الفصل 1 | من 30 فصل

رواية جميلتي الصهباء الفصل الأول 1 - بقلم عليا شعبان

المشاهدات
17
كلمة
4,503
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء.

وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت ربهـا لتجعله يصبر على بلاء ربه، ذا نفسٍ راضية. فالآن غادرت هي وتركـت له حِملًا أقوى من قامات الجبال. ثلاثة صهباوات في يومهن الأول على هذه الدنيا. "سرحت في آية يا غالي؟ أكيد فيها! أردفت (مني)

شقيقة سالم الصغرى بتلك الكلمات وهي تضع كفها على كتفه من الخلف، ومن ثم استدارت حتى جلست إلى الأريكة المجاورة له. رمقته بنظرة هادئة ترثي بها حال شقيقها الذي لم يهنأ لحظة منذ رحيل زوجته. تنهدت بثبات فيما افتر ثغره عن ابتسامة حانية قائلًا: "ملاك مش بس كانت زوجتي!

يا مني، دي كانت الفرحة اللي حلمت سنين بيها. هي آه ما فرحتش ببناتها يوم، بس أكيد هنتجمع كُلنا في جناته. وأنا معايا كنوز الدنيا ملك إيديا، تلات لآلئ ونسخ مصورة منها." رفع ذراعه إليها ومن ثم ربت على كتفها بحنو صادق كطبيعة حاله: "وبعدين ربنا يحفظك ليّا. من يوم غيابها وإنتِ جنبي. ربيتي بناتي وحافظتي عليهم، وبعتِ كل الدنيا واشتريتِ قربهم ورضيتي ببُعد جوزك وابنك." مني بابتسامة عذبة:

"ما إنت عارف يا سالم، إن روحي فيهم. مكانش ينفع إنه يخيرني بينه وبينهم. ما إنت عارف اللي فيها دي مجرد تلكيكة مش أكتر. أما ابني فمش صغير عشان ينساني. هو كبر وفهم إن بعدي كان خارج إرادتي والظروف كانت أقوى مني." سالم بتساؤل مهتم: "آه صحيح، أمال يامن ناوي يشرفنا إمتى؟ ولا مش قادر يستغني عن بنات فرنسا؟ مني بضحكة هادئة:

"قالي على نهاية الشهر دا، دا وعدني إنه هيبدأ جلسة العلاج مع بيسان على آخر الشهر. وكمان نفسه يشوف مراد أخوه." سالم بتفهم: "تمام. والله واحشني جدًا من ساعة تانية ثانوي ما شفناهوش. أهو دلوقتي بقي دكتور عظام قد الدنيا ومش عارفين ناخد منه معاد. أنا هقوم بقي أقرأ شوية في القضية الجديدة وإنتِ شوفي مراد والبنات." انصاعت (مني)

لحديثه فيما اتجه هو داخل غرفة مكتبه، فيتوجب عليه توخي الحذر والفصل بين حياته العملية وبناته، فيخشى أن يصبح قاضيًا جائرًا ويظلم دون قصد منه. *** "لو قولتيها من غير ما تغلطي فيها تلات مرات يبقى إنتِ كده عليكِ جِن! أردف (مراد) بتلك الكلمات وهو ينظر صوب عيني فداء بقوة، فيما ابتلعت ريقها وأخذت تتلفت حولها لتستقر عيناها عليه قائلة بغيظ: "مـا تتلم يا واد، رعبتني. مش لازم تبحلق عشان تحسسني إن عليا جِن." مراد كاتمًا ضحكته:

"طيب قولي ياختي! استقامت فقرات ظهرها خطًا طوليًا، لتتنشق الهواء داخلها ومن ثم تهتف بحماس: "وقُبر قرب حرب كلب! مراد فاغرًا فيه وبنبرة مصدومة قاطعها: "إيه اللي إنتِ بتقوليه دا؟ فداء ومازالت بكامل حماستها لتستأنف هاتفه: "وقُرب قبر حرب كلب، وقرب قُرب حرب ابن كلاب." أطلق مراد قهقهة عالية وهو يضرب على وجهه براحته، فيما حملقت به فداء في حماسة قائلة: "ها، قولتها صح؟ مراد وهو يومئ برأسه سلبًا: "وقُرب قبر حرب، كلب؟

فداء وهي ترمقه بتلقائية شديدة، تستشف منه صح الحديث: "هي المقابر مش بيبقى فيها كلاب حراسة؟ مراد وهو ينتشل منها الكتاب: "إطلعي برا يا فيدو خليني أذاكر. أنا واحد ثانوية عامة ومش فاضي لك." فداء وهي تنظر له بامتعاض قائلة: "إخلص وقولي الطلاسم اللي حصلت دي تاني، وأنا هبقى أعمل اختبار الجِن دا بعدين! مراد ضاحكًا: "البيت اسمه ‘وقبر حرب بمكان قفر، وليس قُرب قبر حرب قبر‘."

