تحميل رواية جميلتي الصهباء بقلم عليا شعبان pdf
بقلم عليا شعبان
الفصل 13 — رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم عليا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء. وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت رب...
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم عليا شعبان
مال بجذعه للأمام قليلًا ليلتقط طرف الغطاء ثم يبسطه عليها.
رمقه بنظرة هادئة فقد نامت على الأريكة كالحمل الوديع.
تتناثر خصلاتها من حولها ليقطع عليه شروده صوتها وهي تهتف بحنق:
_ ناوي تفضل تبص لها كدا كتير؟
استقام في وقفته من جديد ليجد نجوى تتخصر أمامه في غضب جم.
هوى بجسده إلى الأريكة المجاورة، يمسح على جبهته بطرف أصابعه في إرهاق ليقول بنبرة صارمة:
_ بطلي هبل يا نجوى؟ وأحسبي كل كلمة قبل ما تقوليها.
امتعق وجهها غيظًا لتردف بنبرة نارية ثائرة:
_ أحسب إيه؟ أنت خليتني أكلم أهلها على إني صاحبتها وهتبات عندي. كنت تقدر تبعتها مع أي واحد من رجالتك لحد البيت، ما عملتش كده ليه؟
احتقن وجهه غضبًا، ليرفع بصره إليها يجدحها بنظرة حادة أربكتها ليردف بنبرة خفيضة جأشة:
_ إنتِ مجنونة رجالة إيه؟ دي واحدة مش في وعيها أسيبها مع شوية عيال شاربين؟ ما تتخطي حدودك بالكلام، إنتِ فاهمة؟
لانت ملامحها تستعطفه لتجلس إلى جواره ومن ثم التقطت كفه تقول في نبرة هادئة:
_ شفت؟ حتى بتوطي صوتك خايف على مشاعرها؟
آسر بصوت أجش:
_ أيوة خايف على مشاعرها، واتفضلي على أوضتك. أنا دماغي مش فيا.
نهضت في مكانها بحركة عصبية، لتتجه صوب الباب وقبل أن تترجل خارجه التفتت من جديد تردف بحنق:
_ اللي بيحصل دلوقتي مالهوش غير تفسير واحد، راجع نفسك يا آسر بيه قبل ما نبدأ مع بعض صفحة جديدة من حياتنا.
صفقت نجوى الباب خلفها.
عاد بظهره للوراء قليلًا، حانت التفاتة منه إليها فأخذ يتفحص معالم وجهها النائم. فالتي أمامه الآن لا تمت لتلك العنيدة المشاكسة بصلة.
جأش صدره همًا ليتحدث في نفسه بنبرة متحيّرة:
_ وبعدين معاك يا آسر؟ هو إحنا مش رافضين الحب من زمان. إيه عاوز تجيب طفل ويتقال عليه زي ما اتقال عليك (حرامي). وبعدين انت مش هتكون أب مشرف في كل الأحوال. وانت عارف إن جوازك من نجوى عشان زنها عليك وانت حابب تحمي بنت خالتك وتفضل قدام عينك. فوق ما تخليش قلبك ياخدك لمكان انت مش حابه أو مش هتلاقي نفسك فيه.
نكس وجهه أرضًا يتأمل الفراغ حيث وضع رأسه بين كفيه، يرفض التفكير بها مليًا. فهي أحق أن تترك قلبها بين يد لن تُسكت نبضاته يومًا.
ألقى به تفكيره في نهاية المطاف بأنها كانت غائبة عن الوعي نصفيًا وأن ما ورد عنها لا يشترط أن يُعترف به.
***
في صباح اليوم التالي.
_ إنتِ كويسة النهار ده؟
أردف آسر بتلك الكلمات وهو يرمقها بنظرة هادئة واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله.
ابتلعت فداء ريقها بصعوبة فقد تذكرت ما قامت به بالأمس.
لتردف بنبرة متوترة:
_ آآ… الحمد لله.
