الفصل 2 | من 36 فصل

رواية جمرية الصقر الفصل الثاني 2 - بقلم سلوى عوض

المشاهدات
24
كلمة
2,612
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

كانت هناك عيون حادة تراقب جمرية من بعيد، عيون صقر التي لا تخطئ، تتابع كل ما يحدث. صقر، الرجل الصعيدي في الثلاثين من عمره، يحمل هيبة أكبر من سنه، ووقارًا يجعل الكل يثق فيه. كان هو كبير كفر الصايغ، بعدما ورث القيادة عن والده الذي اعتزل الدنيا واكتفى بالعبادة. صقر رغم صغر سنه كان رجلًا بمعنى الكلمة، وملاذًا لكل من حوله، وكان أيضًا الصديق الوحيد والمخلص ليوسف، شقيق جمريه الوحيد.

صقر كان يتذكر جيدًا آخر لقاء بينه وبين يوسف، عندما جاءه يومًا ليحدثه عن أمر مهم. (فلاش باك) صقر: خير يا صاحبي! جلجتني من كتر كلامك إنك عايزني ضروري. في حاجة حصلت؟ يوسف: اسمعني ياصقر زين، أنا ياصاحبي كنت ظالم أبويا، لكن عرفت متأخر. صقر: متأخر إزاي؟ فهمني يا يوسف، أنا مش فاهم حاجة. يوسف تنهد وكأن الكلمات ثقيلة على لسانه، ثم قال:

يوسف: هاجولك اهو. فاكر لما كنت بجولك أمي كانت بتجولي إن أبويا مراضيش يبعتلي مصاريف ولا حاجة، وكانت أمي وجوزها بيعاملوني معاملة زينة، وكان جوز أمي بيعاملني زي عمار ولده بظبط. صقر: فاكر طبعًا، وأنا وقتها جولتلك أنا ممطمنش لامك وجوزها. الحج حمدان نجعكم كله بيشكر فيه، هياجي على ولده ويعامله وحش. يوسف: ما أنا للأسف ياصاحبي فهمت متأخر. صقر: فهمني طيب إيه اللي حصل. يوسف بدأ يحكي ما حدث:

يوسف: أمي وجوزها كانو بيكرهوني في أبويا، وأنا كنت بمشي ورا كلامهم لحد ما كرهت أبويا. لكن عاشية كنت نايم وصحيت، لقيتهم بيتحدتو ومش واخدين بالهم إني صحيت. زبيدة: لولا المصاريف والحاجات اللي بيبعتها حمدان، كنا شحتنا. معرفش ليه يا أمين أنت مش مراضيش تشتغل.

أمين: بجولك إيه، متعمليش فيها الطيبة. أنتِ مجعدة يوسف معاكي بس عشان الي بيبعته أبوه، وعشانه عارفة إن كده كده حمدان مريض بالكلى وهيموت في أي وقت، وكده كده يوسف ولد وحيد، إنما بتك صغيرة، وأنتي بتقربي ليوسف ومقرابة منك جوي عشان لما يموت حمدان تحطي يدك على كل حاجة. زبيدة: هو أنا بعمل كده لنفسي بس؟ مهو ليك انت كمان. أمين: يبقى متجوليش اشتغل ومتشتغلش. يعني هو كان حمدان عيبعت قليل؟

زبيدة: طب جفل على الحديث ده للواد يصحى ويسمعنا. يوسف وقف مذهولًا، يشعر كأن قلبه قد انكسر من صدمة الحقيقة. أكمل حديثه مع صقر: يوسف: وقتها حسيت قد إيه كنت ظالم أبويا. كل كلمة كنت بسمعها كانت زي السكاكين في جلبي. أنا اللي كرهت أبويا وصدقت كلامهم. صقر: يا ساتر يا رب! إيه الشياطين دول؟ هما خططوا لكل حاجة ونسيوا إن الأعمار بيد ربنا سبحانه وتعالى. طب إنت ناوي تعمل إيه دلوقتي؟ يوسف: أنا كده كده ناوي أسافر اشتغل في إيطاليا.

