الفصل 5 | من 30 فصل

رواية غيبيات تمر بالعشق الفصل الخامس 5 - بقلم مروة محمد

المشاهدات
20
كلمة
5,721
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

وصلت إلى الشارع القريب من النادي الليلي حيث الهدوء والصمت والخلو من المارة والعابرين. بحثت عن زاهر فلم تجده. هاتفته من ذلك الرقم الذي هاتفها منه، ولكن لا رد. هاتفته مرة أخرى، فأتاها الرد أن الهاتف مغلق. وكأنها وقعت بالفخ.

وهنا عندما استشعرت ذلك، عزمت أمرها على أن ترحل، ولكن ظهر أمامها شخص من العدم. فارتعدت من هيئته في الظلام، ومن الكلب الذي يحتضنه ويربت عليه بحنان يتنافى مع شخصيته الماكرة، ونظارته الطبية التي يتفحصها بها من أسفل إلى أعلى، وابتسامته الخبيثة وهو يقول: "على فين يا مدام ريحانة؟ مش أنتِ عندك ميعاد هنا مع زهورتي؟ بس يا خسارة، زاهر زهق ومشي من بدري، أصل خسر النهارده كتير أوي وعطاني الشيك أتعامل بيه بداله."

عقدت ما بين حاجبيها تحاول معرفة هويته التي أرعبتها، لتسأله بتوجس قائلة: "عطاك الشيك! طب وأنت مين علشان يعطيك الشيك؟ الحساب ده ما بيني وبينه، إزاي هيبقى ما بيني وبينك؟ أنت عارف زاهر كان عايز مني إيه؟ اتسعت ابتسامته وهز رأسه قائلًا باستمتاع: "أيوه عارف، ومستعد أخلصك من الشيك ده بمنتهى السهولة، بس طبعًا بشرط. وشرطي هو إنك تبعدي عن زيدان الجمال مقابل مبلغ محترم يعيشك ملكة."

استغربت طلبه وعلاقته بزيدان، لتبدأ في الاستفسار منه، ولكن قاطع حديثهم زيدان الذي ظهر فجأة من خلف الشجرة التي تقف بجوارها. حتى أنها صرخت من صوته وهو يتعالى بغضب جازًا على أسنانه: "أميير! إيه القذارة اللي أنت بتعملها دي؟ تقدر تقولي أنت تفرق إيه عنهم؟ ثم انقض عليه قائلًا: "أنت زيك زيهم صاحب فالصو. آخر حاجة اتوقعتها يا أمير."

تضايق أمير من وجوده، رغم تأكيده بعدم خروجه اليوم، ولكن يبدو أن مراقبة ريحانة أصبحت رغبة لديه. فرد بضيق قائلًا بعد ما أزاح يده، ثم نظر إليها شذرًا: "أنت شايف بنفسك الهانم نازلة في أنصاص الليالي علشان تقابل زاهر اللي أنت حذرتها منه. الهانم دي مش هيجي من وراها غير الفضايح." حول زيدان أنظاره إليها، وجدها تنظر إلى الفراغ بشرود وصمت. لينقل أنظاره إلى أمير يزفر بحنق قائلًا:

"أنا كنت عارف إنها جايه تقابل زاهر، وأنا اللي جبتها هنا وفضلت مراقب علشان كنت ناوي له على نية هباب. بس أنت قمت بالواجب." ثم أشار إليه بكره قائلًا: "بس أنت قمت بالواجب." ثم نظر إليها ووجدها مذهولة لدفاعه عنها، ليأمرها قائلًا: "يلا روحي اركبي علشان أروحك." امتثلت إلى أوامره وهزت رأسها بانصياع لأمره وذهبت نحو السيارة. انتظر حتى ابتعدت، ثم رفع سبابته إلى أمير قائلًا: "حسابي معاك بعدين. هروحها وراجعلك."

زفر أمير بحنق وتركه ودلف إلى النادي. ذهب زيدان إلى سيارته، وجدها تقف مستندة على حافة بابها بحزن. ففتح لها الباب ودلفت باستسلام دون النطق بأي كلمة. ليستدير من الجانب الآخر ويشرع في القيادة، ولكن أوقفه صوتها الحزين والمنكسر قائلة: "طبعًا موقف زي ده هيخليك تقول عليا زي صاحبك إنها بتاعت سهرات وليالي حمرا، لأنها مش أول مرة." ثم سخرت من نفسها قائلة: "والمرة دي كمان من غير أمي." التفت إليها بنظرة عبوس قائلًا:

