الفصل 17 | من 29 فصل

رواية جحيم الغيرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
18
كلمة
2,128
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

كانت تجلس في حديقة ذلك المركز، تنظر حولها بهدوء، تنظر فقط في الفراغ. حديث وفاء اليومي معها جعلها ترى جانبًا آخر من حياتها، جعلها ترى الجانب الإيجابي، تنظر لنصف الكوب الممتلئ. بل وجعلها أيضًا تشعر بالشفقة على أختها، ولكنها لم ولن تستطيع أن تسامح والدتها أو والدها، فهما من جعلاها فاقدة للثقة في ذاتها، دائمًا تشعر أنها أقل من غيرها، رغم أن العكس صحيح.

لم تضغط عليها وفاء في ذلك الأمر، فكل شيء يأتي تدريجيًا. فالنتيجة التي وصلت لها مع ابتهال في ذلك الوقت القصير، بالنسبة لها، نتيجة مبهره. ولا تنكر وفاء، في كل مرة تنظر فيها لابتهال، أن بداخل هذه الفتاة المكسورة، امرأة شجاعة، بتحاول تنهض رغم كل شيء يجذبها للخلف.

كانت تراقبها من بعيد، وهي جالسة في الحديقة، شعرها منسدل على كتفها، وعينيها ثابتة في نقطة لا يراها أحد غيرها. اقتربت وفاء بهدوء، وجلست على الكرسي المقابل، دون أن تتكلم. قالت ابتهال بعد لحظة صمت: "عارفة... يمكن لو كنت خُلقِت في بيت تاني، كان زماني دلوقتي حد تاني خالص." ردّت وفاء بلطف: "ويمكن… رغم كل اللي حصل… أنتي دلوقتي أقوى من ناس كتير اتربّوا في بيوت شبه الجنة." ابتسمت ابتهال، ابتسامة صغيرة... لكنها حقيقية.

تحدثت وفاء مع ابتهال عن ما تنوي أن تفعله بعد أن تخرج. "أنا ناويه ابعد عنهم، مش عايزه اعرف عنهم حاجة، ولا عايزاهم يعرفوا عني حاجة، لا عايزه اعرف عنهم حاجة." "وياسين؟ "هبعد عنه، مش هكمل في الغلط، مش هبوظ الباقي من حياتي عشان خاطرهم. كفاية الماضي المشوه اللي اتسببوا فيه، مش هيبقى الماضي والحاضر.... ماتقلقيش يا دكتورة، صدقيني أنا ناويه أصلح اللي بوظته ومش هبوظ حياتي أكتر من كده."

"برافو عليكي يا ابتهال. بكرة بإذن الله هتخرجي وهترجعي لشغلك تاني." "بإذن الله. أنا متحمسة أوي لشغلي وأني أشوف صحابي وأرجع الجيم تاني." ابتسمت وفاء بحب وأكملت حديثها: "صحيح، أنا جت هنا أقولك إن عمران بره وعايز يقابلك، وشكله كده مش هيمشي غير لما يقابلك." حاولت ابتهال أن تخبئ ابتسامتها، ولكنها ظهرت رغماً عنها مع لمعة عيونها بالدموع. أمسكت وفاء كف يدها: "لو لسه بتحبيه، اديله فرصة...

هو بيحبك بجد. وكل يوم يجي هنا، مش قادرة أنسى شكله أول يوم لما جالك وكنا مانعين الزيارة. كان عامل زي الطور الهايج، لدرجة إن مدير المركز لأول مرة يسمح لحد إنه يقابل مريض داخل تاني يوم." ضحكت ابتهال بخفة، ومسحت دموعها بطرف كمّها، وقالت: "أنا... أنا مش عارفة لسه أحبه ولا لأ. بس اللي متأكدة منه إني بقيت بحب نفسي أكتر، وده لوحده كفاية دلوقتي." هزّت وفاء رأسها برضى، وقالت:

"وإنتي كده بتبدأي من أول الطريق… مش بحد، لكن بنفسك." وقفت وفاء، وهمّت بالخروج، لكنها توقفت عند الباب وقالت: "ها قررتي تشوفيه؟ أدخله؟ ولو لا… برضو قرارك هيكون محترم." ابتسمت ابتهال بخفة: "دخليه." "كنت عارفة." وبالفعل ذهبت وفاء وسمحت لعمران بالزيارة وأخبرته بخروج ابتهال غدًا. دخل عمران مسرعًا لابتهال، فهو يريد أن يراها. وجدها جالسة شارده أمامها. جلس عمران على المقعد الذي بجوارها. "ازيك يا ابتهال؟ وحشتيني أوي."

