فتحت عينيها ببطء شديد، ورأت وجهه أمامها مشوشًا وغير واضح. أغمضت عينيها مجددًا، فأثار ذلك قلقه. ربت على وجنتيها وهو يتحدث بقلق: "حبيبتي، سمعاني؟ فيروز، قادرة تفتحي؟ فتحت عينيها مجددًا بـثقل، وظلت تنظر إليه حتى اتضحت له صورته. أمسك بيدها يساعدها على الاعتدال، ثم مد إليها علبة العصير الورقية التي طلبها لها. فتحها ومد يده بها وهو يقول بلطف: "اشربي يا حبيبتي عشان تفوقي."
امتنعت عن الشراب، وأبعدت يده بما يحمله. امتلأت عيناها بالدموع. تنهد، ووضع العلبة بمحلها. أمسك بيدها يربت عليها برفق، ورفعها ليقبل باطنها وهو يهمس بلين: "اهدي يا روز، اهدي." هزت رأسها بالنفي وهي تجهش بالبكاء، ساحبة كف يدها عن يده، تضعها على وجهها وتبدأ بإصدار شهقات عالية من داخل صدرها بألم يجتاحها. تحدثت من بين تلك الشهقات: "هو كداب، أنا بنتهم، أنا بنت أكرم وهناء، مش بنت حد تاني. أنا فيروز أكرم علام."
رفعت رأسها حين وجدته صامتًا. أشارت إلى نفسها وهي تبتلع ريقها بصوت مسموع: "واحد يجي يقولي انتي مش بنتهم وأصدقه كده عادي؟ أنا بنت أكرم علام، صح؟ أنا بنته؟ توسلت بعينين دامعتين وهي تقول برجاء: "قولي إني بنته يا شهاب، عشان خاطري."
صمته دام، ولم تطمئن لذلك أبدًا. نظرت إليه برجاء، وقد احتد صوت بكائها العالي بأنِين مؤلم. أحنى رأسه إلى الأسفل ولم ينظر إلى عينيها الباكيتين. شهقت بحدة، وتملكتها نوبة من البكاء الحاد. ألقت بجسدها على الأرض تبكي. تنهد هو بأسى، وبدا أن القادم أقسى بكثير. جلس جوارها على ركبتيه، ووضع يده على كتفها وهو يهمس بهدوء: "روز، أنا... قاطعته حين ألقت بيده عن كتفها بقوة، ونظرت إليه بلوم وهي تصرخ به باختناق متسائلة: "كنت عارف؟
ابتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر إليها بصمت، لتهز رأسها بالنفي وهي تتحدث بدموع: "لا يا شهاب، لا، عشان خاطري، أنت مكنتش عارف، لا." همس أخيرًا باعتذار وهو يجذب خصلات شعره إلى الخلف من شدة غيظه وضيق: "أنا كنت هقولك، صدقيني. أنا لسه عارف اليوم اللي كان هيبقى كتب كتابك على أحمد."
وقفت فيروز بصعوبة، وتجاهلت يده الممدودة لها. نظرت إليه بتلك النظرة التي كانت ترمقه بها عند زواجه من ياسمين، والتي تؤلمه حتى الآن. كادت أن تخرج من الغرفة دون أن تلقي كلمة واحدة، إلا أنه لحق بها يقف أمام الباب يمنع خروجها وهو يقول: "كنت هقولك، صدقيني. أنا لسه راجع شغلي، وأنتي مبتكلمنيش ولا بتردي عليا، هقولك إمتى؟ رفعت عينيها إليه بجمود وهي تقول بلامبالاة: "انتوا خلتوني معنديش ثقة في أي حد خالص."
