوله ده استحالة يحصل. قصي طلقها علشان مش بتخلف. تبقي منين عذراء؟ واستطرد بتأكيد قائلاً: "ده حتى الكشوفات عند أمك في العيادة. وشاهدة إن عندها عيب خلقي في الرحم. اللي بتقوله ده عمر ما حد يصدقه." نظر إليه سامر بحقد وغل قائلاً: "فهمت دي بقى حيلة منك علشان تطلع أختي قذرة وبتعمل عمليات قذرة. لا يا حبيبي ده أنا أسجنك بتهمة التشهير لأختي." تحتد عيني وجدي قائلاً: "هي وصلت لكده؟
شوف يا زيدان، أنا جوزتهالك وطلبت منك وعد إنها تكون زوجة لأخر العمر حتى لو مش تخلف." صمت يعتصر قلبه. ثم استكمل حديثه قائلاً: "بس لو على كده وعايز تخلص منها، يبقى ترجعها ليا أفضل." ثم نظر إلى شمس بضيق قائلاً: "كان المفروض تفضل قاعدة وسطنا ومكنش ليها المرمطة دي. بس بتقعد هنا إزاي؟ واستطرد يشير إليها باشمئزاز قائلاً: "وهي في الطالعة والنازلة بتتعاير ومن مين؟ منك."
لوت شمس شفتيها بضيق قائلة: "أنا معملتش حاجة. أنا بس كنت عايزها تعيش. مش كفاية القرف اللي كانت عايشاه مع الزفت قصي." واستطردت بحقد قائلة: "والله أعلم، يمكن كلام زيدان يطلع صح." نظر إليه وجدي ليجده يقف بجمود قائلاً: "كلامي كله صح. وأنا اتأكدت بنفسي. والطبيعي إني أشك وأتهمها نفس الاتهام اللي قاله سامر. بس مش ذنبي." هجم عليه وجدي وأخذ يهزه بعنف قائلًا: "إنت بتقول إيه؟ عملت في بنتي إيه؟ وليه قتلتها؟ صح؟
آه يا زبالة، فين بنتي؟ هاتلي بنتي. جاي من غيرها ليه؟ واستطرد يصفعه قلماً مبرحاً وهو يقول: "بقى ريحانة حد يتهمها في شرفها."
أخذ يسدد له الضربات وزيدان لم يقم بمقاومته. يعلم أنه يستحق ذلك. ليبعد سامر والده عن زيدان ويقف أمامه رجل لرجل ويلكمه في فمه ويسدد له الضربات. وزيدان بلا مقاومة ينظر أمامه. يجدها تنظر له بشماتة. يتخيلها ريحانة. وأخذ سامر يتحدث باستهزاء قائلاً: "روح شوف الزبالة اللي كنت خاطبها. أختي ميتعملش معاها كده. آه مش شفتها من زمان، بس أنا أختي بميت راجل." واستطرد وهو يلف يده حول عنقه قائلاً بحقد: "عرفت ليه مكنتش راضية تتجوزك؟
روح هاتلي أختي هنا يا حيوان." وضع زيدان يده على وجهه يهتف بحسرة قائلاً: "وأنا لو أعرف طريقها كنت جيت هنا. آه، أنا عارف ومتأكد إني مش هلاقيها هنا. وعارف لما تعرفوا هتبهدل." ليستكمل ويردف بمرارة قائلاً: "ومع ذلك جيت. لأني حابب أتأذى على أيديكم بسبب إني ظلمت الإنسانة الوحيدة اللي حسيت معاها بمشاعر صادقة." هز وجدي رأسه بيأس وحزن قائلًا
وهو يبكي بحسرة: "ولو رجعت عمرها ما هترجعلك. أنا عارف بنتي كويس. كانت رجعت لقصي أولى منك. بنتي انداست كرامتها من قصي واطعنت في أنوثتها وخرجت من الجوازة واستحملت تلقيح أمها حتى عليها." ثم نظر إليه مستنكراً وقال: "ولما رضت بيك. أكيد كانت متعشمة إنك تحتويها وتصدقها. بس إنت عملت إيه؟ ولا حاجة. دوست عليها وطعنتها في شرفها."
