تلك الصغيرة التي وقعت عيناه عليها لمرة واحدة لم ينساها ولم تغب عن عقله ولو لثوانٍ، أصبح مولعاً بها وبكل تفاصيلها. بالرغم أنها ابنة عمته الوحيدة، إلا أنه لم يرها سوى مرة واحدة، ولكن احتفظت عيناه بملامحها الصغيرة. ظن أنه إعجاب، وأن ما يشعر به شعور خاطئ وليس حقيقياً. ولكن توالت الأيام والشهور وثلاث سنوات، وما زال يفكر بها مولعاً بأدق تفاصيلها.
ولكن عندما رآها للمرة الثانية، كانت كارثة حلت عليها، كارثة بدلت حياتهما كلياً حتى أصبحت رأساً على عقب. كانت تعيش تعيسة بأحكام مؤلمة غير عادلة، فهي بنت إذاً لا تمتلك الكثير من الحقوق، بل لا تمتلك شيئاً، تؤمر وعليها الطاعة. *** **الفصل الأول: خطوبة** عشق. هل تعرفون معنى تلك الكلمة المكونة فقط من ثلاثة أحرف؟
عين تلتقي بأعين الحبيب فتعشقها وتلمع بحبها. شقاء في الوصول إليه وشجن في البعد عنه. وأخيراً قرب يجعل أوصالك ترتجف ودقات قلبك تعلو بصخب. ثلاثة أحرف فقط لهم القدرة على تغيير الحياة رأساً على عقب. المحبين عددهم كبير، ولكن القليل منهم يعشق.
منذ الصباح، فيلا نصار تعمل على قدم وساق، فاليوم هو حفلة خطبة نجلها الوحيد على ابنة خالته، تلك الفتاة اليافعة صاحبة الجسد الممشوق والشعر الأشقر المصبوغ باحترافية، ذات العينان الواسعة الملونة. دائماً، فلما لا وهي تُعد من أشهر عارضات الأزياء التي يتهاتف عليها الجميع، يطلبونها بالاسم لتعرض الثياب الراقية في بلدان عدة.
بداخل الفيلا، خاصة في الرواق الواسع، تجلس كلاً من صفاء وأشجان، والدة العروس، يضحكان ويخططان ما يجب عليهما فعله في تلك الليلة المميزة. بينما هبطت من على الدرج شابة تعدل من خصلاتها السمراء الناعمة، تهبط بجسدها في رشاقة وصوت حذائها العالي يرن بوضوح. هبطت حيث مكان جلوس والدتها وخالتها، واستندت بذراعها بعدما تمايلت بخصرها لتستند على يد الأريكة الوثيرة، وقالت بابتسامة: -مامي، أنا همشي بقي عشان الحق أخلص، اوكي؟
ابتسمت صفاء بحنان في وجهها، وقالت وهي تنظر إلى ملابسها الحديثة الراقية بتفحص كأنها تقيم مدى جمالها على جسد ابنتها: -اوكي يا حبيبتي، بس ليه مجبتيش الميكب أرتست وكل اللي تحتاجيه هنا بدل ما تتعبي النهارده؟ عاوزاكي في كامل أناقتك، دي خطوبة أخوكي وبنت خالتك. ضحكت أشجان، وتبعتها ضحكات غالية التي قالت بتأكيد: -أنا طول عمري أنيقة يا مامتي، تفتكري النهارده هكون إيه؟ ابتسمت صفاء
بحنو أمومي وهمست بداخلها: ربنا يحميكوا ويخليكوا ليا انتي وأخوكي يا حبيبتي. انصرفت غالية حيث وجهتها المعلومة، بينما ظلت صفاء وأشجان يتبادلان الحديث، والخدم يجهزون كل شيء باحترافية. *** في شركة "نصار" للحديد والصلب، يجلس عبيدة على مقعده خلف مكتبه الكبير، وتركيزه بأكمله منصب على الملف الذي بين يديه، غير مبالٍ بأن اليوم خطبته تماماً. طرق أحدهم الباب عدة طرقات قبل أن يدخل صديقيه المقربين مازن وفريد.
