صوت قوي دوي في أرجاء المكان. "ي الله! دي طلقة نارية! يصدر صوته ليهز جدران المنزل بأكمله. "بووي ي بووي! إيه ديه؟ مين بيطلق رصاص إهنه؟ مهيعرفوش إن فيه إهنه جوانين وإن مفيش رصاصة تنضرب إلا بإذن مازن الجيناوي. لما يجول كلمة تتنفذ بالحرف وتكون أمر على رقاب الكل، واللي يعصي أمر ليا يبقى هو الجاني على روحه." "واه معرفش ي ولدي مين اللي يعمل أكده ويكسر قوانين؟
نطق بها والده، حسين الجيناوي، والد مازن. رجل تعدّى الستين من عمره، ولاكن يهابه الجميع ويخشاه ويحبونه في آن واحد، لأنه لا يقبل بالظلم أبداً، ويملك من البلد نصفها أملاك وأطيان وأراضي، ويُسمى كبير البلد أو عمدتها. "مازن.. عوض ي عوض." مازن الجيناوي يتميز بطوله، ويأخذ من بلده سمارها، ولكن عيونه تتمرد وتثبت لونها العسلي الفاتح، وشعره يميل للكستنائي. يتعدى الـ 27 من عمره بشهور فقط، له هيبته الخاصة. ظهر عوض يركض من الخارج.
"عوض.. أيوا ي مازن بيه." "مازن.. شوف في إيه صوت الطلقة ديه، وجبلي اللي عمل أكده لغاية إهنه." "عوض.. حاضر ي مازن بيه." بعد عشر دقائق، حضر عوض ويحمل على كتفه امرأة، وضعها على الأريكة. "حسين.. واه إيه اللي حصل؟ مين ديه ي عوض؟
"عوض.. معرفش ي كبير، بس لاجيتها واقعة على الأرض ومتبهدلة كيف ما أنت شايف أكده، ومدريناش باللي حواليها. أهل البلد بيقولوا إن الصوت اللي كان عمال يدوي ديه عجل عربية مهواش رصاص. أنا أول ما شفتها جبتها على إهنه طوالي." "حسين.. روح أنت ي عوض، ولو عرفت أي جديد تعالا خبرني بيه طوالي." "عوض.. أمرك ي كبير. نا ع اذنكم." "حسين.. مازن نادى على أمك ولا خيتك يشوفوا البنية ديه وضعها إيه ولا يفوقوها."
لكنه لم يتلقى رداً من ولده. التف ليراه، ولكنه وجده يجلس بجوارها على الأريكة ويضغط على أنفها بين عينيها. فسمعوا أنين خافت. "مااااخ ي دماااغي! ااا أنا فين؟ إيه ده؟ و ااا أنت مين؟ ولكنه كان هائماً في وجهها، ولم تتلقى منه رداً. ولكن سمعت صوت آخر. "حسين.. متخافيش ي بتي، أنتِ في بيت الكبير. أنتِ اللي مين؟ وإيه اللي حصل معاكي؟ حاولت النهوض، ولكنه منعها بقوة مقارنة بجسمها الضعيف. "الله! في إيه ي جدع أنت؟ م تحاسب كده!
خليني أقوم ولا أتحرك! أنت لزقت كده ليه؟ ومبتنطقش! عيناه تخرج شراراً واحمرت أذنيه. كيف تجرأت؟ كيف؟ "مازن.. واه اتلمي ي حرمة ومتعليش صوتك إهنه! أنتِ متعرفيش أنا مين ولا إيه! اتحدتي كيف الخلق معايا؟ "جنه.. إيه لا والله متشرفتش باسم حضرتك، وأنا بتكلم عدل. أنت اللي مش مظبوط م ساعة ما فتحت عيني وأنت متنح فيا، ولا كان في حد واقع منك. شبهي! حاسب كده وعدّي." تنحنح الحاج حسين ليقطع هذا الشجار بينهم قائلاً:
"حسين.. جوم ي مازن ي ولدي، نادى على أمك ولا خيتك، وادي فرصة للبنيه تفهمنا إيه حكايتها." "مازن.. حكايتها هتكون إيه؟ مصيبة واتحدفت علينا م أنهي بلد وجايه تقرفنا هنا." اتسعت عينيها من طريقته التي تحولت في أقل من ثانية. وكتم الحاج حسين ضحكته على ابنه وطريقته الفظة معها. "جنه.. أنت ي جدع أنت بينك وبيني طار؟ مالك مش طايقني كده ليه؟ وبعدين م أنت حلو أهو وبتكلم عدل، أمال إيه دور العمدة اللي عايشلي فيه ده؟ يوه."
