تحميل رواية جميلتي الصهباء بقلم عليا شعبان pdf
بقلم عليا شعبان
الفصل 12 — رواية جميلتي الصهباء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم عليا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء. وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت رب...
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم عليا شعبان
ليس للمحبين حرج إن ظلت مشاعرهم حبيسة الورق.
فيجهل الطرفان ما يخفق في صدورهما بلا ألم.
ولكن كيف وأن أصبح في العلن؟
فالحب أضعف من أن يجحد أحد أطرافه على الآخر.
هي فقط كلمة "أحبك" تغفر الماضي وتبني حاضرًا مشرقًا.
توترت قليلاً وهي تجلس إلى المقعد المواجه له.
تنحنحت لوهلة وقد علت ابتسامة صفراء وجهها.
قطب ما بين حاجبيه في حيرة واستفهام ليردف بنبرة هادئة ثابتة قائلاً:
_ فين نجوى؟
إقشعر جسدها هلعاً جراء نظرته المحدقة بها لتقول بنبرة مهزوزة يجتاحها قهقه خفيفة تائهة:
_ في الحمام وقالت لي هتظبط الميك أب.
فأنا قلت هكلمك في موضوع ضروري قبل ما تيجي.
حانت منها التفاتة إلى وجهه الذي طالعها باستفهام وترقب.
تنشقت الهواء داخلها ومن ثم أردفت بشجاعة ضارية:
_ آسر.
إنت ليه بتشتغل حرامي؟
افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة جعلتها في حالة توتر فادح لتهتف باستئناف:
_ قصدي يعني.. إنك كاچول وابن ناس من هيئتك.
لأ وكمان عندك بيت جميل جداً.
ليه لجأت للمجال دا وانت مش بحاجة له كمبرر يعني؟
مال بجذعه العلوي للأمام قليلاً.
ليستند بساعده إلى سطح الطاولة.
يرمقها بنظرة ثابتة ومازالت تلك الابتسامة الواثقة يتشبث طيفها بثغره:
_ مين قالك أصلاً إني حرامي؟
انكمشت معالم وجهها في جهل تام بما أفصح عنه.
لتقول بابتسامة خفيفة تتلهف لمعرفة أسبابه:
_ أمال إنت إيه؟
وسرقت شنطتي بمناسبة إيه؟
في تلك اللحظة التفت برأسه جهة اليمين.
يستفسر في عقل باله عن سبب تأخر ابنة خالته وكأنه يتهرب أو يمتنع عن الإجابة.
ذمت فداء شفتيها عبوساً.
أمدت ذراعها ناحية وجهه وراحت تضع أناملها أسفل ذقنه لتدير وجهه إليها قائلة:
_ إنت مين يا آسر؟
عاد بظهره للخلف وقد استقام في جلسته بعدما جدحها بنظرة غريبة جراء لمسته له.
ليشرد بنظراته للبعيد متخطياً إياه ليردف بهدوء:
_ آسر أيوب.
ابن المعلم آيوب صاحب مخبز عيش كبير.
كان راجل بيحب يتجوز كتير.
فكثرت مسؤليته بسبب خلفته الكتير.
فاتجه للسرقة هو ومجموعة من صحابه واشتهروا في البلد عندنا.
هو طبعاً كان سايبني أنا وأمي الله يرحمها لوحدنا.
ولما مات بقيت أنا (ابن الحرامي).
وصمة المجتمع وصفني بها وابن الحرامي لازم ولابد يكون حرامي حتى لو مش دا طريقه.
رمقته فداء بعينين جاحظتين وهي تفغر فاهها شدوهة لتقول:
يعني إنت مش حرامي؟
أمال ليه سرقت شنطتي؟
آسر بضحكة هادئة جراء صدمتها التي أضفت على ملامحها طفولة خالصة:
_ المهم الشاب الصغير دا.
قرر يشتغل علشان يصرف على أمه ويجيب لها علاج جنب دراسته.
بس هي بعدها بفترة ماتت وهو جمع فلوس كتير بالحلال.
أما سبب سرقتي للشنطة.
فإني حاولت أهرب من وصمة المجتمع ليا وما عرفتش فقررت أساعد الناس وكدا وكدا اسمي حرامي.