تنهد آسر بعمق، ليستأنف حديثه بثبات:
_ نجوى كلمت أهلك على إنها صاحبتك وقالت لهم إنك هتباتي عندها عشان حفلة خطوبتها.
شهقت فداء بصوت عالٍ بعض الشيء، لتنهض في مكانها على الفور وبنبرة حانقة تابعت:
_ وهي جابت رقم أهلي منين؟
آسر بثبات:
_ عنود اتصلت وهي ردت. مش أختك اسمها عنود بردو!!!
تلفتت فداء حولها تبحث عن حقيبتها وما إن وقعت عيناها عليها حتى التقطتها وذابت في مشيتها صوب الباب.
قطب ما بين حاجبيه ليلحق بها هاتفًا بجمود:
_ إنتِ رايحة فين؟
نظرت إلى يده الممدودة إليها بألم داخلي، لتردف بنبرة باردة لا حياة بها:
_ هرجع بيتي؟ في مشكلة يا آسر بيه!!!
ضيق عينيه في شرود بعصبيتها وعنادها ليردف بابتسامة هادئة:
_ هنروح نجيب الدبل إزاي وإنتِ مش معانا، وبعدين أنا عاوز سوء الفهم بينك إنتِ ونجوى ينتهي. وكمان هي حابة إنك تختاري معاها الفستان لحفلة بكرة.
فداء وهي ترمقه بنظرة باردة من فوق كتفها:
_ أختار معاها؟ معلش يا آسر أعذرني مش هينفع.
عدل آسر من وضعية سترته لتمتد يده إلى رابطة عنقه يرتبها بثبات.
رمقتها هي بنظرة مرتبكة فيما باغتها متسائلًا:
_ ما قولتليش، إيه تعليقك على كلام امبارح؟
توترت خلجات وجهها كثيرًا حيث سعت أن تواري رعبها من كلماته خلف ابتسامة باردة لتقول:
_ بصراحة مش فاكرة أي حاجة عن امبارح ولا عاوزة أفتكر.
أومأ آسر برأسه متفهمًا ومن ثم مرر رأيه دون نقاش حيث امتدت ذراعه إلى ظهرها يدفعها بخفة وثبات قائلًا:
_ هتروحي معانا وما فيش كلام بعد كلامي.
فداء بنبرة معترضة:
_ آسر بعد إذنك ما تفرضش عليا رأي أنا مش حاباه. يا آآآ…
قطع حديثها المعترض، كفه الذي امتد إلى فمها يمنع كلماتها الساخطة تجاه قراره. فما كان منها إلا أن صمتت وهي تنظر له يبتسم إليها بحنو.
***
جلست إلى أرضية مكتبها.
تناثرت الأوراق حولها بغير ترتيب.
غطت زاوية عينيها جميع هذه الأوراق فهي لهم بالمرصاد.
أخذت تفرك عنقها بإرهاق فقد انكبّت على عملها هذا منذ أربع ساعات دون توان لتلحق عرض الأزياء الذي سيتم في دبي الشهر القادم.
رفعت خصلات شعرها عاليًا وراحت تستخدم أقلام الحبر في تثبيتها حتى أصبحت كالتي طُعنت بالسيوف في رأسها وأصبح الأمر مثيرًا للضحك.
وكذلك وضعت قلمًا آخر في فمها وهي تتحدث إلى نفسها بشرود قائلة:
_ التصميم ده ناقصه حاجة، يا ترى ناقصه إيه؟
في تلك اللحظة هتف قصي بنبرة ضاحكة بعد أن دلف إلى داخل المكتب في غفلة منها:
_ خير يا عنقودة؟ بتكلمي نفسك!!
ذمت عنود شفتيها باستنكار لتجدحه بتلك النظرة التي يعشقها رافعة حاجبها دون أن تنبس ببنت شفة.
