أخبرني صديقي المقرب أنه يحب فتاة وسيذهب مع أهله لخطبتها مساء اليوم التالي لأنها من بلدة أخرى. كنت أعلم أن تلك الفتاة ظهرت في حياته فجأة واستطاعت كعادة كل النساء في البداية، قبل أن تنكشف حقيقتها، أن تشقلب كيانه وحياته. ورغم أنه كان يتحدث عنها كثيراً، إلا أنه كان غامضاً. طوال شهر لم يذكر لي اسمها ولا مدينتها، حتى هو نفسه لم يحصل على تلك المعلومة إلا قبل الخطبة بيوم.
ودعته مساء ذلك اليوم وانتظرت عودته حتى أسهر معه، بقيت الليلة. لكن صديقي تأخر، وعندما أُفقت من نومي صباح اليوم التالي، لم يكن لا هو ولا عائلته قد عادوا. هاتفته أكثر من مرة وكان هاتفه به خاصية غريبة، لم يجمع إرسال ولا مرة. هاتفت والده وحدث معه نفس الأمر، حتى أنني اضطررت لمُهاتفة أخته التي أحبها سراً، وكان هاتفها مغلقاً. قلقت جداً، رغم ذلك قررت أن أنتظر. لم يظهر أحد من عائلة صديقي.
انتشر خبر اختفاء عائلة صديقي بين الناس. الغريب، لا أحد منهم ولا حتى أنا يعرف اسم المدينة التي ذهبوا لها، ولا اسم الفتاة، ولا حتى عائلته. تم إبلاغ الشرطة، وبعد بحث دقيق تبين أن السيارة التي كانت تقلهم سقطت من فوق كوبري في مصرف ري وغرق سائقها. لا أحد أحد غيره رآهم، ولا أحد يمتلك أدنى معلومة عنهم. واصلت لأيام الاتصال على هاتف صديقي وهاتف حبيبتي بلا فائدة.
وغمرت البلدة إشاعات أن عائلة صديقي التي حضرت لبلدتنا منذ عقود ولا أصل لهم، قتلوا ثأراً لجريمة ارتكبوها في الماضي. بعد أن فشلت الشرطة في إيجاد خيط يدلهم على الجاني، أغلقوا القضية. لديهم أشياء أخرى أهم. غمرني شعور باليأس. لم أتحمل فكرة موتها قبل أن أقبلها وأضمها لصدري وأرتشف عبقها. أواعدها سراً من خلف أهلها، لنُسرق نزهة تحت بلطة الحذر على شاطئ النيل. حياة لعينة، قاسية، غير عادلة.
قررت أن لا أتوقف عن البحث عنها وعن سبب اختفائها. كان الأمر أشبه بالأحجية. تسللت لمنزلهم المهجور، هناك فتشت في غرفة صديقي عن أي اسم أو رقم هاتف، أي إشارة تقودني في الظلمة. لم أجد ولا دليل واحد. كانت كل الغرف منظمة، نظيفة كأنها رُتبت. شيء غريب، صديقي أحمد مُعفن، أنا أعلم ذلك، تقطع رقبته ولا تطلب منه أن يطوي غطاءه. لكن غرفته مرتبة جداً، الأرضية لامعة، الملابس في مكانها، ولا عبارة على الجدار أو على الطاولة.
دخلت غرفة يارا، اه، صدمتني نسمة خيالية من عبيرها جعلتني أرتعش. سريرها مرتب، أدوات التجميل في مكانها. تركت كل ذلك وفتحت خزانة ملابسها. حدقت بكل شيء داخلها وفتشته. قمصان النوم مطوية بحنكة، القمصان أيضاً، الملابس الداخلية في علب بلاستيكية حسب اللون. مدهش، حضرت هنا عدة مرات وأتذكر على وجه الدقة أن المنزل كان يسبح في الفوضى. ألقيت بجسدي على سرير يارا واحتضنت وسادته. لا رائحة لها في المكان.
كل ملابسها نظيفة، عبقها رحل معها. كان لها صورة باهتة على الجدار. نزعتها وقربتها من شفتاي وقبلتها. كيف ذلك؟ كل غرف المنزل مرتبة. شككت أنهم كانوا ينون الرحيل، لكنها فكرة عرجاء غير مجدية. قصدت المطبخ، فتحت الثلاجة، لا وجود لبقايا أطعمة. الفريزر خالي إلا من عبوات مياه. حتى أواني المطبخ نظيفة، مرصوصة بعناية. هناك شيء لا أفهمه. هل حضر أحد للمنزل؟ المنازل لا تنظف نفسها، إنها بركة عفونة. ليل بخوف: كيان... أهديك.
كيان بخوف: ليل... بنتي؟ بنتي فين؟ ليل: لسه هتقوم. كيان: اتوجعت جامد... اااه. ليل مسك إيدها بخوف: كيان فيكي إيه؟ انتي لسه تعبانة، متحركيش. كيان بدموع: عايزة بنتي، هاتولي بنتي. ليل حاوط وشها: اهدي يا قلبي، كنزي برا مع زهرة، اهدي عشان متعبيش. كيان بصت في عيونه: بجد بنتي كويسة؟ ليل باس راسها: بجد، يلا علشان تستريحي بقا، انتي تعبانة. كيان وهي باصة ليه: ليل... عايزة أشوف كنزي. ليل بحب: حاضر، هتشوفيها يا حبيبتي، اهدي.