بساعد واحدة وأرجع لها حقها.
أو واحد اتظلم وأضعف من أنه يجيب حقه.
بأستمتع بالمخاطرة دي مش أكتر.
وضعت فداء كفها المتكور أسفل ذقنها.
رمقته بنظرة هائمة ومن ثم أردفت بصوت خفيض:
_ معاك مؤهل إيه؟
آسر بقهقهة خفيفة وكأنه يتذكر شيئاً ما:
_ أنا بقى يا ستي خريج كلية تجارة.
اتشحتفت علشان أتخرج.
بعد أمي ما (ماتت) قعدت سنين نفسيتي متدمرة وبقيت بعيد سنة رابعة دي كتير.
عيدتها أربع مرات.
مش عارف اتخرج ومش قادر آخد خطوة للمذاكرة نهائي.
أصلها تعبت معايا أوي وكان روحي فيها.
افتر ثغرها عن ابتسامة حانية ولم تخل نظراتها من معاني الحب والحنو ناحيته لتقول بنبرة صادقة تواسيه:
_ ربنا يرحمها.
بس إنت كنت ناوي تبلط العمر كله في الكلية ولا إيه؟
آسر بابتسامة هادئة:
الظروف جات كدا بقى.
_ إنتِ واحدة حقيرة وشوارعية.
أنا مش فاهمة إنتِ موجودة في حياتنا ليه؟
صرخت نجوى بنبرة باكية وهي تهرع ناحية الطاولة.
فزع آسر من رؤيتها على هذه الحالة ليلتقطها بين ذراعيه هاتفاً بقلق:
_ نجوى.
أيه اللي حصلك؟
صدحت نجوى بشهقة متقطعة.
وهي ترمق فداء بنظرات عدوانية متأججة بنار الغيظ:
_ الهانم اللي إنت دخلتها حياتنا.
سلطت واحدة عليا وضربتني في التواليت.
مين المقرفة دي يا آسر وجاي تقابلها بأي صفة؟
صداقة؟
مش عاوزينها.
أنا ماشية.
جاي معايا ولا هتبقى؟
التفت آسر ببصره إليها وبنبرة صارمة تابع:
_ انتِ فعلاً عملتي دا؟
نجوى بحدة:
إنت لسه بتستفسر منها؟
تقدر بنفسك تسأل الست اللي كانت في التواليت.
تجنبت فداء النظر إليه.
فيما هتف بها بنبرة جامدة أربكتها:
ساكتة ليه؟
إنتِ فاكر علشان تهاونت معاكِ دا يديكي حق التمادي؟
إنت بتعملي كدا ليه؟
إيه هدفك من دا؟
لم يتسنى لها فرصة الرد على اتهاماته لها.
همت بفتح فاهها لتتحدث لتجده يضع كفه خلف ظهر (نجوى) يدفعها بخفة للسير أمامه دون أن يلتفت لنظراتها التي ترقرق الدموع بها.
( بعد مرور أسبوعين )
نفخت البلالين ومن ثم ألقيت داخل حوض السباحة بشكل مبتهج يتماشى مع هذا الحدث الجديد عليها.
أضيء المكان بأنوار خافتة وقد عُج المكان بالكثير من الناس وعلى رأسهم مجموعة من رجال الأعمال الذين أتوا من كل حدب وصوب لحضور افتتاحية الشركة (PaSsion).
الذي ذاع صيتها قبل أن تواكب مشاريعها الأولى حتى.
أخذت تسير بين ضيوفها بعنجهية وسعادة لا متناهية.
تبتسم لذاك وتتبادل أطراف الحديث مع ذاك.
وقف (قصي) يستقبل الوفود أمام الباب الرئيسي للشركة.
التفت يطالعها بعين الإعجاب فقد انكبّت على العمل طيلة هذه الأسابيع تستعد لهذا اليوم كفراشة بكامل همتها فقد تحقق ما رغبت دون قيد أو شرط من أحد.
ارتدت فستان من اللون النبيتي.
يصل إلى نهاية القدمين ويطول طرفه من الخلف قليلاً ومن الأعلى محكم بطوق ألماسي حول الرقبة دون أكمام.