وتابع بكل غل وحقد قائلاً: "مع إنك المفروض تعرف كويس من معاشرتها ليك الشهور اللي فاتت. بس إنت زبالة. فسرت امتناعها عنك على إنه عدم حب." ليقترب منه قائلاً بتكبر: "لأنك عندك نقص." صدم زيدان من نعت والدها له بأنه رجل ناقص. نعم، هو رجل يشعر معها بالنقص لأنه لم يرى منها مثلما شاهد مع قرينها السابق. لما فعلت بها ذلك؟ لما وضع نفسه ووضعها في مثل هذا الموقف؟ ماذا لو كان استمع لها؟
كان سيرحمها من بطشه ومن بطش والدته ومن بطش الجميع. ولكن كان يتواقح معها بالكلمات. ومع ذلك كانت صامتة. إلى متى كانت ستصمت؟ ماذا لو لم أقترب منها؟ كان حديثه لذاته كالتالي: "أنا اقتربت بسبب ازدياد شغفي بها على الرغم من تأكدي أنني لست أول رجل بحياتها. نعم، سعدت كثيراً لهذا الإحساس. ولكن بعد فوات الأوان. آه يا وجع قلبي. آه يا مرارة أيامي القادمة. آه يا انهزامي. سأعيدك وأكرمك بأي وسيلة يا عشقي." وفي نفس التوقيت
كانت تحدث ذاتها هي الأخرى: "أنت كنت مقرباً مني لدرجة التصاق الروح. أنا كنت كالطائر الذي حلق في سمائك وحدك. أنت تحب العلو والشموخ والارتفاع. وأنا يدفعني شيء أن أعلو وأرتفع بجانبك أينما كنت. يا قمر يضيء عتمتي التي كتب عليها أن تظل ظلاماً لا يشرق أبداً. شئت أم أبيت لا محال. أنا هنا في مكان لن يخطر لك على بال. ولن أكون معك من جديد مهما قدمت من اعتذارات وامتيازات. حتى بكائك لو حدث لن يجدي. صرت متجمدة القلب مثلك."
بعد تركه لمنزل أهلها أخذ يجوب الشوارع على ساقيه. لم يرد أن يقود سيارته. لا يعلم أين يذهب. قادته قدماه إلى النادي الليلي الخاص بأمير ودلف. وهو يعلم أنه لن يجد أحداً. ولكن تفاجأ بوجود أمير. الذي نهض ونظر إلى حالته المزرية من آثار ضرب سامر له. أجلسه على الأريكة وقام لإسعاف الخدوش التي بوجهه. ولكنه أزاح بيده كل شيء. يريد أن يتألم بسببها. لعله يرتاح. زفر أمير بحنق قائلاً: "سيبني بس أطهر الجروح دي كلها. مش وقت عناد. وبعدين مين الزبالة اللي عمل فيك كده؟
وإزاي تسمح له؟ صمت زيدان. لا يريد الرد عليه. ليزفر أمير بحنق قائلاً: "مهما كان، بلاش تسيب حد يحطم فيك." نظر زيدان أمامه بجمود قائلاً: "يحطمني! طب ما أنا حطمتها وضربتها وطلعت فيها غلي كله. ولا مش واخد بالك؟ خلاص زيدان وقوته وجبروته طلعت بلح." واستطرد بألم قائلاً: "واللي عمل فيا كده ليه الحق؟ توتر أمير وارتباك ظهر على محياه قائلاً: "أنا من امبارح بعمل تليفونات يا زيدان. بس بجد ملهاش أثر."
تضايق زيدان. ليوضح له أمير قائلاً: "لو كنا بس نعرف من ساعة ما خرجت من القصر. كنت قدرت أحدد هي فين دلوقتي." تحدث وهو شارد يتذكر هذا اليوم الذي وجدها عند أمير تنقذ والدتها من الضياع. وأمير يهددها. لينقذها من بطش أمير. لترفع أنفها عالياً وتقبله قبلة في الهواء أطاحت بعروشه. "هي خلاص مبقتش ريحانة بتاعت زمان. دي ضربت الحارس في رجله رغم رقتها." ثم فاق من شروده قائلاً: "لأنها عارفة إن الكل هيتلبخ فيه. ومحدش هيجري وراها."
هز أمير رأسه بيأس قائلاً: "فعلاً. وده اللي حصل. حتى ما أخدتش تاكسي علشان محدش يجيب رقمه." وتابع زافراً: "طب والعمل يا زيدان؟ المرة دي مش زي المرة اللي فاتت." نظر له بحدة قائلاً: "ليه مش زي المرة اللي فاتت؟ ليه منروحش لنفس الدكتورة وأروح أجبرها ترجع؟ ليه صعبت عليا كل ده؟ ثم ضرب بيده على سطح الطاولة قائلاً: "بس أنا اللي غلطان. كان لازم أبعت أجيب قصي وأصفي حساباتي قدامها."
حاول أمير تهدئته قائلًا: "اهدأ بس. العصبية دلوقتي ملهاش لازمة. اللي حصل حصل." ثم استطرد بيأس قائلاً: "وبعدين المرة اللي فاتت عرفنا إنها في إسكندرية من التاكسي اللي وداها محطة الأتوبيس." تنهد زيدان بتعب قائلًا: "عارف. أنا روحت بيت أهلها وأنا عارف إني مش هلاقيها. لسبب بسيط، كنت مستمتع والكل بيطيح فيا." ثم تابع بحرقة قائلاً: "بس كله كوم وكلام أبوها إني مريض نفسي."
نفخ أمير بضيق قائلاً: "معلش يا زيدان. استحمل. ده مهما كان أبوها. أي واحد في مكانه هيعمل كده." وتردد أمير في متابعة حديثه ولكنه استكمله قائلاً: "وخصوصاً إنه مكنش عايز جوازة بيعة وشروة. ده عايز جوازة تستمر للأخر." أغمض زيدان عينيه يهتف بمرارة قائلاً: "ده اللي كنت ناوي عليه. كنت هحاول أخليها تخلف وأعطيها فرصة تبقى أم بأي تمن." وتابع بحسرة قائلاً: "وحتى لو الأمر مستحيل. كنت مستعد إني مرتبطش بغيرها."
