تحميل رواية جميلتي الصهباء بقلم عليا شعبان pdf
بقلم عليا شعبان
الفصل 3 — رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث 3 - بقلم عليا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء. وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت رب...
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث 3 - بقلم عليا شعبان
أوقف السيارة أمام مبنى مركز الشرطة.
أصرت منى على ملازمته حتى يطمئن قلبها برؤية فداء.
ترجلا خارج السيارة على عجالة من أمرهما.
ذهب سالم في خطواته إلى الداخل يتلفت حوله بقلق ليجد أحد العساكر يقف على مقربة منه وبنبرة متلهفة تابع:
_ بقولك إيه يابني، كان فيه خناقة من ساعة كده، بنت مع شباب، ما تعرفش ألاقيهم فين؟
العسكري وهو يومئ برأسه إيجابًا:
_ موجودين في مكتب ظابط فايز، آخر الطرقة دي على إيدك الشمال.
هز سالم رأسه عدة إيماءات خفيفة.
سارت منى بجواره تستتبع خطواته تضع كفها على قلبها من فرط الخوف وبنبرة قلقة تابعت:
_ أنا خايفة على البنت أوي يا سالم.
_ ربنا يستر، بعيد الشر عنها.
تنحى سالم يسارًا ليجد ذاك المكتب المقصود، طرق عدة طرقات سريعة على الباب عندما استغرب من غياب الصول المختص بحراسة الغرفة.
أتاه صوت أحدهم يهتف بصرامة:
_ ادخل.
أدار مقبض الباب حتى فتحه، رفع عينيه إلى داخل الغرفة يتفحص الوجوه الموجودة بها ولكنه لا يستطيع إحصاء عددهم.
وهنا هتفت منى بعويل وهي تنظر إلى فداء المقيدة من قبل مجموعة من السيدات العاملين بالمكان:
_ بنتي يا سالم؟ إنتوا بتعملوا فيها إيه؟
فايز وهو ينظر لسالم وكأنه وجد طوق النجاة له:
_ إنت والد البنت دي؟
فداء متصنعة البكاء:
_ بابي الحقني ضربوني.
هرولت منى ناحيتها ثم صرخت بالسيدات حتى يبتعدن، لينصعن لرغباتها بأوامر صادرة من فايز.
قامت منى باحتضانها وهي تمسح على خصلات شعرها.
تابع فايز ما تفعله هي، تلك المتوحشة تجيد تمثيل دور البراءة الآن.
أزاح القماشة المبللة الموضوعة على إحدى عينيه طولياً حتى جانب فمه الذي انتفخ من لكمتها له.
وبنبرة مغتاظة تابع:
_ بنتك هتبات في الحبس هنا لحد ما تتعرض بكرة على النيابة، ووريني هتخرج منها إزاي.
رمقه سالم بعينين جاحظتين مشوشتين من منظره المشوه.
سار ناحية ابنته ليجدها تنظر ناحية الضابط بعينين حادتين.
وما أن اقترب والدها منها حتى تابعت بحزن وهي ترمي بين أحضانه:
_ بابي.. احبسه يا بابي، إنت قاضي وعندك كل الصلاحيات، وبعدين ده ضربني.
اندهش سالم مما قالته ليرفع وجهها إليه ويبدأ في فحص كل تفصيلة بوجهها بإمعان بالغ.
لم يكن فايز بأقل اندهاشًا، كيف لهذه الشرسة أن تكون ابنة أحد القضاة؟
وهنا تابع سالم بنبرة مرتاحة قليلاً:
_ ما فيش في وشك أي حاجة يا بنتي.. ضربوكي إزاي!!!
نهض فايز من مكانه، ثم أشار بإصبع السبابة إلى وجهه تارة وأخرى إلى أحد العساكر الذي يجلس في زاوية من الغرفة يستعيد اتزانه ليردف بنبرة متألمة:
_ يعني دي شكل واحدة اتضربت، يعني أنا والراجل الغلبان ده شفاف؟ ولا إنت مش ملاحظ وشي يا باشا.
