تحميل رواية جميلتي الصهباء بقلم عليا شعبان pdf
بقلم عليا شعبان
الفصل 8 — رواية جميلتي الصهباء الفصل الثامن 8 - بقلم عليا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء. وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت رب...
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثامن 8 - بقلم عليا شعبان
صدح صوت شكري بقهقهة ساخرة، مد ذراعه ناحية آسر ليربت على كفه بثبات وصوت أجش:
_ تخلص مني؟ ومين قالك إن مش أنا اللي هخلص عليك الأول!
أزاح آسر كفه بقوة وتنافس ليجابهه بنظرات حادة قائلاً:
_ جميل أوي.. واللي يرجع في كلامه يبقى عيل! بس إنت ما كذبتش عليا في النقطة دي بس.. البنت دي بتاخد حقها منك لسبب تاني أنا مش عارفه.. بس يا خبر بفلوس بكرا يبقى ببلاش.. بس ساعتها عداد اللعب هيجري.
وهنا رفع إصبعه السبابة مشيرًا به إلى جانب رأسه قائلًا:
_ دي بنت يا مذيع الملايين! يعني آسر ما يكسبش بطولة على شرف بنت.
اشتدت حدة عينيه وهو يحدقه بنظرة ثابتة فيما زاغ الآخر بنظره للبعيد، ليبتعد آسر عنه ومن ثم يستدير مغادرًا.
***
_ أحم أحم.. شكرًا يا مدام ناهد، أدينا الغرض بيهم ورجعنا العهده.
أردفت فداء بتلك الكلمات وهي تضع معدات الطهي على الطاولة التي تتوسط غرفة إعداد الطعام، كتمت ناهد ضحكتها داخلها ثم أردفت بابتسامة هادئة:
_ تقريبًا كدا.. ما أفادتكيش جامد!
في تلك اللحظة استدارت فداء بجسدها ناحية المبرد (الثلاجة) ثم فتحت بابه وهي تقول بنبرة ثابتة للغاية:
_ يعني إصابة خفيفة كدا، الحج بس هزار تقيل حبتين.
استأنفت حديثها وهي تلتقط بين كفيها مجموعة من البيض لتتجه بهم إلى الموقد، قامت بإلتقاط طاسة من الرخام ووضعتها على نار الموقد وهنا دلفت مني هي الأخرى، قطبت ما بين حاجبيها في استغراب لتردف:
_ فداء؟ بتعملي إيه في المطبخ!! دا حدث نسجله في التاريخ.
رفعت فداء أحد كتفيها بتفاخر، لتمسك بيضتين بين كفيها وبنبرة هائمة تابعت:
_ بعمل فطار عشان هاخده لحد عزيز عليا ونفطر سوا.
رفعت مني أحد حاجبيها، نظرت إلى ناهد والتي بادلتها نفس النظرة التساؤلية، اقتربت فداء من الموقد ومن ثم قامت بضرب البيضتين ببعضهما حتى أصدرتا طقطقة خفيفة، أسرعت بتقريب كفيها إلى الطاسة بانتصار ليسقط ما بداخلها على سطح الموقد.
فغرت فداء فاهها بصدمة وذهول ومن ثم رفعت بصرها إلى الاثنتين وبضحكة متوترة تابعت:
_ إتدلقت؟ غصب عني طبعًا.. هطلع غيرها ومش هتقع ما هو بردو لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
مني بنبرة ما زالت الصدمة تختلجها:
_ أعمله لك أنا يا حبيبتي؟
فداء وهي تلتقط بيضتين من جديد وبنبرة مُصرة تابعت:
_ ماينفعش! لازم أعمل الأكل دا بإيدي.
أعادت صدم البيضتين ببعضهما من جديد، وهي تقرب كفيها من الطاسة بشدة، وما أن فعلتها حتى سقط البيض بقشرته، صفقت بفرحة لتهتف قائلة:
_ واو.. أخيرًا ما وقعوش على الأرض.. عفارم عليكِ يا فيدو يا عسل.
قامت ناهد بوضع كفها على فمها، اكتسحت خلجات وجهها الصدمة لتقترب من الموقد وكذلك فعلت مني.
