في اليوم التالي لعزال ابتهال، كان يوم إجازة وقرر بعض أصدقائها المقربين أن يذهبوا ويساعدوها في فرش منزلها الجديد. ظلت ابتهال طوال الليل تفرش غرفتها وتضع أشياءها في أماكنها حتى شعرت بإرهاق شديد وخلدت في نوم عميق. في منزل ابتسام، اتصلت بعمران وألحت عليه أن يأخذها لمنزل ابتهال. تحت ضغط من ابتسام، قرر عمران أن يأخذها، ولكن اتصل بوفاء أولاً وأخبرها أن يجعلها تذهب.
مر عمران على منزل ابتسام، وجدها جالسة تنتظره. أخذها وتوجهوا لمنزل ابتهال. في منزل ابتهال، كان الجميع منشغل. أتت منى، صديقتها المقربة، وقررت أن تساعدها في فرش المطبخ، والأخريات في الصالة ومساعدة منى في المطبخ. وتركت ابتهال الغرفة الثانية فارغة، اكتفت فقط بالأساسيات التي تحتاجها. وصلت ابتسام برفقة عمران لمنزل ابتهال ووجدت أصوات ضحك آتية من شقتها. طرقت ابتسام على الباب وفتحت لها إحدى أصدقاء ابتهال. "مين حضراتكم؟
"أنا ابتسام، مامت ابتهال، وده عمران ابن عمها." "أهلاً يا طنط، اتفضلي." دخلت ابتسام وتركت عمران خارج المنزل حتى تنتبه باقي الفتيات. وجدت ابتهال تمزح مع أصدقائها. لأول مرة ترى ابتسام الابتسامة على وجه ابنتها. وقفت ابتسام في منتصف الصالة تنظر حولها، تشعر أنها غريبة. ضحك، حكايات متداخلة، وأصدقاء يحاولون خلق فرحة وسط شقة لم تدب فيها الروح بعد.
كانت ابتهال واقفة بجانب منى، تضحك من قلبها وهي تحكي موقفًا حصل لهما أيام الجامعة. وفجأة لمحت والدتها. سكتت لحظة، نظراتهما تقابلت، لكنها لم تقل شيئًا. لم تعرف ماذا تفعل. شعرت منى بالتوتر الذي بدأ يظهر عليها، واقتربت من ابتسام بابتسامة خفيفة. "حضرتك أم ابتهال؟ "أيوه... "أهلاً يا طنط، إحنا أول مرة نشوف حضرتك. أنا منى صاحبة ابتهال من أيام الجامعة، ودول أصدقائنا." وبدأت تعرفهم على المتواجدين.
"اتفضلي اقعدي يا طنط، تشربي إيه؟ شعرت ابتسام أنها غريبة بجوار ابنتها. من المفترض أن يكون ذلك دورها أن تسألهم ماذا يشربون، وليس العكس. حاولت فتح جو من الألفة. "لا يا حبيبتي، أنا مش هشرب. أنا جاية أساعدكم. إيه رأيكم هعزمكم النهارده على الغدا؟ أجابتها منى: "شكراً يا طنط، أنا ماما هتجهز الغدا وهتبعته مع أختي لما يخلص. إحنا بيتنا قريب من هنا وماما بتحب ابتهال، وهي عاملة الأكل اللي بنحبه."
ثم نظرت لباقي البنات: "يلا يا بنات، إحنا كده مش هنخلص النهارده. يلا ماما عملتلكم محشي، اللي مش هتخلص مش هتاكل معانا." بدأ البنات في المزاح مرة أخرى وبدأوا يسرعون في عملهم حتى ينتهوا في أقرب وقت. أجابت إحدى صديقات ابتهال: "بقولكم إيه، إحنا سايبين عيالنا مع أهالينا عشان نقعد براحتنا وننبسط، عايزين نخلص بسرعة عشان نلحق نقعد مع بعض شوية." بدأ البنات في المزاح، وكل منهم ذهبت لتكمل عملها.