لم يسمح لها حين حاولت الخروج، وعينه تتوسل قلبها ألا تفعل به ذلك، وهو يقول: "فيروز، أنا مليش دعوة بكل ده، أنا ليا دعوة بيكي أنتِ، عشان خاطري، كفاية اللي إحنا عدينا بيه." "ابعد عن الباب، عايزة أخرج." لا تعبير بنبرتها، وكأنها تتحدث مع أي شيء آخر غيره، شخص غريب، وهذا ما أثار ضيقه وغضبه، قائلاً بحدة:
"مش هتخرجي من هنا غير لما تفهمي إن أنا مليش ذنب، ولما خبيت عليكي كان الأيام اللي كنتي فيها في المستشفى، وأنتي بعد ما عرفتي إني فوقت، لا جيتي ولا كلمتيني، وكنتي بتكلمي شريف تطمني منه بس. أقولك إمتى وأنا أساسًا ورا ضهرك؟ بكت من جديد وهي تحاول إزاحة جسده عن الباب، وهو ثابت لا يتحرك. فرد يده يحجزها عن الباب، قائلة بحزم: "مش هتخرجي من هنا غير لما نتكلم."
ابتعدت خطوة إلى الخلف وهي تنظر إليه بعتاب، ليرفز هو باختناق وهو يمرر يده على وجهه بحدة. عدلت من حجابها سريعًا حين شعرت به ينزاح عن شعرها. وضعت يدها في جيب ثياب العمل لتخرج هاتفها حين رن، مقاطعًا نظراتهم المتبادلة. وجدت الممرضة المساعدة لها بالمشفى. فتحت الاتصال وهي تمسح دموعها بكف يدها، مجيبة: "ألو يا ميرنا؟ انتظرت قليلاً تستمع إلى ما تقوله، لتقول هي: "لا، مش هرجع المستشفى. ابعتيه دكتور نهى يا ميرنا."
أدمعت عيناها وهي تنظر إلى الأرض، قائلة: "انزلي لـ شيماء في العناية واديها الفون." أبعدت الهاتف عن أذنها حين قالت أنها ستذهب إليها. نظرت إلى شهاب وهي تقول بهدوء مريب: "ممكن تبعد عشان أخرج؟ هز رأسه بالنفي وهو يستند بظهره على الباب، قائلاً: "لا، مش هتخرجي." أغمضت عينيها وهي تزفر بقوة، لتتراجع للجلوس على الأريكة وتضع الهاتف على أذنها من جديد. دقيقة حتى وجدت شيماء تتحدث من الطرف الآخر قائلة بلهفة:
"أيوة يا دكتور فيروز، أنتي كويسة؟ جريت وراكي وأنتي خارجة بس ملحقتكيش. كنتي بتعيطي جامد." تنهدت فيروز مجيبة وهي تحاول كبح دموعها التي لم تعد تتوقف: "أنا كويسة يا شيماء." صمتت تتنفس بهدوء وهي تضع يدها على قلبها الذي يدق بجنون، قائلة: "ممكن تخلي طارق يكلمني؟ انتفض شهاب وأسرع يجلس جوارها وهو يصيح بصوت حاد متسائلاً: "طارق مين؟ وضعت سبابتها على شفتيها تنبه أن يصمت، إلا أنه مد يده ليأخذ الهاتف وهو يقول: "اسكت!
أيه بقولك مين؟ غربت عينها ثم التفتت إليه بحدة تتحدث بجمود وهي تصك على أسنانها: "ملكش دعوة يا شهاب." قاطعت حديثها وهي تقول بهدوء بعد أن استمعت إلى صوت طارق المرهق من الطرف الآخر، قائلة وقلبها يطرق بقوة يكاد أن يخرج من داخل قفصها الصدري: "أنا فيروز يا طارق." "فـيـروز."
نطقها شهاب بحدة. التفتت إليه ليرمقها غاضبًا. ضمت أصابعها إلى بعضها وتشير إليه بالصبر، ليطرق على قدمه بقوة وهو يتنفس بقوة، قابضًا على قماش بنطاله. تحدثت فيروز إلى طارق مرة أخرى وهي تقول: "أنا عايزة عنوان.. عنوان لأهلي اللي بتقول عليهم." صمتت تتنفس، تبتلع ريقها بصعوبة، حتى أجابها طارق بعد صمت لدقائق. تحدثت مرة أخرى قائلة: "شكرًا.. شكرًا إنك عرفتيني كل حاجة يا طارق، من غيرك كنت هفضل طول عمري مخدوعة."