صقر: متقعدش ياصاحبي جار أبوك واختك وخد بالك منهم. يوسف: والله ياصاحبي ما قادر أبص في وش أبويا. صقر: اقعد بس راعي حالكم مع أبوك، وأبوك طيب وعمره ما يزعل منك. يوسف: أنا كرهت البلد دي وعايز أمشي، بس عايز أأمنك أمانة ياصاحبي. صقر: عيني ليك يا يوسف. يوسف: عايزك تخلي بالك من أبويا واختي وتابعهم من بعيد لبعيد. إحنا ملناش حد بعد ربنا غيرك، وأي حاجة وحشة تحصل اتدخل على طول واتصل بيا أجي. صقر: عيني ياصاحبي، بس هدخل بصفتي إيه؟

انت عارف إن محدش عارف عن صحوبيتنا حاجة، إنت من نجع وأنا من نجع. يوسف أعطى الحجاب اللي كان متعلق بيه على طول، وسلمه لصقر. صقر: إيه ده يا يوسف؟ يوسف: جدتي فاطمة كانت عاملة 3 حجاب. واحد لأبويا وواحد لجدي وواحد ليها. أبويا خد الحجاب بتاع جدي وأداني الحجاب بتاعه، وأدى حجاب جدتي فاطمة لجمرية. صقر: طب وبتدهولي ليه ياصاحبي؟

يوسف: عشان لو حصل أي حاجة تروح لهم بالحجاب. هيعرفوا إنك أنت من طرفي، لأن أبويا موصيني مجلعش الحجاب ده خالص. أوعدني ياصقر إنك تحافظ عليهم. صقر: أوعدك ياصاحبي إني أحافظ عليهم لحد ما ترجع لنا بالسلامة. بقولك يايوسف، لآخر مرة، خليك هنا وسط أهلك وناسك، وأنا هنا جارك.

يوسف: إنت متعرفش أنا كنت بتعارك مع أبويا وجمرية إزاي لما كانوا بيقولولي مروحش لامي. صدقني ياصقر والله ما قادر أبص في وشوشهم ياصاحبي. اتاري جمرية كان معاها حق لما كانت بتدافع عن أبويا. معلش ياصاحبي، سبني أعمل اللي في راسي، وزي ما وعدتني خلي بالك منهم. صقر: خلاص يايوسف مش هضغط عليك تاني، اتوكل على الله وأنا هخلي بالي منهم. يوسف يحتضن صقر بقوة.

يوسف: ربنا يخليك ليا يا صاحبي. أول ما أوصل إيطاليا هجيب خط جديد وأكلمك على طول. وفعلًا، يوسف سافر واتصل بجمريه أول ما وصل. يوسف: سامحيني يا جمرية، أنا غلطت كتير في حقك وفي حق أبويا. طمنيني على أبويا وقولي له أنا بحبه وهعوضه عن كل حاجة. جمريه ردت بصوت مختنق من العياط: جمريه: ربنا يرجعك بالسلامة يا حبيبي.

بعد ذلك، تواصل يوسف مع صقر عبر الهاتف ليخبره بوصوله إلى إيطاليا، وأعطى له عنوانه للتواصل. ولكن، بعد فترة، انقطعت أخبار يوسف تمامًا، ولم يعد أحد يعرف عنه شيئًا. (الحاضر) صقر: يا ترى إيه اللي حصل لك يا صاحبي؟ وفين أراضيك؟ مفيش حد من اللي يعرفوك شافك ولا سمع عنك حاجة. لازم أسافر وأشوفك، لكن طب وأخته جمرية؟ يارب دلني على الصح. يفكر شوية ويقول: صقر: أنا أحسن حاجة إني أسافر وأخلي زيدان هو راجل بثق فيه ياخد باله منها.

صقر بالفعل جهّز نفسه للسفر إلى إيطاليا، بعد أن أتمّ كافة الترتيبات اللازمة في كفر الصايغ. عهد بإدارة شؤون الكفر إلى عمه عباس، وطلب من زيدان أن يتولى مراقبة جمرية وحمايتها في حال حدوث أي شئ لها. بعد ثلاثة أيام في منزل الصياد عندما أفاقت جمرية من صدمة وفاة والدها، بدأت تبحث عنه في كل أرجاء المنزل دون أن تجده، وانهارت بالبكاء على رحيله. زبيدة (تتظاهر بالحزن) : خلاص يا بتي، ارحمي نفسك، وادعي له بالرحمة. أمين

(ممثلًا الحزن) : جلبي معاكِ يا بنتي. جمريه (بطيبة) : ربنا يبارك فيك يا عمي، ما قصرتوش. زبيدة (بتمثيل) : خلاص يا أمين، يلا بينا نرجع بيتنا. الواجب خلص وقطعنا للرحوم، نقعد نعمل إيه هنا؟ مش معقول نفضل قاعدين في بيتهم. أمين (بلؤم) : بس يا أم يوسف، مش هنسيب جمرية لوحدها. زبيدة: معاك حق، بس لو قعدنا الناس هتتكلم وتقول إننا ما صدقنا نقعد في البيت بعد ما المرحوم مات.