"الحمد لله، أنا كويسة وهخرج بكرة." "وحشتيني أوي أوي أوي، وأنا موحشتكيش؟ "بصراحة لأ." "إيه الكبسة دي... بس أنا عارفة إنك كدابة وإني وحشتك." "مش هتبطل غرور. وبعدين يا عمران، أنت ابن عمي، بس ياريت نتعامل من المنطلق ده. بلاش بقى كلامك ده. أنا وافقت إني أقابلك عشان عمي، بس غير كده لأ." سكت عمران لحظة، وبص لها بعيونه اللي دايمًا كانت بتفضحه أكتر من كلامه. "ابن عمك؟

ماشي، بس ابن عمك اللي كل يوم كان بيجيلك هنا ومش بيقدر ينام غير لما يعرف إنك بخير." ما ردتش، بس عضت شفايفها وهي بتحاول تمسك نفسها. "وابن عمك ده... اتعلم من غلطاته، وعارف إن اللي بينكم مايتبنيش على لحظة ضعف، لكن على احترام وصدق، وده اللي أنا جايلك بيهم دلوقتي." نظرت له أخيرًا، بنظرة فيها شجن وتحدي: "أنا مش البنت اللي كنت تعرفها، يا عمران." قرب شوية، وقال بصوت واطي: "وأنا كمان مش نفس الشخص...

بس لو هنبقى "إحنا" من جديد، لازم نبدأ من جديد… مش كابن عم وابنة عم، ولا كحبيبين مكسورين، لكن كاتنين... اختاروا يكملوا الرحلة سوا، بإيدهم مش بظروفهم."

"ابتهال أنا غلط زمان بس كان غصب عني. مش هبررلك أي حاجة عملتها، بس ملخص الماضي إني لو كنت سبت مكاني يوم ورجعت كنت هلاقي ميت واحد واخدينه. وقتها كان هيبقى عليا ديون كانت ممكن تسجني. أنا كنت واخد قروض واقساط بأسمي وباسم بابا، غير صاحبي اللي مشاركني. كنا ماسكين في شغلنا بإيدينا وسننا، وكنا بنشتغل بدل الشغلانة اتنين وتلاتة عشان نخلص من الاقساط اللي علينا. لما كنت ببني نفسي كنت شايفك معايا مستنياني، كنت بقول ده مستقبلنا، ولما أحكيلك أكيد هتعذريني. يمكن غلط...

لأ أكيد غلط إني سبتك لوحدك، بس ماكنش ينفع أرجع وقتها، كنت هخسرك وأنا مقضي عمري في السجن. بس المرة دي صدقيني أنا مستعد أحارب عشانك وأستناكي تاخدي كل الوقت اللي أنتِ عايزاه، بس وأنتي جمبي تحت عيني. خلاص فاضل أسبوع والمركز الطبي هيتفتح، وعايزك تكوني جمبي وتشوفي نجاحي ونجاحك. تشوفي الحلم اللي كنت بوصله وانتي كنتي معايا وشاغلة تفكيري. لو عايزة تبعدي مش هتعرفي، وأنا مش هسمحلك أصلًا إنك تبعدي." "هتحبسني ولا هتخطفني؟

"أنا حابس حبك جوايا من سنين. ولو على الخطف أنا مجنون وهعملها." صمتت ابتهال مبتسمة على طريقة حديثه الجديدة عليها. "سيبها بظروفها يا عمران، أنا عندي أخطاء محتاجة تصحيح عشان أقدر أفكر في ارتباط تاني." "هستناكي حتى لو هقعد عمري كله من غير جواز. بس الله يرضى عليكي فكري بسرعة، لحسن خلاص بقيت عانس." "أمال خطيبتك فين؟

"مش خاطب، أنا قلت كده لماما عشان أرتاح من ضغطها عليا في موضوع الجواز كل شوية تجيبلي عروسة لحد ما زهقت، فقولتلها إني خاطب." "ولما تعرف الحقيقة؟ "هتكوني انتي عروستي ووقتها مش هتقول حاجة." "واثق أوي إني هرجعلك؟ "عارفة ليه أنا واثق؟ لأني هسعدك وهكون عايش بس عشان أسعدك، وأنتي مش هتلاقي سعادتك مع حد غيري." "خلينا نشوف الأيام فيها إيه." أتت الممرضة وأخبرته بانتهاء وقت الزيارة. أجابها على مضض: "حاضر." ثم نظر لابتهال:

"أنا همشي دلوقتي وهجيلك بكرة بدري عشان أوصلك." أومأت له ابتهال بالموافقة دون رد، وجلست تخطط على ما سوف تفعله في أيامها القادمة. مر باقي اليوم مسرعًا، وقد حددت ابتهال أهدافها جيدًا، وأول شيء ستفعله أن تتخلص من ياسين.