"مازن.. أمال أنتِ فاكرانا جهلة ولا إيه؟ أنا بس حبيت أعرفك إني أقدر أتحدت زيك وأكتر كمان." قاطعته عندما قفزت من مكانها، تضع يدها في منتصف وسطها وتهتز مثل الأطفال، وترتسم البرود على وجهها. نطقت بغيظ: "جنه.. أنت محدش قالك قبل كده إنك قليل الذوق ومش محترم؟ ومبتعرفش تتعامل مع ليدي نهائياً؟ اقترب منها ببطء حتى أصبح وجهه بوجهها وتكلم من بين أسنانه وبنظرات احتقارية: "مازن.. واه فين الليدي دي؟
أنا مش شايف قدامي غير جعفر البواب متخبي في شكل حرمة. وأنا بس لولا إني عامل احترام لأبوي الحاج كنت فرجتك كيف قلة الاحترام ع أصولها." دبدبت بقدميها في الأرض وتأففت بصوت عالٍ، واقتربت لكي توبخه مرة أخرى، ولكن قاطع حديثهم صوت الحاج: "حسين.. أنتوا معاملينش احترام لوجودي ولا إيه؟ أنتوا اتنين." "مازن.. العفو ي أبوي." "جنه.. العفو ي عمو الحج، أنت شايف هوا اللي بيستفزني."
"حسين.. اجعدي ي بتي واحكي وخلصيني. خلينا ننهي الموال ديه. إيه اللي حصل وإنتي مين وبتعملي إيه إهنه بالظبط؟ جلست بجواره وردت بابتسامة صافية: "جنه.. أنا اسمي جنه ي عمو الحج." "مازن.. هه! جنه مين؟ عملت العملة المهببة ديه؟ دانتِ إن مكنتيش النار بذات نفسها يبقى ميليقش عليكي أي اسم تاني." "جنه.. شاهد ي عمو الحج، قلة ذوقه هوا اللي بيخرجني عن شعوري. أهوح." "حسين.. بس بجا ي مازن، عيب أكده ي ولدي، دي مهما إن كانت ضيفة حد."
"مازن.. حاضر ي أبوي، لأ مؤاخذة." "حسين.. كملي ي بتي، وإيه جابك إهنه؟ "جنه.. أنا مهندسة ي عمو الحج، وجاية هنا عشان أعاين الأرض اللي هيتنفذ عليها المشروع الجديد. المجموعة اللي هتتعمل في البلد. المفروض إني كنت هقابل الأول راجل كبير بيقولوا هوا صاحب المشروع هوا وابنه. باين اسمو بنجاوي برجاوي جنجاوي، حاجة زي كده مش فاكرة. المشكلة إن عجل العربية فرقعت واتخبطت في شجرة والعربية اتدمرت، وأنا زي ما أنت شايف كده."
سمعت قهقهة عالية. نظرت له ولم تعرف سببها. أهذا مجنون أم ماذا؟ "جنه.. إيه ده؟ مكنتش أعرف إن كلامي بيضحك أوي كده." "مازن.. أنتِ هبلة ولا شكلك كده ي بنتي؟ "جنه.. لا حول ولا قوة إلا بالله. أه أنا بردو! أصل أنا اللي مرة أكلم صعيدي ومرة مصراوي ومش راسيالي على بر، مش كده؟ "مازن.. هوا انتِ بجد متعرفيش إن انتِ دلوقتي في بيت الحاج حسين الجيناوي؟ الجيناوي ها! مش اللي قولتي عنهم دول، وابنه مازن؟ أصحاب المشروع اللي جاية عشانه؟
شهقت شهقة خفيفة ولم تعلم لماذا تسلل إليها الخوف من نظرته لها، وعينيه التي تتطلعان بها بجراءة وشراسة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!