سار بخطواته جالسًا بجوارها إلى الأرض ومن ثم شرع في نزع الأقلام عن رأسها مرددًا بنبرة ثابتة:
_ إنتِ عارفة علبة الأقلام اللي حطاها في راسك دي بكم؟
عنود تهتف بحنق من بين أسنانها المطبقة:
_ بكم يعني؟
قصي بثبات ونبرة أشبه للجد:
_ العلبه دي بـ 30 جنيه للكتابة أما شعرك الأحمريكا ده. اشتري له بنس. وبعدين إنتِ قاعدة على الأرض كده ليه؟ وفين صبحي السكرتير!!!
اشتدت حدة عينيها غيظًا لترفع أحد كتفيها أمامه بعنجهية لا متناهية وراحت تردف بثبات:
_ وديته لطاقم الأمن الخاص بالشركة وجبت بنت مكانه.
مال قصي بوجهه إليها ومن ثم تابع بنبرة هامسة بالقرب من أذنيها:
_ ليه ها؟
شهقت خيفة وأصاب جسدها رعشة خفيفة أربكتها لما رأته يقترب بجسده منها لتقول وهي محدقة العينين تنظر أمامها بتوجس:
_ عـ ع، عشان أنا وقت شغلي بحب أقعد على الأرض وأتصرف بتلقائية وأحيانًا بتخذ وضعيات بتساعدني على الابتكار والإلهام. فـ لما أطلب قهوة ولا شاي، ألاقي بنوتة هي اللي جاية فـ أفضل بتلقائيتي يعني. إنت فاهم حاجة؟
ابتعد قصي بوجهه عنها قليلًا ليقول بنبرة هادئة:
_ فهمتك. عندك حق، هكافئك على التفكير ده.
عنود وهي تكز على أسنانها غيظًا:
_ مش عاوزة مكافأة. عاوزاك تخرج من هنا وتقفل الباب ده وراك، العرض باقي عليه أقل من شهر.
أومأ قصي برأسه إيجابًا، مد يده إلى كتفيها يحاوطهما بخبث ونظرة متعاطفة معها.
حجظت عيناها في صدمة لتجده يضغط على كتفها حتى وقعت رأسها على صدره وراح يقول:
_ ما تقلقيش. أنا كلمت منسقين العرض وتم الاشتراك وبعد أسبوع بالظبط هيبعتوا لنا جواب فيه اسم الخصم في المواجهة وبعدها هيكون في تصفيات والشركة الحاصلة على المركز الأول هتسافر أمريكا لاستلام الجوائز وهيتم فتح فرع خاص لشركتها هناك عشان تسوق لتصاميمها.
تقهقرت بجذعها العلوي للخلف محاولة الابتعاد عن لمسته لتجده يضغط على خصرها وعلامات البراءة المتصنعة تحتل خلجات وجهه وهنا أردفت بنبرة تحذيرية:
_ شيل إيدك دي لأقطعها؟ قصي؟
قصي متصنعًا الدهشة وهو يبعد يده عنها:
_ ها؟ إيه دا، إيه اللي جاب إيدي عند وسطك!! أكيد تأثرت بالجايزة. أصلها حلوة أوي.
رمقته عنود بنظرة جامدة ومن ثم أردفت بنبرة متسائلة:
_ ممكن أفهم إنت كنت جاي ليه؟
انتصب قصي واقفًا في مكانه ليقول في شيء من البساطة:
_ جاي أطمن عليكِ. وبعدين أنا طلبت أكل؛ عشان نتغدى سوا وتقدرى تكملي شغل، ولا مش عاوزة تاكلي معايا؟
عنود وهي تلحقه واقفة، لتهتف بنبرة باردة:
_ تمام. بس ياريت العمال ينتهوا من المطبخ وتجهيزاته عشان حرام العمال يشتروا أكل من برا.
تنحنح قصي قليلًا. وضع كفيه في جيبي بنطاله وبنبرة ثابتة وهو يصلب أنظاره بها:
_ عنود؟ هتفضلي زعلانة مني؟ دا إحنا شركا وقريب هنبقى عيلة!!
مالت بجسدها تلتقط الأوراق عن الأرض وما أن سمعت كلماته حتى توقفت لتردف بنبرة متسائلة:
_ ونبقى عيلة ليه؟
قصي ببساطة شديدة:
_ أصلي ناوي أناسب (سالم العامري).