لوى مازن فمه بغيظ من أفعال صديقه، وصاح بعدم تصديق لما يراه: -يا عبيدة، ارحمني، ارحمنا كلنا، خطوبتك النهارده وانت قاعد بتراجع ملف صفقة؟ ضحك فريد على أفعال صديقه وهو يضرب كفيه ويقول: -مشفتش في برودك يا أخي. رفع عبيدة أنظاره إلى صديقيه بنظرات ساخرة متهكمة، وردد بلامبالاة: -خطوبتي؟ أعمل إيه يعني؟ أروح أقعد في البيت وأعمل باديكير ومانيكير متظبط؟ يالا منك ليه!
زفر الاثنان بضيق من تصرفات صديقهم، ولسانه السليط المتبجح دوماً ما برأسه يفعله، ولا أحد يستطيع أن يعدل من أفكاره نهائياً. ساعتان. قضى ساعتين بأكملهما ينظر إلى الملف بدقة. شعر بألم خفيف في عنقه، فوضع الملف وعاد بظهره للخلف، يستند برأسه على حافة المقعد الجلدي، يرتاح قليلاً. تنهد تنهيدة مطولة معبأة بخوف مما هو مقدم عليه. تُرى ما يفعله صواب أم خطأ؟
سيقوم بخطبة ابنة خالته كحيلة منه لينسى تلك الصغيرة التي تسكن بداخل جدران قلبه، أم لقلبه وعقله رأي آخر؟ زفر الهواء بقوة من رئتيه، غير مدركاً فعلته. أيندم الآن ويتراجع؟ بعدما تم تجهيز كل شيء. بعد فرحة والدته الكبيرة بأنه أخيراً سيقدم على الزواج، ومن مَن! ابنة أختها التي تحدثه عنها مراراً وتكراراً حتى مل من كثرة الحديث عنها. أقدم على تلك الخطوة فقط حتى يُلهي نفسه عن تلك الصغيرة الفاتنة التي تحتل قلبه بالكامل.
فتح درجـه الخاص وأخذ صورةً لها، التقط تلك الصورة عندما جُن وذهب حيث موضعها عندما اشتاق إليها ولم يتحكم بنفسه. سافر عدة ساعات ليراها فقط من بعد، مع العلم أنه يستطيع الدخول إلى مسكنها والتحدث معها، ولكنها صغيرة، ماذا سيقول؟ جئت لمن ولماذا؟ هل سيخبرهم أنه جاء من تلك المسافة ليرى عمته؟ من سيصدق قوله وهو الذي لم يزرها ولو لمرة في مسكنها؟ قدمه وطئت منزلهم فقط يوم وفاة زوجها، وهي المرة الوحيدة التي يرى بها غزالته.
وقلبه ينكوي بالنار منذ ذلك اليوم. شعر بوجع شديد عندما علم أنها ذات الخمسة عشر عاماً فقط. رحل يومها، ولكن خيالها لم يفارقه. عيونها الحمراء الباكية، شهقاتها العالية لوفاة أبيها لم تترك أذنه نهائياً.
حاول مراراً وتكراراً نسيانها ولم يعرف. دفن نفسه بالعمل ولم ينساها. يكتب إليها يومياً وكأنها ستقرأ ما يكتبه عنها. سافر إلى بلدتها ووقف بعيداً يراقب البيت باهتمام وشغف، لعله يراها ولو من بعيد. أكثر من ساعتين بدون فائدة، حتى ابتسمت شفتيه فجأة عندما وجدها تفتح الشرفة وتقف فيها تنظر إلى الشارع باهتمام، لا يعرف لماذا.
وضع الصورة مكانها مرة أخرى وأغلق الدرج جيداً. تلألأت عيناه بحبها. سيظلم نفسه وابنة خالته بذلك القرار الذي أخذه بتهور. أغمض وارتدى جاكيت بدلته السوداء بضيق يتضح بقوة على ملامح وجهه المتجهمة. ليته لم يتخذ هذا القرار. خرج من مكتبه متجهاً مباشرة إلى خارج الشركة، حيث سيارته، ومنها إلى فيلا نصار.
