أفاقت جوهرة وجدت نفسها مدده على الفراش حولها أحد الممرضين تضع المحلول في يدها. تذكرت ما حدث، فأجهشت بالبكاء. والممرضة تحاول أن تهدأ من بكائها. ألقت عليها كلام يقلل من حزنها لكن دون جدوى. لا أحد يشعر بها عدا الذين مروا بتلك الحالة.
أصبحت وحيدة، عليها أن تهاجم الجميع. تصبح قوية مثل الرجال. لا يوجد رجل في حياتها يحميها، يعاونها، يسندها عند المواقف الصعبة. أرادت الموت للتخلص من الحياة البائسة. لكن لا. هي خلقت لهدف، لعبادة الله، للآخرة، وخلقت لتفعل شيئاً هاماً في الدنيا. نزعت الإبرة من مكانها المخصص. جاءت لتركض، منعتها الممرضة. فصاحت فيها وهي تبتعد عنها: -سبيني عايزة أشوف بابا، أنا كويسة، أغمي عليا من الصدمة. ردت عليها الممرضة: -هيجهز بس.
لا تعلم أن والدها كان فريسة سهلة الصيد. قبل أن تصعد أنفاسه للرب، بعض أعضاء جسده انتشلت دون وجه رحمة لتوضع في الثلاجة تحت مسمى "عار على المجتمع"، تجارة الأعضاء. جففت عبراتها لتصبح صامدة. ظلت تفكر من يعاونها في تلك الحالة، أم تتحمل المسؤولية كاملة. وجدته حين جاء في ذاكرتها، دق القلب على الفور. تجاهلت هذا الإحساس. بدأت تبحث عن هاتفها المحمول. فسألت الممرضة على مكانه. أجابت عليها بنبرة رسمية:
-هجبهولك بس لو سمحتي نكمل المحلول عشان تقدري تقومي، أنتِ ضعيفة. استسلمت للأمر. عاونتها الممرضة في وضع إبرة المحلول. بدأت في الرنين المتواصل على أصيل بعد أن أحضرت لها الممرضة متعلقاتها. حين سمعت صوت قالت ببكاء: -ألحقني. -في إيه؟ -بابا مات. -بتقولي إيه؟ -بقيت لوحدي. -أنتِ فين؟ -في مستشفى سنان التخصصي. الصدمة جعلته مشتت الانتباه. ركز على حالتها، وتجاهل اسم المستشفى. فردد: -ليه؟ -كان بيعمل عملية ومات. -أنا جايلك حالاً.
-بجد مش هتسبني؟ -طبعاً. سلام. وصل حمزة إلى المستشفى. وقف أمام حجرة العناية المركزة. خرجت ممرضتان يتحدثن لبعضهما البعض. اخترقت أذنيه صوت الممرضة القديمة تحدث الجديدة عن شيء فقدت تجلبه. عادت الممرضة تجلبه من الداخل. حين خرجت وجدت حمزة يتوجه لها. وقال متسائلاً: -من فضلك مفيش أخبار جديدة عن حنان؟ كست ملامح وجهها بالاندهاش. لأول مرة تسمع الاسم هنا. فردت بنفي: -مفيش حد هنا بالاسم ده.
شعر بدوار في رأسه. عقله مازال في عدم استيعاب ما تقوله. الطبيب أبلغه أنه هنا. كيف يحدث هذا؟ استمر لبضع ثوان في عدم اتزان. وصل إلى تفسير الموقف. فعاد يقول: -مش ممكن تكون فاقت وراحت أوضة جديدة. أنا مجتش بقالي كذا يوم. ألقت عليه سؤالاً: -حضرتك بقالك قد إيه مجتش؟ أجاب عليه بشك: -بقالي كام يوم مش فاكر كان بالظبط. مطت شفتيها للأمام بحيرة قبل أن تهتف: -غريبة. أنا هنا من أسبوع ومفيش حد بالاسم ده خالص.
حاول أن يصف شكلها مع حجمها، لعل أن تكون لا تعلم الأسماء. لكن الإجابة واحدة: -مفيش حد صدقني. تركها ترحل. غرق في شتى الأفكار المختلفة. تأكد أن طليقها له يد في إخفائها ليحصل على ابنه. دار في عقله الكثير من الأسئلة. هل يساعدها؟ ماذا يفعل لكي ينقذها؟ ما الطريقة التي يستطيع التدخل بها؟ يعلم أنه في ورطة كبيرة. تحتاج من يعاونها ويساندها. أخذ نفساً عميقاً. وزفره مرة أخرى بتردد يعتلي ملامح وجهه.