انتشل منها شهاب الهاتف، أغلقه وهو ينظر إليها بغيظ شديد. لـ تأخذ منه الهاتف مجددًا وهي ترمقه بغضب. ليشير إليها بسبابته نحو الأريكة حين وقفت عنها، وهو يقول بصرخ حاد غاضب: "اقعدي، فهميني كل حاجة، مين طارق ده ويعرفك منين عشان يقولك حاجة زي دي؟ جلست بلا مبالاة أعلى المقعد، وهي تنظر إليه بضيق قائلة:
"طارق يبقى ابن خالي، المفروض ده لو طلع فعلاً كلامه صح، كان في المستشفى بعد ما عمل حادثة كبيرة ودخل العناية المركزة بقاله أكتر من شهرين في غيبوبة. دايمًا رجلي تاخدني أطمن عليه في العناية وأقعد أتكلم معاه."
فرك عينه بضيق من كلماتها التي تخرج بسلاسة منها وهي بلامبالاة، تحرقه. بغضب وقف يدور حول نفسه، حتى أمسك بتمثال من الخزف يلقيه على الأرض حتى تهشم وأصبح فتاتًا. صرخت صرخة كتمتها بكف يدها. نظرت إليه بعينين متسائلتين، وابتلعت ريقها بتوتر. لينظر إليها وهو يقول: "كنتي بتدخلي عنده ليه يا فيروز؟ وقفت مرة أخرى عن الأريكة، تنظر إليه. تقدمت منه بخطوات هادئة حتى وقفت أمامه، وهي تقول:
"والله معرف ليه. بعد خطوبتي من أحمد فجأة لقيت نفسي قدام العناية المركزة ودخلت عنده، وبعدها بقيت أروح عنده وأكلمه عندك، وعن اللي حصل وعن اللي وجعني منك ومن ياسمين، على كل حاجة. فجأة فاق ومسك إيدي وقال لي إن إيلين." ابتسم بـغلظة وهو يقول بحدة: "فخور بيكي والله." تأففت وهي تلتفت تغادر الغرفة، ليلحق بها بعد أن خلع عنه مأزره. أوقفها حين كادت أن تشير إلى سيارة أجرة عابرة أمامها. تحدث وهو يشير نحو سيارته قائلاً:
"تعالي، هروحك." "مش عايزة أروح معاك يا سيدي، سيبني في حالي، الله يخليك يا شهاب."
قالت جملتها بصوت عالٍ، لاول مرة تتحدث معه بتلك النبرة. جذبها رغماً عنها دون الإكثار بالحديث. فتح باب السيارة، لتتنهد وهي تستقل سيارته، ليتوجه هو إلى الجهة الأخرى من السيارة. ليصلها إلى المنزل. ما حدث لها كثير، وما يحدث لها أكثر. قلبه يتألم لأجلها، وهي لا تدري ذلك. لا تعلم أنه لا يريد أن يرى دمعة واحدة منها بعد ذلك، يكفي أنه تسبب بهذه الدموع كثيرًا. ***
أخذت زينة درجات السلم وهي تركض، والفرحة العارمة هي ما تقودها إلى أن تلقاه لتختار معه أثاث شقتهم، الذي بدأ حسام بإعادة الدهان بها وتجديد بعض الأشياء. ما كادت أن تكمل درجات السلم وهي تدندن أغنيتها المفضلة، لتشهق فجأة بخوف شديد حين شعرت بيد تلتقط حجابها وشعرها وتجذبها بقوة. استمعت إلى صوت والدة حسام تصرخ بها بغيظ، جاذبة خصلات شعرها بعد أن سقط حجابها عن رأسها قائلة: "تعالي هنا رايحة فين؟