هتفت وهي تنظر إليه بعينين جاحظتين:
_ تناسبه في مين؟
افتر ثغره عن ابتسامة عابثة ليقترب منها بخطوات وئيدة وسرعان ما أردف غامزًا بعينيه لها:
_ هتجوز بنته عنود. تفتكري هتوافق؟
ضغطت عنود على عينيها بقوة، ومن ثم أشارت بذراعها إلى باب الغرفة لتقول بنبرة مستشيطة:
_ اتفضل على مكتبك يا قصي! اتفضل.
كانت ما تزال مغمضة العينين، حين سار واقفًا بجوارها وبعدها طبع قبلة قصيرة على وجنتها ليردف ببرودة المعتاد:
_ إنتِ مكسوفة؟ خلاص السكوت علامة الرضا إن شاء الله.
فتحت عينيها واسعًا تنظر أمامها في صدمة ليتجه هو صوب الباب ثم يترجل منه بأريحية شديدة لقد آثر استخدام البرود معها لأنها ذات طبع حامي وعصبية مفرطة.
التفتت بوجهها ناحية الباب، أخذت تلقي بالأقلام التي بين يديها صوب الباب المغلق وبنبرة صارخة يخالطها الحنق رددت:
_ حيوان. نجوم السما أقرب لك مني يا تافه.
***
ارتدت نجوى الخاتم حول إصبعها لتتأكد من قياسه، تارة تنظر للخاتم بسعادة وأخرى ناحية فداء بتشف.
جلست فداء إلى المقعد البلاستيكي القابع في زاوية من المحل، تنظر للحوار الدائر بصمت شديد.
ليردف آسر بثبات:
_ كويس دا يا نجوى؟ ولا تختاري شكل تاني؟
نجوى بنبرة رقيقة:
_ حلو أوي يا آسر. ربنا يخليك ليا. أنا بقى اللي هختار لك الدبلة.
هزّ آسر رأسه بخفة ليتوجه بنظراته إلى تلك الصامته قائلًا:
_ فداء. إنتِ جايه تقعدي ولا إيه؟
فداء بابتسامة لم تصل إلى عينيها:
_ هختار معاكم الفستان والبدلة. ما تقلقش.
أنهت جملتها هذه وراحت تنظر أرضًا وكأنها تواسي نفسها حتى لا تنهار قدرة تحملها فتفشل في إخفاء دمعاتها.
لا شك بأن داخلها قد اتقد من نيران الغيرة ولكن. ماذا وإن أظهرت ضعفها أكثر من ذلك؟
لن يتغير شيء. هو لا يحبها ولن تنل سوى خسارة نفسها.
انتهوا للتو من انتقاء الدبل لتظل نجوى ترتدي خاتمها رفضًا منها بأن تنتظر حتى الغد معلقةً على ذلك بأن مزاجيتها ستتغير إن لم تفرح بارتدائه الآن.
ليتجهوا معًا حيث الطابق العلوي الخاص بقسم الفساتين والسهرات بهذا المول.
ولجت نجوى بين التصاميم تنتقي منها ما تشاء في سعادة غامرة.
كانت فداء تتابع الفساتين بعينيها عندما هتفت نجوى بتذمر خفيف:
_ آسر اختار معايا. أنا محتارة بجد؟
آسر بابتسامة خفيفة:
_ ممكن فداء تساعدك في الاختيار. أما أنا ما أعرفش في شغل الحريم ده. أنهي أحسن يا فداء؟
فداء وهي تشير بإصبعها السبابة تلقائيًا ناحية هذا الفستان الذي راقها من اللحظة الأولى لتردف:
_ دا جميل أوي!!
لوت نجوى شدقها بحنق لتقول بنبرة مستخفة:
_ ذوقك وحش جدًا. أنا هقيس دا.