فتحت فداء فاها قليلًا علامة البلاهة، وما أن انتهى منها، حتى رفعت يدها عاليًا وراحت تضربه على كتفه بقوة قائلة: "كلام جميل ومفهوم ما شاء الله. شد حيلك يا بطل وهنبقى نحل مشكلتك مع القبر أو ندفنك فيه عادي." في تلك اللحظة دلفت (مني) إلى داخل الغرفة تتفقد ابنها الأصغر، الذي يدرس في الصف الثالث الثانوي. كان لا يزال جنينًا عندما تركها زوجها وسافر إلى فرنسا بصحبة ابنها الأكبر (يامن)

. لم تنسَ جحود قلبه وهو يسلب طفلها منها ويبادلها الكره، ولكنه لم ينجح في جعل يامن يبادل والدته نفس الشعور. رمقتهمـا بنظرات عابثة وهي تضع كفها حول خصرها وبنبرة متسائلة تابعت وهي تتوجه بالحديث إلى فداء: "سمعلك الدرس كويس يا فداء! ولا كان بيلعب زي كل مرة." افتر ثغر فداء عن ابتسامة مختالة ترفع كتفيها بتعالٍ لتسند ذراعها على مقبض الباب بعد أن اتجهت إليه، ثم أردفت بنبرة واثقة:

"عيب عليكي يا عمتو. أنا شرحت له كل حاجة وفهم ما شاء الله." كانت مني تسند الباب بجسدها وما أن انتهت فداء من حديثها حتى سارت الأخرى للداخل قائلة بحب وهي تتوجه بالحديث إلى ابنها: "حبيبي يا مودي. شـد حـ... في تلك اللحظة قطع حديثها صوت صراخ فداء وهي تسقط أرضًا عندما دلفت مني للداخل ليُغلق الباب وتهوي هي. وبنبرة متألمة تابعت: "جالي رباط صليبي في زعزعة رجلي. آآآه حرام عليكي يا ولية هلعب الماتش إزاي دلوقتي؟

هرولت مني إلى فداء تلتقطها بين ذراعيها فهي تخشى عليها آلام الحياة وما أصعب أنواع القلب ألمًا. مالت بوجهه إلى صغيرتها وبنبرة حانية تابعت: "أسفه يا فيدو. ما أخدتش بالي والله يا حبيبتي." ومن ثم استأنفت حديثها تنهرها بحنية: "وبعدين ولية إيه؟ وماتش إيه دا يا فيدو!!! يا بنتي إنتِ ما كنتيش كده، وعارفة كويس إن باباكي مش حابب الألفاظ دي. يقطعها الصحافة. آدي نواتجها." فداء وهي تُبرق لها بعينيها في انفعال وقوة:

"كله إلا الكورة. دا أنا كمان انضميت للوايت نايتس بنات ونخربها. كدا هبقى برا التشكيلة يا مُنمن." مراد كاتمًا ضحكته: "هرمونات الذكورة في تصرفاتك جاحدة أوي، رغم إن شكلك أنثوي فج." استندت فداء على ذراعي عمتها ثم سارت ناحيته بخطوات مذبذبة لتعض على شفتيها غيظًا فيما قال وهو يتراجع بقلق: "أنا أسف. إنتِ بنوتة غصب عن أي حد." في تلك اللحظة كورت قبضتها حتى قربتها من وجهها وراحت تقبض على أنفه بقوة وبنبرة مغتاظة تابعت:

"ما تقوليش بنت، أنا راجل أخواتي وبس." تبادل كلًا من مراد ومني نظرات تساؤلية مذهولة، فقد فغر مراد فيه في صدمة من جوابها. وهنا حررت أنفه وراحت تلكمه في صدره بخفة: "أما أروح أشوف بيسو وعنقود. وانت على فكرة مش ضروري تذاكر. كدا كدا الأهلوية محظوظين وبينجحوا في أي حاجة." مراد وقد قهقه عاليًا: "طبعًا، التالتة شمال بيهزوا جبال. النهاردا الماتش وهخلص مذاكرة ونتجمع عشان أحفل براحتي."