دا أنا هموتك بإيدي. ابعدي عن ابني يا بنت ****. أنتي عارفة لو مطلقتيش منه هعمل فيكي إيه؟
صرخت زينة متألمة، لتدفعها نبيلة فتقع على الأرض وتجثو فوقها وتبدأ بضربها بقسوة وبلا رحمة، وكأنها تنتقم منها بشيء لم تفعله. علت صرخات زينة بالاستنجاد. لـ تخلع نبيلة نعلة وتبدأ بضربها بها، حتى ضربتها أعلى رأسها، لـ تنزف الدماء وتسيل على الأرض. في حين ركض والدي زينة حين استمعا إلى صوت استنجادها بهم. أبعد حمدي نبيلة عنها بقوة، وانحنى إلى ابنته ليطمئن عليها، وكذلك والدتها. وضعت والدتها يدها على رأسها، لتظهر الدماء على يدها، لـ تشهق بفزع
وهي تنظر إلى حمدي قائلة: "زينة بتنزف يا حمدي." دق قلبه بقلق على ابنته، ليحملها عن الأرض، يقف بها ويركض إلى الأسفل حيث أقرب مشفى لهم لاسعافها. في حين ابتسمت نبيلة بتشفي وتدلف إلى شقتها مرة أخرى وكأنها لم تفعل شيئًا.
وصل حسام إلى المنزل، هاتف زينة، ولكن لم ترد. نظر إلى ساعته، من المفترض أن تكون قد انتهت من ارتداء ملابسها. تأفف من عدم مبالاتها بتحضيرات الزفاف. خرج من السيارة وصعد لكي يرى ما يؤخرها. أوقفه الدم الموجود على الدرج. قُبض قلبه وهو يكمل صعوده إلى الأعلى سريعًا، حتى أوقفه الدم المتجمع أمام باب شقته. أسرع يخرج المفتاح ويفتح الباب، صارخًا باسم والدته، فما تخيله أن قد حدث شيء لوالدته. ولكن خرجت له والدته
تبتسم بإشراق وهي تقول: "أيوه يا حبيبي، أنا هنا." تنهد بارتياح وهو يراها أمامه، لـ يتحدث قائلاً: "اومال إيه الدم ده يا ماما؟ هزت كتفها بلامبالاة وهي تدير رأسها وتغادر نحو غرفتها قائلة: "وأنا أعرف منين؟
خرج مرة أخرى يصعد نحو شقة عمو، بدأ بالطرق على الباب، ولكن لا استجابة ولا أحد بالداخل. أمسك هاتفه من جديد وبدأ بمهاتفة زينة من جديد، وذات النتيجة، وهاتفه عمو، وأيضًا لا يستجيب. مرر يده على وجهه عدة مرات وهو ينظر إلى الدماء، مستغفر الله. لـ يعود من جديد ينزل إلى الأسفل. نظر حوله وتوجه نحو محل البقالة المجاور، لـ يذهب إلى صاحبه متسائلاً: "لو سمحت يا حج، مشوفتش عمي حمدي أو حد من عنده؟
أشار الرجل صاحب البقالة نحو الجهة اليمنى قائلاً: "أه يا بني، حمدي نزل ببنتُه شايلها، واظاهر اتخبطت في حاجة لأن راسها مفتوحة وبتنزف، وراح بيها على المستشفى."