فغر سالم فاهه وقد اتسعت حدقتا عينيه زاوية منفردة.
كانت لا تزال تلقي بوجهها بين أحضان والدها لترمقه بنظرة متوعدة وهي تعض على شفتها السفلى بتهديد.
ابتعد سالم عنها قليلاً وبنبرة مصدومة تابع:
_ بنتي هي اللي ضربتك كده؟
فايز بغيظ ونبرة متألمة:
_ تخيل؟ دي مش معقولة.. عاملة زي الطور الهايج حضرتك، ضربت رجالة القهوة وضربتني وضربت الراجل الغلبان ده اللي بيجري على عيال، شاطته برجليها لزقته في الحيط جاله ارتجاج في المخ، وياريت اكتفت بكدا بس، دي قطعت شعر الصول فوزية وسهيلة دوب قيدوا حركتها بالعافية.
فداء وهي تبتعد عن والدها وبنبرة جامدة هتفت وهي تقترب منه:
_ هو في ظابط اسمه فايز وصوله اسمها سهيلة؟ وبعدين انت هتعمل عليا ظابط.
سالم بنبرة صارمة:
_ فداء، تعالي اقفي هنا.
انصاعت فداء لأوامر والدها.
سار سالم ناحية العسكري الذي يجلس إلى مقعد خشبي في زاوية ما، ربت على كتفه تأسفًا منه.
ومن ثم اقترب من فايز وراح يقول بنبرة أسفة:
_ أنا متأسف لك يابني والله، حقك على راسي.
فايز بتساؤل وحيرة وهو يضغط على كدمته بألم:
_ إيديها تقيلة أوي يا باشا، أنا مصدوم إنها بنت حضرتك.
سالم وهو يربت على ظهره بخفة:
_ إنت مصدوم من ساعة بس، أما أنا مصدوم من ساعة ما خلفتها.
فايز وهو يعازيه بحزن:
_ كان الله في العون يا باشا.
في تلك اللحظة فتح الباب من جديد، دلف قصي داخل الحجرة يحمل سلسلة ذات سمك عريض.
وبنبرة ثابتة تابع:
_ وأدي الجنزير.. جبته من مخزن القسم، وأبقي وريني بقي هتفكي نفسك إزاي!!!
استدار سالم ناحية مصدر الصوت حتى تقابلت أعينهما.
قطب سالم ما بين حاجبيه في استغراب من وجود ابن صديقه داخل أحد الأقسام خاصة بعد صدور قرار توقفه عن العمل.
فيما رمقه قصي بإندهاش وراح يقول باستغراب:
_ عمي سالم؟ منور القسم يا معالي القاضي، خير كده؟
سالم يبادله ابتسامة هادئة:
_ إزيك يا قصي يابني.. ما فيش يا سيدي جاي أشوف المصيبة اللي بنتي عملتها المرة دي.
قصي بعدم فهم متابعاً:
_ لا سمح الله، بنت حضرتك تيجي الأماكن المشبوهة دي تعمل إيه؟ سالم العامري ما يجيبش غير ملكات، على العموم إنت قولي إيه مشكلة بنت حضرتك وأنا بنفسي هحلها.
رمقته فداء بنظرات ثابتة وهي تضع كفها حول خصرها.
فيما ابتسم فايز ببلاهة وهو ينظر لصديقه بإشفاق.
تنحنح سالم قليلاً قبل أن يشير إلى ابنته قائلاً:
_ ما هي دي بنتي يابني!
ضم قصي فمه باستنكار، وقف قبالة سالم ومن ثم أردف بنبرة هادئة:
_ بعيد الشر عن بناتك يا عمي.
فداء وهي تصرخ به غيظاً:
_ ما تقولش لبابي، يا عمي!!!
رمقها قصي بشدة، تارة ينظر لها وأخرى لوالدها ومن ثم تابع بتساؤل مصدوم:
_ اللي سمعته ده صح يا عمي؟ مصاصة الدماء دي بنتك؟
فداء بثبات:
_ أيوه يا عنيا.