أسرعت نجوى تلتقط أحد الفساتين، لتتجه به إلى غرفة تبديل الملابس وأثناء سيرها أردفت بحدة:
_ آسر تعالى معايا عشان تقفلي سوستة الفستان؟
جحظت عيناي فداء في صدمة وهي تنظر له.
همّ آسر أن يهتف رافضًا للأمر حتى هتفت فداء بغيظ ونبرة انتقامية:
_ عيب يا حبيبتي، ما ينفعش يشوفك بالفستان إلا يوم الخطوبة.
رمقته فداء بنظرة لائمة لم يفهمها قبل أن تستتبع خطوات الأخرى.
أزاحت الستار لتقف أمامها بجمود فيما أردفت نجوى وهي تنزع الخاتم عن إصبعها تثير استفزاز فداء:
_ امسكِ الخاتم ده وحافظي عليه كويس، أصلي خايفة عليه لـ الفص بتاعه يقع.
اندفعت فداء إليها تلتقطه منها بعنف ومن ثم استدارت توليها ظهرها قائلة:
_ البسي الفستان وابقي ناديني عشان أقفل لك السوستة.
ترجلت فداء خارج غرفة تبديل الملابس، مشت بخطوات باردة حتى وقفت أمامه، مدت يدها داخل حقيبتها لتلتقط زجاجة المياة الخاصة بها.
أمسكت الخاتم بين طرفي أصابعها تلوح به أمام وجهه.
قطب آسر ما بين حاجبيه في استغراب مما تفعل، لتلقي الخاتم في فمها وتبدأ في رشف قطرات المياة من بعده.
فغر آسر فاهه بينما ما زالت هي ترتشف المياة حتى انتهت، انتابتها شهقة خفيفة نتيجة ابتلاع هذا الخاتم.
آسر ما زال في حالة صدمة من أمره:
_ إيه اللي انتِ عملتيه دا؟
فداء وهي تقترب منه تردف ببرود صقيعي:
_ ما تستغربش أوي كدا يا أستاذ آسر، الخاتم ده رخصة لوجع قلبي دلوقتي. اشتري لها واحد جديد. سلام؟
استدارت تواليه ظهرها ليهرع إليها ضاغطًا بقبضته على ساعدها وبنبرة صارمة أردف:
_ إنتِ عايزة إيه يا فداء؟ ليه مُصرة تنهي صداقتنا مع إنك سعيت إنها تكون موجودة بينّا.
تلألأت قطرات الدموع في عينيها. محاولة التملص من قبضته فيما حدق الآخر بعينيها قائلًا بثبات:
_ إنتِ ساكتة ليه؟ ولا ما فيش أي مبرر لتصرفاتك دي؟
فداء بنبرة جامدة تتصارع ضد بكائها:
_ لأ في يا آسر. وإنت عارف إنه في. عارف كل حاجة بس بتأذيني زيهم، بتأذيني وإنت بتقول تعالي معانا نختار الدبل؟ كل الكلام اللي قولته امبارح ما أثرش فيك أبدًا. إنت جبل ما بتتهزش؟
أخذت تضرب صدره بقبضتها الأخرى، ظل يستمع إلى ما تقوله في ثبات فقد أدرك هذا سابقًا ولا داعي للاندهاش مما تقوله ليجد صوتها يتردد صداه بهذه الجملة مجددًا:
_ عارف إني بحبك. وعارف إني ما كنتش مغيبة وأنا بقولها وما رحمتنيش. حتى لو مش بتحبني، ما تأذنيش بوجودي في لحظة زي دي.
دفعته بقوتها المنهارة من فرط اختناقها ليحرر قبضتها بتراخ داهم أعصابه.
هرولت من أمامه في تلك اللحظة تغادر المكان.
حدق بها في وجع وتبكيت ضمير، حتى توارت خلف باب الخروج ولم يعد لها أثر ليبتلع هو غصة في حلقه.
وهنا قطع عليه حبل أفكاره بها مجيء هذه التي وقفت أمامها تهتف بسعادة فيما اتسعت عيناه المتعبتان في صدمة وهو ينظر إلى كتفيها العاريين تتمايل أمامه.