انفرجت شفتي أمير وتدلت إلى الأسفل بذهول قائلاً: "تبقى أم! يعني مش ده السبب اللي سابتك علشانه؟ ثم قطب جبينه قائلاً: "وصحيح، إيه اللي خلاك تروح تدور الضرب في قصي وشذى؟ إنت عملت كده علشان ريحانة ولا علشان حوار المافيا؟ صمت زيدان وأبى أن يوضح لأمير الأمر. ليقطب أمير جبينه قائلاً: "إنت شكيت في لحظة وفكرت إن ريحانة بتخونك مع قصي؟ صح؟ تبقى غلطان. أيوه غلطان."
اندهش زيدان من دفاع أمير عن ريحانة. ليزيل اندهاشه قائلاً: "متستغربش ردي دلوقتي بعد الاتهامات البشعة اللي اتهمتها بيها. بس ده زمان يا زيدان. قبل ما أعرفها." ثم أضاف بعض الكلمات التي جعلت زيدان يستأثر غضباً حيث قال: "نورا وضحت لي قد إيه ريحانة عمرها ما تخون. لو على قطع رقبتها." اتسعت عينه. أن تكون نورا تعلم هي الأخرى بأمر ريحانة؟ فسأل أمير بتوجس قائلاً: "وضحت لك؟
طب حلو تمام. يعني كلكم عارفين. وأنا المغفل اللي تضربني على قفايا في الأخر." ثم ابتسم بسخرية قائلاً: "ليه؟ هي كانت ناوية تعملها لي مفاجأة؟ بس أهلها كمان ميعرفوش؟ نظر إليه أمير بعدم استيعاب قائلاً: "ميعرفوش إيه؟ إنت بتتكلم عن إيه بالظبط؟ هنا أدرك زيدان أن الأمر هو سرد لصفات ريحانة فقط. وليس عن السر القابع بداخلها. ولكن خشي أن أمير يعلم هذا من قصي. فاندفع قائلاً: "أمير، قصي ده بتاعي. ممنوع تقرب منه. مفهوم؟
اندهش أمير لفرمانه السريع وتحدث في نفسه: ما علاقة هذا الفرمان بأمر ريحانة؟ ولكن لا عليه. هز رأسه بطاعة قائلاً: "طيب. ماشي. براحتك." ليجد زيدان قابعاً أمامه مثل الأسد الذي يريد الانقضاض على الفريسة والنيل منها. لم يكفيه ما فعله بقصي. يريد دفنه بأرضه عله يرتاح. ولكن كل هذا لماذا؟ بأيام شذى تركه وحاله. ولم يقترب منه. أكل هذا لريحانة؟ نعم لها. فهي تستحق كل عزيز وغالي.
تركه وتقابل بنورا التي لم تكف عن الرنين له. ليزفر بحنق ولا يعلم كيف يقولها لها. لتحثه على البوح. لتستفز طاقته قائلاً: "كل اللي أعرفه إنها مش مشيت إلا بعد ما انضربت واتهانت واتمسحت بكرامتها الأرض." شهقت نورا وعقدت حاجبيها قائلة: "ليه إن شاء الله؟ كل ده علشان ردت على قصي؟ هز أمير رأسه بعدم علم قائلاً: "باين كده. فكر إنها كده بتخونه. ولسه بتحب قصي." صرخت نورا قائلة: "لااااا!