سالم وهو يلتفت ناحيتها ناظراً بوعيد:
_ فداء.. مش عاوز أسمع صوتك خالص، مفهوم؟
سالم وهو يعاود النظر إلى قصي مجدداً ثم أردف بثبات:
_ أيوه يابني، هو إنتوا ما عرفتوش من البطاقة بتاعتها ولا إيه؟
فايز بغيظ:
_ ما رضيتش تسلمها وخبيتها في الـ.. ال.
قصي وهو ينظر لصديقه بتحذير:
_ بلاش ندخل في تفاصيل، الله لا يسيئك.
سالم بنبرة أسفه:
_ أنا بعتذر منكم يا ولاد، فداء بس عصبية شوية.
اسمعي يا لذيذة، عشر دقايق وهكون في شركتك، ويا ريت مرتبى يكون موجود كامل يا مودموزيل هانيا.. أوكي؟
أردفت عنود بتلك الكلمات بثبات وهي تضع الهاتف على أذنها وتسنده بكتفها أثناء وقوفها أمام المرآة تتفحص شكل الثوب عليها.
أنهت الاتصال دون أن تستمع لرد الفتاة ومن ثم ألقت الهاتف على منضدة الزينة وبمرح منها التفتت لتواجه شقيقتها التي نظرت إلى الثوب بإعجاب ولمعة عينان لتردف عنود قائلة بحنو:
_ إيه رأيك فيه؟ لو عجبك، فـ أكيد عليكي هيكون بنفس الشكل.
بيسان بفرحة:
_ حلو أوي يا فروليتي، بس تفتكري هيعجبه هو!
نزلت عنود بعينيها إلى الثوب ترمقه بوجوم.
رفعت بصرها إلى الكومودينو المجاور للفراش ومن ثم سارت إليه بخطى وئيدة حتى أمسكت بعبوة الدواء بين أطراف أصابعها.
لوت بيسان شدقها بامتعاض وراحت تقول بحزن أثناء اقتراب شقيقتها منها:
_ مش بحبه يا عنود، الدوا ده طعمه مر، إنتوا ليه مش مصدقين إني كويسة؟
جلست عنود القرفصاء أمامها، مدت يدها تلتقط كف شقيقتها ومن ثم رفعته إليها تطبع قبلة حانية في باطنه لتردف بهدوء:
_ مصدقاكي يا عمري.. بس إحنا بننفذ كلام الدكتور، عشان تبقي أحسن.
تركت كفها بهدوء وراحت تفتح عبوة الدواء حتى التقطت منه كبسولة صغيرة، لتتناولها بيسان منها ثم تبتلعها باستسلام.
استقامت عنود في مكانها من جديد وبنبرة حانية تابعت:
_ بصي، هخرج لحد الشركة وهرجع لك فوراً.. مراد هيكون جنبك وبإذن الله في مرافق جديد هيكون معاكي من بكرة، ويا رب فيدو ما تطفشه.
بيسان بتساؤل:
_ بلاش تروحي شركة البنت دي تاني، لو محتاجة فلوس اطلبي من بابي!
عنود بابتسامة شاردة:
_ بابي عُمره ما خلانا محتاجين لفلوس.. بس عودنا دايماً نشفق على اللي تفكيره بحجم نملة.. مش هتأخر عليكي.
مالت قليلاً ما إن انتهت من كلامها، ثم طبعت قبلة مطولة على جبين بيسان وبعدها ترجلت خارج الغرفة.
أنا آسف يا عمي على سوء التفاهم ده، تحب أوصلكم بعربيتي؟
أردف قصي بتلك الكلمات بثبات وهو يقف أمام باب القسم الخارجي، فيما تابع سالم بامتنان:
_ شكراً يابني تعبناك معانا.. هستناك بكرة ضروري عشان موضوع الشراكة ده.
تنحنح قصي قليلاً ليقترب من أذن سالم وبنبرة ثابتة تابع:
_ بنت حضرتك التانية، بنفس الفصيلة دي؟
سالم كاتماً ضحكته:
_ لأ، شتان يابني.