جدحته فداء بنظرة غامضة وقد أطالت بها ومن ثم مالت بجذعها العلوي للأمام قليلًا حتى التقطت حذاءها. وما أن رفعت جسدها قليلًا حتى وجدته في سرعة البرق كان قد اختبأ خلف الفراش لتقول هي بنبرة متوعدة: "بتستخبي ليه يالا، إنت مش لسه كنت بتهز جبال. وحياة أمك مني لو ما طلعت من تحت السرير لأهزه لحد ما يتطربق على دماغك." مني وهي تجذبها من ذراعها بقهقهة عالية:

"يخربيت عقلك. دا البيت هيبقي دم للركب النهاردا. روحي شوفي أخواتك يا هانم. وبعدين إنتِ مش مشيتي البنت المسؤولة عن بيسان، اتفضلي قومي بالدور إنتِ! فداء وهي تنظر له بنظرات شريرة متوعدة ومن ثم اتجهت صوب باب الغرفة وكانت تتبعها عمتها. قربت فداء ذراعها ناحية جانب عمتها الأيمن لتداعبة مرددة بثبات: "أنا بغير على إخواتي. وما أحبش حد يساعدهم غيري." ***

حدقت بشقيقتها في انبهار شديد، صفقت بإعجاب وافر وأخذت عيناها تغدو وتروح مع جسد شقيقتها المتمايل وهي ترقص (رقصًا شرقيًا) . قامت فداء بفتح باب الغرفة بهدوء شديد. جحظت عيناها وهي تنظر إلى شقيقتها المجنونة تتمايل بخفة وساعدها على ذلك جسدها النحيل. والأكثر صدمة ارتداؤها لبدلة رقص تظهر أكثر مما تخفي. ومن ثم تحولت إلى شقيقتها الهادئة التي تجلس إلى مقعدها المتحرك وقد اندمجت مع شقيقتها بمرح.

سارت فداء حيث تجلس بيسان بمقعدها، ارتسمت ضحكة بلهاء على شفتيها. لاحظت بيسان وجودها لتقول بنبرة هادئة: "إيه رأيك يا فيدو؟ عنود قررت تعلمني الرقص. وأهي حاجة مفيدة بدل الملل دا." فداء وهي ترمقهما ببلاهة: "ما شاء الله، قررت تعلمك الرقص؟ لأ حقيقي ربنا يفتح عليكم، دي حاجة عظيمة خالص."

لم تلحظ عنود وجود شقيقتها الثالثة فقد سبحت في عالم آخر، فهي العاشقة لحريتها حتى لو تمثلت في أبسط الأشياء كالرقص. فتجدها كلما يضيق بها الحال، ترقص، حتى تعود من جديد أكثر تماسكًا. توقفت عنود في تلك اللحظة ومن ثم راحت تنظر لشقيقاتها قائلة بفرحة: "إيه رأيكم، أدائي بيرفكت (perfect) مش كده؟ بيسان وهي توميء برأسها إيجابًا في سعادة: "جدًا يا عنود." رفعت فداء شفتها العليا قليلًا لتميل على جنب وهي تنظر لـ (بيسان)

ومن ثم اتجهت ببصرها ناحية عنود لتقول بنبرة ساخرة: "لا دا إنتِ عظيمة يا عنقودة قلبي، أنا من رأيي تشتغلي في شارع الهرم؟ عنود بفرحة وهي تحتضنها: "بجد يا فيدو؟ اتسعت حدقتا عيناي فداء في اندهاش من فرحة شقيقتها. مازالت عنود تحتضنها، لتردف فداء بنبرة مذهولة هادئة: "هو انتِ فرحانة يا دلعادي؟ ابتعدت عنها عنود قليلًا، لتضم راحتيها إلى بعضهما في رقة ثم قالت بفرحة: "I really love you, sweeto." فداء وهي تنظر باتجاه بيسان:

"حلو خالص والله، وتاخدني معاها بقى أرمي عليها فلوس. وناخد سلمي نرمي معانا، ونبقى عيلة أوبن مايند بقى. مش عاوزة أقولك أبوكي هيفرح بالخبر ده قد إيه، يا بجرة؟ عنود وهي تضع يدها على فمها وتشهق في ذهول: "اووه. أنا بقرة يا فيدو؟ بتشبهيني بالكاو (cow) فداء وهي تلتقط ذراعها ثم تضرب على ظهره بغيظ: "آه بس ملونة وصفرا. أنا آسفة للبقرة يا عنقودة قلبي." عنود وهي تلتفت ذراعها منها ومن ثم تتابع بحنق: "ثم إنك Savage (متوحشة)