"أنا سمعت كل حاجة من ساعه ما وصلتي، بس برضه يتحسب عليكي غلط. حتى لو كنت مضطرة تقابلي حد علشان ورطة، ميبقاش في مكان زي ده. وبعدين أنا مش قلتلك أن أنا حابب أساعدك." تذكرت كلمته جيدا ونقيضها الآن. فنظرت إليه بغضب قائلة: "لا بلاش استعباط، أنت قلت حابب تسعدني مش تساعدني. في فرق يا أستاذ يا محترم." ثم أشارت له بسبابتها بكل اشمئزاز قائلة:

"والفرق ده عرفته دلوقتي من صاحبك القذر. طبعًا أكيد أنت وهو رسمتوها سوا علشان تبين ليا قد إيه أنت إنسان هيرو ومينفعش أستغني عنك." ابتسم بخبث قائلًا: "ده كل اللي فهمتيه من كلام أمير واللي عمله معاكي النهارده؟ بس حلو برضه، مش وحش. وبعدين أساعدك وأسعدك واحد." ثم نظر إليها وغمز لها بشقاوة قائلًا: "الاتنين أخرتهم حلوة ليكي، بس أنتِ تسمعي كلامي."

لم ترد عليه، فأخذت نفسًا عميقًا وأخرجته وأشاحت بوجهها نحو النافذة التي بجوارها. فانطلق بسيارته ليعيدها إلى منزل والدتها. وتتفاجئ أنها تحت بناية والدتها. لتستدير بوجهها، لا تريد الطلب منه أن يوصلها إلى نورا، ولكن لا مفر فقد كانت الساعة الثالثة صباحًا. فتحدثت بحرج قائلة: "أنا من زمان مش قاعدة مع ماما في بيت واحد، حتى من قبل ما توصلنا أخر مرة. أنا عايشة مع نورا." واستطردت بثقة، فهي تعلم مدى خبثه جيدًا، حيث قالت:

"وأكيد أنت عارف كده، طالما بتراقبني." ابتسم باستمتاع، هو يعلم جيدًا من مراقبته لها أنها تعيش عند نورا، ولكن أراد أن تطلب منه بنفسها أمر التوصيل. كان يظن أنها ستتكبر وتصعد إلى والدتها حتى لا تطلب منه طلبًا مثل ذلك.

بعد توصيلها وهبوطها من سيارته، ذهب بأحلام اليقظة لديه، ولبعض لحظات شرد في كيفية إيصالها إلى السعادة المطلقة. كانت تنعم بهذه السعادة من ذي قبل، وظنت أنها دائمة، إلا أن تسللت من بين يديها. سوف ينسيها هذا الشقاء الذي تجرعته، حتى لو كان نسيانها له مؤقتًا ولبضعة أيام من الفرح، وربما تدوم السعادة ويقتل الشقاء بداخلها. ولكن كيف هذا؟ أيكمل دوره للأخير ويتحمل عيبها، أم ستدخل السعادة قلبها عن طريق انتصارها على غريمها وحسب؟

خرج من أحلامه وعاد إلى أمير حيث النادي، وكان ينتظر ليبرر له ما حدث. وما أن دلف حتى انتفض أمير قائلًا: "زيدان، أنا عارف اني غلطت و كتير كمان، بس صدقني هي مش مناسبة ليك وبتلعب بالبيضة والحجر زي أمها، ويمكن كان طلاقها بسبب سلوكها." جلس زيدان بمنتهى الأريحية ينظر إلى أمير باشمئزاز قائلًا: "على أساس إن أنت اللي كويس ولا أنا مثلًا؟ أمير، خلينا منطقيين. شذى وافقت عليا لفلوسي، وأول ما لقت واحد بيطبطب ويعطف جريت عليه."

زفر أمير بحنق: "عارف إننا مش كويسين. بس مش معنى كده نرمي نفسنا في جوازة منيلة؟ وكل ده علشان تثبت إيه؟ إنك جبت الأفقر من شذى؟ ومين قالك إن شكران هانم هتسكت المرة دي؟ ابتسم زيدان بسخرية قائلًا: "هتعمل إيه يعني؟ طب شذى علشان مكنش سبق ليها الجواز ورطتها مع قصي، إنما ريحانة هتعمل ليها إيه؟ لا تقدر تورطها ولا تخليها تحمل من غيري." ضرب أمير كفًا على كف هاتفًا بقلة حيلة:

"أرجوك يا زيدان، بلاش ريحانة. أبوها مسجون وأمها ست لا مؤاخذة، وهي نفسها مش مريحة. طب بص، مالها سمر؟ على الأقل بتحبك." زفر زيدان وبحنق قائلًا: "عارف إن سمر بتحبني، بس ليه متقولش إن اللي عملته أمي في شذى هتعمله في سمر؟ ويمكن تحن عليها في الآخر لأنها لحمها ودمها." لمعت فكرة برأس أمير، لعلها ترجع زيدان عما في رأسه: "طب هقولك.. إيه رأيك ما تتصالح مع والدتك؟