أنا قلتلك قبل كده مش ريحانة اللي تخون. وقلت له من قبل كده. بس إنتوا صنف زبالة. العيلة دي كلها زبالة." حزن أمير من حديثها. ولا يعلم لماذا حزن. هل يحبها؟ رد عليها بانكسار قائلاً: "حتى أنا يا نورا؟ اقتربت منه ونظرت إليه باشمئزاز قائلة: "إنت أولهم. ولعلمك أنت واحد من الناس اللي هدموا حياة ريحانة. فاكر ولا أفكرك؟ كام فخ عملته معاها؟
كم مرة حبيت تبين إنها زبالة. على العموم كلامي مش معاك. كلامي مع اللي مشغلك يا بتاع القمار." تركته هي الأخرى ورحلت. وهو لا يعلم لما يحدث له كل هذا الحزن. وهو من لحظة رؤيته لها يريد التهرب منها بأي شكل. لا يريد لها الانحطاط في عالمه. "نحن بشر خطائون. وجدته ينادي عليها في أحلامها. هل هذه حقيقة أم سراب؟
لتعيش حلمها مثل حقيقتها. أقسمت لن أرد عليه. حتى لو انبح صوته من النداء. لأنها تعلم جيداً أن تلك الحقيقة المرة التي عاشتها معه أمس لن ينساها. هو أكثر منها. ستظل ملازمة له في خيالاته. ستتركه. حتى لو تأكدت من كلام ياسمين أنه يعشقها حتى الموت. ستبقى بعيدة. حتى لو اقتربت. البعد سيتمثل له في جفائها." استيقظت من نومها على يد ياسمين التي تربت
على كتفيها بحنو قائلة: "قومي يا حبيبة ماما. بقينا الضهر. مش هاين عليا أنزل وأسيبك نايمة من غير ما أحضر لك الفطار." واستطردت وهي تداعب وجهها قائلة: "اللي بقالي زمان مش بدوقه وعايزة أجربه معاكي." رمشت ريحانة بعينيها وسرحت في حنان ياسمين الذي كان مثل حنان الأم الذي تفتقده دوماً. تتخيل أنها لو كانت وجدته يوماً ما. كانت جرت بها المقادير لما هي عليه الآن. تنهدت
ريحانة وابتسمت قائلة: "حاضر يا ماما ياسمين. هقوم وهاكل معاكي. وأكيد مش هتبقى آخر مرة. هنفطر ونتغدى مع بعض دايمًا." ثم داعبت أنفها قائلة: "بس أنا اللي هعمل كل ده يا ست الكل." ابتسمت ياسمين بسعادة بالغة واحتضنت وجه ريحانة بكفيها قائلة: "أنا كان نفسي أسمع كلمة ماما من زمان. آه هي مش من بنتي. بس بالنهاية سمعتها. شكراً ليكي يا ريحانة." واحتضنتها قائلة: "وبجد مبسوطة إنك لجأتي ليا. يا ريت نورا تحن عليا ربع الحنان ده."
نهضت ريحانة وتأبطت ذراع ياسمين قائلة: "كبري دماغك. هي السكينة سرقاها. بكرة تعرف قيمتك وتندم. عارفة يا ريت أمي تغلط غلطة واحدة بس. دي ما شاء الله." عضت ياسمين على شفتيها قائلة: "أنا عمري ما احتكيت بمامتك. بس يا ريحانة دي أمك. مهما عملت بلاش تقسي عليها." واستطردت بخوف قائلة: "وبعدين أكيد زمانها عرفت وقلقانة عليكي." ابتسمت ريحانة بسخرية قائلة: "قلقانة عليا!
قلبك أبيض يا ماما ياسمين. هو أساساً مش هيجرؤ يروح هناك. لأنه عارف إن الغلط راكبه من ساسه لراسه." شردت واستطردت بحنان قائلة: "أنا اللي خايفة عليه. بابا." حزنت ياسمين لوضع وجدي وسألتها بتوجس قائلة: "ليه؟ هو باباكي عارف إنك كنتي عذراء؟ ولا خايفة من هجومه عليكي؟ ولا خايفة على زعله؟ صمتت ريحانة ودمعت عيناها. لتربت ياسمين على كتفها قائلة: "لو عرف أكيد هيبقى في موقف صعب."
زفرت ريحانة بحنق قائلة: "طالما ده رأيك أكيد هيبقى كده. وطبعاً الست شمس أمي هتقول جملة بسيطة. ريحانة تستاهل اللي يجرالها. بس أكيد سامر عرف." شهقت ياسمين بذهول قائلة: "سامر! لا مش معقول. وماله سامر؟ وهيعرف منين؟ هو يعرف شذى؟ ثم تذكرت قائلة: "لا استني يا ريحانة. طول الفرح كان مع سمر. وأنا حتى استغربت." رفعت ريحانة شعرها ووضعت
يدها خلف رأسها قائلة بضيق: "أنا بجوازي ده قربت ناس كتير من بعض. أولاً أمير ونورا اللي أنا اتجوزت أساساً علشان أمنع قربه منها." ثم سخرت قائلة: "وأخيراً سامر أخويا بأخت طليقي." ابتسمت ياسمين بحسرة قائلة: "وأكيد سمر كانت عارفة بحكايتك. اللي مستغربة له. لما هي عارفة ليه محاولتش تفضحك وتقول لزيدان." واستطردت بخبث قائلة: "مش هي بتحبه برضه؟ وهي اللي ساعدت عمتها علشان يجوزوا شذى لقصي." هزت
ريحانة رأسها بالسلب قائلة: "سمر دي ولا عارفة حاجة. كل اللي همها إنها كانت بتراقب شذى وبتبلغ عمتها." وتابعت بضحكة رنانة قائلة: "وعمتها ضحكت عليها وقالتلها: اوعي ريحانة تستعطفك كده أحسنلك علشان أجوزك زيدان." جلستا على المائدة لتناول الإفطار. وهزت ياسمين رأسها قائلة: "شكران هي شكران. عمرها ما هتبطل الأساليب بتاعتها. الأول كانت بتلف ورا كل واحدة جوزها بيجري وراها." وتابعت وهي