***
_ يا بيسان اتغدي بقى عشان خاطري. إنتِ ما أكلتيش حاجة النهار ده خالص.
أردفت منى بتلك الكلمات وهي تجلس بصحبة بيسان في حديقة القصر.
عبست الأخرى تضع كفها الصغير أسفل ذقنها وراحت تقول بطفولة فذّة:
_ مش هاكل خالص. يامن رافض تمامًا يكلمني ومش بيرد على فونه. أنا متضايقة إنه زعلان مني يا عمتو.
ربتت منى على ظهرها بحنو جارِف ومن ثم أردفت قائلة:
_ أكيد مشغول بالمرضى في العيادة، إنتِ عارفة إنه هو وصاحبه بيشتغلوا مع بعض فيها.
بيسان بتوجس وحزن طفولي:
_ يعني بيعالج بنات زي حالتي كدا؟
لم تفهم منى سبب سؤالها وبنبرة تلقائية أردفت:
_ أكيد.
ذمت بيسان شفتيها حزنًا لتضيق منى عينيها تبحث في سبب حزنها هذا وسرعان ما أجفلت عيناها ورفعت حاجبيها عاليًا لتقول:
_ إنتِ غيرانة يا بيسان؟
نحت بيسان بوجهها إليها. عضت شفتها السفلى بتوتر لتقول بهدوء:
_ بصراحة أنا ما بقيتش فاهمة نفسي. كنتوا بتقولوا عليا مجنونة أكيد. وأنا متوهمة بوجود واحد ميت. ولوقتي يمكن بتوهم إن قلبي بيتحرك لما بشوفه؟
منى وهي تهز رأسها نافية:
_ مش بتتوهمي، إنتِ حبيتي اهتمام يامن وحبه ليكِ. أنا دلوقتي بكلم بنتي عن واحد ما أعرفوش، واحد شوفت كل حب الدنيا في نظراته ليكِ.
فتحت بيسان شفتيها وهمّت أن تتفوه بشيء ما لتجده يدلف داخل الباب الرئيسي للقصر لتستعين بعكازيها ومن ثم تنهض واقفة تستند عليهما.
سعت بخطواتها ناحيته وهي تنوي اختبار مسامحته لها لتهتف بنبرة رقيقة:
_ إلحقيني يا عمتو. مش قادرة أحرك رجلي.
ارتاع قلبه هلعًا عليها ليهرع إليها ومن ثم يضمها إليه بخوف:
_ بيسان، مالك؟ مالها رجلك حبيبتي!!
افتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وقد تلاقت أعينهما في تلك اللحظة لتقول بعفوية شديدة:
_ كنت بهزر. خوفت عليا؟
صر يامن على أسنانه غيظًا، ليحاوط خصرها جيدًا حتى تتوازن في وقفتها وبرفعة حاجب من عينيه تابع:
_ ما خوفتش ولا حاجة. أنا بس زعلت على مجهودي في الجلسات.
انعقدت قسمات وجهها ترمقه بنظرة حزينة. لتجده يميل واضعًا أحد ذراعيه أسفل ساقيها والآخر أسفل ظهرها ثم يحملها عائدًا بها إلى مكانها من جديد.
بيسان بنبرة ساخطة على تصرفاته معها:
_ يامن لو سمحت خلاص بقى، أنا آسفة صدقني!!
يامن بجدية مصنعة وهو يضعها إلى مقعد الطاولة قائلًا:
_ أسف دي مش بتأكل عيش.
لوت بيسان شدقها وبنبرة تائهة رددت:
_ عيش إيه دا يا عمتو؟
افتر ثغر منى عن ابتسامة حنونة، بينما جلس هو إلى جوارها وبنبرة ثابتة تابع:
_ النهار ده يا أمي، شوفت بنت. ما شاء الله قمر. زي الفرنسيات بالظبط. بس أنا حبيبتي ماليا عيني.