قصي وهو يتنشق الهواء داخله بارتياح:
_ الحمدلله.. اتطمنت إني مش هرتكب جريمة في حد، سبحان من صبرني وجعل نفسي طويل عليها.
قطع حديثهما صوت فداء الباكي وهي تضرب بقدمها الأرض وكذلك تمسح وجنتيها بحزن.
قطب قصي ما بين حاجبيه فيما تابعت منى التي سبقت شقيقها بالسؤال:
_ في إيه يا بنتي مالك؟
فداء وهي تفتعل البكاء حيث تنظر صوب والدها بعتاب:
_ الماتش ضاع عليا.. سامعة يا عمتو إحنا كسبنا، أغاني الزمالك اشتغلت أهو.
قصي بفرحة:
_ الحمدلله.
فداء وهي تنظر له بفرحة عارمة:
_ إنت زملكاوي؟
قصي بثبات:
_ آه زملكاوي جداً كمان.
مدت فداء يدها نحوه كي تصافحه وما أن مدها هو الآخر حتى أبعدت يدها وهي تمسح أنفها بمنديلها قائلة بنبرة باكية.
فيما تابع قصي بغيظ متوجهاً بحديثه إلى والدها:
_ بتعيطي تاني ليه دي؟
فداء بحزن:
_ أصلي بحب الأغنية دي وكان نفسي أغنيها معاهم.. ‘راية في البلكونة، شارة على العربية، زملكاوي وعيلتي كلها زملكاوية‘، بس أنا عيلتي كلها أهلاوية ياسطي يرضيك حتى سلم كمان.. دايمًا قاتلين الفرحة جوايا ومغلوبة على أمري.
قصي بنبرة مصدومة:
_ مين دي اللي مغلوبة على أمرها؟ وحالات العظام والإسعافات الأولية اللي جوا دي تبقى إيه؟
أسرعت فداء بالاقتراب منه ومن ثم ضربت على صدره بقبضتها وهي تقول بتفاخر:
_ صحة ياسطي.
قصي وهو يكور قبضة يده بغيظ:
_ ربنا يديمها.
سالم بتساؤل:
_ أمال فين منير يا فداء؟
فداء وهي تنوي له الشر:
_ قالي هروح أجيب محامي وما جاش.. بيتخلي عني؟
سالم ضاحكاً:
_ ما هو اللي اتصل بمنير، شكله تعب من كتر البهدلة معاكي.. اركبي ياختي، اركبي.
اتجهت صوب الباب باندفاع جارف لم تهتم بهتاف السكرتيرة بها، فهي تلك العنيدة التي عندما تغضب تنسى هوية الواقف أمامها ويكن همها فقط الثأر.
قامت بفتح الباب على الفور، رفعت أحد حاجبيها بثبات، فيما رمقتها هانيا بنظرة تحدٍ لتردف بسخرية من خلف مكتبها:
_ أهلاً بمصممتنا المميزة!! أخبارك إيه من غير شغل؟
سارت عنود بقوامها الممشوق بتفاخر ناحية المكتب ومن ثم جلست إلى المقعد المقابل لها تضع قدماً فوق الأخرى وبنبرة باردة تابعت:
_ مش شغلك يا إنتِ، ها!.. فلوسي جاهزة؟
هانيا بسخرية:
_ إيه؟ للدرجة دي، إنتِ في حاجة ماسة للفلوس؟.. ليكون حضرة القاضي فلس.
أطلقت عنود ضحكة عالية على حديثها، جدحتها بنظرة ثابتة وبنبرة أكثر استفزازاً تابعت:
_ الفلوس اللي عند بابي ما بتخلصش، ولو خلصت كبرياؤنا ومركزنا بيرفعونا.
رمقتها هانيا بنظرة يتطاير منها الشرر، قامت بالتقاط بعض النقود من درج مكتبها ومن ثم وضعتها على المكتب لتقول بنبرة مستلذة بما تفعل:
_ الفلوس أهي.. بس يا ترى هتقدروا تجيبوا علاج أختك الغلبانة دي إزاي؟!!!