حدقتا ما بداخل الطاسة بشدوه لتقول مني بتلعثم:
_ إنتِ واثقة إن الشخص اللي هتودي له الفطار دا عزيز عليكِ؟!
فداء وهي تنظر لوجهيهما المصدومين في غيظ لتردف:
_ ما في إيه يا وليه انتِ وهي! مش مقدرين إني ما بعرفش أطبخ كدا خالص!
مني وهي تشير بإصبعها ناحية الطاسة:
_ بس الأومليت بقشرة؟!
انكمشت قسمات وجهها بتقطيبه متحيرة لتحك خصلات شعرها وتردف بنبرة شك:
_ هو مش بيتعمل بالقشر صح؟
الإثنتان تومآن في آن واحد وقد أردفتا بنفي:
_ لأ.
فداء بنبرة صارخة:
_ وأنا أيش دراني، أمال انتوا دوركم إيه هنا؟ مش عشان ترشدوني!! ستات آخر زمن.. وسعي يا ست انتِ وهي وخلوني أشوف هعمل إيه تاني جنب البيض.. فيلا ما فيهاش شوية مِش حتى!!
مني بذهول:
_ مِش؟
***
_ تيجي نعدهم؟!
قال جملته تلك وهو يقف خلفها فيما ظله يسبقه للأمام، طالعته هي بنبرة متسائلة ومن ثم تابعت بتساؤل وضحكة خفيفة:
_ نعد إيه بالظبط؟؟
اقترب أكثر منها حتى وقف بمحاذاتها، نحا ببصره صوب السماء ومن ثم تابع بتنهيدة حارة:
– نعد النجوم، أصلي شايفك مركزة في السما أوي!
رمقتهُ بنظرة طفولية فذّة وكأنها تؤمن على فكرته، بادلها بابتسامة عابثة لتقول هي بنصف عين:
_ أتمنى الضحكة دي ما يكونش وراها حاجة!
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ليرفع كفه يمسح به على خصلات شعرها ويقول وهو يلتفت حول نفسه:
_ لا خالص مش بتريق.
هي وقد ذمت شفتيها غيظًا:
_ شوف بقي، أهو اعترفت بنفسك.
تغيرت معالم وجهه متصنعًا الجدية في حديثه، ليقترب منها بهدوء حتى يقف على بعد سنتيمترات قليلة خلف مقعدها ثم امسك ذراعها ورفعه عاليًا، قائلاً:
_ ها! يالا بقي نعد.
انصاعت هي لـ فكرته، بدأ إصبعها السبابة ينتقل بين النجمات التي أضاءت السماء من حولها.. تسارع في إحصائهم وكأنها في سباق وجب الفوز به، قرّب وجهه ناحية أذنها قليلًا يتابع حركة أهدابها وضيقها من فشل العد في كل محاولة، بينما هي منشغلة بما تفعله كان هو يتأمل (حسن إبداع الخالق في خلقه)، ليقول بنبرة حالمة:
_ حي على الجمال.. سبحان من زرع في السماء نجومًا ومكملات لها بالأرض، نجوم تضيء السماء.. وأخريات تضيئن قلب العبد حتى يشتعل، فلا ينطفئ المرء بوجودهن، فيسود الحب ولم يعد.. مجرد خيال…
انتبهت لنبراته الساخنة التي تلتفح أذنيها، أخفضت أصابعها بهدوء صاف ومن ثم رفعت بصرها ترمقه من على جانبها الأيمن قائلة:
_ حلو أوي الشعر دا يا يامن.. إنت بتعرف تقول شعر؟
استدار يامن حتى وقف أمامها مباشرة، التقط كفها ثم رفعه إلى فمه يلثمه بحنو وهيام ليردف:
_ حلو عشان ملهمته إنتِ.. يعني بكتب على قدي.
بيسان بنبرة فرحة:
_ أنا بجد بحبك أوي يا يامن، دايمًا بتخاف علينا وبتساعدني أمشي من تاني.
تسارعت دقات قلبه على أثر كلماتها، أغمض عينيه يتذوق إحساس الكلمة منها فيما تابعت هي بنبرة هادئة:
_ إبراهيم سافر وهيرجع يوم عيد ميلادي ولازم أعرفك عليه.. أنا بعشقه وهو حنين عليا زيك.. بس بنتخانق كتير ولكن أنا مش بزعل منه.