وأهي في الأول وفي الآخر يهمها مصلحتك. ومحدش ضرب شذى على إيدها. اعمل صفقة مع مامتك تطلق شذى من قصي، وبكده هتشفي غليلك." نهض زيدان قائلًا بحزم: "وأنا مش عايز أشفي غليلي من قصي. أنا عايز أعرف أمي إن كل اللي عملته معايا هيجي فوق دماغها، وهتجوز ريحانة اللي استخفت بيها. وده آخر ما عندي يا أمير. ولو فكرت تعمل اللي عملته مع ريحانة ده تاني، لا أنت صاحبي ولا أعرفك. هعتبرك عدو، وأنت عارف أنا بعمل إيه في أعدائي."

ثم نظر إليه نظرة تحذيرية مطولة وتركه وعاد من حيث أتى. ترى عدم موافقة زيدان على سمر حماية لها أم بغض لها؟ كانت تجلس كالمعذبة تتذكر فور خروجها من المصنع ومهاتفتها لقصي لكي تعاتبه قائلة: "ليه كده يا قصي؟ أنا عطيتك الرقم والعنوان، كنت اختار العنوان وروح لها. على الأقل ده بيت نورا، ومتوقع إن ممكن تعرفه. لكن الموبايل اتعرف إن أنا اللي جبته ليك." رد عليها بلهفة متجاهلًا حزنها قائلًا:

"المهم، أنت شكل صوتك إنها فهمت إن زيدان بيلعب عليها لصالحي، صح؟ ضحكت سمر بسخرية: "لا يا خفيف.. دي طلعت أذكى مني ومنك، ومرمطتني ومسحت بكرامتي الأرض. وهو كمان عاقبني وبعتني أتذلل ليها علشان تروح تكلمه." اندهش قصي مما تقوله سمر، حتى أنه اعتقد أنها تكذب عليه لصالح زيدان، فهتف باستنكار: "إيه التخاريف اللي بتقوليها دي؟ ريحانة لو عرفت غرض زيدان، متأكد إنها هتبعد عنه. سمر، أنتِ مع زيدان صح؟

تعرفي لو عملتي كده شكران هتعمل فيكي إيه؟ صرخت سمر بغضب قائلة: "أيوه عارفة.. ويا ريت تعملها وتخلصني من العذاب اللي أنا فيه. أنا في إيه وأنت في إيه؟ أنت مش كنت عايز تخلف؟ خليك في حالك بقى." اندهش قصي أكثر من استسلام سمر وردد قائلًا بحزن مصطنع: "أنا يا سمر مقدرش أسيبك متعذبة كده. أنا بعمل كل ده علشانك أنتِ. لزيدان مش لحد تاني، وأنا بصراحة ندمان إني طلقت ريحانة."

كادت أن ترد عليه، ولكنها استشعرت مدى كذبه وخبثه ومدى طمعه وجشعه والسعي وراء هدفه فقط وليس هي. فقامت بإغلاق المكالمة وندمت بشدة أنها هاتفته وعاتبته. لم تذهب ريحانة هناك لتأخذ الإيصال فقط من زاهر، إنما لرؤيته. أتتخيلون!

أنا أزج بنفسي في التهلكة لكي أرى الشخص الذي أعتبره المصدر الجديد للعذاب لي. فقد تخيلت أنها ستراه مجددا وأحبت أن تعرف ما المنتظر منه بعد هذه الرؤية الجديدة. هي فقط تريد أن تعلم لماذا يبذل كل هذا المجهود لملاحقتها. لماذا يفتعل أشياء لتطويل المدة بينهم رغم علمه أنها تبغضه. أمير معه الحق، لابد لها من الابتعاد عن محيطه. لو اعتقادها صحيح أنه يريد الارتباط بها، فهو بالتأكيد مختل. من سيوافق على ارتباطه بها وهي من أسرة لا تناسبه؟

بالإضافة هي لا تريد الزواج مجددًا. هي تريد العمل فقط. فهو أصبح متعتها وأحلامها في الحصول على الدكتوراه وتترك أمر الزواج مطولًا. وإن تم لن يكون من تلك العائلة. ألغت مشاعرها من قاموس حياتها ووضعت الطموح في المرتبة الأولى بعد أن كان في المرتبة الثانية. سترفض أي عرض سيطرحه عليها حتى لو كلفها هذا الكثير.

