الفصل 1 | من 18 فصل

رواية جوهرة بين اغلال الشيطان الفصل الأول 1 - بقلم منى ابو اليزيد

المشاهدات
18
كلمة
1,767
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

في قصر واسع يسود من داخله اللون الأسود دهان، أثاث، وزخرفة، جلس أصيل الشاذلي مشدود الوجه يراقب ملامح الجميع عندما اعتلت وجههم الصدمة بسبب ما طلبه. تلك المرة الأولى التي يطلب فيها وجود فتاة داخل قصره. نهض من مكانه بشموخ كبير. دس يديه في جيب البنطلون. ضيق عينيه السمراء التي يكسوها الحزن. هتف بنبرة هزت جدران القصر: -أنتوا مش بتفهموا، أنا عايز البنت اللي كانت بتطبخ في المطعم. تنحنح أحداهما بخوف ملحوظ.

أراد التحدث ليظهر اعتراضه على طلبه. فهمس بخفوت: -حضرتك، البنت دي معروفة أنها بترفض شغل خارج المطعم على الرغم من احتياجها للفلوس عشان علاج والدها. ثبت بصره على نقطة ما. غارق عقله في طريقة ما تجعلها توافق. حك أسفل ذقنه بحيرة ظاهرة حتى تبدد حاله حين عثر على الفكرة. رقص قلبه طربا. وقال بحماس: -اتصلوا بالمطعم وجيبه رقمها. وبالفعل نفذ أحداهما الطلب. أخذ الرقم بلهفة. فتح الهاتف المحمول الخاص به. ضغط على عدة أرقام بسرعة.

ثم هتف: -الو. -مين معايا؟ -أصيل الشاذلي. -النمرة غلط. فجأة وبدون مقدمات أغلق الهاتف في وجهه. زاح الهاتف عن أذنه بملامح الاندهاش التي فرشت وجهه. مط شفتيه باستنكار. عاد الاتصال مرة أخرى: -يوه، مش قولت الرقم غلط. -عايزك تشتغلي عندي. -نعم. -في إيه، محتاج شيف في قصري. -سوري، مش بشتغل عند حد، أنا بشتغل في المطعم وبس. -مرتب 10000 جنيه وقابل للزيادة، فكري كويس. تلك المرة أغلق الهاتف المحمول في وجهها. رد ما فعلته في الأول.

لا يتقبل الإهانة سواء بقصد أو بدون. قوس فمه بابتسامة نصر. كأنه على يقين من موافقتها. ......... ظلت جوهرة تفكر في الأمر جيدا. علت السعادة قلبها حين فكرت في المبلغ. فهي تحتاج إلى المال لكي تكفي علاج والدها. وجلب الأشياء التي تريدها. هرولت بسرعة إلى حجرة والدها لتخبره لكي تعم الفرحة في شامل البيت. وقفت على باب الحجرة المفتوحة ظهرت رأسها المستديرة البيضاء مع جزء جسدها العلوي من الباب. هتفت بسعادة عارمة: -بابا يا بابا.

ترك سعد الجريدة التي يقرأها كعادته يوميا. أشار لها بالولوج للداخل خاصة على المقعد المجاور له. وقال بنبرة رسمية بنظرات عادية: -تعالي يا جوهرة أقعدي. أومأت رأسها بالموافقة. حركت قدميها للأمام. بالفعل جلست على المقعد المجاور له. زادت سرعة نبضات قلبها. وتمتمت قبل أن تتفوه: -عندي ليك خبر بس محتارة فيه. شبك يديه لبعضهما البعض. ثبت بصره عليها منتظرا أن يسمع منها ما تريد قوله. لكي يعود لقراءة الجريدة مرة أخرى. نفخ من الضيق.

ثم قال بنفاذ صبر: -أنجزي يا جوهرة. أخرجت نفس طويل قدر ما تحمله من حيرة. وقالت بحماس: -أنا أتعرض عليا شغل بمبلغ 10000. ربت على كتفها ببرود واضح. كأنها لم يستمع جيدا ما قالته في التو. ردد: -مبروك ألف مبروك، أوي في حاجة تاني؟ رفعت حاجبيها لأعلى باندهاش واضح. لم تتوقع رد فعله بهذا الشكل. كانت تظن أن ملامح فرحة في حالة القبول. وحزن في حالة الرفض. لم تأخذ منه سوى الخذلان وقلة فرحتها بالمبلغ التي سرقت منها في لحظة.