كبا لون وجهه للصُفرة الباهتة، تسايرت معالم البهجة عن وجهه ليفلت كفها من بين راحته وبإختناق مفجع تابع:
_ إبراهيم؟
قال كلمته هذه وهو يُكور قبضة يده في انهيار داخلي رغم الثبات الجسدي له.
مشى بخطواته بعيدًا عنها لتردف بنبرة مستغربة:
_ يامن إنت رايح فين؟ مش هنكمل التدريب.
التفت بوجهه إليها وبنبرة فاترة تابع:
_ كفاية كدا النهاردة.. هروح أشوف خالي، عشان وصله ضيف من شوية وشكله كان متضايق من وجوده.
انتهى من حديثها ليستكمل سيره، لم يتسن لها فرصة الرد ليهتف هو بصوت أجش:
_ نور! نـووووور؟
جاء الفتى مهرولًا ليقف أمامه مباشرة فيما أردف يامن بثبات:
_ خُد آنسة بيسان على أوضتها.
***
“على الجانب الآخر”
– وأدي الشيك بالمبلغ المتفق عليه.. ياريت ما تحاولش تتعرض للبنت أو أهلها تاني، وبكفاياك تقلل من سنك يا حج سعفان، هتتحاسب على كل واحدة انتهكت براءتها عشان تعملك لُجمة؟!!
أردف سالم بنبرة ذات مغزى وكأنه يخاطب الجانب الإنساني به، فيما حدقه العجوز بامتعاض ليلتقط المبلغ المدون على الورقة منه، يقرأه من جديد بثبات وراح يقول بنبرة حادة:
_ ما جولتلك جبل سابج.. أنا ما بضربش حد على إيده.. وفي إيديهم يرفضوا!
في تلك اللحظة قام يامن بفتح باب الغرفة وبنبرة ثابتة تابع:
_ خالي، تحتاج حاجة؟
أومأ سالم برأسه إيجابًا ومن ثم نحا ببصره إلى العجوز الذي ما زال جالسًا على المقعد ليردف بنبرة ثابتة:
_ نورتنا يا حج سعفان.
تنحنح سعفان بتثاقل من شدة السمنة التي تحاوط جذعه العلوي، وقف مستندًا إلى المقعد ومن ثم استأذن للذهاب، قام يامن بإغلاق الباب من بعده على الفور وبنبرة متسائلة تابع:
_ مين الراجل الغريب دا؟
تنهد سالم بعمق ومن ثم أخرج زفيرًا ساخنًا وأردف بهم:
_ أهو أبو قردان دا.. مش وراه غير جواز القاصرات، العزبة كلها على نفس الوتيرة والموضوع كتر وبقيت حاجة تقرف.
ظهر الامتعاض والتقزز على محياه ليجلس إلى المقعد المقابل لـ خاله وبنبرة يخالطها الحيرة تابع:
_ وفين الناس دي من القانون؟
سالم بنبرة هادئة:
_ يابني الناس دي غلابة مش وش بهدلة.. هما بس محتاجين توعية تجاه المواضيع الحساسة اللي زي دي وأنا متأكد إنهم هيستجيبوا.
يامن بتفهم:
_ طيب ما جميل.. حضرتك ممكن تكون فريق توعية للقرية دي بقيادة فداء، دي صحفية والتوعية جزء لا يتجزأ من شغلها.
سالم برفض قاطع:
_ مين ياخويا؟ فداء! دي مش بعيد تعلق للرجالة حبل المشنقة وتعدم لها كل يوم أد ستة كدا.. قال توعية قال.
يامن بضحكة خفيفة:
_ صدقني فداء تقدر تعمل دا، وفكر في الموضوع تاني بتأنٍ.