دخل ونظر إلى العمال بلا اهتمام. هو حقاً لم يهتم بأي تفصيلة صغيرة كانت أو كبيرة. دخل ووجد والدته التي ابتسمت فور رؤيته، فبادلها وقبل جبينها مطولاً، وقال وهو ينظر إلى خالته: -إزيك يا خالتو؟ ابتسمت وردت: الحمد لله يا حبيبي. ثم تابعت معاتبة إياه: -يبقى النهارده يوم خطوبتك وتروح شغلك؟ رفع حاجبه الأيسر بتهكم شديد، وقال بضيق ونبرة ساخرة: -المفروض أقعد في البيت يعني يا خالتوا، ولا إيه؟ وبعدين انتي بتوجهي السؤال دا ليا أنا؟
أمال فين جني هانم اللي هي العروسة؟ المفروض هي اللي تبقى قاعدة مش في شغلها وعندها جلسة تصوير؟ تضايقت من أسلوبه الفظ معها، وردت عليه بضيق: -انت عارف إن ميعاد جلسة التصوير دا متحدد من كام يوم يا عبيدة، وهي نص ساعة وجاية. استشاط غضباً وصاح بنبرة عالية قليلاً: -يبقى متسألنيش أروح شغلي ولا أقعد يا خالتو، وركزي مع بنتك زي ما انتي مركزة معايا أوي كدا. نظرت إليه صفاء والدته بعتاب شديد، وقالت:
-عبيدة، لاحظ إنك بتكلم خالتك، وطي صوتك شوية. نظر إليهم بتهكم، وبداخله يلعن نفسه آلاف المرات على ذلك القرار اللعين الذي اتخذه دون تفكير أو منطق. جز على أسنانه حانقاً من كل شيء، والتفت ليغادر دون أن يعطي لخالته بالاً. حقاً استفزه عتابها المتواري، تُعاتبه أنه ذهب لشركته في حين ابنتها ذهبت لعملها يوم خطبتها.
زفر بغضب وهو يلقي بنفسه على الفراش، يتنفس بعنف وضيق، كأن ثقل يجثم على قلبه لا يجعله يتنفس جيداً. شعر بالاختناق، فقرر أن يستحم ليهدأ من براكين جسده المشتعلة. ومع كل خطوة يشعر بإرهاق يستولي على أنحاء جسده، وشيء ما يتردد بداخله بإلحاح أن يهبط وينهي كل شيء، وكأن شيئاً لم يكن. وقف تحت مرش الماء، يغمض عينيه بإرهاق، والماء يهبط على جسده بقوة. ابتسم وهو يتخيلها أمامه مبتسمة الثغر. فتح عينيه وهمس اسمها بتلذذ وشغف: -أوليان...
غزالتي... تنهد بعشق. هو يعشقها حد الثمالة. أوقات يتمنى ليته لم يراها حتى لا يشعر بهذا العذاب، ولكن بعدها بثوانٍ يعنفها بقوة. فبمجرد تخيلها أمامه فقط يبتسم، ويدق قلبه بدقات السعادة، دقات تجعله يشعر بمشاعر مضطربة، ولكنها مشاعر محببة لقلبه.