نهضت عنود من مكانها على الفور، التقطت المال بين كفها ومن ثم استدارت حتى أصبحت تقف أمام هانيا مباشرة.
بدأت في نزع المبلغ من المظروف لتبدأ في نثره على رأس هانيا ببرود صقيعي وهي تقول بنبرة جامدة:
_ بغض النظر عن إنه مرتبى وحقي.. بس أي حاجة تلمسها إيدك القذرة دي، أقرف أمسكها، أنا أوزنك فلوس يا هانيا، وبالنسبة لأختي فـ ورحمة مامي.. اسمها ما ييجي على لسانك، لأقصولك.
ومن ثم استأنفت وهي تضع إصبعها السبابة جانب رأس هانيا قائلة بسخرية:
_ you understand me or not?? (فهماني ولا لأ؟!)
تجهمت معالم وجه هانيا لتنتصب واقفة في مكانها ومن ثم صرخت بنبرة عالية تستدعي فيها رجال الأمن بالشركة، وما أن امتثلوا لأوامرها حين تواجدوا داخل الحجرة حتى تابعت بنبرة صارمة:
_ خرجوا البنت دي برا؟
اتجه أحدهم إليها، بدأ في الاقتراب منها فيما عادت عنود للوراء ثم أردفت بنبرة تحذيرية:
_ أوعي تفكر تلمسني يا بني آدم إنت! وإلا هوديكم في ستين داهية.
وقف الرجل ينظر لها بتردد، فيما سارت عنود صوب الباب بثبات بعدما استعادت كبرياءها لنفسها من جديد وقبل أن تخرج التفتت تنظر لهانيا بازدراء وبنبرة تنافسية تابعت:
_ أوعي تكوني فاكرة إنك انتصرتي على عنود العامري يا مودموزيل هانيا!!.. افرحي بس بهدوء، عشان الهزيمة جايه قريب.. هخليكي تكرهي اسم عنود وتشوفينا في أحلامك، نهايتك مش على إيدي، نهايتك إنتِ اللي هتحطيها لنفسك.. عشان الغيرة بتاكل في صاحبها بالبطيء.
يا مامي.. إيه ده يا مراد؟
أردفت بيسان بتلك الكلمات بصدمة وهي تنظر لتسريحة شعرها بالمرآة، فيما تابع مراد بثقة لا متناهية:
_ دي قطط، شكلك بقيتي إيه، زي القمر يا بيسو.
حدقت بيسان إلى صورتها المعاكسة بالمرآة وهي ترى رأسها قد تكدس بخصلات على شكل دوائر في كل زاوية به.
عبست بغيظ قائلة:
_ تصدق أنا الغلطانة إني قولت لك، سرحلي، وهقول لـ فيدو يا مراد، ماشي.
مراد بضحكة مكتومة:
_ هو أنا يعني كنت سرحت لبنات قبل كده!
في تلك اللحظة سمعا صوت أقدام تطأ الدرج، وقد أدركا مجيء الجميع بالفعل.
أطلت فداء أمامهما فيما تابعت بيسان بلهفة:
_ فيدو، إنتِ كويسة؟ الشباب الوحشين دول عملوا لك إيه؟
مراد مضيقاً عينيه ليقول بنبرة مترقبة:
_ تؤ.. يا بنتي لأ، السؤال مش كده، المفروض تسأليها.. الشباب عاملين إيه؟ إغماءات عادية ولا في حد دخل العمليات؟
فداء وهي تمسك ياقة قميصها بأطراف أصابعها بتفاخر:
_ علمت عليهم كلهم بالبواني والشلاليت.. ما رحمتش حد أقسم بالله، لأ وكمان ظباط.
مراد بصدمة:
_ إنتِ فرحانة كده ليه؟ يا جبروتك.. ظباط؟
في تلك اللحظة، أمدت ذراعها نحوه ثم جذبته إليها من ياقة قميصه وبنبرة ظفر تابعت:
_ نيهاهاهاي.. قفشتك، النهار ده ما هزيتوش جبال ولا تلال حتى.. دا أنا هنفخك.