بجد، وبعدين إيه عنقودة دي؟ بيسان بهدوء: "خلاص يا بنات. اتصالحوا." فداء بنبرة عالية: "غوري اقلعي الفضايح دي يا بنت سالم، جاتك القرف وإنتِ شبه الفرولاية المنحرفة كده. وإنتِ يالا عشان أديكي العلاج، أنا واحدة عندي ماتش وعاوز أتفرج ومش فاضية لكم." اتجهت عنود صوب غرفة تبديل الملابس الملحقة بالغرفة الكبيرة، الموجود بها فراش لكل واحدة منهن. أخذت تضرب الأرض بقدمها. رغم عشقها للحرية وإلقائها بكلام الناس عرض الحائط، إلا أن

(فداء) وحدها من تكبح جماح طموحها وتحاول جاهدة أن تجعلها ذات شخصية مستقيمة. هي هكذا بالفعل ولكن ميولهن اختلفت ويبقي أصلهن هو الباقي. "فـيدو؟ زفرة فداء زفرة مطولة بعد أن غابت عنود داخل حجرة تبديل الملابس. التفتت حيث شقيقتها الأخرى وبنبرة هادئة تابعت: "إيه يا قلبي؟ بيسان بخجل قليلًا: "إبراهيم هيقابلني بكرة. بس مش هنا في القصر، عشان بابا مش بيخليني نقعد سوا. فـ هنروح أنا وهو مطعم برا. ممكن تختاري لي فستان بالمناسبة دي؟

كبا لون وجه (فداء) وهي تستمع لحديث شقيقتها، جال الدمع في عينيها لوهلة وقد شردت بعقلها قليلًا، وراحت تبتسم إلى بيسان بنبرة واهنة مختنقة: "إبراهيم تاني يا بيسان؟ بيسان بوجه عابس: "تاني وتالت ومليون يا فداء، دا حبيبي وخطيبي." قالتها وهي تحرك الدبلة بين أصابعها في شرود وحنو غلب على نبرة صوتها فيما أسرعت فداء بضمها إلى صدرها وراحت تمسح على خصلاتها الحمراء الناعمة لتتنهد تنهيدة حارقة لا راحة بها وبنبرة ثابتة قالت:

"ربنا يريح قلبك يا بيسان." *** "إيه مش ناوي تنسى بقى يا بني؟ يمكن الطريق ده ما كانش خير ليك؟ ربت على كفه من الخلف، ذاك الأب الحنون الذي يشغل مكانة قاضٍ في إحدى المحاكم، يسكن بإحدى القرى الصعيدية وهو عمدة هذه القرية. أنزل (قصي) سلاحه بعد أن صوبه باتجاه الفريسة التي تقع على بعد أمتار طوليًا منه. تنهد قصي باختناق ليردف بنبرة خشنة تنم عن وظيفة صاحبه، بل وظيفته السابقة:

"غصب عني يا جمال بيه، قصي الدمنهوري ما كانش مجرد ضابط. أنا وقفت جنب البلد دي كتير، ويوم ما أغلط غلطة في مأمورية تكون عقوبتي إني أُوقف عن شغلي؟ وبعدين فين حصانتي. هو أنا مش ابن قاضي ولا إيه؟ جمال بابتسامة هادئة وهو يجاور ناظرًا للسماء: "لا يا قصي. إنت ابن جمال بس. يمكن كان هيبقى معاك حق لو أنا راجل بضميرين، وبستغل منصبي. وما أعتقدش إنك بتحب الواسطة؟ قصي وهو ينظر لوالده بجانب عينيه وبنبرة ثابتة تابع:

"عندك حق، بس المرة دي الوضع اختلف." جمال وهو يمسح على شعر ابنه بحنو: "عدى سنة على الموضوع ده، وإنت لسه عندك أمل ترجع. إنت آه ضابط كفء بس الغلطة في الشرطة بفورة. يمكن إنت وقت المأمورية دي أنقذت الموقف بس عرضت ناس تاني للخطر. وأنا لسه عند كلامي، ابدأ من جديد يا قصي في مجال الأعمال العالمية. صدقني هتكون رجل أعمال ناجح وهتلاقي بسهولة فكرة لشركتك الجديدة."