أمين: طيب، الحل إننا ناخد جمرية معانا. ما يصحش نسيبها لوحدها. زبيدة: كلامك عين العقل يا أمين. جمريه: أنا ما أقدرش أسيب بيت أبويا، كتر خيركم. زبيدة (بتمثيل القلق) : زي ما يريحك يا بنتي، لكن أنا جلبي مش مطمن عليكي وانتي لوحدك. جمريه (بطيبة) : خليكم قاعدين معايا، البيت بيتكم. محدش ليه حاجة عندنا. زبيدة وأمين تبادلا النظرات بارتياح داخلي، وقال أمين: أمين: اللي يريحك يا بتي إحنا هنعمله، يهمنا راحتك.

في هذه الأثناء، يدخل عمار حاملًا طعامًا كثيرًا: عمار: يا أما زبيدة، أنا جبت أكل كتير. يلا ناكل سوا، يلا يا جمرية، لازم تاكلي معانا. جمريه: معلش، مليش نفس للأكل. كلو بالهنا والشفا. عمار: إحنا ما نقدرش ناكل لوحدنا، لازم تاكلي معانا. جمريه: المرة دي سامحوني، المرات الجاية كتير. عن إذنكم أروح أطلع أرتاح شوية. بعد أن صعدت جمرية إلى غرفتها، بدأ أمين وزبيدة الحديث:

أمين: اسمع يا عمار، لازم تخلي البت تحبك وتتجوزك. كده العز ده كله هيبقى بتاعنا. زبيدة: كلامك صح، لازم العز ده كله يبقى ملكنا. يوسف سافر، وما حدش عارف إذا كان هيرجع. عمار (بثقة) : ولا يهمكم، أنا هخليها تصحى وتنام تقول عمار. أمين: بس بطّل اللف ورا الغوازي في الموالد. عمار: ما خلاص بقى يا بوي، يا تسيبني براحتي يا مليش صالح بالحديث ده ولا البت جمرية. فكر وجولي رأيك. أمين: ماشي، بس خلّص دورك بسرعة.

عمار: طب هاتوا فلوس، رايح أسهر مع أصحابي. أمين: أجيب لك منين؟ عمار: خلي مراتك تديني. زبيدة: ما تخافش، أنا هديلك اللي تحتاجه. أمين: ومنين جبتي فلوس؟ زبيدة: خدتهم من جمرية وهي مش واخدة بالها. قلت لها إننا محتاجين فلوس للواجب، وأدتني مفتاح الدولاب. دولابها فيه شئ وشويات. عمار (بخبث) : حبيبتي أنتِ يا مرات أبويا. أمين: وأنا كمان عايز فلوس أمشي حالي. زبيدة أخرجت عشرة آلاف جنيه، وناولتها لعمار:

زبيدة: خد دول، ولما يخلصوا هديك تاني، بس توقع البنت وتتجوزها. أمين: وأنا كمان زيه. زبيدة: حاضر، عينا ليكم، وأنا ليا بركة غيركم. في المقهى ذهب عمار ليسهر مع أصدقائه، وبمجرد وصوله أعلن: عمار: طلبات القهوة كلها عليّ، يا معلم. صاحب المقهى: على راسي يا عمار بيه. همام (أحد أصدقائه) : شكل العملية لعبت معاك. ماتيجي بينا نروحو نتفرجوا على البت محاسن الغازية. عمار (بتحذير)

: اتحشم يافرخ انت وهو، انتو عارفين إني بحبها وبغير عليها، محدش فيكم يجيب سيرتها على لسانه تاني. همام: مش انت هتتجوز البت بنت مرات أبوك؟ عمار: لا، ده بس عشان اللي وراها، أما محاسن هي اللي في القلب. يومين آخد فلوس من مرات أبويا وأجيب لها هدية زينة. همام ومسعد (ممازحين) : ماشي يا عمدة. عمار: استنوا بس، قريب هبقى كبير نجع الصياد بحاله. في منزل الصياد