الدكتورة دخلت واتكلمت: عاملة إيه دلوقتي؟ كيان: الحمد لله. الدكتورة: الحمد لله، كل حاجة في إيد ربنا، مش عايز اكي تزعلي. كيان باستغراب: أزعل ليه؟ الدكتورة لسه هتتكلم. ليل وقفها: اتفضلي حضرتك، وأنا هقولها. الدكتورة خرجت، وكيان اتكلمت: هتقولي على إيه يا ليل؟ في إيه؟ ليل قعد جمبها وخدها في حضنه: أنا مش عايزك تزعلي من أي حاجة، أكيد ربنا هيعوضنا. كيان بخوف: ليل... كنزي كويسة، متخوفنيش أرجوك.
ليل: كنزي كويسة، بس انتي كنتي حامل وأجهضتي. كيان اتصدمت ودموعها نزلت: أنا كنت حامل؟ ليل بحب: بس يا كياني، إحنا لسه العمر قدامنا، مش عايز أشوف دموعك. غير كده، لولا إنك مستسلمتيش ومسبتيش كنزي، يا عالم كان إيه اللي هيحصلها. كيان حضنته جامد: كنت حاسة يا ليل، يارب. ليل رجع شعرها لورا: بس يا حبيبتي، المهم إنك بخير وكنزي بخير. كيان: الحمد لله على كل حال، أنا راضية بكل حاجة. ليل بابتسامة: ربنا هيعوضنا إن شاء الله.
كيان بحزن: إن شاء الله. سمر: أيوه يا سمير، أنا عايزاك تحجزلي تذكرة سفر للندن في أسرع وقت، عايزة أكون النهاردة برا مصر، فاهم. سمير: عملتي إيه يا سمر؟ أنا عارفك. سمر بحقد: أنا ملحقتش أعمل، بس أوعدك هعمل. سمير: سمر، بلاش، الا ليل، يا سمر، مش عارف انتي متعلقة بيه ليه. سمر بتملك: ليل ملكي، وأنا مش بحب حاجة تكون ملكي تروح لغيري، فاهم. سمير بحده: بقولك إيه، أنا هحجزلك تذكرة ومفيش رجوع لمصر، فاهمة. سمر بغضب: انت بتقول إيه؟
انت مش هتتحكم فيا، فاهم؟ وأنا هرجع تاني وهنتقم منهم كلهم. سمير: سلام، سلام، هشوفلك حل في مصايبك دي. سمر قفلت ورمت التلفون بغضب: أنا لازم آخد حاجتي وأطلع بسرعة من هنا. باسم: انت متأكد من اللي بتقوله؟ شخص: أيوه يا بيه، سمعت إنها هتتجوز. باسم: طيب، بلغني بكل جديد، انت فاهم.
باسم قفل بغضب: ماشي يا زهرة، أنا قولتلك إني حتى لو مش بحبك، لكن انتي ملكي، وأنا مش بحب حاجة ملكي تكون لغيري، أنا هوريكي تتجوزي إزاي أو تفكري في إنك تتجوزي أصلاً. أنا هوريكي انتي وأختك وهندمكم على كل اللي عملتوه. سليم: زهرة، انتي تعبتي من القعدة؟ أنا هحجزلك أوضة تدخلي تريحي فيها شوية. زهرة بنفي: لا يا سليم، انت مرتاحة كده. وبعدين كنزي نامت، خليها عشان متفوقش.
سليم بهدوء: مش هينفع يا زهرة، كيان دلوقتي كويسة، وانتي كده هتتعبي. والا انتي جاية تتعبي قبل الفرح؟ زهرة بخجل: بس بقا يا سليم، وبعدين أنا مش هرتاح غير لما أشوف كيان راجعة البيت وكويسة. سليم لسه هيتكلم. ليل قاطعه: بس كيان كويسة وهتخرج. زهرة بفرحة: بجد؟ ليل: أيوه، هتخرج، وأول ما تخرج هنكتب كتب كتابك انتي وسليم. زهرة بصدمة: إيه؟ لا بس أنا... ليل: مش عايز نقاش، أنا قولت كلمة يا زهرة. زهرة بصت لسليم عشان يتكلم.
سليم: تمام يا ليل. ليل: نفذت اللي قولتلك عليه؟ سليم: أيوه يا ليل، كل حاجة تمام، متقلقش. ليل بص ليه وهز راسه ومشي. زهرة بغضب: انت إزاي توافق على كده؟ أنا مكنتش موافقة يا سليم. سليم بهدوء: في الأول والآخر هنتجوز يا حبيبتي. زهرة بحدة: بس مش في يوم. وليه ألاقي نفسي مراتك يا سليم؟ سليم غمز بعبث: وإيه يعني اللي هيتغير؟ غير إنك هتكوني في حضني. زهرة نزلت عينيها في الأرض ووشها بقى أحمر من الخجل. سليم: إيه القمر ده؟
قمر حتى في زعلك. زهرة ضحكت. كيان: ليل، بس بقا، أنا هلبس لوحدي. ليل بنفي: هساعدك يا كيان. كيان بضجر: يا ليل بقا، بطل رخامة. ليل: هو أنا هشوف حاجة مشوفتهاش؟ انتي مراتي يابت. كيان ضربته في كتفه بخجل: بس بقا، انت قليل الأدب يا ليل. ليل بحب: هنشوف الموضوع ده بعدين. كيان دفنت وشها في صدره بحب، وليل لف إيديه حوالين وسطها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!