انفرجت أسارير وجهها بخجل وأخذت تفرك كفيها من كلماته لتتساير السعادة عن وجهها وهي تستمع إلى النصف الآخر من حديثه عندما قال:
_ حبيبتي الفرنسية في عيني، أجمل بنات الدنيا.
بيسان بحنق:
_ ربنا يخليكم لبعض.
قطع حديثهم مجيء (فداء) التي رددت بنبرة هادئة على غير عادتها:
_ السلام عليكم.
رددوا جميعًا السلام، لتتجه فداء إلى شقيقتها ومن ثم احتضنتها وهي تقبل خصلات شعرها بحنو جارِف قائلة:
_ وحشتيني يا بيسو. أنا آسفة مقصرة معاكِ الأيام دي. بحبك أوي.
شدت بيسان على خصر شقيقتها بكلتا ذراعيها، تسللت نبرات فداء الحزينة إليها، فتقول بتساؤل:
_ فداء، إنتِ كويسة.
ابتعدت فداء قليلًا عنها ومن ثم بدأت تلثم وجنتيها تارة بالجانب الأيسر وبعده الأيمن في شيء من المرح الذي لا يليق بحالتها.
لتقرر في نهاية المطاف الاتجاه إلى غرفتها.
اتجهت صوب الدرج تلتهمه صعودًا لتسير في أروقة القصر منكسة الوجه تخطت غرفة (مراد) بخطوتين.
لتجد نفسها تتقهقر للوراء مجددًا حتى وجدت نفسها تطرق الباب دالفةً للداخل.
ترك مراد الكتاب جانبًا، ليردف بنبرة مرحة:
_ بلاء في أوضتي؟ دا أنا أطلب قوات مكافحة البلطجة.
رفعت فداء أحد حاجبيها بثبات وهي تتجه إلى الفراش ومن ثم هوت بجسدها عليه لتردف باختناق:
_ عامل إيه في مذاكرتك يا مودي؟ أوعي تكون مقصر!!!
ضيق مراد عينيه بقلق من تجمد ملامحها، ليتجه ناحيتها بتوجس قائلًا:
_ إنتِ هادية كدا عشان أنا أندمج وتروحي راشقاني قفا. دا أنا بقيت حافظك.
افتر ثغرها مبتسمًا رغمًا عنها. ومن ثم تابعت بنبرة مرحة تتناسى ما يخنقها:
_ بقولك إيه يا مراد. علميًا كده لو واحدة بلعت دبلة. يجرا لها إيه؟
قطب مراد حاجبيه من غرابة سؤالها ليقرب مقعده جالسًا بالقرب منها:
_ هيعمل لها تلبك معوي ومشاكل في الإخراج وممكن صديد في المعدة وممكن تموت. بس لو ربنا بيحبها هتتخلص منها على خير.
فداء فاغرة فاهها:
_ أموت؟
مراد بترقب:
_ دبلة إيه اللي بلعتيها دي؟
فداء وقد شعرت بوعكة في معدتها، لتقف في مكانها وتثني جذعها العلوي قليلًا في ألم.
اقترب مراد منها بقلق لترفع ذراعها عاليًا ثم تضرب عنقه من جديد وهي تهرول صوب الباب:
_ أنفعلت فـ ضربتك بالقفا. بيوحشني أوي أقسم بالله. أما ألحق أروح الحمام، مش قااااادرة.
مراد وهو يضرب كفًا بالآخر:
_ إنتِ في إيه ولا إيه؟ بتموتي وما حدش قادر عليكِ بردو.
فداء وهي تترجل خارج الغرفة:
_ اخرس يا حيوان سمعاك. وربنا لأتسلى على قفاك صبح وليل بعد كدا.
***
غابت الشمس وراء الأصيل.
تمددت إلى الفراش وعلى جانبيها تتواجد شقيقاتها.
رفعن الثلاثة قدمًا فوق الأخرى وكذلك وضعن ذراعهن الأيمن أسفل رؤوسهن، يشاهدن أحد الأفلام الكرتونية لتنساب الدموع من جانب عيني فداء وهي تقول:
_ ما فيش حب حقيقي. الكرتون ده كذب في كذب. اقفلوا التليفزيون ده وناموا.