كانت جمرية تجلس وحدها في غرفتها، تحيط بها ذكرياتها مع والدها. دموعها لم تتوقف منذ رحيله، ولكن فجأة توقفت عن البكاء ومسحت دموعها بيدها، قائلة لنفسها:

"أنا كده ما بفيدش أبويا بحاجة. بدل ما أقعد أبكي، أصلي وأقرأ قرآن وأدعي له. أبويا دلوقتي في الجنة بإذن الله، أكيد شايفني. لو شافني ببكي هيزعل عليا، لكن لو شافني بصلي وبقرأ قرآن هيكون فرحان بيا جوي. الله يرحمك يا بوي، كنت دايمًا تقول لي إن الدعاء والقرآن هم اللي هينفعونا في الآخر."

وقفت جمرية، وتوجهت إلى سجادة الصلاة. بدأت تصلي بخشوع، وكل ركعة كانت مليئة بالدعاء لوالدها. بعد الصلاة، فتحت المصحف وجلست تقرأ منه بصوت هادئ مليء بالسكينة، وكأنها تستمد قوتها من الكلمات التي تقرؤها. كانت تشعر أن روح والدها تملأ المكان، وأنه بجانبها يبتسم لها بفخر. في إيطاليا، تحديدًا في ميلانو

وصل صقر إلى ميلانو، وهو يعرف المدينة جيدًا بحكم عمله كرجل أعمال، حيث اعتاد السفر إلى هناك بين الحين والآخر. فور وصوله، توجه إلى الحي الذي يعج بالمصريين، وذهب إلى مكان إقامة يوسف حيث كان محمد، صاحب يوسف وزميله في السكن، والذي كان صقر دائمًا يسمع عنه من يوسف. عندما وصل صقر إلى السكن، استقبله محمد بابتسامة حارة. صقر: "إزيك يا ميمو؟ أخبارك إيه يا صاحبي؟ محمد: "الحمد لله يا صاحبي، أخبارك إنت إيه؟

قلت لي إنك جاي، بس ما كنتش متوقع تيجي بالسرعة دي." صقر: "أخبار يوسف إيه يا ميمو؟ محمد تلعثم للحظة، ثم رد بصوت حزين: محمد: "بقالنا شهرين ما نعرفش عنه حاجة يا صاحبي." صقر: "كيف يعني؟ محمد: "مش عارف، هو كان كل يومين يختفي ويرجع تاني، لكن الفترة دي اختفى تمامًا، وتليفوناته كلها مقفولة." صقر: "سألت عليه عند كل معارفنا وحبايبنا؟ محمد: "آه، حاولت مع كل حد بس ما حدش عنده أي خبر." صح.. انت كنت جاي ليه. صقر بحزن:

عشان أقوله إن أبوه اتوفى. محمد: لا حوله ولا قوة إلا بالله. يوسف كان دايما بيقول نفسي أنزل مصر بس أنزل وأنا حاجة كبيرة عشان أبويا يسامحني. صقر شعر بالحزن، ثم قال: صقر: "طب جهز نفسك الصبح، نسأل عليه في المستشفيات والأقسام وربنا يسترها." محمد: "من غير ما نروح، أنا أعرف ناس هناك مسؤولين. هتصل وأمليهم الاسم. أنت ناسي إنني أشهر واحد بتاع بيتزا في إيطاليا كلها." صقر: "ربنا يوفقك يا صاحبي." في الصباح

بعد أن اتصل محمد بمعارفه وأصدقائه المسؤولين، لم يتوصلوا إلى أي معلومات عن يوسف. كان واضحًا أن يوسف اختفى بشكل غامض، وهو ما أثار القلق بشكل أكبر. محمد: "للأسف، يا صقر، مفيش أي أخبار. كل الناس اللي أعرفهم ما عندهمش فكرة عن مكانه." صقر شعر بشيء من الإحباط، لكنه حاول أن يكون متماسكًا، وقال: صقر: "مقدمناش غير السفارة. ربنا يستر ونقدر نطمن عليه."

كانت الأجواء مشحونة بالقلق، وصقر كان مصممًا على متابعة كل الخيوط للوصول إلى يوسف، مهما كلفه الأمر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...