خرجت من شرودها على صوت هاتفها. لا تعلم من المتصل مجددًا، وقررت مثل المرة الأخرى الرد، ولكن بأسلوب عنيف غير مهذب لاعتقادها أنه زاهر أو قصي. ردت بنفاذ صبر قائلة: "نعم خير، أنت أنهي مصيبة فيهم؟ أنت قصي ولا زاهر، ولا الوجه الجديد أمير؟ ثم سحقت كرامة من يهاتفها أكثر قائلة: "ما أنا تليفوني بقا سنترال عمومي للأوباش اللي زيكم." تضايق زيدان ورد عليها بحنق قائلًا: "أنا زيدان يا ريحانة، إيه؟

هتعتبريني مصيبة زيهم، ولا هتردي عليا بأسلوب أحسن من كده؟ ثم قام بتوبيخها قائلًا: "المفروض كنتي تغيري رقمك من بعد ما قصي اتصل بيكي." ارتبكت ريحانة لأنه على حق، ولكن كبرياؤها جعلها ترد بتمرد قائلة: "مش مستنية نصيحتك على فكرة." واستطردت بحقد قائلة: "قصي أساسًا عرف عن طريق السنيورة سمر ومن قلب مصنعك وأنت عارف، والمفروض كنت تحاسبها." رفع حاجبه بإعجاب من تمردها ليرد عليها بمراوغة قائلًا: "ومين قالك إن إني معاقبتهاش؟

وجودها في المصنع النهارده قدامك عقاب كبير." ثم ضحك بخبث قائلًا: "وهي بتاكل في نفسها من الغيظ، وأنا باعتاها تطلبك في مكتبي." نفخت ريحانة بضيق وما زالت على تمردها قائلة: "على فكرة أنا مش بحب الأساليب دي، بلاش الغرور ياكلك يا زيدان، لأحسن يحصل فيك زي المرة اللي فاتت." واستطردت بسخرية قائلة: "ساعتها لا أنا ولا سمر هننفعك." ابتسم ببرود وتحدث بهدوء قاتل قائلًا: "وأنا سمر متلزمنيش، أنتِ اللي تلزميني وهتنفعيني وهتنفعي نفسك."

ثم استطرد بقوة قائلًا: "والمرة دي أنا مصحصح أوي ومختار صح، لا يمكن يحصل معايا حركة دنيئة." جلست على الفراش بانهزام نتيجة كلماته اللاذعة والتي فهمتها جيدًا عن اختياره لها لأنها سبق لها الزواج. لتغمض عينيها بمرارة قائلة: "هو فعلا عمرها ما هتحصل معاك تاني، بس مش علشان أنت ضامن إيدك، لااا.." وأخذت نفسًا عميقًا قائلة بقوة: "لأنه بأحلامك لو حصل اللي أنت بتخطط له. أنا لا أنفعك ولا أنفع غيرك." ثم عادت لتمردها

مرة أخرى هاتفة بكبرياء: "حتى لو أقدر مش هعملها يا زيدان، لأنها لعبة مقززة وحقيرة. أعتقد إنك بحاجة تقعد مع أمير أكتر من كده." ثم مطت شفتيها قائلة: "يمكن يقدر يقنعك، أصل كلامه حكيم أوي. تصبح على خير يا زيدان." ثم تذكرت شيئًا قبل أن تغلق هاتفها ورددت قائلة بسخرية: "اااه وهبقى أغير رقم تليفوني ومكان إقامتي علشان لا أنت ولا قصي ولا زاهر تحاولوا تقربوا مني."

أغلقت الهاتف وذهبت إلى مرأة الزينة وفتحت أدراجها وأخذت واحدة من الحبوب المنومة التي اعتادت على أخذها بعد طلاقها لكي تنام من كثرة التفكير. أما عنه، فلم يتوقع أنها ستترك كل شئ بعد هذه المكالمة. زواجها السابق وانفصالها جعل منها لوح ثلجي مجردة من المشاعر، تريد التقدم في الحياة العملية فقط، أما عن الحياة العاطفية فقد انتهت.

عادت من حيث أتت، ولكن في طريقها للعودة قابلها الحزن المرير. استيقظت من نومها مبكرًا واندشت لبطء مفعول الحبوب المنومة، حيث قللت ساعات النوم بدلاً من أن تطيلها. مسحت على وجهها مثل ما تفعل كل صباح. نظرت أمامها بقوة لتأتيها فكرة الرحيل دون أن يشعر بها أحد.