في اليوم الثاني، أتى عمران مبكرًا ومعه عمه، وظل منتظرين ابتهال إلى أن انتهت. وأثناء انتظارهم، أنهوا إجراءات الخروج. خرجت ابتهال معهم وذهبت للمنزل. طوال الطريق كانوا يمزحون مع ابتهال، وكانت تبتهل تتجاوب معهم. وصلت ابتهال للمنزل وصعدوا للشقة، وفتحت لهم ابتسام بلهفة على رؤية ابنتها، فطوال فترة إقامتها كانت ممنوعة من زيارتها. دخلت ابتهال المنزل وخلفها عمها وعمران. قامت ابتسام بضمها، ولكن ابتهال بادلتها ببرود. دخلوا الصالون ووجدوا فردوس جالسة تشاهد التلفاز. كل شيء في المنزل كانت تراه ابتهال بنظرة مختلفة. حتى أختها بدأت تراها بطريقة أكثر وضوح، وأصبحت تشفق عليها وعلى أبنائها أكثر، فهي ترى أن دلال والدها ووالدتها المبالغ فيه جعلوها مسخ...

في هيئة امرأة. ظلوا جالسين سويا بضعة من الوقت، وحاولت ابتسام سؤال ابتهال عن أحوالها، وكانت ابتهال تجيبها بطريقة سطحية كأنها تتحدث من شخص غريب. بعد مرور وقت طويل، قرر عمران وجبران الانصراف، وبعدها دخلت ابتهال لغرفتها. دخلت خلفها ابتسام ومعها صينية بها بعض أصناف الطعام والحلويات الشرقية. نظرت لها ابتهال باستفهام عن سبب جلبها لكل ذلك الطعام. "حسيت إنك هفتانة وخسيتي، فعملتلك الأكل اللي بتحبيه. دوقي وقوليلي إيه."

"وإنتي تعرفي الأكل اللي بحبه؟ "عمومًا شكرًا... سبيه وأنا هاكله." "طيب قوليلي بتحبي تاكلي إيه، وبكرة أعملهولك." "ماتتعبيش نفسك، أنا بحب أعمل أكلي بطريقة معينة." ظلت ابتسام تحاول فتح أحاديث معها، وكانت تجد إجابة مختصرة من جانب ابتهال. ظلت هكذا لفترة، وبعدها خرجت وتركت صينية الطعام. وقفت ابتهال واقتربت من خزانتها، وبدأت في جمع ملابسها داخل حقائب السفر، وتركت بعض ملابس الخروج التي ستحتاجها.

في اليوم التالي، ذهبت لعملها. وسعد أصدقاؤها كثيرًا بوجودها، فهم حقًا اشتاقوا لها. وبدأت ابتهال في العمل، ووجدت الكثير من الأعمال المتأخرة. وقامت بفك بعض من الشهادات التي كانت تحتفظ بها.

بعد انتهاء اليوم، ذهبت لإحدى محلات المجوهرات وباعت عدد كبير من مصوغاتها. وبعدها ذهبت لإحدى معارض السيارات وقامت باستبدال سيارتها بسيارة أرخص وأخذت فارق المال. وأصبح معها مبلغ مالي كبير. قامت بشراء شنط سفر حتى تضع فيها باقي ملابسها، حتى تنتهي من ضب أغراضها بها. وقررت أن تؤجل باقي المشتريات للغد. وصلت ابتهال المنزل ووجدت والدتها في انتظارها وطلبت منها أن تجلس معهم. جلست معهم وقت قليل، ولكن كان مشحون بالتوتر.

"اتأخرتي النهاردة ليه يا ابتهال؟ وإيه الشنط دي؟ "كان عندي شغل بخلصه." "طيب والشنط؟ "محتاجاهم، هحط فيهم حاجات تخصني." "طيب أسخنلك الأكل؟ "لأ، أنا اتغديت بره. عن إذنكم محتاجة أرتاح." وبالفعل دخلت غرفتها وبدأت تضب باقي الأغراض. وقامت بإرسال رسالة لياسين. ياترى رد فعل ياسين إيه؟ وابتهال هتعمل إيه بالفلوس دي؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...