صف سيارته أسفل المستشفى. دخل المستشفى وهو يجري اتصالاً على جوهرة. علم بمكانها. توجه لها بسرعة الصاروخ. كانت الحجرة مغلقة. طرق على الباب حتى سمعها تسمح له بالدخول. خطا بخطوات للأمام. ألقى نظره عليها. عينيها حمراء منتفخة. وجهها أصفر اللون. يظهر على كيانها الإرهاق والتعب. قال بلهفة: -جوهرة. كان طوق النجاة. الصدر الحنين الذي ربنا أرسله لها. لم تتردد ثانية في هبوط دموعها أمامه. قالت ببكاء: -بابا.. بابا يا أصيل.
لو يستطيع أن يأخذه في عنقه، كان فعل دون تردد. اكتفى أن ينحني بجسده نحوها. حفرت ملامحه بالقلق عليها قبل أن ينبض بلسانه: -أنتِ كويسة. هزت رأسها بالنفي. وقالت باعتراض: -لا مش كويسة. بابا مات وأتحرمت منه. الكلام لا يجيب نتيجة في تلك الحالة. مر بتلك التجربة اللعينة مع أقرب ناس لقلبه. أهله. زوجته. وابنه. ذاق مر قلبه من جديد. عادت ذكرياته القديمة تخرج من الخانة. تمالك نفسه قدر الإمكان. وقال بوهن: -هتتعودي تعيشي. صرخت
فيه دون إحساس لمشاعره: -أزاي وأنا حياتي بقت سودة من غيره. بعثر الألم في كل كيانه. قيدت تعبيرات وجهه بكتلة من السواد قبل أن يقول دون رحمة: -دلوقتي فهمتي إن لما بنختار اللون الأسود مش بيبقى بمزاجنا، بيتفرض علينا. -ليه؟ نطقت بألم يسيطر عليها. بينما رد عليها بقسوة: -عشان دنيا لعينة بتحرمنا من الأشخاص المهمين في حياتنا. عبرات تهبط على وجنتيها كحبات المطر الغزير. ردت من أعماق قلبها: -مفتكرش هنقدر نواجه.
رده كان لغزاً عليها. فشلت في فهمه. خاصة نبرة صوته ونظراته. كان ينتفض من داخله حقاً: -بتتعودي على البعد زي ما أنا تعودت على بعدهم على الرغم من الظلم اللي تظلمته. نست كل شيء. ركزت في الحروف التي ألقاها لسانه دون قيد: -مين دول؟ اقتلع قلبه من مكانه. وهو يبوح لأول مرة لها. سر الذي أرادت معرفته طول بقائها معه. قال بوجع: -مراتي وابني ماتوا. مقتولين. صمت لبرهة. ثم صاح عالياً باندفاع: -لا مش مقتولين، مدبوحين بسكينة.
صدرت صرخة رغماً عنها. وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها. قالت بصدمة فرشت وجهها: -بتقول إيه؟ ندم على إطلاق لسانه تلك الكلمات. أخرج نفساً مطولاً. رفض أن يبوح أكثر. ركز على حوارها. فقال على الفور: -يلا نشوف الإجراءات اللازمة عشان والدك الله يرحمه. بعد فترة من الوقت كل شيء كان على تم الاستعدادات المطلوبة. خرج أصيل من المستشفى يجهز سيارته ليتحرك فور هبوط جوهرة مع والدها. قابل مرام في طريقه التي رفعت حاجبيها لأعلى
من الاندهاش قبل أن تقول: -أصيل بتعمل إيه هنا؟ نظر إليها. أخرج تنهيدة من صدره قبل أن يتفوه: -والد جوهرة توفي واتصلت بيا عشان أجيلها. ملهاش حد. مش هينفع أسيبها هنا. صاحت عالياً دون قصد بعد الفزع والهلع الذي أصابها. كانت تجلس بمفردها نادمة على تلك الأفعال التي فعلتها. رفضت مقابلة الأشخاص وبعض الاتصالات. لم تعرف بموعد العملية من قبل. قالت بهلع: -لااااااااا. إزاي ده حصل؟ هز كتفيه بعدم المعرفة. أطلق للسانه تأكيد الحركة
والتعبيرات التي ملئت وجهه: -معرفش حاجة عن أذنك عشان نخلص من الموضوع ده. وضعت إبهامها في فمها. قضمت أظافرها. ترددت كثيراً أن تبوح بكلمات لها دلالات كثيرة. داخلها يرتعد من التوتر. قالت بوهن: -اشرحوا الجثة. وقف كالتمثال لبرهة. استدار بوجهه نصف استدارة. رمقها بنظرات يكسوها الصدمة. قال باندهاش: -بتقولي إيه؟ ردت عليه قبل أن ترحل من أمامه. لا تريد أن تدخل في مناوشات كثيرة:
-زي ما سمعت. أنا هقدم استقالتي وهساعدكم بس اسمع مني. خلي جوهرة تشرح الجثة. أكيد هتلاقي مناطق في جسمه مفتوحة عن أذنك. حك وليد وجنتيه بعد ما سمع حديث حمزة له. بات عقله مشتتاً لفترة من الوقت. قام مندفعاً من مكانه. لم يبدِ أي رد فعل سوى حديثه: -تعالي معايا. حاول إلحاق به. أمسكه من ذراعه لكي يكف عن الحركة. وزع بصره عليه باندهاش. وقال متسائلاً: -رايح فين كده؟ رد عليه بجمود: -لازم نعرف حياة حنان كانت عاملة إزاي من ياسمين.