فعادت تقول مرة أخرى: -بقولك أنا أتعرض عليا شغل بمبلغ 10000، أنت سامعني؟ نهض من مكانه. حملق بعينيها السمراء الضيقة على مضض في عينيها البنية الواسعة التي ورثتها من والدتها رحمة الله عليها. وقال بصرامة: -عشان مقولتيش إيه الشغل يتوافق عليه أو لا، نسيتي تربيتي ليكي؟ صعقت بشدة. كلماته كالخنجر يطعن قلبها ببرود لكي تموت قتيلة بعد ما قتل أحلامها الوردية لكي تعالجه وتجلب ما تريد. فقالت بذهول: -يعني إيه يا بابا، أنت تقصد إيه؟

علت ضحكاته الممزوجة بتهكم على حديث ابنته التي لم تفهم مقصده. سرعان ما تحولت لعبوس جديد. وقال بحصرة: -الشغل يعارض ربنا، ما هو مفيش شغل بالمبلغ ده. قفزت على الأرضية بقدميها تعرض اعتراضها على حديثه. فصاحت عاليا: -أنت بتشك فيا! أشار عليها بغضب شديد قائلا: -لا، زعلان عشان المبلغ أغراكي وخلاكي تنسي ربنا. ثوان من الصمت مرت ولسانها ثقيل بحروف تتنازع نزعا للخروج من بين شفتيها قائلة بحزن:

-أنا آسفة يا بابا، بس هشتغل طباخة في قصر. زفر مطولا بعمق. وبسمة حانية على شفتيه. قال بهدوء نادم على أسلوبه الحاد معها في بعض الأحيان: -يبقي تعرفي هتباتي هناك أو لا. ......... زاح شخص ما الهاتف المحمول عن أذنه. نهض من مكانه باندفاع. في لمح البصر تغير الجو فجأة من حوله حين علم بطلب حفيده. اتجه إلى الشرفة. نظر إلى السماء وجدها مليئة بالغيوم. فسقطت الأمطار بغزارة.

مد يده بحيوية ونشاط كأنها سلاح أو قوة تساندة وتعاونة على الأيام. لا يشغل باله سنه الذي يتعدى 75 عاما. تنهد بحزن عندما تذكر ما حدث لحفيده منذ بضع أشهر. أصبح ملقب بالمظلم بعد تعمده تحول حياته إلى اللون الأسود. استحوذت عينيه باللمعة عندما جاء في ذهنه فكرة ما. صاح عاليا على الخادمة التي تنظف الطاولة: -تعالي هنا بسرعة. استدارت الخادمة بجسدها للخلف. رمته بنظرات خجل قائلة بنبرة رسمية: -أفندم. علق عينيه بعينيها لبضع ثوان.

وقال بتأكيد: -أنتي كنتي بتقوليلي إن جارتك شغالة في مطعم *** وقت ما طلبت منك طباخة لأصلان وقولتِ رفضت. خفق قلبها بشدة. حملقت بعينيها عليه باندهاش واضح. فشعرت بجسدها كله مثلج من الذعر. حاولت رسم ابتسامة هادئة على ثغرها وهي تردد بقلق: -اها يا باشا، هي عملت حاجة لسيدتك، هي شعنونة وشقية بس والله طيبة. شعر بانتصار لحديثها. هز رأسه بالنفي. وقال باعتراض: -لا، بس كنت عايز عنوان بيتها عشان أقنعها تشتغل.

لوحت يدها في عدم رضا ناظرة للأسفل بأسف. وقالت بتردد: -بس هي بترفض عشان والدها تعبان، بتحب تكون جنبه. حرك يده لكي يشرح لها. ثم قال بهدوء: -متقوليش، أديني عنوانها وخلاص. وصل محمد الشاذلي إلى أحد البنايات القديمة. ترجل من السيارة رافع عينيه إلى البناية. البيت متهالك إلى حد ما. جدرانه ملونة. زغت الألوان عينيه بأمل كبير. لعل تلك الفتاة تبدد حال حفيده الذي أصبح السواد يحوطه من كل اتجاه. أغلق الهاتف المحمول دون كلمة.