دق قلب حسام بشكل هستيري، وعلى صوت تنفسه، وركض سريعًا نحو سيارته، وأسرع نحو المستشفى وهو يتمتم بلا حيلة وهو يشعر أنه يريد الطيران والوجود جوارها. كانت في قمة السعادة وهي تتحدث إليه بحماس أنها ستنتقي قطع الأثاث بنفسها، ولن تجعله يختار أي شيء. كانت تتحدث معه بحالمية، وهذا ما يمزق داخله أكثر: "يا ستااار يا رب." ***
وصل شهاب أمام باب البناية التي تسكن بها فيروز. ارتجف جسدها وهي تضم كفي يدها إلى بعضها، ضاغطة بأسنانها على شفتيها بقسوة. تنهد وهو يراها بهذا الشكل، تبدو خائفة، طفلة تائهة كما كان يراها دائمًا، ولكن الآن يزيد الأمر على حده، فهي ستواجه حقيقة نسبها وأنها ليست الابنة الحقيقية لمن تولى رعايتها. يعلم أنها تعشق السيد أكرم وكان دائمًا لها قدوة ومثل أعلى. الأمر صعب، يعلم ذلك، ولكن لابد من معرفة كل شيء. التفت إليها بـجسده يراقب ارتجافتها وهو يتحدث بهدوء قائلاً:
"فيروز، لو مش مستعدة، ممكن تأجلي الموضوع ده لحد ما تتأكدي وتشوفي أهلك." لمعت عيناها الفيروزية بالدموع وتحولت إلى الأزرق الغامق. التفتت إليه تتحدث بألم منبعث من صوتها المتحشرج بالبكاء قائلة: "شهاب، خليك جنبي لو سمحت، هبقى مطمئنة أكتر بيك."
ابتسم شهاب بسعادة، فقد افتقد منها أي جملة رقيقة تخرج منها وتجعله يمتلك الدنيا وما عليها. تحدث من جديد يريد أن يجعلها تقول ذات الجملة من جديد، يريد إثباتًا لنفسه أنها لازالت تحبه، لازال بقلبها ولم تنسَ ولن تنسى ما كان بينهم: "عايزاني جنبك؟ هزت رأسها بالإيجاب دون تفكير، وهي تتحدث بصوت يكاد يسمع: "أيوه، خليك جنبي، عايزة أطمن بوجودك." خرج من السيارة وتوجه إلى الباب الآخر، يفتح لها الباب، لتخرج بهدوء.
أشار إلى البناية وهو يقول: "اطلعي وأنا معاكي." نظرت إلى عينيه مطولاً، وكأنها تبث لنفسها الأمان داخل بؤبؤ عينيه. هز رأسه لها مؤكدًا أن ما تفعله لازم الحدوث، لـ تتقدم بخطوات بطيئة نحو الأعلى، وقلبها يدق بطريقة هستيرية. تتمسك بحاجز السلم من شدة شعورها بالخواء، حتى وقفت أمام الباب. ارتجفت شفتيها السفلية ببكاء، وهي ترفع يدها بتردد لتطرق الباب. وبعد لحظات فتحت لها هناء الباب مبتسمة وهي تقول:
"تعالي يا حبيبتي، جيتي في وقتك، كنت لسه هرن عليكي أشوفك اتأخرتي ليه.. شهاب!! انتبهت إلى شهاب الذي تقدم من خلف فيروز. تنحنت وهي تشير إلى الداخل قائلة: "ادخلوا، هتفضلوا على الباب."
تقدمت فيروز إلى الداخل بجسد بلا روح، وهو خلفها يحاول أن يجعلها تشعر بالراحة بوجوده. وضعت فيروز يدها في جيبها وأخرجت تلك الصورة الفوتوغرافية التي أخذتها من طارق حين أصر أن يريها حقيقة نسبها إلى عائلته. صورة تجمعها وهي صغيرة مع أبويها الحقيقيين. رفعت الصورة وهي تقول بـذبول: "مش دي أنا يا ماما؟ التفتت هناء إليها، ترى ما تتحدث إليه، لـ تصدم بتلك الصورة الموجودة بيدها، وتتسع عينها ويتلجم لسانها عن الحديث. ابتلعت
فيروز ريقها وهي تقول: "اومال مين اللي معايا دول يا ماما؟ نظرت هناء إليها وإلى الصورة، ثم سقطت جالسة على المقعد خلفها. تساقطت دموع فيروز وهي تتقدم منها تهز الصورة بين أناملها وهي تصرخ ببكاء: "ردي عليا، مين دول يا ماما؟ شلت الصدمة جسد أكرم وهو ينظر إلى الصورة بين يديه. نظر إلى هناء الجالسة تبكي بصمت، ومن ثم عاد ببصره نحو فيروز الباكية، يتحدث قائلاً: "انتي جبتي الصورة دي منين؟ مين إدهالك؟
هزت رأسها بالنفي وهي تجلس على ركبتيها أمامه، تمسك بقدمه متوسلة له أن يرحم ذلك التزاحم بداخلها وأن يقضي على هذا الألم القاسي الذي تولى انهيار قلبها، قائلة: "لا، عشان خاطري قول إنه كدب، قول إنك بابا. أنا هسامحك على الفترة اللي فاتت وكل اللي حصل فيها، بس قول إنك بابا." أدمعت عينا أكرم وهو يجلس على ركبتيه مثلها، يحتضنها بقوة وهو يقول: "انتي بنتي أنا، نور عيني، متصدقيش أي حاجة."