مراد وهو يحاول انتزاع نفسه منها ليهتف بفزع:
_ يا ماما.. إلحقيني!!!
استطاع التخلص منها ليهرول صوب الباب وكذلك تبعته.
نفخت في كفها المتكور ومن ثم أنزلته على عنقه من الخلف تقول بسعادة:
_ الله حلو القفا ده.
مراد وهو يترجل خارج الباب بتأوه واستغاثات، فيما رفعت فداء كفها لتضرب مجدداً حتى وجدت والدها يسد الطريق عليها.
أخفضت كفها جانبها ومن ثم رمقته بنظرة هادئة وصوت خفيض:
_ مش عارفة مراد خايف من إيه كده؟ شكله شاف صرصور ولا حاجة؟؟
وضعت بيسان يدها على فمها تكتم ضحكتها، فيما تابع سالم بنبرة صارمة:
_ لينا كلام كتير أوي الصبح.. ويالا اتفضلي نامي دلوقتي!
بيسان بتلعثم:
_ بابي.. عنود خرجت، بس هي مش هتتأخر.. جالها مكالمة من الشركة وراحت تقابل هانيا.
فداء بغيظ:
_ من غير ما تقولي، دا أنا هنفخها.
سالم وهو يطبق أصابعه على أذنها:
_ أنا الأب مش إنتِ يا بلاء ووباء منتشر في القصر، أكيد ربنا بيختبر صبري بيكي.
فداء بضحكة بلهاء:
_ صبري مين؟ نيهاهاهاي، إنتِ تعرفي حد اسمه صبري يا بيسو؟
قطع حديثهما في هذه الأثناء دلف منى التي هتفت بنبرة غلبت عليها السعادة الشديدة:
_ سالم؟ لسه قافلة حالا مع يامن وقالي إنه حجز التذاكر ونازل مصر بكرة.. لأ وكمان قالي التذاكر ذهاب بس.
سالم وهو يربت على رأس شقيقته التي ألقت بنفسها بين أحضانه:
_ الحمدلله يا منمن، ربنا يفرح قلبك دايمًا ويفضل جنبك وتفرحي بيه.
منى بنبرة باكية:
_ وحشني أوي يا سالم.
تأثرت فداء من حديثها، حين اتجهت إلى عمتها تربت على ظهرها بحنو بالغ فتقول:
_ ربنا يرجعه بالسلامة يا عمتو، ويبارك لك فيه.
بيسان تؤمن على حديثها:
_ آمين.
(في أحد الفنادق بفرنسا)،،،
أحكم غلق حقيبة سفره بهمة شديدة، قام بوضعها جانباً بتأكده من عدم نسيانه لشيء.
تنهد بعمق وهو يرفع بصره إلى ذاك البرواز الذي يضم صورتهما معاً.
حدق به لدقائق قليلة ومن ثم استدار يقف أمام النافذة الزجاجية وراح يتذكر أحد المشاهد التي جمعتهما قبل عشرة أعوام:
Flashback ,,
غمضي عنيكي.. جايب لك حاجة هتعجبك أوي.
أردف يامن بتلك الكلمات بحماسة ولهفة شديدة، كانت تجلس إلى أحد المقاعد الخشبية بحديقة القصر وقد نكست ذقنها أرضاً ناظرة للأسفل حتى حجبت خصلات شعرها الحمراء الحريرية قدرته على رؤية هذه الدموع التي تنساب على وجنتيها.
تعجب يامن من صمتها هذا، جثى على ركبته وبدأ في إزاحة خصلاتها عنه وبنبرة قلقة تابع:
_ بيسان، إنتِ بتعيطي ليه؟
رفع وجهها إليه مترقباً إجابتها لتقول هي بنبرة باكية بالكاد تسمع:
_ أنا بحبه أوي يا يامن، وعارفة إنه بيحبني كمان.. بس هو دايماً شايف إني هادية ما بعرفش أعبر عن حبي، دايماً عاوزني أتجنن معاه في كل حاجة، أحياناً عنده حق، أنا شخصيتي هادية بطريقة مملة.. بس حاولت أتغير ومش عارفة، لكن أنا بحبه.