كانت تنظر لهم ابتسام لا تعلم ماذا تفعل أو من هم هؤلاء الأصدقاء. من منهم يحب ابنتها حقًا ومن يتظاهر؟ لم تستطع أن تكون لها أما تنصحها في مراهقتها كما كانت تفعل مع فردوس. تذكرت وجود عمران ووقوفه خارج الباب. خرجت له ابتسام وطلبت منه أن يوصلها لمكان تجلب منه بعض الحلوى والمشروبات. وبالفعل، ذهبت ابتسام برفقة عمران واشترت تورته كبيرة وبعض المشروبات الغازية. وعادت لمنزل ابتهال وطلبت من عمران أن يذهب وشكرته.
ولكن عمران صعد معها وتحدث مع ابتهال وسألها إذا احتاجت شيئًا وتركها حتى تظل براحتها مع أصدقائها.
ظل الجميع يعمل على قدم وساق إلى أن انتهوا. وحاولت ابتسام الاشتراك معهم في أحاديثهم وظلت تسألهم كيف عرفوا ابتهال. وأخبروها أن ابتهال صديقة قديمة لهم من أيام الدراسة وقبلها من أيام الثانوية، وأن مساعدتهم لها جزء مما فعلته معهم ابتهال، فهي كانت تقف مع الجميع ولا تبخل بمساعدة أحد منهم، ووجودهم اليوم معها جزء من رد جميلها إليهم.
انتهوا أخيراً من تنظيف وتنظيم المنزل، وأتت أخت منى ومعها الطعام الذي أحضرته والدتها. وبعد الانتهاء من الطعام، أحضرت ابتسام الكعكة التي جلبتها وظلت تتحدث مع ابتهال وأصدقائها واندجت معهم في الحديث واكتشفت أنها لا تعلم شيئًا عن ابنتها. مر اليوم سريعا وانصرف البنات، وظلت ابتسام جالسة مع ابتهال. وساد الصمت في المكان. "ابتهال، أنا لاحظت إن في أوضة واحدة بس مفروشة." "آه، أنا جبت حاجات بسيطة وأفرشها بقى بعدين."
"طيب، أنا هبات فين؟ نظرت لها ابتهال بتعجب، فهي ظنت أنها ستنصرف أو سيأتي عمران ليوصلها مرة أخرى. "نامي في الأوضة وأنا هبات في الصالة." "طيب ما نبات أنا وأنتي في الأوضة؟ هو عيب؟ أنا مش غريبة، أنا مامتك." نظرت لها ابتهال للحظات، نظرة فيها اندهاش. كانت تحاول تفهم، هل فعلاً والدتها تريد التقرب؟ أم هذه لحظة عابرة من لحظات الندم التي تأتي وتروح؟ تنهدت وقالت بهدوء: "لا يا ماما... مش عيب... بس يمكن أنا اللي مش متعودة."
"متعودة على إيه؟ "متعودة أنام لوحدي." "معلش استحمليني النهارده بقى، كان يوم مرهق وطويل، وما تخافيش أنا ما بتحركش وأنا نايمة." أومأت ابتهال رأسها، لا تعلم ماذا تفعل، فوالدتها تحاول اقتحام حياتها. خلدت ابتسام وابتهال على السرير، ولم تستطع ابتهال النوم، عكس ابتسام، فأخذت أحد الأغطية وخرجت لتنام في الصالة. وأثناء خروجها، وجدت اتصالاً من عمران. ابتسمت ابتهال وأجابت عليه. "ألو عمران." "روح عمران وقلبه."
"عمران، لو سمحت ماينفعش كده، وبعدين عيب على سنك." "ماله سنى؟ 😅😅 يسمح على فكرة، انتي بس اللي مكسوفة زيادة، بس معلش بكره تتعودي." "انت متأكد إنك دكتور؟ "اه، وبعد بكره افتتاح العيادة، ولازم تكوني موجودة عشان أعرفك على زمايلي." "حاضر، زي ما وقفت جنبي لازم أقف جنبك."
"لا يا ابتهال، ماينفعش يبقى وجودك معايا رد جميل. أنا ماليش جمايل عليكي عشان ترديها. أنا عايزك جنبي بصفتك حبيبتي وخطيبتي وبنت عمري وشركتي ومراتي المستقبلية اللي ببني حياتي ونجاحي معاها خطوة بخطوة، وحابب إنها تكون حاضرة كل نجاح بعمله."