عاد قصي ينظر أمامه من جديد، يبحث في معالم حديث والده. كيف لضابط شرطة أن يصبح رجل أعمال فجأة؟ كيف سيفعلها؟ افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة غامضة. فيما تابع جمال بهدوء: "أستأذن أنا يا ابني. عندي جلسة في المحكمة بعد ساعتين." أومأ (قصي)

برأسه دون أن ينبس ببنت شفة. وما أن غادر والده حتى هوى إلى المقعد الخشبي المجاور له داخل حديقة هذا البيت الريفي الكبير، حيث تحده هذه الحديقة من جميع الجهات عدا الجهة الأمامية الخاصة بالباب الرئيسي. مال بجسده للأمام قليلًا ومن ثم وضع وجهه بين ذراعيه فهو ذاك الشاب القوي الذي لا يعرف عنه الضعف، فقط القوة والصلابة هما المشكلان لشخصيته. وأصبح في الآونة الأخيرة يواعد فتيات حتى حطم بهن الرقم القياسي. لا يعرف الجدية في علاقة كهذه، فمُجمل علاقته بالنساء هي ليلة واحدة تجمعه بهن وبعد ذلك يتوجب عليهن نسيانه بعد مبلغ من المال. أما كلمة زواج فلا يعترف بها مطلقًا.

*** "عمري ما هنسى أبويا وهو ياخدني، الاستاد من صغري في حبه بيعلمني. قالي يابني الزمالك هو حياتنا، والدنيا فانية وأيه غير حبه مالكنا! أوووه أوووه." صدحت بصوتها تغني في أرجاء الغرفة. وقفت على الفراش وقد أمسكت بشعار الفريق في أحد كفيها وبالأخرى تقرب الريموت كنترول الخاص بالتلفاز من فمها. تأففت إحداهن (عنود) من ضجيجها لتتابع من بين غيظها:

"اوووف بجد، قولت لك مليون مرة ما بحبش الكورة وبعدين بابي أصلاً أهلاوي يا ناصحة. أبقي شيلي المقطع ده، It's very boring." هي بحدة من بين عينيها: "أنا هسامحك على اللي قولتيه ده، مش عشان إنتِ أختي. لأ، عشان إنتِ شبهي ومن نفس البطن." في تلك اللحظة سمعن صوته، يهتف بلهجة جهورية قائلًا: "يا بلاء القصر! بيسان بتلعثم: "الحقي يا بلاء، قـ قـ قصدي يا فـداء، بابا بينادي عليكِ. يا ترى عملتي إيه المرة دي؟

التفتت فداء إليها ثم رمقتها بنظرة ثابتة من فوق كتفها قائلة: "أنا فداء العامري. أعمل اللي أنا عـوزاه." قام بفتح الباب على الأثر، وقد عبرت قسمات وجهه عن الغضب الجامح وهنا تابع وهو يهدر بها: "بتضربي الناس بالطوب في المظاهرات يا فداء! حملقت إليه في فزع، ومن ثم هرولت تحتمي بشقيقتها التي تصغرها بدقائق فقط (بيسان) "هم اللي بدأوا، قالوا عليا صحفية نص كم." ومن ثم استأنفت حديثها وهي ترفع إصبعها السبابة عاليًا

وبنبرة متوعدة تابعت: "أنا فداء العامري، أكبر صحفية في الشرق الأوسط يتقال عليا صحفية نص كم! ليه! هُزلت. رد يا بابي. القطة كلت عيالها! قام بالتقاط إحدى ثمرات التفاح الموضوعة على الطاولة أمامه ومن ثم ألقاها في وجهها. سارعت هي بالإمساك بها ومن ثم ردت بنبرة ثابتة: "تشكر أذوق. كنت جعانة. تترد لك في الأفراح يا سلم." ضغط على عينيه في انفعال حاول كظمه. أشار لها بكفه بهدوء قبل أن يتابع بثبات:

"تعالي يا حبيبتي هنا، تعالي يا بلاء هقولك ما تخافيش." فداء وما زالت تحتمي بمقعد شقيقتها لتقول بنبرة ثابتة مدعية الذكاء: "وإنت فاكر إنك كده بتثبتني؟ لأ يا صاحبي مش هفترق عن أختي وأروح لك! في تلك اللحظة هتفت عنود بنبرة تشفي وهي تهرول ناحية والدها ثم تقدم له أحد أحذيتها قائلة: "اتفضل يا بابي، عشان إنت ناسي الشوز اللي هتضربها بيه." رفعت فداء أحد حاجبيها بخبث وهي ترى نظرات عنود المتحدية لها فيما تابعت بيسان بتلعثم:

"بليز يا بابي، خلاص. وبعدين ما أكيد ضايقوها بحاجة؟ في تلك اللحظة سار سالم ناحية ابنته، ومن ثم ألقى الجريدة على قدمها ليقول بنبرة جامدة: "اتفضلي شوفي أختك جايبة لي الكلام إزاي. شوفي الخبر اللي الهانم كتبته عن أحد الصحفيين."