هز سالم رأسه هزة خفيفة، تنحنح قليلًا في ثبات قبل أن يردف بحزم حاسمًا لأمره:
_ طيب أنا كنت عاوزك في موضوع تاني بخصوص بيسان؟
ركز يامن انتباهه ناحية حديث خاله بكل جوارحه، فكل ما يخصها يقع تحت طائل مسؤوليته، جلت على ملامحه علامات التساؤل ليردف بقلق:
_ مالها بيسان؟
سالم بنبرة مختنقة:
_ إنت عارف طبعًا يابني ظروف بيسان.. من ساعة الحادثة وموت إبراهيم خطيبها الله يرحمه وهي بتتوهم بوجوده، أنا يابني كبرت في السن وخايف يصحوا يوم من غير ما أكون جنبهم.. ملاك اللي يرحمها سابت ليّ مسؤولية كبيرة أوي، بس أنا لما بشوفهم فرحانين بحس إنهم وغلب الدنيا كله يهون عشانهم.. أنا نفسي أسترهم وأفرح بيهم وبالأخص بيسان.. البنت دي مش هتعرف تكمل لو مت.
يامن بلوم ونبرة ثائرة:
_ بعيد الشر عنك، ربنا يبارك لك فيهم.. وتشوفهم بالفساتين البيضا وتشيل أولادهم كمان.
سالم بنبرة أكثر همًا:
_ يابني دي أقدار أكبر مني ومنك، الدكتور اللي بيتابع حالتها النفسية قالي إنها لازم تعيش مشاعر جديدة عليها وتكون أقوى من اللي عاشتها عشان تنسى الماضي.. أنا محتاجك تكون جنبها لحد ما تفوق من صدمتها.. مش عاوزك تمثل عليها الحب أو كل الكلام دا، أنا بس عاوزك تهتم بيها أكتر تحاول ترجعها لـ عالمنا تاني.. وأكون مشكور لك أوي.
ابتلع يامن غصة في حلقه ليرفع بصره إليه وبنبرة ثابتة تابع:
_ وأمثل ليه؟ ما أنا بحبها فعلًا؟!!
***
– المكان جميل، لأ دا لقطة بجد و attractive جدًا. (جذاب)
أردفت عنود بتلك الكلمات في سعادة غامرة، حيث وقفت في شرفة المكتب الكبيرة تتأمل المنظر الطبيعي أمامها.. وقف هو الآخر شاردًا ليقول بثبات:
_ الفيلا دي اللي عيشت واتربيت فيها مع أمي، ولما ماتت فضلت مهجورة مش بيدخلها حد ولا حتى أنا.. كل دقيقة بكون فيها هنا بفتكرها وأنا مش عاوز أفتكر.
نحتت عنود ببصرها إليه ليفتر ثغرها عن ابتسامة متحيرة لتقول باستغراب وافر:
_ في حد بيبعد عن أي ذكرى له مع والدته؟
قصي بنبرة جامدة:
_ آه أنا.
لوت عنود شدقها بامتعاض واستغراب مما يقوله، ظل شارد الخلد في البعيد، استشعرت صلابة شخصيته بعيدًا عن الجانب المرح به ولكنه ما أن يُزرع داخل بؤرة الجدية تجده صلب التعامل بل قاس.
أخذت ترمقه بنظرات فضولية، مالت برأسها جانبًا حتى تتمكن من رؤية ملامحه الغامضة عليها.. يمتلك أهداب كثيفة يحركهم بفتور زادته لحيته غموضًا.. سرحت قليلًا في ملامحه الصغيرة المنحوتة على بشرة داكنة، فلأول مرة يقابلها هكذا وجه يتأرجح بين القوة والمزاح وعلى غرة منها التفت يرمقها بنظرة ثابتة قائلاً:
_ شكلي عاجبك؟
شهقت عنود بصوت مكتوم، استقامت في وقفتها تتنفس الصعداء وبنبرة جامدة تابعت:
_ إنت سرحت فجأة.. وبعد ما كنت بتضحك، كشرت!! فـ أنا استغربت والفضول خدني.
افتر ثغره عن ابتسامة هادئة ليقول بثبات:
_ لا يا شيخة؟
عنود بنظرة مستنكرة، تسخر من تفكيره بها:
_ آه والله تخيل؟ وبعدين ربنا أذن بأنها تسيب عالمنا، أقرأ لها الفاتحة ولا خد لها بوكيه ورد وحطه على قبرها، أكيد هي كمان محتاجة دعوة منك.
أطلق قهقة عالية على حديثها، سار صوب باب الحجرة وبنبرة ساخرة تابع:
_ لا أمي ماتت في عيني وقلبي.. لكن هي لسه بتتنفس ولسه في عالمنا.