تلوك الطعام في فمها قائلة: "ودلوقتي مش عايزة ابنها يختار." لوت ريحانة شفتيها بامتعاض. لتستطرد ياسمين بخبث قائلة: "لا يختار. فين بقى؟ هو أكيد هيتجوز شذى بعد ما يطلقها من قصي. وطبعاً بعد ما يعملوا فضيحة." شرقت ريحانة. لتسرع ياسمين تعطيها الماء لتشربه. ريحانة بارتعاش. لتتسمر بعدها. وياسمين تقول: "ومفيش مانع إنك تفضحي في النص كله في سبيل ولي العهد." رفعت ريحانة أنظارها إلى
ياسمين وحدقت بذهول قائلة: "إيه اللي حضرتك بتقوليه ده؟ مش قولتي إنها أكيد كذابة؟ هزت ياسمين رأسها بأسف قائلة: "للأسف كلام شكران صح. وشذى رجعت مع زيدان امبارح. قلتلك كل الرجالة واطيين." حاولت ريحانة تمالك أعصابها قائلة: "مفيش مشكلة. ربنا يهني سعيد بسعيدة. وكويس إني مش معاهم." سألتها ياسمين بخبث قائلة: "يعني مش هترجعي وتطربقيها فوق دماغهم وتدفعيه تمن اللي عمله فيكي؟ أخذت ريحانة
تهز رجلها بغيظ قائلة: "هو حر في حياته. وأه بعد إذنك عايز موب جديد وخط فون. عايزة أرتب أموري علشان بعد شهر أخرج أشتغل." ابتسمت ياسمين بخبث وهزت رأسها بموافقة. وأخذت تنظر إلى ريحانة بسعادة وهي تقلب الطعام أمامها بغيظ. تعلم أنها لن تمرر الأمر مرور الكرام. "شعور غريب يتملكه. ليس لفقدانها فقط. ولكن يشعر بأنها انتزعت منه شيئاً. وليس بقلبه أو عقله. لا شيء أكبر من ذلك. ترى لماذا هذا الإحساس يتملكه؟
كان يريد أن يكمل معها مسيرته. حتى لو كانت النهاية بدون أطفال. تكفيه هي وحدها. أصبح إنسان مهزوم أكثر من ذي قبل. نعم، هو أكثر إنسان يحمل الهم ويدفنه بداخله. ويظهر من فوقه القسوة. وما أن شاء القدر أن يبتسم له وتظهر هي. لتزيل همومه. انجلت هي وتركت همومه مثلما كانت وأكثر. وفي هذا الموقف بذاته الذي كان يجب أن يستغله لصالحه. ولكن فوران قلبه وغيرته عليها لم يسمحا له بذلك. ومن وحي قلمي أؤكد لكم أنه خطأ لا يمكن إصلاحه. لأنه
قام بفعلته وأكد لها أنه على استعداد لبيعها بأهون الأسباب. حتى لو كانت على حق. كان يتخيلها امرأة عادية. يميل عليها بالهدايا والأموال. يمتلك كل شيء لديها. هذا التخيل تارة إلى أن اقتنع أنها مختلفة. تارة أخرى اعتقد أنها ساقطة. ليتأكد لمرة أخرى أن ظنونه بها في غير محلها."
"كان عليه أن ينتقم من هذا الوضيع الذي عاشرها ثلاث سنوات. قضى فيهم على روحها وجعلها تكره كل شيء حتى ذاتها. خدعها بمسمى الحب. وهي كالبلهاء انتظرت إلى أن صُفعت منه." ذهب إلى المستودع الموجود به قصي هو وأمير. ليجدوه يجلس أمامهم غير مبالٍ. يتحدث بلا اهتمام قائلاً: "مفكرين إنكم كده قدرتوا عليا. اسمع اللي هقوله ليك كويس. أمك هي اللي خططت لكل ده." واستطرد يتعالى بصوته قائلاً: "إيه؟ كنت عايزها تفضحني؟ ما أنت عارف إنها قادرة."
ابتسم زيدان بخبث قائلاً: "وأنت ما صدقت طبعاً. فتحت دراعاتك للقذرة شذى. وقالت لها: أهلاً يا حبيبتي. ما أنت علاجك ميؤوس منه." واستطرد ليحرقه قائلاً: "أو نقدر نقول إنك حاولت كتير. بس مفيش فايدة إنك تبقى راجل زينا." حدق أمير في وجهيهما. وانكشفت الغيبية التي كانت حول هرب ريحانة. فبلل أمير شفتيه وسأل زيدان بتوجس قائلاً: "هو مين اللي يبقى راجل زينا؟ قصي! طب إزاي؟
ثم وجه أنظاره إلى قصي يسأله قائلاً: "مش إنت كنت متجوز ريحانة تلات سنين وبعدها شذى وكانت حامل في ابنك؟ تعالت ضحكات قصي الشيطانية وتحدث بخبث قائلاً: "شوف إزاي؟ اعمل نفسك عبيط يا مرمر. ما نورا قالتلك كل حاجة عن ريحانة ليلة الفرح بتاعهم. اوعوا تفكروا إن ريحانة بتخبي." "حظ كلا من أمير وزيدان بعينيهما." لتبث لعنات من بين شفتي قصي وهو يقول: "لا هي قالت للكل يا زيدان. ما عدا أنت. عارف ليه؟
لأنها بتعتبرك وسيلة مش أكتر علشان تغيظني بيك." صفعه زيدان بكل ما أوتي من قوة. وكان يود أن يشدد على عنقه ويخرسه للأبد. من هو لكي يتحدث عنها بهذا الشكل المهين؟ لا. وهو لن يتحدث عنها. هو يتحدث عنه وعن تغفيل ريحانة له واعتباره مهمشاً. شدد على حروف كلماته قائلاً بغيظ: "أنا عارف كويس مين اللي عنده علم ومين لا يا قصي. مش نص راجل زيك هيعرفني."