ارتسمت ابتسامة نصر على ثغره. اقترب يحقق حلمه. ففرشت السعادة داخل قلبه. وحدث نفسه: أوعدك يا أصلان إن حياتك هتتغير وأنا هساعدك. عدل ملابسه مستعدا للدخول. عند اقترابه من الباب لمس جيب البنطلون من الخارج تأكد من وجود شيء ما ثم طرق الباب بقلق زاهي على ملامح وجهه. فتحت له الباب فتاة ترتدي إسدال صلاة يغطيها شعرها لا يظهر منها سوى ملامحها الهادئة التي تجذب من يراها. أشار بيده عليه بابتسامة قائلا: -جوهرة.

أومأت رأسها بالموافقة على حديثه بملامح تعتلي الحيرة والأسئلة. لذلك قالت متسائلة: -اها أنا جوهرة، مين؟ -محمد الشاذلي، جد أصيل الشاذلي. سلطت مقلتيها عليه بعد ما اخترقت أذنيه اسمه. عيناها مليئة بشغف منتظراه أن يظهر باقي حديثه. لم تجد أي رد سوى كلمات خذلتها. كأنه لسعت من عقرب. سعت عينيها بالصدمة: -أنا عايز أشوف والدك. تراجعت للخلف لكي تفسح له المكان.

وهي لا تعلم بمخططه لتلقي النداء على والدها بخوف بارز في كيانها الداخلي والخارجي. زاد تعجبها أكثر بعد ما طلب محمد الشاذلي أنه تتركه معه بمفردهما. دام حوار بينهما كان الدهشة، الخوف، الاطمئنان مسيطرين في الحديث بالترتيب. حين انتهى هب محمد واقفا من مكانه. رمقه بنظرات اطمئنان لتفهمه ما يريد. نفخ سعد من العبوس والقلق ليبلغ ابنته ما يريده أن تنفذه. وقف أمامها مباشرة. وقال بإصرار:

-هسيبك تشتغلي عند اللي اسمه أصيل بس هتباتي وأنا معاكي. جزت على أسنانها من الغيظ. ملامح وجهها تملأها الغضب. ثم هتفت: -يعني إيه يا بابا، أنت موافق؟ ده أنت زعلتني من نفسي وقت ما قولتلك. ربت على كتفها بابتسامة ممشوقة على شفتيه. وقال بسعادة: -ده خير يا بنتي وهتعرفي في الوقت المناسب من غير أسئلة كتير. لم يكن أمامها غير الطاعة. استعدت لتغزو عالم المظلم. عالم ملئ باللون الأسود. والغبار يحوطه من كل اتجاه.

لا أحد يستطيع أن ينزعه. ......... ارتطم طفل صغير بشاب كبير يبدو في بداية نهاية العقد الثالث من عمره. طالعه الصغير بنظرات حزن لسبب سقوط بعض العملات المعدنية على الأرض. كطفل صغير لا يعرف أن يخرج ما بداخله سوى الصراخ: -يا مامااااااا. حدق حمزة عينيه عليه حين تراكمت بهما الاندهاش. رفع حاجبيه لأعلى من التعجب. ليس متزوجا من قبل لكي يفهم تصرفات الأطفال. فضل يعيش بقرب مجموعة من الأشخاص دون أن يسمح للأطفال بالاقتراب منه.

فقال متسائلا: -إيه اللي حصل بس؟ وقفت الدنيا لديه حين رأى فتاة في منتصف العقد الثالث من عمرها تقترب من الطفل بهلع مسيطر على ملامح وجهها. ظهر جانب أنثوي لا يفهمه الكثير وخاصة الرجال، عاطفة الأمومة. ظلت تسأل الطفل ما به. بينما هو كان في دنيا أخرى. لم ينتبه إلى جمالها الهادئ الرقيق. وعينيها البريئتين. شرد فيها بخياله بأنه يراها تبث حنان من نوع آخر. يحتاجها لتبادله إحساس بالفقد الذي حرم منه لسنوات طوال.