خرج من المرحاض ودخل إلى غرفة الثياب، ارتدى ثياباً مريحة وخرج يرمي بثقل جسده على الفراش. نظر إلى الكومود وفتح درجه بهدوء. ابتسم بشغف وهو يأخذ الدفتر الصغير المتواجد به، الذي يكتب فيه إليها كل شيء يريد قوله. أخذ القلم وبدأ يكتب إليها مجدداً: وضع الدفتر مكانه بهدوء وأغلق الدرج، وأغمض عينيه ليرتاح قليلاً، فالوقت ما زال مبكراً على تلك المهزلة التي سيفعلها بعد عدة ساعات. ***
واقفة بأوضاع مختلفة، وفلاشات الكاميرات مسلطة عليها. بعدة أوضاع وابتسامة واسعة مغترة تعلو شفتيها. أخيراً انتهت جلسة التصوير المرهقة، فجلست على أحد المقاعد تتجرع المياه، وبجانبها صديقتها ومديرة أعمالها التي قالت بضيق: -يلا بقى يا جني، الساعة داخلة على سبعة ولسه مجهزتيش، زمان الناس وصلوا. رفعت خصلاتها لتضعهم خلف أذنها، وقالت وهي تخرج مرآة صغيرة من حقيبتها تنظر إليها باهتمام:
-كل دا يخلص في نص ساعة يا مرام، المهم إني شغلي يطلع زي ما أنا عاوزة. تأففت مرام بضيق، وقالت بغيظ بائن في نبرتها: -طب يالا بقى، أديكي خلصتي شغلك، متبقيش Over. استقامت وتأففت من زن صديقتها، وبدأت الخروج نحو سيارتها الحمراء متجهة نحو فيلا نصار، بعدما أخبرتها خبيرة التجميل أنها متواجدة في الفيلا منذ وقت طويل. صفت سيارتها ودخلت بخطى سريعة إلى حد ما. قابلتها أشجان، فقالت بضيق: -هي دي النص ساعة يا جني؟
وأكلمك تكنسلي عليا الميكب أرتست هنا من ساعتين والناس على وصول. أغمضت عينيها بضيق، وقالت بحنق وعدم اهتمام: -مامي، وأنا في شغلي مبردش على الفون. وبعدين الكون متهدش، نص ساعة وهجهز. وبعدين أنا هنزل أصلاً بعد ما كل الناس تيجي، لسه بدري. دي خطوبة عبيدة نصار وجني التهامي، متقلقيش. قالت كلماتها بعدم اهتمام لتأخيرها، وصعدت نحو الغرفة الجاهزة من أجل استضافتها الليلة.
قبل أن تدخل، أخبرت صديقتها أن تنتظرها قليلاً، واتجهت نحو غرفة عبيدة. دقت الباب دقة واحدة ودخلت، نادت عليه بصوت هادئ: -عبيدة... خرج من غرفة تبديل الثياب يرتدي بنطاله الأسود فقط، وكان متجهاً نحو فراشه. لم ينتبه لصوتها، فتفاجأ بها وقال: -جني! إيه اللي دخلِك هنا؟ انتي اتجننتي.... رفعت حاجبها الأيسر بضيق، وقالت: -اتجننت ليه؟ جايه أقولك تلبس البيبيون بلو عشان يليق مع الـ dress بتاعي.
اشتعلت عيناه بغضب جحيمي، وأردف بصوت عالٍ أفزعها: -أيوه اتجننتي لما تدخلي أوضتي، تبقي اتجننتي يا جني! ولاحظي إني واقف قدامك ونصي الفوقاني عريان، ولا مش واخده بالك... تسارعت أنفاسها بغضب، وأردفت بوقاحة وجرأة: -خليك open minded يا عبيدة، ما أنا sure شفت شباب كتير على الـ pool لابسين مايوهات بس... جز على أسنانه وقال بنفاد صبر، وقد بدأ غضبه في التصاعد، وإن لم تخرج الآن فستكون العواقب وخيمة للغاية:
-اخرجي دلوقتي يا جني، عشان ممدش إيدي عليكي. آه، وأياكِ تلبسي عريان، أنا حذرتك قبل كده. نظرت إليه بضيق وانصرفت بعدما أغلقت الباب بعنف. يتضح أن تلك العلاقة لن تستمر، هي لن تتقبل تحكماته، هي تعلم أن خطبتهما وزواجهما للاستقرار، ليس مبنيًا على حب أو حتى ما يشبه. دخلت إلى الغرفة بجسد مشتعل من الغضب. عبيدة لن يتناسب مع عقليتها، وهي لن تتقبل تحكماته أو أوامره إطلاقاً.