ثم نظر إلى أمير بثقة قائلاً: "أمير لو يعرف كان هيقول. زي ما قال على اتفاقك مع حاتم." جحظ قصي بعينيه وارتفعت أنظاره إلى أمير الواقف أمامه يهتف بالشر قائلاً: "أيوه زي ما فهمت بالظبط. حاتم أخويا معانا مش علينا يا قصو. آه والله." وأردف بإستهانة قائلاً: "معلش بقى. هتعمل إيه؟ الناس كلها من قبل فضيحتك دي شايفينك قليل عليها."
تعالت أنفاس قصي وازدادت ضربات قلبه. ثم نظر إلى زيدان برجاء قائلاً: "بس أنا في الأول وفي الأخر ابن خالك. ومعملتش حاجة فيك. واللي بيني وبينها زمان ملكش دخل فيه." واستطرد يحرق زيدان بكلماته قائلاً: "هي كانت راضية وتمام رضاها. إنها مرضتش تفضحني." هنا لم يتحمل زيدان. قام بتأديبه مرة ثانية. كل حديث قصي يثيره. يؤكد له رغبة ريحانة في عدم فضح قصي. لما كل هذا العذاب يا الله؟ أنا عشقتها. أيكون هذا ثمن عشقي لها؟
أخذ يهتف قائلاً: "يا حيوان يا وس***. هو إنت مفكرني معرفش بموضوع التسجيل اللي إنتوا سجلتوه ليا. لما اتفقت إني هجيبها تحت رجلي. ومين كان هيصدقها يا معفن. وفي ورقة تثبت إنها معابة ومينفعش تخلف. ولا الورق بتاع شذى اللي بقدرة قادر بقى اسمها دمرتوها يا ولاد الكل***. خلتوها مسخ. لا راضية تتجوزني ولا تتجوز غيري. طبعاً من حقها مش تثق فيا. وأنا كبيركم يا نص راجل."
ظل يسدد له الضربات الواحدة تلو الأخرى. إلى أن أزاحه أمير من فوقه يهتف له برجاء قائلاً: "خلاص يا زيدان. سيبه أرجوك. اللي بتعمله ده مش هيفيد. هيموت في إيدك. وفي الأخر هنلبس مصيبة في واحد ميسواش." ولكن زيدان لم يستمع إليه. واصل مسيرته مع قصي. ليوقفه أمير يهزه بعنف قائلاً: "اللي بتعمله ده مش هيرجعها." كأن أمير أزاد الموقف سوءاً. حيث ابتسم قصي بشماتة قائلاً: "أيوه بقى. هربت منك. عندها حق بصراحة. إنت مين يعاشرك أساساً."
وابتسم بسخرية قائلاً: "الوحيدة اللي دايبة في تراب رجليك المغفلة سمر. وأنت منفض لها." نظر أمير إلى عيني زيدان المتوهجة والمشتعلة غيظاً. ليحثه على الهدوء. ليحتد زيدان ويتمالك نفسه لأبعد الحدود قائلاً: "لا. هو إنت متعرفش. دي راحت تمارس هوايتها القديمة. الفتن يا حبيبي. بس المرة دي مش للدكتورة شكران." قطب قصي جبينه. ليتعالى زيدان بضحكته الشيطانية قائلاً: "لا. لسامر الخضري."
لمعت عيني قصي بسعادة قائلاً: "طب والله جدعة. الواد سامر راجع متريش. أكيد مش هيرفض الأملاك اللي كتبها الراجل اللي رباه بعد ما خطفه." واستطرد باستفزاز أكثر قائلاً: "وهدد أبوه وأمه بقضية الدعارة اياها." زفر أمير بحنق لأنه يعلم جيداً أن قصي يريد استفزاز زيدان أكثر. فأزاح زيدان من أمامه وذهب نحو قصي وجز على أسنانه قائلاً: "إنت عاوز إيه بالظبط؟ لو حابب تتقتل قول. بس في أحلامك. لو أنا أو زيدان قتلناك بإيدينا."
ثم أشار نحو رجاله قائلاً: "إنت ديتك واحد من الرجالة اللي بره. ده مقامك." ارتعب قصي. نعم ارتعب. هو يعلم أن كل ما يحدثه من إثارة غيظ زيدان لن تؤدي به إلى الهلكة. ولكن أمير يهدد بشيء آخر. فتوتر قائلاً: "بس أنا معملتش حاجة علشان أتقتل يا أمير. كلنا مكنش موافقين على جوازته من ريحانة. وأنت أولنا. واستخدمت سمر لكده." واستطرد يتهمه قائلاً: "إحنا كلنا زي بعض. مع اختلاف أسبابنا."