ابتسمت ابتهال بخجل، وهي لا تزال تمسك بالهاتف في يدها كأنها تخشى أن تهرب منه الكلمات التي قالها منذ لحظات. حديثه لم يكن فقط كلمات، كان دفء ناعم تسلل بين ضلوعها، دغدغة رقيقة مست حياءها الأنثوي، وأربكت سكونها. لم تكن معتادة على هذا النوع من الاهتمام، كلامه اخترق كل الجدران التي بنتها حول نفسها، ولمسها من الداخل، لمسة لم تكن خادشة، بل حنونة، مطمئنة، ومربكة في ذات الوقت. كل حرف خرج منه كان كأنه بيت له مكان خاص في صدرها، وصوته كان أشبه بموسيقى بطيئة تعزف على وتر قلبها المنكمش، فجعلته ينبض على إيقاع جديد، إيقاع فيه نبض اسمه "أنثى مرغوبة ومحبوبة".
أنهت المكالمة بخجل من ذلك الحديث. نظرت لوجهها في مرآة أمامها، ورأت بنتًا جديدة تولد من قلب الخجل، وعيونًا تتألق بشيء يشبه الاعتراف الخفي، اعتراف لا يقال، لكن الدمعة الصغيرة التي لمعت في زاوية عينها كانت شاهدة عليه. دمعة سعادة وفرح وليست دمعة حزن.
في اليوم التالي، استيقظت ابتسام أولاً ووجدت ابتهال تنام في الصالة. دخلت المطبخ ووجدت بعض الأساسيات غير متواجدة. ذهبت لتشتري بعض الأطعمة والشاي ومستلزمات الطعام لتضعها في منزلها الجديد.
بالرغم أن منزل ابتهال صغير عكس منزلها، إلا أنه كان مريح، وذلك الأثاث البسيط جعله أكثر راحة، فهو فقط عبارة عن غرفتين صغيرتين ومطبخ وصالة. وضعت ابتهال ركنة في الصالة والمطبخ ليس به كثيراً من الأشياء، يكاد يكون فارغاً، فقط أحضرت به المستلزمات الأساسية وغرفة نومها وغرفة أخرى فارغة.
انتهت ابتسام من شراء بعض الأشياء وعادت للمنزل وقامت بتحضير الطعام ووضعته على الطاولة الصغيرة أمام الركنة التي تنام عليها ابتهال وقامت بإيقاظ ابتهال لتأكل معها. استيقظت ابتهال واستغربت من تصرف والدتها. تناولوا الفطور في جو هادئ، وبعدها دخلت ابتهال المطبخ وجدت تلك الأشياء التي جلبتها والدتها. خرجت لها مرة أخرى لا تعلم بما تناديها، فقررت الدخول فورًا في الحديث. "هو حضرتك اشتريتي الحاجة دي إمتى؟
"وإنتي نايمة نزلت اشتريتها وجيت." "طيب حسابها كام؟ "نعم؟ "حضرتك جبتي حاجات في بيتي، طبيعي أسألك حسابها." "أنا أمك لو ناسيه." "أنا متعودة على كده، مش هعرف آخدهم." "لا يا ابتهال اتعودي على كده، مافيش بنت بتدي فلوس لأنها المفروض العكس، لو احتاجتي حاجة أنا اللي أديكي." قطع صوت حديثهم اتصال فردوس بوالدتها وطلبت منها أن تأتي لتجلس مع أبنائها حتى تذهب لوفاء. "حاضر جاية، مش هتأخر. جهزي انتي عشان لما أجي تنزلي على طول."
"ابتهال، أنا ماشية دلوقتي، لكن هاجي تاني، والكلام اللي قولتييه من شوية ده مش عايزة أسمعه تاني." حاولت أن تعترض ابتهال مرة أخرى، ولكن تركتها ابتسام ورحلت. في منزل فردوس، كانت مترددة في الذهاب لوفاء، تفكر ألف مرة. هل تذهب وتفعل كما فعلت ابتهال؟ هل ستساعدها وفاء أن تتغير كما ساعدت ابتهال؟ أنهت ذلك الصراع بقرارها بالذهاب لوفاء.