قبض يامن على القلادة بين يده بقوة ثم أخفاها سريعاً في جيب بنطاله، افتر ثغره عن ابتسامة مكسورة لم تصل إلى عينيه ومن ثم امسك كفها حتى وقفت قائلاً:
_ مين فيكم بيحب التاني أكتر؟
سارت بيسان بجانبه لتلتفت إليه وبنبرة متحيرة تابعت:
_ مش عارفة!
يامن وهو يرمقها بحنو:
_ لأ.. لازم تعرفي يا بيسان، أوعي تكوني إنتِ الطرف اللي بيحب أكتر، صدقيني هتتوجعي وأوي كمان.
Back ,,
على فين كده إن شاء الله؟
أردف فايز متوجهاً بالسؤال إلى صديقه الذي اتجه صوب سيارته يفتحها، التفت قصي له وبنبرة ضاحكة تابع:
_ إنت منظرك جاحد آخر حاجة.. روّح يابني نام، أنا عندي سهرة.
فايز وهو ينظر له بلوم:
_ تاني سهرة يا قصي؟ يابني إرحم نفسك من المستنقع ده، إنت بتستفاد إيه لما تقضي مع كل واحدة ليلة؟
قصي وقد عبرت قسمات وجهه عن الضيق الشديد:
_ فكك من أم الإسطوانة المشروخة دي بقي.. أولاً أنا ما بضربش واحدة منهم على إيديها.. كل واحدة بتسلم نفسها بمزاجها طالما هتقبض، أنا مش كسبان أوي وبرضو مش خسران.
فايز وهو يضرب جانبه الأيسر بخفة:
_ لأ خسران يا قصي، خسران دينك.. وخسران نفسك، وما تنساش الأهم، مراتك هتكون امتداد لأفعالك.
قصي بضحكة ساخرة:
_ إنت شكلك اتجننت، مين ده اللي هيتجوز أساساً.. وسبق وقولت لك أنا ما بضربش حد على إيده، هم كمان عاوزين ده.
فايز بضحكة هادئة:
_ مسيرك هتحن لبيت وعيلة، وحضن واحدة بتعشقها، ساعتها هتحس بحلاوة الحلال واختلافه.. ربنا يهديك يا صاحبي.. أنا ماشي عشان اتدشدشت النهاردة.
مالك يا عنود في إيه؟
أردفت فداء بتلك الكلمات وهي تنظر إلى شقيقتها التي ألقت حقيبتها أرضاً ثم جلست إلى طرف الفراش تنتحب باختناق.
تبادل كل من بيسان وفداء نظرات تساؤلية، سارت فداء إلى شقيقتها لترفع وجهها الباكي إليها وبنبرة حانية تابعت:
_ مين زعلك؟
عنود بشهقات متقطعة:
_ أنا كده خلاص حلمي راح مني؟ أنا بحب شغلي يا فداء، أنا حاسة إني عاجزة وكل الدنيا ضدي.
فداء وهي تمسح دموعها بأطراف أصابعها:
_ بعيد الشر، عنك.. إنتِ ما فيش أقوى منك، أنا مقدرة حبك لشغلك.. بس صدقيني فترة وهتعدي وهتلاقي اللي يقدر موهبتك ويحترمها.
بيسان بحزن:
_ ما حدش هيقدر حبنا لأي حاجة عاوزينها، ما بابا دايماً ضد إبراهيم رغم إني بعشقه.
التفتت إليها عنود بيأس من شقيقتها التي ما زالت بعالم خيالاتها وأوهامها، رغم محاولاتهم المضنية لإرجاعها إلى عالمهم، فـ قلوبهم تتأكل لرؤية لحظة من الماضي كانت هي فيها بخير.
سارت عنود ناحية شقيقتها ومن ثم قبضت على ذراعيها تنساب الدموع من عينيها بغزارة وراحت تهزها بقوة قائلة بمرارة:
_ فوقي بقي لنفسك يا بيسان، بابا مش رافض إبراهيم.. إبراهيم أصلاً مات.. مات من زمان.