تشبثت به كطفلة صغيرة وجدت والدها بعد أن كانت تائهة بالشوارع بمفردها بلا مأوى، وهي تصرخ: "أيوه، قول إنه كداب، قول إن محدش غيرك بابا." ابتعدت عنه حين استمعت إلى صوت بكاء هناء بحدة، واضعة يدها على وجهها، لـ تبدأ هي الأخرى بالبكاء، ناظرة إلى شهاب وهي تتساءل قائلة: "بس أنا لازم أعرف كل حاجة، صح؟ هز رأسه بالإيجاب لها. ينحني يقبل رأسها، يبث لها الطمأنينة قائلاً: "أيوه، انتي هتقفي وهتعرفي كل حاجة وأنا جنبك."
استقام بوقفته مرة أخرى وهو يمسك بيدها يوقفها معه، لـ تهز رأسها باقتناع وهي تقول: "أيوه، عايزة أعرف كل حاجة، أبوس إيديكم قولولي كل حاجة." جلس أكرم جوار هناء وبدأ بالحديث وهو ينظر إلى الصورة بيده قائلاً:
"كنتي عندك سنة، كنتي صغيرة أوي. كنا في إسكندرية بنصيف، بعد ما عرفنا إن هناء معدتش هتخلف بعد ياسمين عشان عندها مشاكل في الرحم. كانت مكتئبة ومحبطة، راحت تشتري حاجات ورجعت وأنتي معاها، وقالتلي إنك تايهة من أهلك وإنها لقتك. بحب أخدتك، ساعتها أنا زعقت وحاولت أشوف أهلك مين، بس معرفتش. وهي قعدت تعيط ومش عايزة تسيبك، وقررنا إننا نربيكي وتبقي زي ياسمين وأكتر. وكل ما إحساسي بالذنب بيكبر، كل ما كانت غلاوتك بتزيد في قلوبنا."
وقف أمامها يمسد على وجهها بحنان وهو يقول: "انتي بنتنا، مننا إحنا. إحنا اللي ربينا وسهرنا وعلمنا، إحنا اللي شوفناكي بتكبري، إحنا اللي فرحنا بأول كلمة وأول حركة وأول خطوة، إحنا اللي فرحنا بنجاحك وبشهادتك، إحنا اللي أهلك مش حد تاني." نظرت فيروز إلى شهاب والدموع تسيل على وجنتيها قائلة بـضعف: "عرفت كل حاجة، ياريتني ما عرفت. قلبي مرتحش يا شهاب، قلبي تعب أكتر." هز رأسه بالنفي وهو يراها تتقدم منه قائلة:
"لازم قلبك يهدي عشان أقدر أسيبك وأمشي." "بس أنا مش عايزك تمشي." قالتها فور انتهاءه من جملته بلهفة، وكأنها تعتقد أن هذا سيحدث. قبل رأسها من جديد، وهو ينظر إلى أكرم الذي جلس جوار هناء لمواساتها. همس لها قائلاً بهدوء: "تعالي نعمل زي زمان، هكلمك طول الليل لحد ما أسمع صوت أنفاسك وأنتي نايمة، وأقولك زي زمان: تصبحي على حبي يا عيون الفيروز."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!