رفعت بيسان الجريدة أمام بؤبؤي عينيها مباشرة، أخذت عيناها تتسع رويدًا رويدًا ومن ثم ألقت الجريدة أرضًا وقد تخضبت وجنتيها خجلًا. رمقها والدها بنظرة متفهمة فهي الأكثر خجلًا منهن على الإطلاق. مالت عنود تلتقط الجريدة وما أن استقامت حتى نظرت إلى العنوان وراحت تشهق في هدوء: "اوووبس! صورتي الإعلامي بالفانلة الحمالات والكلسون؟ فداء وهي تنتشل منها الجريدة ثم تضرب على أوراقها بثبات: "وفيها إيه يعني؟

هو مش قال إني صحفية وتصرفاتي رجولية وغير محسوبة على جنس السيدات ومش بعيد أكون بلبس كلسون عشان أنا بيئة؟ فـ أنا بقي صورته وهو واقف قدام بيسين ڤيلته ولابس كلسون، نسي نفسه المعفن. أنا فداء العامري، مثال الكرامة والصمود وحقي برجعه بدراعي." سالم بغيظ: "هو الراجل يعني ما غلطش، أمال مين اللي كان لابس كلسون بني امبارح؟ عنود وهي تتخصر أمامهم: "فعلًا يا بابي وكان فيه rope (حبل) طويل أوي بيئه جدًا، وكل شوية تضربني بيه."

فداء وهي تعض على شفتها السفلى بغيظ: "آه يا حُقنة يا عنقودة متعفنة، يا بتاعت شارع الهرم! رمقتها عنود بعينين جاحظتين. وضعت يدها على فمها في خوف تُرسل لها نظرات تحذيرية من أن تفصح عما دار بينهن أمام والدها فيما تابعت فداء بتشفٍ: "بنتك الطاهرة الشريفة يا بابا، قررت تذكي عن صحتها وعافيتها وتتبرع للغلابة بحاجة مهمة أوي." سالم مضيقًا ما بين حاجبيه بتساؤل: "تتبرع بإيه؟ فداء وهي تتمايل بجسدها يمينًا ويسارًا: "بوسطها يا سلم؟

بنتك عاوزة تشتغل رقاصة يا سلم." سالم محدقًا بهن في صدمة: "نعم؟ عنود بنبرة متلعثمة: "لا يا بابي أوعي تصدقها، أنا عاوزة أبقى dancer في أماكن راقية مش بلدي! لم تنته من حديثها حتى وجدت الحذاء يلزق بوجهها. وهنا أطلقت فداء قهقة عالية وهي تهتف بتشفٍ: "عمال أقولك بلاش أنا بلاش أنا، البسي بقي." *** "يعني إنت قررت إيه يا حظابط؟

أردف فايز صديق قصي بتلك الكلمات في تساؤل أثناء جلوسهما بأحد المطاعم. رفع قصي الشوكة إلى فمه ليلتقط الطعام من على طرفها، يلوكه في شرود قائلًا بنبرة عميقة: "لسه بفكر في كلام الحاج، بس تفتكر لو هعمل شركة، يبقى إيه اتجاهها؟ ساد الصمت بينهما قليلًا حين أتت النادلة لترفع الطعام عن الطاولة لتردف برقة وهي تنظر ناحية قصي الذي بادرها بغمزة من عينيه فتقول: "أتمنى يكون الأكل عجب حضرتك؟ فايز مقاطعًا إياها: "هو أنا شفاف؟

مش هتسأليني عجبني أنا كمان ولا لأ." رمقته الفتاة بنظرة باردة ومن ثم سارت مبتعدة عنهما. أخذا يرمقاهـا مطولًا حتى توارت عين أعينهما ليلتفت له قصي مرددًا بابتسامة غامضة أعقبه غمزة من إحدى عينيه: "إيه رأيك؟ في شركة أزياء وبنات ونعيش!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...