التفتت الفتاتان بوجهيهما إليها، يرمقانهـا بدهشة لتقول عنود بترقب:
_ فداء؟ إنتِ بتعيطي؟
فداء وهي تعتدل جالسة في الفراش:
_ يعني دلوقتي. يوجين بيحب روبانزل وقرر يخلصها من قوة الشريرة وعمل كل حاجة عشانها. وكُل دا ما بيحصلش، يبقى يكذبوا علينا ليه؟ حسبي الله فيهم.
بيسان بتوجس:
_ هم مين؟
توقفت فداء عن العويل. لتمسح عينيها ثم أنفها بمنديل ورقي مرددة بنفاذ صبر:
_ وأنا إيش عرفني يابيسان؟
عنود رافعة حاجبيها بثبات:
_ إنتِ من امتى بتتأثري بالكلام دا. ما طول عمرك بتحبي الكرتون وعادي. في إيه يا فداء، الحرامي اللي إنتِ فرحانة بيه. أكيد عمل حاجة ضايقتك؟ وبعدين كنتِ فين امبارح وأيه حكاية خطوبة صاحبتك دي؟ أنا عديتها امبارح وحاولت أقنع بابا بالكلام.
همّت فداء أن تتحدث بكل ما يعتصر قلبها، فدائمًا ما تحكي لشقيقاتها عن كل ما يؤلمها فيحتضنانهـا ويزول ألمها قليلًا ولكنها لا تود تشويه صورته أمامهما.
توقفت عن النطق عندما أطل والدهن من خلف الباب يردد بنبرة حانية:
_ مساء الوردات الجوري؟ وحشتوني يا بنات.
اتجهت الفتيات إليه يحتضننه في سعادة، فقد انغمس في عمله طيلة الأيام السابقة.
إلا هي بقيت جالسة في مكانها لا تعينها قدماها على النهوض ليردف سالم بهدوء:
_ إيه يا فداء. ما وحشتكيش؟
فداء بنبرة حزينة لائمة:
_ إزاي تقول كدا يا بابا؟ واحشني طبعًا. بس حاسة بألم في رجلي. بعتذر منك.
اتجه سالم ناحيتها جالسًا إلى طرف الفراش ليتابع بعد أن لثم جبينها بحنو قائلًا:
_ طيب يا ستي أنا جاي أعرض عليكِ حاجة، ولكِ حق القبول أو الرفض.
فداء وشقيقاتها بترقب وهتاف في آن واحد:
_ خير؟
افتر ثغر سالم عن ابتسامة عريضة ليتجه ببصره إلى فداء قائلًا:
_ في حملة توعية. حبيت أعملها للقرية اللي كنا عايشين فيها زمان وعايش فيها عمو جمال وابنه قصي دلوقتي. القرية دي كتر فيها حكاية جواز البنات القاصر والموضوع مضايقني جدًا. فـ كنت عاوزك تروحي هناك لمدة 15 يوم بس. وعمك جمال هيستضيفك إنتِ وطقم التوعية في بيته. أنا متأكد إن الحملة دي هتفرق معانا كتير.
فداء بنبرة حزينة:
_ أقعد 15 يوم من غير ما أشوف إخواتي. إنت عارف إني ما أقدرش.
سالم وهو يربت على كتفها بنبرة حانية:
_ يعني هو إحنا اللي نقدر، تغيبي عننا ساعة واحدة. إنتِ هتروحي وتاخدي معاكِ بيسان عشان هي الكنترول. أصل أنا عارف إنك مندفعة. وكُل نهاية أسبوع هنيجي أنا وعنود. ها؟
رمقته فداء بنظرة مستسلمة. فقد شعرت لوهلة بأنها بحاجة ماسة للهرب والإنشغال بأشياء أخرى.
تنهدت بقوة تهرب من الألم الذي حاصر ثنايا قلبها لتقول بثبات:
_ موافقة يا بابا. أنا فعلًا محتاجة أبعد وأغير جو.