ثلاثة عشر يومًا، ثلاثة عشر يومًا مروا على غيابها، احتسبهم بالساعات والدقائق. شعر كأنهم أسابيع طويلة ولا يعلم أين ذهبت. تسللت في غيابات الظلام ورحلت بدون استئذان، بدون علم أحد، بدون ضوضاء. في المصنع. كان جالسًا على كرسيه الوثير شاردًا في كيفية إيجادها. دلف إليه ماجد بكل هدوء وتنحنح، ليتنهد زيدان بتعب قائلًا: "هو أنت كل شويه هتدخل يا ماجد؟ إيه؟ للدرجة دي أنت خايب ومش عارف تمشي أمور المعمل لوحدك؟

ما أنت كنت ممشيها قبل ما هي تيجي." ابتلع ماجد ريقه وتوتر ليرد بصوت منخفض نسبيًا ويتحدث وهو يقدم له ملفًا خاصًا بأمور المعمل قائلًا: "ده أخر نتايج هي عملتها في المعمل. أعتقد إننا نشتغل عليها ونخلص، بدل ما كل شويه يتصلوا بينا، احنا كده بيتنا هيتخرب بسببها." اندفع زيدان برأسه للأمام بعد أن كان مسترخيًا، واتكأ بمرفقيه على سطح المكتب وشبك يديه ووضعهم تحت ذقنه، لينظر إلى ماجد نظرة رعب قائلًا: "بيتي أنا؟ مصنعي أنا؟

ومش هيتخرب بسببها. هيتخرب لأني مشغل عندي واحد فاشل زيك جايبلي نتايج تعبها وهتشتغل عليها؟ تقدر تقولي أنت فين مجهودك؟ لم ولن يقبل أن يتحدث أحد عنها بسوء حتى ولو كان محقًا. واستطرد قائلًا باشمئزاز: "الظاهر إن سهرك عند أمير كل ليلة ضيع مخك. وطبعًا بتنقل أخباري له. اسمعني يا ماجد، قبل ما تيجي ريحانة كنت همشيك، بس قلت حرام أقطع عيشك طالما لقيت البديل."

استاء ماجد من طريقته المتعالية ونكس رأسه في الأرض. لينتفض على صوت زيدان الجهوري وهو ينهض متكئًا بيديه على حرفي المكتب قائلًا: "بس كل حاجة ماشية ضدي، حتى أنت وجودك ضدي؟ بدل ما تساعدني وتلاقيها، زي ما يكون ما صدقت إنها مشيت. طبعًا ما هي أوامر البيه أمير."

دلف في هذه اللحظة أمير، ولأول مرة يزور زيدان بالمصنع، حتى أن زيدان تفاجأ من مجيئه. ونظر إلى ماجد وعلم أنه الذي استدعاه لعدم تحمله. وجد أمير زيدان في حالة عصبية شديدة، فنظر إلى ماجد وعاتبه قائلًا: "إيه يا ماجد؟ أنا مش قلتلك اتصرف أنت حتى لو الشغل هيقف، بس أهم حاجة بلاش تضايق زيدان باشا؟ واضح إنك مش نافع. روح مكتبك." هز ماجد رأسه بطاعة وخرج من المكتب وأمير ينظر في أثره. ثم التفت ليجد زيدان ينقض عليه بغضب قائلًا:

"وحتى لو هو مضايقنيش، أنا مضايق خلقة وأنت السبب. آخر مرة شفتها فيها لما كانت عندك، كلامك خلاها تهرب. عارف؟ أنت عامل زي الشريك المخالف." أنزل أمير يد زيدان من على قميصه وأجلسه أمامه بهدوء قائلًا: "يعني أنت حاسس إن أنا السبب. طب ليه مقولتش لنفسك إنها كانت آخدة القرار من يوم اللي حصل آخر مرة في المعمل وأخدتني حجة؟ ابتسم زيدان بسخرية:

"ده أنا وصلتها بيت أمها. طلبت مني أرجعها بيت صاحبتها، بس زيها زي أي شخص هيقعد مع نفسه ويوزن الكلام اللي أنت قلته. نقاشي معاها حسسني بكده." حك أمير ذقنه بخبث قائلًا: "أنا ممكن أرجعها، بس طريقتي مش هتعجبك، وممكن هي ما تصدق تخلص من أمها. طالما هي استبيعت للدرجة دي، طب بس فين صاحبتها؟ جز زيدان على أسنانه وكور قبضة يده قائلًا:

"فكرت زيك وروحت ليها البيت. لقيتها بتفتح بكل برود وتقولي طفشت من خلقتكم. اللي هو أنا والعيلة اللي مجاش من وراها غير الغم." اقترب منه أمير بخبث قائلًا: "طب سيبك من الفكرة الأولى. ريحانة بتحب صاحبتها دي أوي. ويمكن بعدت عنها علشان متتأذاش زيها. إيه رأيك ما نخطفها؟ وبكده ريحانة هترجع." انتفض زيدان ونهض بغضب قائلًا: "وأنا خلاص ضاقت بيا الدنيا ألجأ إن أعمل حركة زي دي علشان سيادتها ترجع؟

لا مش أنا اللي أعملها، وحذار يا أمير تعملها من ورايا." ثم تحدث كفحيح الأفعى وهو يقف بجواره قائلًا: "أنا عارف إنك عايز تعمل حاجات كتير علشان ترجعها، بس طلع إيدك من الموضوع ده. ريحانة تخصني لوحدي. أعرف بس طريقها وأنا هتصرف." تنهد أمير وربت على كتفي زيدان يهدئه قائلًا:

"ريحانة شغالة في صيدلية في إسكندرية. الصيدلية صاحبتها ست محترمة، هي دورين. ريحانة بعد ما بتخلص بتطلع تنام في المعمل. وحقك عليا أنا جيت طبعًا المصنع اللي أنت مش بتحب تشوفني فيه. بس جيت علشان أقولك إنها من ساعة ما مشيت وأنا بدورلك عليها. أنا بس راوغتك في الكلام. حبيت أشوف هي إيه بالنسبة ليك. اتفضل العنوان أهو، ولو تحب أوصلك معنديش مانع."

بدون تفكير أخذ منه العنوان وأسرع نحو الباب لكي يذهب لها. ليجلس أمير على الكرسي يغمض عينيه يزفر بحنق، يندهش لسرعة زيدان في الوصول إليها تاركًا كل شيء غير مبالٍ. حتى أمر عتابه تركه. ماذا فعلت به تلك الريحانة؟

الأمر ليس بأمر زواج للانتقام من قصي وأمه فحسب، الأمر تصاعد إلى رغبة متوحشة فيها. هي من كسر الجليد بعنادها وكبريائها وشموخها ورأسها المرفوعة. كان يود أن يخلق حاجزًا بينهم ليخلصه منها، ولكن هي من تطلب الخلاص منه ومن عائلته وبشدة. رغم أن العرض المقدم إليها تتمناه كل الفتيات والأحسن منها حالًا، ولكن هي بحالتها هذه ترفض كل شيء. كل المغريات اختارت إراحة رأسها، لذلك هربت حتى من صديقة عمرها.

وصل إلى مكانها ودارت عيناه حول المكان الذي تقطن فيه. زفر أنفاسه التي كان المفترض أن يلتقطها بالأول فور وصوله مسرعًا. وضع يده على رأسه من التفكير في أمر جلوسها، نومها في هذا المكان. يشعر كأن الدماء تتدفق برأسه. أين كان عقلها؟ ألم يخطر على بالها أن من الممكن أن يدخل أحدًا إليها في منتصف الليل متسللًا؟

شعر بالسوء من نفسه أنه السبب الذي أوصلها إلى تلك الحالة. تناول هاتفه واتصل على أمير ليعلم منه عنوان الطبيبة صاحبة الصيدلية. أدار محرك سيارته واستمر في القيادة إلى أن وصل إلى منزلها، وذلك كلفه قطع طريق طويل. أخذ ما كان يبغي أن يأخذه منها وعاد إلى الصيدلية مرة أخرى. دلف إلى الصيدلية عن طريق مفتاح الطبيبة التي أعطته إياه عندما أبلغها أنه طليق ريحانة وردها إلى عصمته. صعد درجات السلم المؤدي إلى المعمل ودلف إليها وهي نائمة

تتحدث بصوت متقطع عن أمير وزاهر وقصي وعنه، ليتعالى غضبه وسخطه على نفسه وعليهم. جلس بجوارها إلى أن حل الصباح لتفتح عينيها وتتمطع وتفرد جسدها يمينًا ويسارًا. حتى التفت إلى يسارها لتتسمر في مكانها غير قادرة على إرجاع وجهها إلى الجانب الآخر، لتعتقد أنها ما زالت في كابوسها. لتخرج من هذا الشعور

على صوته الخبيث وهو يقول: "شفتي عرفت أجيب مكانك إزاي؟ قلتلك قبل كده هتروحي مني فين؟ أنا قدرك." ثم رفع سبابته يشير لها بالسلب مبتسمًا بخبث قائلًا: "ومحدش بيقدر يهرب من قدره إلا بالموت، وأنا مش حابب أموت." حاولت استعادة رباطة جأشها وتنهدت وردت بارتباك قائلة: "أنا كمان قلتلك اني مش هفضل لعبة قصادكم تحدفوني لبعض، ففضلت إني أبعد عنكم كلكم." ثم استطردت بحزن قائلة: "حتى عن أعز أصحابي. وأنت كمان لازم ترضى بكده."

أمرته، نعم أمرته، ولكن من تكون هي لتأمره؟ تعالى الغضب على وجهه وهتف حانقًا: "مين ده اللي لازم يرضى بكده؟ أنتِ مش عارفة بتتكلمي مع مين؟ فوقي لنفسك يا شاطرة." واستطرد بعنف قائلًا: "أنا مش قصي ولا زاهر علشان تؤمريني." سئمت منه ومن غلاظته معها لترد بضيق قائلة: "أنا مش بأمرك، أنا بقولك إن ده الحل الصح بينا. وبعدين أنت دخلت هنا إزاي؟ تلفتت نحو الباب قائلة بخوف: "كسرت الباب صح؟ طبعًا علشان أتحمل المسؤولية وأطرد بسببك."