أتت والدتها وتركت فردوس معها أبناءها وذهبت لوفاء كما اتفقت معها أمس عندما اتصلت بها. فعندما تركتها والدتها وذهبت لابتهال، بدأت تشعر فردوس بالخوف من ضياع كل شيء من يدها وظنت أن والدتها ممكن أن تتخلى عنها، فقرت الذهاب لوفاء لعلها تساعدها أن يعود إليها كل شيء كما في السابق. دخلت فردوس العيادة واستقبلتها وفاء، وكانت ترى التردد في عينيها. دخلوا الغرفة الخاصة بالكشف. جلست وفاء على مكتبها وكانت أمامها فردوس.
"إزيك يا فردوس، عاملة إيه؟ "الحمد لله بخير." "أنا مبسوطة إنك جيتلي النهارده... ومش هسألك عن السبب اللي خلاكي تيجي طالما جيتي يبقى أكيد انتي محتاجة تتكلمي مع حد صح؟ "لأ مش كده.... أنا جيت عشان حاسة إني تايهة وكل حاجة بتروح مني." "إزاي؟ "جوزي راح وماما حالياً بتقرب من ابتهال، ولو ماما راحت أنا مش هلاقي حد جنبي." صمتت وفاء، تركت لفردوس المجال للحديث، فهي من البداية تريدها هي لأنها هي من تحتاج للمساعدة.
"فردوس، إنتي ماكنش ليكي أصدقاء وإنتي صغيرة؟ "لأ." "ليه؟ احكي يا فردوس وأنا سامعاكي، ما تقلقيش كلامنا مش هيطلع بره الأوضة دي."
"وأنا صغيرة ماما وبابا كانوا بيخافوا عليا أوي، ماكنوش بيخلوني ألعب مع حد، بيخافوا حد يعضني أو يضربني أو يضايقني. حتى ابتهال كان بيني وبينها حاجز دايما زيها زي باقي قرايبنا. كبرت وخفت بس هما مش شايفيني بكبر ولا بخف. كانوا قرايبنا بييجوا يزورونا ومعاهم ابتهال، كنت بشوف إزاي ابتهال بتلعب معاهم وتتفاعل معاهم، عكسي اللي ماكنش ليه صحاب بسبب خوف أهلي. اتململني شعور إني عايزة أبقى مكان ابتهال زيها، عايزة صحابها، عايزة قرايبنا، عمامي وعمتي وتيتا يحبوني زيها."
"بس إنتي كنتي بتتمتعي بحب باباكي ومامتك عكس ابتهال. باباكي ومامتك كانوا بيحبوكي عشان كده بيعاملوكي بالطريقة دي، إنما ابتهال كانوا بيشفقوا عليها وهي كانت بتحس بده، وفيه فرق كبير بين الحب والشفقة. الحب بيكون مستمر مدى الحياة، إنما الشفقة وقت وتروح، والدليل فين عمتك دلوقتي؟ حتى عمك بيحب ابتهال وبيشفق عليها وبيعتبرها زي بنته، بس عمرها ما هتكون في مكانة بنته. كملي، أنا عايزيكي تطلعي كل اللي جواكي، أنا سامعاكي ومش هقاطعك."
"بعد ما كبرت جت ابتهال تعيش معانا بعد وفاة تيتا، ووقتها حسيت إني ممكن أكون زيها وقرايبنا يحبوني زيها، بما فيهم عمران." "وقدرتي تعملي كده؟ "في الأول قدرت، وأنا وعمران بقينا أصدقاء، حتى مرات عمي لاحظت إننا قريبين من بعض وبدأت تلمح بارتباط، وماما كانت بتشجعها وبابا كان عمي لأ عشان هو بيحب ابتهال أكتر وعايز يجوزها عمران." "طيب عمران عمل إيه؟ "بعد عني وبعدها سافر." "فردوس، إنتي بتحبي ابتهال؟
طيب بلاش، عايزيكي تحكيلي من الأول خالص من بداية طفولتك، كل حاجة بالترتيب، ممكن؟ وأنا هسمعك، مش هقاطعك تاني والمرة دي بجد؟ ياترى فردوس هتقول إيه؟ وهل تلك الأسئلة والإجابات العشوائية هتساعد وفاء تعرف الماضي بشكل صحيح وبعيون فردوس؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!