رمقته عنود بعينين جاحظتين لتردف بامتعاض:
_ إنت غريب أوي على فكرة ومش فاهماك؟
– ما خلاص بقى!!
كلمة زيادة وهتخرجي برا المكان ده. ولا مشروع ولا غيره.
تقلصت عضلات وجهها امتعاضًا بشكل لا إرادي. ذأبت في سيرها حتى تخطته وهمت أن تترجل خارج الحجرة. ليقبض على ذراعها قائلًا بثبات:
_ مش قاصد. ما تزعليش. يالا نشوف الجنينة علشان هتكون المكان اللي هنعرض فيه شغلنا.
رجعت بجسدها للخلف ومن ثم أسرعت تحرر ذراعها من بين قبضته لتردف بتحذير:
_ أنت فاكر نفسك مين يا بتاع أنت؟ كل شويه هلغي الاتفاق! هو شغل عيال. وبعدين أنت مين إداك الحق تلمسني كدا؟
قُصي وهو ينظر لها بعينين جامدتين:
_ يعني معاليكِ شريفة؟ وعمر ما حد مسك إيدك؟
حدقت إليه بنظرة مصدومة. تتحسس باب الحجرة بذراعها ومازالت تنظر له. لم تستوعب بعد كلماته التي التهمت أذنيها بقوة لتقول بنبرة احتقارية:
_ أنت مريض؟ مش ممكن تكون بني آدم طبيعي!!
أنهت حديثها ومن ثم استدارت لتغادر المكان بأكمله. على نية بإلغاء كل ما تتوق نفسها لتحقيقه، ولكن فليذهب كل شيء للجحيم إن كانت ستتعامل مع هكذا نوعية. ابتلعت غصة في حلقها وهي تنظر إلى حلمها الذي وقع صريعًا في نفس اللحظة التي ولد بها.
***
جلست إلى الكنبة الخشبية الموضوعة أمام منزله. تتأرجح قدماها التي لم تطيلا الأرض. امتقع وجهها حزنًا وهي تجد الوقت يمر عليها وهو لم يأت حتى الآن.
أخذت تجوب ببصرها بين الرجال الذين يتنقلون حول منزله بثبات حاملين سلاحًا. ولكنها أصبحت ضمن رواد المكان ولا يستطيع أحد التعرض لها بأمر منه.
في تلك اللحظة ترجلت هذه الفتاة خارج المنزل والتي رددت بعنجهية قاطعة تنظر لها شزرًا:
_ هو أنتِ هتفضلي قاعدة كدا؟ قولت لك مش هييجي دلوقتي. عدى أربع ساعات ومافيش جديد.
رمقتها فداء بنظرة حانقة. لتنظر صوب الطريق الذي سيأتي منه لتقول بنبرة واثقة:
_ بقولك أيه يا اسمك أيه انتِ؟ أنا مش قاعدة قدام بيتك وأخفي من وشي بقى. أنا أصلًا ياختي مش عارفه انتِ بتعملي أيه مع شاب أعزب في بيت واحد؟
الفتاة وهي تقف أمامها ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها تردف ببرود:
_ اسمي نجوى. ومين أنا بنت خالته وهو اللي مربيني من صغري ومش عايشين لوحدنا بس. دي المربية بتاعتي موجودة والخدم. وكمان هكون مراته قريب.
لوت فداء شدقها بغيظ. أشاحت بوجهها بعيدًا للجهة الأخرى لتجده قادم من بعيد. تهللت أسارير وجهها فرحة وقد نست ما قالته الفتاة منذ وقت قليل.
***
وضع كفيه في جيبي بنطاله. حيث شرد أثناء سيره تأخذه قدماه إلى المنزل.
أخذ قلبها يصدر اضطرابًا ثائرًا ما أن رأته.
تضحك ببلاهة لتتفحص ملامحه الشاردة بهيام منها. فلم تتخيل لحظة بأنها من هؤلاء اللواتي تتخبط قلوبهن من فرط العشق. ولكنها وجدت به ذاك الغامض. بل الشرس الحنون. فأكثر ما تعشقه رؤية ابتسامته التي ينتج عنها بروز طابع الحسن بذقنه. هو صاحب لحية صفراء داكنة كلون شعره وتتميز عينيه بلونها الأسود الحاد كعيون صقر واثق.