قامت بلف شعرها كعكة أظهرت جمال ملامحها وبشرتها البيضاء الناصعة.
حانت منها التفاتة صوب الباب الرئيسي للشركة لتجده يطالعها بتأمل وتركيز.
أشاحت بوجهها بعيداً عنه.
فقد رأت تغيره ناحيتها وكيف يعاملها بحسن تصرف منه ولكنها تسد طرق النقاش أو المصادقة كذلك في وجهه.
فهي تبغضه حتى لو أنار بأنامله طريقها لتمر فهي لا تقارن كبرياءها بفظ مثله.
كما أنها أبعد من أن تلتفت أو تدرك أن نظراته لها بداية عشق فهي للحب أشد الأعداء وترى في المحبين ضعفاً لا يليق بقوة شخصيتها.
_ بس عنود دي طلعت ذكية ما شاء الله.
دي الحفلة ما تتكررش.
نيالك يا عم بشريكة زي دي.
مال وجمال وذكاء.
أنهى فايز حديثه ليجد صديقه يجدحه بنظرة باردة كاتمة.
ليهتف الآخر مستأنفاً حديثه:
_ إنت ما بتضحكش يابني؟
إفرد الـ 111 اللي علي وشك دي؟
توجه قصي ببصره يستقبل الضيوف بابتسامة صفراء.
ليهتف من بين أسنانه المطبقة:
_ البت شايفة نفسها على الآخر.
دي أصرت إن مكتبها يبقى في دور ومكتبي في دور تاني خالص.
وضع فايز كفه على فمه كاتماً ضحكته التي ظهرت جلياً في نبرته:
_ وإنت زعلان ليه؟
صمت قصي لوهلة.
شرد في سؤال صديقه الآتي عن مزحة أغاظته ليرمقها بنظرة ثابتة وراح يقول:
_ مش عارف!
"على إحدى الطاولات"
_ طيب إحلف بالله كدهون.
إن الإزازة اللي لونها نبيتي دي مش مسكر يا منير؟
زفر منير زفرة مطولة ليهتف بغيظ:
_ يا ستي قولت لك مش مسكر.
مش مسكر.
هو إنتِ عازماني على الحفلة عشان تقولي لي أشرب إيه ومأشربش إيه؟
صرت فداء على أسنانها لتقترب منه وبنبرة صارخة تابعت:
_ في إيه يا ولا؟
إنت صديقي وأنا لازم أوعيك.
لأن المسكر دهون بيذهب العقل وانت أصلاً ما عندكش منه.
فهيذهب إيه مثلاً؟
ومن ثم ضربت على الطاولة بقوة لتهتز الزجاجات عليها وبنبرة صارمة تابعت:
_ افرض تأثير البتاع دهون.
مالقاش عندك عقل؟
فـ قرر يتجه لنواحي تانية.
فـ قام داخل على طول الطريق السريع عدل لحد ما وصل للمجاري اللي عند كل بني آدم.
فـ أثر عليها وحصلك من بعدها تبول لا إرادي.
تبوظ ساعتها حفلة أختي؟
جدحه منير بنظرة مستنكرة.
ومن ثم رفع الكوب الزجاجي إلى فمه يرتشفه كاملاً ليردف:
_ أنا فعلاً ما عنديش عقل عشان صاحبتك.
ذم منير شفتيه عبوساً فيما لانت ملامحها وهي تبتسم له بنبرة بلهاء قائلة:
_ خلاص ما تزعلش يا light.
لـ الدنيا تعتم فجأة.
ما إنت عارف إن إنت الكابل اللي مشغل الليلة دي كلها.
وبعدين سهلة يعني لو جالك تبول لا إرادي.
هرميك في البيسين وما حدش هيدرى بحاجة.
وأهو يبقى زيتنا في دقيقنا.
منير بنظرة غاضبة:
_ اتكلي على الله.
شوفي بيسان بتنادي عليكِ.
فداء بنظرة تحد وقد أمدت رقبتها للأعلى قليلاً:
عاوز تخلص مني؟
بردو مش همشي إلا لما تقولي إيه دا؟
مسكر صح؟
صر منير على أسنانه.