أما في غرفته، ظل يزفر أنفاسه الملتهبة من الغضب والاختناق الذي يشعر به. رفع كفه وشد خصلاته السوداء القصيرة إلى حد ما بقوة، وبدأ يكمل ارتداء ملابسه في حنق واضح. ***
بالأسفل، خصوصاً بالحديقة المزينة بطريقة رائعة مبهرة تسر أعين الناظرين، توافد العديد من البشر، خصوصاً من معارف جني، فلم يهتم عبيدة بدعوة الكثيرين. كما توافدت عدة أعين من الكاميرات لتأخذ عدة صور تذكارية لحفل خطبة واحد من أهم رجال الأعمال الشباب على ابنة خالته التي تُعتبر من أشهر عارضات الأزياء.
تحركت غالية بثوبها الأحمر الناري الذي يضيق على جسدها، ولكنه طويل بذيل يمتد لخلفها بأكثر من متر، متجهة إلى أصدقائها الذين أشادوا بروعة ثوبها وجمالها. كانت عيون ما يراقبها بشغف واضح، رغم حزن عينيه. اقترب مازن منها بشفاه مبتسمة وقلب يدق بطرب ممتع، حتى أصبح خلفها مباشرة، قائلاً اسمها بنبرة عذبة جميلة: -غالية... التفتت إليه وابتسمت باتساع لصديق أخيها المقرب، وقالت بترحيب وهي تمد يدها لتسلم عليه: -مازن، إزيك؟ أخبارك إيه؟
كانت نبرة صوتها عالية قليلاً نظراً للموسيقى التي انطلقت منذ قليل. بادلها مازن الابتسام، وقال بقلب يرتعش من فرحته لمجرد رؤيتها: -أنا بخير الحمد لله، انتي جميلة أوي النهارده. ابتسمت ابتسامتها الساحرة التي تحرك قلبه من قوة دقاته، وقالت بنبرة رقيقة: -ميرسي يا مازن... انت كمان شيك جداً كالعادة يعني. ابتسم فقط، وما عليه سوى الابتسام. دائماً ما يخرس لسانه في حضرة وجودها. يشعر بأنه طفل ما زال يتعلم بدائية الحديث.
ابتعد بعدما رمقها بنظرة عشق. قلبه يتألم وهو يعلم أنها تعشق غيره، والألعن أنها تعشق فريد صديقه. تنهد متألماً، وبالكاد منع دمعة خائنة كادت أن تهبط من مقلتيه. يعلم تماماً أن قلبها ليس ملكاً لها، تتصرف فيه كيفما تشاء، ولكن ما ذنب قلبه أن يتألم؟ لما على قلبه حبها هي خصيصاً؟ ابتسم في ألم وابتسامة مريرة احتلت شفتيه وهو يراها تتجه ناحية فريد، تبتسم باتساع وعيناها تلمعان ككل مرة تراه بها.
أغمض عينيه في حسرة، ولكن أولاً وأخيراً تمنى لهما السعادة ولقلبه الارتياح. ولكن كيف لقلب يعشق ويذوق الراحة وهو يعلم أن من يعشقها مشاعرها لغيره؟ التفت ينظر إلى شيء بشرود، حتى لا ينكوي قلبه ويحترق وهو يراها تقف مع آخر ويرى ابتسامتها تلك تتوجه لشخص غيره. بينما هي كانت تقف مع فريد، تنظر إليه بتوتر خجل، وقلبها يدق بقوة معلناً عن حبه الصامت. لم تجد قولاً غير: -إيه أخبارك يا فريد؟
ابتسم ابتسامة هادئة، ونظرة تجوب الموجودين بالحفل باهتمام شديد، كأنه ينتظر شخصاً بعينه ليحضر تلك الحفلة، ولكن أمله قد خاب. فقال: -تمام يا غالية، انتي أخبارك إيه؟ ابتسمت وردت عليه بحدقتين تلمعان بحب صادق ينبع من قلبها. بينما بهتت ابتسامتها واندثرت، وشعرت بالحرج وهو يقول بنبرة متعجلة: -معلش، هضطر أروح أسلم على رجال الأعمال اللي حضروا الحفلة.