خرج من شروده على صوتها وهي تصرخ بجانب أذنيه في مرح:
_ ماسورة!!!
انتبه لها ليجدحها بعينين مشدوهتين من وجودها وخاصةً بعد الشد والجذب في بيتها. استكمل سيره حيث المقاعد وما أن جلس حتى ردد بثبات وصوت غليظ:
_ أنتِ أيه اللي جابك هنا؟
جلست فداء إلى جانبه. لتكشف عن الطعام الموضوع على الطاولة الخشبية أمامها وبنبرة ثابتة اردفت:
_ أصل أنا بصراحة قولت أجي أصالحك على اللي حصل امبارح. وعملت لك فطار بإيدي. لأ وأيه عديت على الولية أم شريف صاحبتي وجبت لك من عندها طبق مش بس موحوح.
أسبلت جفونه وكذلك ارتخت القسمات القابعة على جبينه ليقول وهو ينظر للطعام:
_ أم شريف وموحوح؟
ضمت كفيها على بعضهما في خجل لتقترب وهي جالسة منه أكثر وبنبرة أنثوية تابعت:
_ هتأكل معايا؟ يرضيك أزحل؟
آسر وهو يرمقها بنصف عين:
_ هأكل وتزحلي؟ أمال فين بلاء!!
فداء وهي ترمقه بحنق لتعتدل في جلستها قائلة بغيظ:
_ يؤ! يعني هتاكل معايا ولا آخد أكلي وأمشي؟
في تلك اللحظة قطع حديثها صوت نجوى التي رددت بغيظ ووحدة:
_ مين دي يا آسر. هي هتفضل تتلقح كل يوم علينا كدا؟
وقبل أن يتسنى له الحديث وجدها تقف في مكانها وبنبرة حانقة تهتف:
_ ما في أيه يا حلوة؟ دي حتى النجوى من الشيطان. اتكلي على الله وانتِ شبه دودة المش كدا.
آسر وهو يهتف بنبرة حادة:
_ خلاص انتوا الاتنين. روحي يا نجوى اعملي لنا شاي ونبقى نتكلم بعدين.
نجوى وهي تتابع على مضض:
_ ماشي يا حبيبي.
فداء وهي تتابع بنبرة خفيضة:
_ حبك بُرص وبقيت شبهه وامشي أضربك بالشبشب وأخد حسنات.
آسر بنصف عين مُرددًا:
_ بتقولي حاجة؟
أومأت فداء برأسها سلبًا. ومن ثم طفقت تلتقط لُقيمات صغيرة من الطعام تلتهمها بنهم فقد انتظرته لوقت طويل. صلب نظراته بها للحظات ومن ثم أردف بنبرة ثابتة:
_ شكري نجيب أذاكي بأيه تاني؟ غير أنه حاول يعتدي عليكِ!!
كحت بطريقة حادة أثناء تناولها للطعام ما أن باغتها بهذا السؤال. إلتفتت ببصرها إليه وبنبرة متلثمة تابعت:
_ ولا أي حاجة تاني. هو دا الموضوع بس.
ضغط آسر على عينيه بقوة وكأنه يكظم غيظه ناحية كذبها الذي جلىّ بوضوح في نبرتها ليهتف بنبرة أكثر جمودًا:
_ لو عاوزه يكون بينا صداقة. لازم تأمنيني على سرك. ماينفعش يكون في بينا أسرار.
عادت بظهرها للوراء قليلًا بعد أن تركت الطعام من بين كفها. حاولت الهرب من زاوية عينيه الحادتين فيما هتف يستعجلها الإجابة:
_ أيه سرك اللي ماحدش يعرفه لحد دلوقتي؟
تلألأت الدموع في عينيها. ابتلعت ريقها بصعوبة لترفع عينيها إليه وبنبرة ثابتة أو ربما مهزوزة قليلًا تابعت:
_ لفق ليّ قضية تسريب معلومات عن مجلس الوزراء. ودخلت السجن سنة. ماحدش يعرف أنه السبب بس لحظة ما حاول يعتدي عليا. اعترف بكل الحقيقة. كان فاكر أنه هيقتلني وسرهُ هيموت معايا. بس ماكانش يعرف إن السجن اللي رماني فيه علمني إزاي أحمي نفسي من أمثاله.