نظرت إليه ولمحت شرارات الغضب تتصاعد أكثر وأكثر، ولكن لابد من انفجارها. فهتفت بعنف: "سيبني بقا يا أخي! ابعد عني! أنت عايز مني إيه؟ ثم وضعت يدها على رأسها تهتف بغضب وهي تنهض قائلة: "قلتلك أنا حتى الشغل معاك جابلي وجع الدماغ، وصاحبك مفكرني طمعانة فيك."

لا تعلم أن غضبه وضيقه ليس من حديثها فقط، لا ليس كذلك. لكن تفاقم غضبه من ارتدائها للشورت الأسود الذي تنام به في معمل وليس ببيت. تخيل لو كان بالفعل قصي وصل إلى مكانها وتراءت له تلك الفكرة الشيطانية للوصول إليها عن طريق صاحبة الصيدلية وشاهدها بهذا المنظر. نعم، هو طليقها ورأى تلك المفاتن من قبل، ولكن زيدان لا يستوعب الفكرة إطلاقًا. مؤكد أنه سيحن إلى تلك التفاصيل ويعاود جذبها له من جديد. ومن المؤكد أن عاطفتها نحوه ستعود إلى مجراها، فهو عشقها الأول. لم يستطع السيطرة على شعوره، فاقترب منها ونظر إلى فخذيها المرمرين بغضب ليجز على أسنانه قائلًا

كفحيح الأفعى: "أنا خارج بره على بال ما تغيري المسخرة دي، نايمة في معمل كأنه بيتك؟ ثم استطرد باستياء قائلًا: "ولا على بالك إن زي ما أنا وصلت ليكي كان ممكن حد من العمال يجي قبلي." انتفضت ونظرت إلى جسدها، ورفعت أنظارها إليه لتجده يخرج من المعمل صافعًا الباب خلفه. لتلعن نفسها والغطاء الذي نزعته من عليها في لحظة غضب، وتزفر بحنق تحدث نفسها قائلة: "أنا إيه اللي بيحصل معايا ده؟ كان مستنيني فين الغلب ده؟ هو أنا ناقصة يا ربي؟

أنا طول عمري صابرة وساكتة، خلصني منه يا رب." ارتدت ملابسها سريعًا وخرجت من المعمل وهبطت إلى الأسفل لتجده منتظرها. لتلوي شفتيها وتبدأ عملها غير عابئة بوجوده. ليستوقفها قائلًا: "استني عندك، روحي اقلعي البالطو ده، وهاتي هدومك، إحنا هنمشي." قذف بقراره لها بدون مراجعة قائلًا: "أنا قلت لصاحبة الصيدلية إنك مش هتكملي معاها وهترجعي القاهرة علشان هنتجوز."

كأنه رمى بحجر في أذنها لكي لا تسمع شيئًا بعد عرضه، وأبدلها من امرأة معارضة إلى امرأة خرساء. لقد أتمم عليها الحزن الكامل. التفتت إليه بهدوء لتجده يقف أمامها مثل الحجر الصوان، لا يتزحزح ولا ينتظر رفضها، كأنه أصدر حكمًا دون مراجعة. سكون عم المكان، حتى صوت أنفاسهم لم يسمع. تحرك الحجر أمامها بلحظة وجلس بكل أريحية وهدوء ينظر إليها بجمود، كأن العالم كله له بدون منازع. شع من عينيه نور وصل إلى عينيها ليغشيها. استشعرت أنه مريض نفسي، ومرضه ليس له علاج سوى تنفيذ رغباته المريضة، حتى ولو كان إنسانًا سويًا. هو يمثل تضادًا لها في كل شيء. ألم ينظر لها وينظر إلى نفسه ويلاحظ هذا التضاد؟

هل سيتغير هذا التضاد بمجرد موافقتها؟ حتى لو تطابقت الظروف، هل ستتطابق الصفات؟ كل هذه الأفكار تدفقت إلى رأسها كتدفق الدماء الغزيرة، خاصة بعد فرمانه بالزواج منها. نظرت إليه بغضب وهو جالس أمامها لتندفع قائلة: "هو أنت بتصدر قرار رجوعي القاهرة معاك بناء على إيه؟ وإيه علشان هنتجوز دي تقصد جوازي أنا وأنت؟ ثم هزت رأسها بسخرية قائلة: "أكيد بتهزر، دي حاجة مستحيلة طبعًا."