قالها وانصرف سريعاً. بينما وقفت هي كتمثال أصم، تشعر بالبرودة تجتاح أوصالها بعنف. تداركت نفسها سريعاً حتى لا يظهر على ملامحها شيء، ورسمت ابتسامة على شفتيها واتجهت نحو صديقاتها من جديد. راقبها مازن من بعيد بقلب متصدع من الألم، فهي تعشق من لا يهتم لها مثله تماماً. زفر باختناق، فاليوم خطبة صديقه، عليه أن يكون مرحاً مبتسماً.
هبط عبيدة وجني تضع ذراعها الأيمن متأبطة ذراعه، وعلى وجهها ابتسامة تنظر إلى الجميع بغرور. ابتسم بحلاوة وهي ترى فلاشات الكاميرات تأخذ الكثير من الصور، بينما عبيدة مبتسمًا باقتضاب، يشعر إنه يخون قلبه ومشاعره. ظلت الحفلة لساعات، شعر بهم عبيدة بالضيق يسيطر عليه من كل الجوانب. أشار بإصبعه ناحية مازن الذي اتجه إليه على الفور، فمال عليه عبيدة قائلاً بتعب: -فض الليلة يا مازن، مبقتش شايف. وقتها صاحت جني بعصبية وهي تلوح
بذراعها في الهواء بتذمر: -دلوقتي مش شايف إن لسه بدري شوية؟ قبض على كفه بغضب حتى لا يصفعها، وقال بنبرة ناهية لا تقبل الجدال: -أنا قولت كفاية، مبقتش شايف. الساعة داخلة على واحد يا جني. تأففت بغيظ، بينما نفذ عبيدة ما أراده، ومرت نصف ساعة وانصرف جميع من بالحفل حتى أصدقائه. فدخل إلى الفيلا ووجد الجميع يجلسون يواسون جني التي تشعر بغضب شديد. تأفف بضيق، بينما أردفت صفاء ما إن رأته:
-مكنش لازم تنهي الحفلة دلوقتي يا حبيبي، كنا مبسوطين. حرك عينيه بملل من تكرار تلك الكلمات على أذنه تكراراً. بينما دعك عينيه بإرهاق وقال: -يا أمي، انتي مش شايفة شكلي؟ نظرت إليه بإشفاق واتجهت إليه تربت على منكبه بحنان، وقالت: -خلاص يا حبيبي، اطلع نام وارتاح شوية. قبل جبينها بحنان، وكاد أن يصعد، فأوقفته جني بقولها الغاضب:
-على فكرة يا عبيدة، لينا قاعدة طويلة، لإن طريقتك دي مش حباها، واللي عملته قبل الحفلة وإرغامك ليا إن أغير الفستان دا مش هيحصل تاني. صك على أسنانه بحدة، وصاح بصوت عالٍ مهدد: -جني، شغل لت وعجن النسوان دا مبحبوش. دا مكنش فستان دا كان قميص نوم يا أختي، مش عبيدة نصار اللي ينزل خطيبته بقميص نوم ويستعرض نفسه بيها. شيفاني مركبهم ولا إيه؟
اشتعلت عيناها من ألفاظه النابية، وطريقته الفظة الوقحة في الحديث معها أمام الجميع. كادت أن تصرخ به، ولكنه ببساطة شديدة رحل دون اهتمام لغضبها وعروقها النافرة. نظرت إلى الجميع بضيق، وقالت وهي تنظر إلى خالتها ووالدتها: -أسلوب عبيدة مش هينفع معايا نهائي، مش أنا اللي حد يتحكم فيا ويؤمر، ومستني مني الولاء والطاعة. وطالما هو واخدها قوة وتحدي وأوامر، أنا هوريه. يالا يا مرام.