هنا تذكر زيدان ما فعله أمير. والآن يدافع عنها. فتحدث باستهزاء قائلاً: "وأنا عارف كل حاجة. ومعرف كل واحد مقامه عندي. حتى أمي. إن الأوان إن أخواتي يرجعوا." اندهش قصي قائلاً: "إيه الكلام اللي إنت بتقوله ده؟ هتسجنها صح؟ وهترجع اخواتك." ثم استطرد يهز رأسه قائلاً: "علشان هما اللي شهدوا قدامك إنها بتديه دوا بيهبط عضلة القلب."
لوى زيدان وجنته اليمنى وهز رأسه بالسلب قائلاً: "تؤ تؤ تؤ. ده كارت استخدمه بعدين. مش دلوقتي. يا ابن خالي. واخد بالك أنت من كلمة خالي." واستطرد بخبث قائلاً: "بس هقولك. المستشفى هقفلها. وأمي وأبوك يا دار المسنين يا السجن." شهق قصي مما قاله زيدان. وود أن يعلمهم بما ينوي زيدان فعله. ولكن دون جدوى. فقد أعلمه زيدان أنه سيظل كما هو لحين الانتهاء من كل شيء.
ذهب أمير بنفسه إلى نورا. والنيران تشتعل في صدره. فتحت باب شقتها. وقطبت جبينها لما جاء. وهي دائماً تمنعه من دلوف شقتها. ليدفعها بغضب ويغلق الباب من خلفه. ناظراً إليها باشمئزاز قائلاً: "مش أنا لوحدي اللي زبالة يا نورا. إنتِ كمان." عقدت نورا ما بين حاجبيها قائلة: "هو إيه أصله ده؟ إنت شارب يا أمير؟
تعالت ضحكة أمير الساخرة قائلاً: "أينعم. شربت أكبر مقلب في حياتي. اسمه نورا الغريب. اللي دارت على صاحبتها ريحانة العذراء. طب كنتي قولي لزيدان. كان رحمها." شهقت نورا وحدقت بعينيها غير مستوعبة ما يقال. لتهتف قائلة: "مستحيل. إنت مش طبيعي. إنت فعلًا شارب. ريحانة يا متخلف استحالة تكون عذراء. دي متجوزة بقالها تلات سنين يا قمارجي يا سكران." هنا لم يحتمل حاله وهبط بكل جسده على الأرض يسقط أرضاً قائلاً
بوقاحة: "شميني كده يا نونو. هااا شارب ولا مش شارب. إنتِ هتعمليهم عليا يا بت؟ طب ما تيجي أشوفك إنتِ كمان عذراء ولا منحرفة. إنتو اللي زبالة." صفعة هبطت بها نورا على وجهه بكل ما أوتي من قوة. وبصقت في وجهه. ونهضت وأنهضته قائلة بكل عنف: "اطلع بره يا أمير." نظر إليها أمير بحزن. ليعلم أنه تواقح معها. ودائمًا لا يعلم لما يفعل بها كل ذلك.
ذهب زيدان إلى المصنع ودلف. ظل ينظر إلى المعمل مطولاً. يتمنى خروجها منه. ولكن الانتظار لا يجدي شيئًا. دلف إلى المعمل عله يستشق رائحتها بالمكان. يمني نفسه بالمواقف التي تمت بهذا المعمل. ليجد المعطف الأبيض الخاص بها. فاندس في طياته وظل يشتم رائحتها. حتى وصلت حلقه. يود خنق نفسه برائحتها. أفاق من هذيانه على صوت طرق الباب ودلوف سامر شقيقها. ينظر إليه بسخرية قائلاً: "ده إنت بقيت متيم وعاشق ولهان بقى. مش موضوع إنها خبت عليك سر وأنت شكيت فيها وبهدلتها."
واستطرد بتشفي: "على العموم أنا شامت إنها قدرت تكسر واحد زيك." تنهد زيدان بتعب وألم قائلاً: "تفتكر ممكن تكون راحت فين؟ المرة اللي فاتت هربت مني ولقيتها. المرة دي محتاج معجزة بجد." وتابع وهو ينظر إليه برجاء لعله يجدها عنده: "محتاج إن اللي راحتله يتصل ويقولي هي عندي." ابتسم سامر وهز رأسه بشماتة قائلاً: "مستحيل. ريحانة أذكى مني ومنك. أكيد راحت عند حد موثوق وواثقة إننا حتى لا يمكن نوصل ليها. مش إنت بس."