عاد إلى الواقع الذي أصبح يسوده الألم عندما ألقت عليه كلمات كالخناجر الطاعنة حين تأكد أن الحنان لا يعطي إلا لابنه فقط: -أنت عملت إيه لأبني عشان يعيط؟ مط شفتيه للأمام بقلة حيلة. يرد على سؤالها على مضض دون أن ينظر لعينيه السمراء. منع نفسه كالعادة إلى استغراق في الأحلام. ومحاولة تحقيقها: -معملتش حاجة، هو خبط فيا وهو بيجري مرة واحدة لقيته عيط.

وضعت حنان يديها عند خصرها كتعبير منها على عدم اقتناعها بحديث يكسوه عدم المعرفة بشيء. وهتفت بقوة شرسة كالقطة التي تصدر مواء حين يقترب من أولادها شخص ما: -تصدق صدقت وكلامك مقنع بصراحة. عقد مرفقيه بثقة. لكي يثبت لها أنه لم يفعل شيء خاطئ. وجدها تريد تطلق لسانها العنان بحرية. باغتها حين وضع كف يده أمام وجهها لكي تكف عن الحديث. قال بسخط: -بصي بقي أنا معملتش حاجة لأبنك، أهو عندك اسأليه بعد لما أمشي، يمكن يقولك عن أذنك.

في لمح البصر اختفى من أمامها كالمارد. جزت على أسنانها من الغيظ. لفشلها في أخذ حق ابنها. ومعرفة ما حدث. أخرجت هواء عميق نابع من صدرها. انحنت بجسدها للأسفل. ربتت على ذراعي الطفل قائلة بحنان: -أحكيلي يا يحيي إيه اللي حصل. أجاب عليها ببكاء: -الفلوس وقعت مني. جففت عبراته المنسدلة على وجنتيه برفق. ارتسمت ابتسامة على ثغره قائلة باطمئنان: -ولا يهمك يا حبيبي هديك غيره. وقت كالتمثال عينيه ثبتت على نقطة ما.

حاولت تحدثه مرات كثيرة. لكنه لا يبالي اهتمام لها. اضطرت أن تنظر مكان ما يطل بعينيه. شهقت بصوت منخفض على الرغم أن داخلها ثورة خوف تستطيع أن تكفي العالم. رأت طليقها أمامها بل الشيطان على شكل إنسان. حاولت النظر بعيد عنه عندما نظر لها بعينيها المشتعلة بالغضب. بدأت تخطو مع ابنها بعيد عنه حتى تتفادى سواده. ......... اتفقت جوهرة مع أصيل أن تذهب إلى القصر ليتم الاتفاق بينهما بسبب عمله المستمر.

ها هي وصلت إلى القصر دون أن تعرف عن المظلم شيء. لفت انتباهه لون الأسود المرصع على جدران القصر. مرت من أمام طاولة بالكراسي مصفوفة حولها وسط حديقة القصر كانت باللون الأسود. كست تعبيرات وجهها بالاندهاش. ثم حدثت نفسها: -هو مش بيحب غير اللون الأسود ده، شخص غريب. سمع سعد صوتها وهي تتحدث دون أن يفهم معنى كلماتها. نظر إليها بأعين تتفحصها قائلا: -بتقولي حاجة يا جوهرة؟ نجح في انتشالها لتعود للواقع. اهتزت قليلا لسؤاله.

جمعت شتات نفسه وهي تهرب من مواجهته. اختارت أن تطل على الأشجار. اللون الوحيد الذي جذبها وسط الأسود كأن من يسكن يعيش في محيط باللون الأسود. قالت بصوت رخيم: -مفيش حاجة متشغلش بالك. بعد خطوات قليلة كانت داخل القصر الذي يحوطه اللون الأسود تنتظر أصلان. رائحة كاتمة تطير في المكان. اعتقدت أن لا أحد يفتح شبابيك القصر منذ فترة طويلة. حقا هي الحقيقة. الشمس لا تدخل منذ بضعة أشهر. هبت واقفة تتجه نحو النافذة.

سحبت الستار بحماس لا تعرف مصدره. أخذت نفس عميق. وزفرته مرة أخرى مع ابتسامة غزت فمها. سرعان ما تلاشت الابتسامة لتتحول إلى عبوس مع انقباض حاجبيها. وفرش ملامح وجهها بالخوف حين سمعته يقول: -أنت اتجننت؟ بتفتحي الشبابيك عشان يدخل النور المكان وأنت جاية تشتغلي عند المظلم؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...