رحلت ولم تنتظر رداً من أحد، وتبعتها أشجان بحنق من تصرفات ابن شقيقتها الوقح. بينما ضحكت غالية وقالت لوالدتها: -توري مين؟ هي جني دي مجنونة، دا عبيدة هيمشيها على العجين. متلخبطوش، سوري يا مامي، بس جني وخالتوا دماغهم طقّة بطريقة أوفر. ضحكت صفاء وهي تلكم ابنتها، التي ضحكت، ولكنها انتفضت بقوة وهي تسمع عبيدة يصرخ باسمها بحدة، فصعدت سريعاً تري ما به. دخلت بقلب يقرع بخوف وهمست بتلقلق: -فيه إيه يا عبيدة...
فحصها بنظره بعمق واقترب منها ببطء أقلقها، وقال بتحذير وصرامة عالية: -أول وآخر مرة تلبسي حاجة مفصلة جسمك بالطريقة دي. هو طويل أه ومفيش حاجة باينة منك، بس ضيق يا غالية، ضيق. أومأت بتوتر، ولكن أخيها قرأ الحزن بعينيها بسهولة، فتنهد وقال وهو يرفع ذقنها لتنظر إليه: -مالك يا غالية؟ تحرك بؤبؤ عينيها بتوتر شديد، هي لا تستطيع الكذب على أخيها، لأنه ببساطة خبير في قراءة العيون والحركات الجسدية. ولكن ماذا ستخبره؟
ازدرقت لعابها بتوتر، وقالت ضاحكة: -مفيش، بس أنا اتخضيت لما لقيتك بتزعق، قولت فيه مصيبة. اصطنع الابتسام في وجهها، يعلم إن هناك شيء تخفيه، ولكن سأتركها حتى لا يضغط عليها الآن. فقبل رأسها وقال بإرهاق: -طب روحي يا حبيبتي، ارتاحي شوية وأنا هنام. مصبح على خير. -وأنت بخير.
قالتها بهدوء وانصرفت نحو غرفتها. وأثناء سيرها تساقطت دموعها واحدة تلو الأخرى. مشاعرها تحركت، ولكن من طرف واحد، وما أقساه هذا الشعور. شعور مؤلم يتفتت القلب بسببه. مسحت دموعها بكفيها وقررت النوم، هو سبيلها الوحيد للراحة وعدم التفكير. بينما هو مسك دفتره ككل يوم وتنهد باختناق وكتب: < أوليان، غزالتي... ليتك معي الآن.... لم أستطع نسيانكِ ولا أريد... ليتني ما فعلت تلك المهزلة اليوم...
شعور كبير بعدم الراحة يجتاحني بقسوة أقسم لكِ... لا أعلم ماذا أريد غير شيئاً واحداً... إنني أريدك. > وضع دفتره وتمدد على الفراش، يغمض عينيه في محاولة بائسة منه لينام. وبعد وقت طويل استمع إلى آذان الفجر، فقام مستغفراً ربه واتجه إلى المرحاض ليتوضأ ومن ثم يؤدي فرضه. انتهى من تأدية صلاته فتمدد ونام بعمق على أمل أن يراها في منامه. ***
أشرق الصباح لتفتح خضراوتيها ببطء، تستنشق الهواء بكثرة. تتثاءب، قامت تفتح باب شرفة غرفتها، تنظر إلى الحديقة والشارع بحرمان. الشارع التي لم تختلط بناسه، لا تخرج، لا تتحدث مع أحد خارج إطار منزلها القاسي الخالي من المشاعر. دخلت والدتها تنظر إليها بحزن وندم، فخوفها من أن تُحرم منها يجعلها سلبية، مما أذى نفسية ابنتها الوحيدة. اتجت إليها لتحتضن منكبها بحب، وقالت بنبرة حنونة بجانب أذنها وهي ترتب خصلاتها من آثار النوم:
-صباح الخير يا حبيبتي. تحركت أوليان خطوة للأمام غير راغبة باحتضانها، وردت في حزن يمزع قلبها: -صباح النور. تلألأت الدموع داخل عيني نجلاء وجعلتها تلتف لتواجه عين ابنتها الحزينة اللائمة: -عارفة إنك زعلانة ومحرومة من أبسط الحاجات اللي الكل يمتلكها، وإنك شايفاني ضعيفة وسلبية، بس من خوفي عليكي يا حبيبتي. أغمضت أوليان عينيها، هبطت دموعها، واختنقت نبرتها وهي تقول بوجع يمزع الاثنين معاً:
-نفس الكلام اللي بسمعه منك كل شوية. غصب عنك إيه؟ أنا محرومة أنزل الشارع، محرومة أكلم الناس، محرومة من الجامعة. طيب أنا عايشة ليه؟ اديني سبب واحد. تابعت قولها بنبرة حادة لا تناسب رقة ملامحها: -عشان بنت؟ يعني إيه بنت؟ هي البنت عار؟ هو ربنا قال كدا؟ أنا بكرهه البيت دا واللي فيه، وانتِ موافقة على سجني بحجة إنك لو اعترضتي هيحرموكي مني؟ طب وأهلك فين؟ مش انتي اللي بتقولي إن عيلتك كبيرة؟ هما فين ينقذونا من اللي احنا فيه ده؟
السجن أهون بكتير من عيشتنا في البيت دا. هبطت دموع نجلاء وقلبها يحترق بعنف على وجع ابنتها الملازم لها منذ سنوات، وقالت بوجع: -أخويا الوحيد مات، ولاده ومراته بس الموجودين. مليش اختلاط كبير بيهم. أهلك هنا جامدين وشداد، مش بعيد يأذوكي لو خرجتي من تحت طوعهم. أنا عايشة في البيت دا عشانك انتِ. جزت على أسنانها حانقة، وقالت بقسوة بسبب القسوة التي تتألم منها وتعاني منها دائماً:
-دي كلها حجج بتخبي وراها ضعفك وقلة حيلتك قصادهم. هيعملوا إيه أكتر من اللي بيعملوه؟ كارهين أوي خلفة البنات وفرحانين بـ يوسف الشمام اللي بيجي مسطول كل يوم والتاني. أنا لو مخرجتش من البيت دا هموت نفسي. انتفض قلبها وجسدها معاً بفزع، اتضح بشدة على ملامحها، وهمست بذعر وهي تقترب منها وقد أخذت شهقاتها في التعالي: -بعد الشر عليكي يا بنتي...
دا أنا أموت من غيرك والله. من خوفي عليكي هيحرموني منك. لما كنت هاخدك وأمشي بعد وفاة أبوكي، ورجع ألاقي القاهرة منعوني بالقوة وخدوكي غصب، وقعدتي بعيد عني 3 أيام في أوضة لوحدك، نسيتي يا أوليان؟ نسيتي؟ انتحبت بصوت عالٍ، وقالت بجسد ينتفض:
-لا منستش، وعمري ما هنسى، وأنا بصرخ عشان يطلعوني، بس قلبهم حجر مبيحسش. بس أنا فاض بيا، أنا حتى الهوا بقي بيخنقني وتعبت. نفسي أطلع الشارع، نفسي أتكلم مع الناس، دي أمور بسيطة الناس كلها بتعملها.
احتضنتها نجلاء بقوة، وقلبها يتضرع إلى الله ويحسبن بحرقة على جدها "والد زوجها" القاسي متحجر القلب. ومثل كل مرة تبكي بها، تنتهي برفضها لتناول الطعام طوال اليوم، وتفترش الفراش بوجع وملل، تحلم بفارس أحلامها الذي سيأتي من إحدى القصص الخيالية لينتشلها مما هي به. الخيال مجرد مهرب نهرب به من واقعنا الأليم، نشكل فيه ما نريده أن يحدث، فتجد ابتسامة تلقائية ترتسم على الشفاه، تتمنى حدوث ما يدور داخل عقولنا المغيبة في سحر الخيال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!