ثم تابع بانتصار قائلاً: "بس حلال فيك." ثم قام بإغاظة زيدان قائلاً: "ولو عرفت مكانها مستحيل هقولك يا زيدان. عارف ليه؟ لأنك ابتديت معاها غلط." هز زيدان رأسه بانكسار. ليزيدها عليه سامر قائلاً: "وهي حقها تخبي عليك حاجة زي دي. حقها كمان مش أنت اللي ريحانة توهب نفسها ليك." انكسر زيدان قائلاً: "حقها إنها تضربني وتبهدلني. أنا راضي. بس مش ممكن بعد ده كله تسامحني؟
هز سامر رأسه بالرفض قائلاً: "إنت كان لازم تسيبها تدافع عن نفسها. إزاي تعمل فيها كده؟ افرض إنها فعلاً طلعت وحشة. ما هو في حاجة اسمها انفصال." ابتسم زيدان بسخرية قائلاً: "انفصال! معلش أصل مش متعلم بره زيك. ونسيت أصلي وتعاليمي الشرقية." وأراد إنهاء الحديث قائلاً: "عموماً اللي حصل حصل. كلامنا مش هيغير حاجة."
ثم شرد في معطفها وتحدث بعفوية قائلاً: "وبعدين ما إنت شايف إني بدأت أدفع تمن غلطي. مش قادر حتى لحظة تعدي عليا من غير ما أشم ريحتها." وتابع باصرار قائلاً: "وهدور عليها حتى لو فيها موتي." ثم رفع أنظاره إليه وعينيه شديدة الاحمرار متعصبة تريد إسقاط الدموع المختزنة بها. متحدثاً بصوت مبحوح قائلاً: "أنا هنتقم لها من الكل. ولو طلبت مني أنتقم من نفسي شخصياً هعملها."
وهنا هبطت دموعه يهتف بمرارة قائلاً: "أصل خلاص بقيت عامل زي الطالب اللي داق النجاح مرة واحدة في حياته. لو مفلحش تاني هبيأس." نظر إليه سامر بلوم وعتاب قائلاً: "يا ريت كلامك ده ينفع دلوقتي. المهم نلاقيها الأول. ولعلمك لو حصل أختي هترجع لينا." وتابع باصرار قائلاً: "وأنت لو عايزها هيبقى بشروط. لازم أندمك ندم عمرك."
تركه وخرجه ليجد أمير أمامه. فنظر إليه باستهزاء ورحل. دلف أمير وعلى وجهه التساؤل. تنهد زيدان بحزن قائلاً: "الدنيا كلها اتفقت عليا. حتى أخوها اللي راجع بعد سنين. ولا عمره بين إنه فرحان بيها. جاي يحاسبني." واستطرد بسخرية قائلاً: "ومحسسني إنه كان بيعزها أوي." ثم عقد ما بين حاجبيه قائلاً: "تفتكر يا أمير تكون اتخطفت بعد ما خرجت من القصر؟ والمافيا هي اللي خطفتها؟ بس لحد الأن محدش اتصل."
ثم نظر إليه بشك قائلاً: "إنت كنت فين من شوية؟ وإنت عمال داير ورايا مش بدور. هو في إيه يا أمير؟ إنت عارف مكانها ومخبي؟ تضايق أمير من شك زيدان فيه فردد قائلاً: "ماشي يا صاحبي. ليك حق تشك فيا. بس ده زمان. أنا قلتلك أخر مرة طالما مصمم عليها يبقى خلاص." ثم زفر بحنق قائلاً: "أنا معنتش أقدر أعمل حاجة. كفاية اللي عملته في نورا من شوية. أنا كنت هعتدي عليها وهضيعها. طلعت فيها كل غلي. هي حتى لو تعرف ملهاش إنها تقولي."
هنا جائتهم نورا. ونظرت إليهما بكل احتقار. ليترجاها أمير قائلاً: "نورا متزعليش مني. أنا والله كنت." لتستوقفه نورا قائلة: "هو أنا مش قلت كلامي مش معاك. ها يا زيدان باشا؟ هي دي الأمانة اللي وعدتني هتحميها؟ هو إنت مفكر لو جت وقالت أنا عذراء إنت هتصدقها؟ رد عليها زيدان بتحسر قائلاً: "معاكي حق. هي نفسها معاها حق. وأنا كان لازم أسمعها. طالما وثقت فيا وسلمت نفسها ليا. أنا من الأول كنت غلطان لما أجبرتها على الجواز."
صرخت نورا وانهارت قائلة: "مش غلطك لوحدك. أنا كمان اتعميت على قلبي. كان عندها حق لما كانت بتترجاني وتقولي: بلاش زيدان يا نورا. ده من العيلة اللي بكرهها." حاول أمير تهدئتها قائلاً: "نورا ممكن تهدي شوية." استكملت نورا انهيارها قائلة: "سيبني. أنا نفسي أموت نفسي وأموتكم. ربنا يخدكم. منكم لله. تسحلها وتضربها يا ابن الواطية. آه ما إنت مين إنت؟ ابن شكران." انهارت على الأرض. ليهبط أمير إليها يحاول معها. ولكن دون جدوى.
جاءت زيدان رسالة على هاتفه من رقم مجهول الهوية مضمونها: "مستحيل هتلاقيني. كان نفسي أفضل معاك العمر كله. بس حاسة لو نسيت الإهانة مش هنسى نظرة عينك وأنت فرحان إن اللي في بطن شذى مش ابن قصي وهو ابنك. إنت خلي بالك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!