ليهتف بنبرة حانقة:
_ ما أنا شارب قدامك كوبايتين أهو.
ما سكرتش ليه؟
دا مشروب اسمه (مشروب الشجاعة).
بيحفزك تعملي أي حاجة مترددة فيها.
حدقت فداء به لتقترب من أذنه هامسة بنبرة خفيضة:
_ أي حاجة.
أي حاجة؟
أومأ منير برأسه إيجاباً.
فيما أسرعت هي دون تفكير تلتقط إحدى الزجاجات القابعة على الطاولة ومن ثم تضعها داخل حقيبتها قائلة بحسم:
_ خليها معايا بقى يمكن نحتاجها.
أما أروح أشوف بيسو.
إتجهت فداء صوب الطاولة التي تجلس عليها شقيقتها.
فقد تطورت حالتها بصورة سريعة ومرضية للتخلي عن المكوث إلى ذاك المقعد المتحرك وتبدأ في السير على قدميها باستخدام عكازين.
خاصة بعد خضوعها لعدة جلسات مكثفة منه.
كانت بيسان تجلس إلى جوار عمتها في شرود تام، فمنذ انقطاع أحاديثه معها وهي تشعر بالذنب تجاهه، فلم يقدم لها سوى الخير فقط. يتردد صدى كلماته على مسامعها كل ليلة، باتت تدرك بأن خطيبها قد رحل بالفعل. صراخه بها أيقظ ذاك الجانب الثائر على حالتها داخلها، وأكثر ما يؤلمها الآن الفيض الواسع منه تجاه صحتها الجسدية في نظير ذلك فيض أكبر جراء تجافيه لها.
كان يجلس إلى طاولة الرجال بصحبة جمال وسالم. نحت ببصرها إليه لتجده قد انغمس في أحاديثهم دون أن يعيرها اهتمامًا، لتزفر بحنق. وهنا قطع شرودها به صوت فداء التي لثمت جبينها قائلة بحب:
"الجميل سرحان في أيه؟"
انتبهت بيسان لشقيقتها التي جاورتها في المقعد الآخر لتقول بنبرة هادئة:
"تقريبًا نعست."
منى بهدوء وهي تتوجه بحديثها إلى ابنها الأصغر:
"روح يا مراد هات لها قهوة.. دا إحنا لسه في أول الحفلة."
مراد وهو ينظر صوب الباب وقد أطلق صفيرًا عاليًا بعض الشيء:
"القمـــر نزل على الأرض يا جدعان؟"
التفتن حيث أشار مراد. رمقتها بيسان بلا مبالاة، فيما أطلقت فداء زفيرًا خاليًا من أي أنواع الأمل. فقد دعته لحضور هذه الحفلة وبذلت قصارى جهدها في الاعتذار منه، والآن هو لا يلبي دعوتها حتى، فقد استغنى عن هذه الصداقة والتي في أصلها حب مكبوت.
على النقيض من هذا، جدحتها عنود بنظرة عدوانية. ذأبت في سيرها حيث الباب لتقف في مجابهتها وبنبرة حادة تابعت:
"هانيا الرفاعي؟.. بتعمل أيه هنا؟"
أطلقت هانيا قهقهة خفيفة جراء حديثها مستهينة به، وبنبرة متصنعة للبراءة رددت:
"بحضر حفلة صديقتي؟.. ولا إحنا مش صحاب؟!"
جدحهما قُصي بنظرة ثابتة، وضع كفيه في جيبي بنطاله يراقب هذه الشرارة النارية التي تصدر من شريكته في حين أردفت عنود بنبرة باردة:
"هو انتِ مين أصلًا عشان تنولي شرف صداقتي؟.. إنتِ نكرة يا مـاما.. نكرة؟"
أنهت عنود حديثها لتدفعها بقوة، فيما ارتدت الأخرى للخلف. ليقترب حارسها الشخصي من عنود وهمَّ أن يضغط على ذراعها يردعها عن الاقتراب. خرج قُصي من صومعة صمته بعراك يختص سيدات. ليهرع إليهما ومن ثم يضغط على كف الرجل بحركة فجائية ألمته ليهتف بصوت أجش:
"عيب.. تتدخل بين الحريم.. مش كدا ولا أيه؟"
وما أن تلفظ بجملته تلك حتى فاجأه بلكمة على وجهه. ارتد الرجل على أثرها للخلف محاولًا الاتزان في وقفته.