علم أنها ستراوغه بالحديث لتتهرب منه، فاندفع ونهض من مقعده متجهًا إليها بكل قوته وقام بسحبها إلى أن وصل إلى باب الصيدلية، ليجد الطبيبة مالكة الصيدلية تنظر إليهما بقلق، وإلى يده القابضة على يدها كأنها مقيدة، لتشعر أنه يرجعها إليه بالقوة. لتدلف ويتراجعا إلى الخلف إثر دلوفها، لتغلق باب الصيدلية خلفها، ناظرة إليهما وتأمره قائلة:

"سيب إيدها. أول مرة يخيب ظني بصحيح. في البداية خاب ظني فيها لما هي كذبت عليا وقالت إنها مطلقة من سنة، وأنت جيت امبارح كدبتها وقلت إنك رجعتها لعصمتك، يعني لسه مطلقين جدد. بس اللي أنا شيفاه إن ده مش شكل اتنين كانوا متجوزين من أساسه."

تقدم منها بدون أي خوف ليزيحها بيد واحدة من أمامه، ولكنها ما زالت متسمرة في مكانها. ليبتسم بخبث ويهز رأسه بسخرية ويلمع الغضب في عينيه، ويمد يده إلى جيب بنطاله الخلفي ويلتقط سلاحه ويرفعه ليصوبه نحوها. فترتعد وتبتعد عن الباب وهو يسحب ريحانة أمامها وهي جاحظة لما يحدث. ليلتفت خلفه قائلًا من بين أسنانه للطبيبة: "هااا؟ إيه رأيك؟ شيفانا متجوزين ولا شايفة واحد خاطف واحدة؟ ثم مط شفتيه بلا مبالاة قائلًا:

"عمومًا مهمنيش، شوفتينا إزاي؟ اللي يهمني متلعبيش بعداد عمرك معايا." شاهدها وهي تحاول ضرب أرقام في هاتفها، وبلمحة بصر وبحركة انسيابية ارتد إليها وهو ما زال ممسكًا بريحانة بقبضة يده والتي كانت تتألم منها بشدة. انقض على الطبيبة وخطف هاتفها وسحقه أرضًا، ليضغط عليه بحذائه ويحطمه قائلًا وهو يرفع عينيه برعب: "إيه؟ كنتي ناوية تتصلي بجوزك رائد الشرطة مثلًا؟ ما أنا عارف إن جوزك رتبة، بس رتبة متسواش عندي حاجة."

ثم لوى شفتيه بإستهزاء قائلًا: "وعلى فكرة، أنا اسمي زيدان الجمال مش قصي السبعاوي. وابقي اتأكدي من هوية اللي يجيلك قبل ما تعطيه المفتاح يا مرات الرائد." كان يريد أن يفعل الكثير بالطبيبة، ولكن أبعدته ريحانة ليخرجا من الصيدلية وهي تنظر إلى الطبيبة نظرة أسف. لتمشي معه إلى جراج السيارات ويفتح باب السيارة لتدلف إليها. ولكن استوقفته قبل أن تدلف قائلة بهدوء: "ممكن يا زيدان باشا تاخدني مكان مقطوع وتقتلني وتدفني هناك."

اندهش من استسلامها. فأراحت دهشته قائلة: "علشان أنا لا يمكن أتجوزك ولا أعاشرك، خصوصًا بعد اللي شفته منك من شوية." ابتسم بسخرية وهو يدخلها بالجبر إلى سيارته ويلتف ليجلس بجوارها قائلًا: "وهو اللي شفتيه دلوقتي ده حاجة؟ ده نقطة في بحر زيدان الجمال. اجمدي كده، هتعملي إيه وأنتِ في ليفل الوحش." ثم رفع سلاحه يتلاعب به قائلًا: "التقيل جاي ورا. أنا مش هقتلك. أنا هعلمك تقتلي اللي قتل فرحتك."

هزت رأسها برفض ترفض كلامه. وتتسلل بيدها لتفتح الباب. فينقبض عليها بعنف لتصبح محاصرة بين ذراعيه وينظر إليها بغضب قائلًا: "عارفة حركة ندالة تانية هعمل فيكي إيه؟ مش هقتلك، بس هخليكي تتمني الموت أضعاف مضاعفة عن طريق تليفون صغير لأمير يضيع صديقتك نورا." شهقت مما قاله ليؤكد لها حديثه وهو يهز رأسه قائلًا: "للأسف بتضطريني أخرج أسوأ ما عندي، مع إن نفسي أظهر لك أحلى ما فيا، وحابب أبدأ من دلوقتي."

هو لا يريد إظهار أجمل ما لديه لكي ترضى به، ولكن اقترابه منها جعله يهلك من حلاوة تفاصيلها التي أثارته وتثيره في كل مرة يقترب منها، ليصل حد الثمالة. أي رجل يرفضها؟ اقترب أكثر والتهم شفتيها بدون سابق إنذار أو أعذار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...