ابتسم بسخرية على سذاجة صديقه. قرر أن يسير معه على خطته ليثبت له أنه صعب الوصول إليها. فقال بابتسامة متصنعة: -وهتعرف إزاي عنوانها؟ ظهر الارتباك على تعبيرات وجهه. وقال بتلعثم: -ما هو يعني.. من الآخر بحاول أكلمها بس مش مستجابة معايا، قافلة الموضوع. ربت على كتفه بقوة إلي حد ما. قال بشراسة: -سيبك بقي من الحب ولفلفة وركز معايا في إن لازم نعرفها وننقذ حنان، أكيد في خطر.
ركب كلاهما نفس السيارة حتى استقرت أمام بيت قديم إلي حد ما. ترجل وليد من السيارة. تأمل البيت جيدا وقال بتأكيد: -هو ده البيت. ترجل حمزة هو الآخر. حرك بصره على البيت. اندفع قبله للداخل. قال دون أن ينظر له: -يلا ندخلها. طرق حمزة الباب. انتظر حتى فتحت له الباب. قوس فمه بابتسامة على ثغره حين شاهدها. وهتف بنبرة رسمية: -أزيك. عقدت مرفقيها أمام صدها. كست ملامحها بعدم الرضا قبل أن تثور عليهما: -انتوا اتجننتوا أزاي تيجوا هنا؟
رد حمزة عليها ببساطة: -عشان حنان. أومأت رأسها بالموافقة لتؤكد استيعابها للموقف. على الرغم من هذا، أصدرت اعتراضها الذي اجتلى ملامحها قبل أن تنبض به بلسانها: -ماشي بس ممكن في أي كافيه، أنا ساكنة في مكان شعبي وألسنة الناس مش بترحم خصوصا لو حاجة تخص حنان بعد اللي عمله طليقها. مرت دقائق قليلة. كانوا يلتفوا حول طاولة من ثلاث أفراد، كل منهما يتحدث بالذي يعرفه. حتى عثرت ياسمين على فكرة ما. قالت بحماس: -لقيتها!
قصت لهما ما جاء في ذهنها. ليتعجبا بعض الشيء، ثم يستسلما للفكرة. لم يوجد غيرها. نهضوا ليحضروا المطلوب. *** خرج سنان من العمارة التي يقطن بها. كاد أن يصعد سيارته مثل عادته كل يوم. لمح ظرف أبيض موضوع أسفل مساحة السيارة. خطى بعض خطوات قليلة. أمسك الظرف. فتحته بقلق يفرش تعبيرات وجهه. سعت عيناه من الصدمة حين قرأ المكتوب: -حنان فين؟
طوى الورقة بغضب يعتري وجهه. ألقاها بشراسة على الأرض. نظر لليمين واليسار على أمل أن يجد أحد. المكان خالي. توجه عند البواب. سأله إذا أحد اقترب من السيارة. أكد له عدم اقتراب أحد من سيارته طوال الليل وحتى الصباح. كز على أسنانه من الغيظ. أراد أن يدمر كل شيء حوله لعل يعرف من هو الشخص الذي يبحث خلفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!