شهقت عنود بفزع من تحوله هذا، فيما صرخت به هانيا بحدة:
"انت مجنون؟.. وبتدخل بصفتك أيه؟"
قُصي وهو يجدحها بنبرة قاسية:
"بصفتي صاحب المكان.. يالا خُد رجالتك وورينا جمال خطوتك.. ولو عجبتينا نبقى نجيبك تشتغلي عندنا موديلز.. يالا هنرأف بحالتك."
جحظت عيناي (هانيا) بإندهاش من طريقته الفظة معها. أثرت عنود الصمت ترمقها بإبتسامة ساخرة لتنسحب هانيا من المجابهة وتعود حيث أتت.
التفت قُصي ببصره إليها ليباغتها بسؤال كانت تتوقعه وهو يغمز لها:
"مين؟.. ها؟!"
افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة جاهدت في إخفائها، ومن ثم أردفت بثبات:
"واحدة ما عندهاش ضمير.. كانت بشتغل في شركتها.. وكانت بتاخد تصاميمي وتنسبها لنفسها.. ولما جبت أخري قررت أنهي شغلي معاها."
قُصي وهو يهز رأسه بتفهم:
"بس البت حلوة مافيش كلام!!"
جدحته عنود بإستنكار وإزدراء. تنحنح قليلًا قبل أن يرفع سبابته نافيًا:
"بس الشكل ما يغفرش عندي.. طبعًا."
كانت فداء تراقب شقيقتها عن بعد منذ قدوم هذه الفتاة ذات الهيئة الغير مريحة. أوشكت أن تشتبك مع حراستها حينما نهضت من مقعدها في ثورة وسرعان ما هدأت عندما وجدت قُصي ينوب عنها لتقف في مكانها.
تهللت أسارير وجهها وبدأ قلبها في الخفقان دفعة واحدة. فقد رأته يدلف من باب الشركة يتلفت حوله بحثًا عنها. أخذت تهندم ملابسها استعدادًا لاستقباله. تتنفس الهواء داخلها ثم تخرجه ببطء. فلم تره منذ أسبوع أو أكثر.
هرعت فداء إليه، وقد ظهر على ثغرها ابتسامة عريضة لتقول بتوتر:
"آســـر؟"
افتر ثغره عن ابتسامة هادئة، ليردف بنبرة ثابتة:
"إزيك يا فـداء؟"
فداء بتلقائية شديدة:
"كنت مستنياك من بدري وفقدت الأمل.. بس حاليًا أنا كويسه جدًا."
هز آسر رأسه عدة إيماءات خفيفة. تلعثمت في عباراتها قليلًا قبل ان تقوده إلى طاولة ما وبنبرة هادئة تابعت:
"آسر.. إنت لسه زعلان مني؟"
رمقها آسر بنظرة ثابته وبلهجة نافية أردف:
"لو مازلت زعلان.. ما كنتش هاجي أبدًا. أنا دلوقتي هنا عشان نفتح صفحة جديدة. أنا حبيت إنك موجوده في حياتي."
فداء بلهفة أردفت:
"بجد؟"
آسر باستئناف:
"بجد.. وحبيت أعزمك على خطوبتي كمان. وعلشان تصلحي علاقتك بـ نجوى.. فـ حابب تكوني معانا بكرة وإحنا بنختار الدهب."
تسايرت السعادة عن وجهها، وقد ذبلت إشراقة وجهها ترمقه بحزن خفي. وما أن لاحظ صمتها حتى تصنعت ابتسامة لم تصل إلى عينيها لتقول بنبرة متـحشرجة تحتبس الدموع بها:
"خطوبتكم؟.. فرحت جدًا.. مبروك."
آسر بإبتسامة خفيفة:
"الله يبارك فيك.. ها هتكوني معانا بكرة؟"
أخذت تفرك كفيها بألم داخلي، ألهب قلبها لتردف وهي تتجنب نظراته لها حيث أوشكت على البكاء:
"مش عارفه هقدر ولا لأ.. ربنا يسهل."
أومأ آسر برأسه في خفة. ليقف منتصبًا في مكانه يعلن انتهاء حديثهما. ومن ثم سار مغادرًا المكان. ابتلعت فداء غصة في حلقها.
فرغم احساس الألم الذي يعتصر قلبها إلا أنها أظهرت رباطة جأش وضحت مدى ثباتها واتساع قدرة تحملها.
قامت بدفع يدها داخل حقيبتها لتلتقط هذه القنينة كرزية اللون وتبدأ في ارتشافها جرعة بعد أخرى وهي تحسم أمرًا ما في قرارة نفسها.
انشغل الجميع بالحفل، حينما أعاد (يامن) اقتراحه بشأن حملة التوعية من جديد. تذمر سالم في باديء الأمر فهو يعرف أن ابنته مندفعـة وغير أهل بهذه الخطوة. فيما ناصر (جمال) رأي يامن بها قائلاً:
"انا بصراحة بوافق يامن في النقطة دي. معاك إن فداء مندفعـة بس مش هبلة!!"
سالم بتفكير أرهقه:
"مش عارف.. هكون قلقان عليها؟.. ولا هكون قلقـان على الناس منها.. على العموم هاخد بنصيحتكم وهتكلم معاها بخصوص الموضوع دا."
إلتفت يامن في تلك اللحظة إليها، تجلس إلى الطاولة المجاورة له. ليجدها ترمقه بحزن طفولي يفهمه. وما أن لاحظت انتباهه لها حتى أخفضت بصرها بتوتر. ليتيه هو في وجنتيها الورديتين، ناسيًا ألمه السابق منها. فـ الآن يرى بؤرة أمل تدعوه لعالمها.
***
إرتشفت ما بداخل القنينة بأكملها. أخذت تترنح في مشيتها صوب الباب تترجل منه بعدما تمكنت من الاستيلاء على مفاتيح سيارة صديقها.
دلفت داخل السيارة بجسد غير متزن. نبشت مقدمة رأسها بأحد أظافرها لتقول بنبرة نصف واعية:
"هي دي عربية ولا طيارة؟.. طيب هي بتمشي ولا بتطير؟.. أنا هحرك البتاعة المدورة دي وخلاص بقى.. وديني عند آسر عارفة المكان ولا لأ؟!"
أطلقت قهقة عالية وهي تضغط على مقود السيارة منطلقة بها. علت قهقهاتها رويدًا رويدًا لتقول بنبرة شاردة:
"هو انا شربت منكـر ولا أيه؟.. بس دا كان كركاديه!!"
أخذت هلوثاتها تزداد طوال مسافة الطريق. شعرت بثقل يداهم رأسها جراء ارتشافها للقنينة كاملة. وما أن وصلت أمام بيته حتى تابعت بنبرة آمرة تخاطب السيارة:
"يالا أقفي هنا! .. أقفي يا عربية؟"
في تلك اللحظة تذكرت أنها من المفترض أن تضغط على دواسة السواقة ولكن بعد أن فات الوقت لتصطدم السيارة إلى أحد الأسوار.
هرع آسر إلى شرفة بيته يتفقد هذا الصوت العالي الذي صدح في جنبات المكان. رغم اصطدام رأسها بزجاج السيارة الأمامي إلا أنها تحاملت على نفسها حتى ترجلت خارج السيارة.
تجمع من بالمنزل على أثر الصوت، منهم من يقف في فوهة البيت وآخرون في الشرفات لتقف هي فارده ذراعيها وبنبرة واهنة أردفت وقد رفعت وجهها عاليًا ترمقه بحب:
"آسر؟.. انا مش بحب نجوى دي خالـص.. بت مايعة وشبه التعلب المكار. عارف ليه؟!"
فغرت نجوى فاهها بصدمة وحنق وهي تقف بجانبه في الشرفة. قطب ما بين حاجبيه بإندهاش يشك بأمر تصرفاتها. فيما استأنفت حديثها المغيب عن عقلها قائلة بنبرة أشبه لأنين ضعيف:
"علشان أخدتك مني.. وأنا بحبك أكتر منها... !!!"