وقف أصيل أمامها، حدق بجوهرة بنظرات مميتة جعلت أنفاسها تضرب، وقلبها يتوقف عن النبض، شعرت أنها عاجزة عن التنفس، ساقيها ترجفان بشدة، باتت كمن ينتظر حكم الإعدام في أي لحظة. تراجعت للخلف تلقائياً، وهو يقترب منها، ظل الوضع هكذا حتى ارتطمت بالحائط. فقالت بتلعثم: -أنا.. أنا كنت عايزة حاجة أفرشها على السرير تكون ملونة. أظن دي أوضي من حقي بقي وملقتش أوض ملونة غير دي.
جذب منها الفرش الممسكة به، ضمه إلى صدره، كأنه يضم الطفل الذي ينام عليه، لمعت أهدابه بالعبرات. حاول مسك نفسه قدر المستطاع، رفض ظهور نقطة ضعفه، لكن تلك الفتاة جعلته يهتف باسمه بعد الوعد الذي قطعه على نفسه أن يهتف باسمه بعد أن يأخذ حقه. -متلمسيش حاجة تخص علي. تانيدون تفكير في الأمر سألت سؤال جعلت تيار جارف من الحزن سيطر على كيانه: -مين علي؟ رد عليها بعبوس: -وأنتِ مالك. استني هنا دقيقة.
وقفت منتظراه بشغف، حركت عينيها في كل أرجاء الحجرة على أمل أن تجد صورة لذلك الشخص الذي يدعي علي، باتت محاولتها بالفشل، الحجرة فارغة من الصور. فجأة ظهر أمامها ممسك بفرش أخر ملون، كستتعبيرات وجهها بالاندهاش، هاهو يملك الألوان، سيطر على عقلها المئات من الأسئلة، لكل سؤال جواب، والإجابة لا توجد إلا عنده، فحاولت تسأل سؤال: -ما أنت عندك ألوان أهو ليه حياتك كلها سوده وبتقول على نفسك المظلم؟ نفخ من الضيق، أراد التخلص منها،
فردد بيأس: -مليش دعوة. شيء ما يخصكي. تلقّت أهانة منه، أرادت أن تصفعه له لكن بطريقتها التي لا يجوز لأحد أن يخطئها فيها: -النفخ مكروه وحرام لما تنفخ لأهلك عشان ربنا قال في قوله تعالي: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف [الإسراء:23]. جز على أسنانه من الغيظ، تلك الفتاة تبحث عن أخطائه لتلقنه درس قاسي مقابل تحدثه معها بطريقة لا تعجبها. رحل من أمامها، وهو يتحدث بتحذير:
-أطلعي بره الأوضة وأخر مرة أشوفك هنا. ممنوع حد يدخل هنا والأوضة اللي بنام فيها. وضعت إبهامها في فمها، تفكر في هذا الشخص الذي غضب من دخولها الحجرة فقط، بينما صمت ولم يصدر أي فعل على طلبها للألوان. أغلقت حنان الحجرة التي تسكن بها مع أبنها، خطت خطوتين للأمام، بلت شفتيها بلسانها قبل أن تطرق على الباب، ارتسمت ابتسامة مجاملة على ثغره فور ما فتح الباب، وظهرت جارتها المطلقة. فركت يديها من التوتر، وقالت بخجل:
-المفتاح في مكانه ويحيي نايم. ربتت على كتفها برفق، تبث الاطمئنان داخلها بقولها: -متقلقيش عليه. لو كنا في الصيف كنت قولت لك هاتيه بس حرام يبرد. علقت العبرات داخل مقلتيها، قلبها ينزف الدماء على ما مرت به، وقالت بحزن: -لولاكي مكنتش هعرف هعمل إيه في حياتي. وكزتها بخفة في ذراعها، كنوع من تأنيب الضمير قائلة:
-يا بت أنتِ هبلة ده الحال طايلني وطايقلك بس الفرق إن عايشة لسه على النفقة بتاعته عقبال ما ربنا يفرجها ولو اشتغلت مش هيبعت حاجة. ظل حوار قليل بينهما، خرجت مسرعة من البناية، لقد حان الوقت لتسير حتى تصل في معادها المضبوط، ما لا تعرفه أن تجد ما يعطلها بوجه المشمئز. عوجت شفتيها لليمين باستنكار، يليها غمغمتها المليئة بالحنق: -سنان.
أومأ رأسه بتأكيد، اقترب منها ببرود خالي من أي مشاعر لعل تقبل طلبه، تعمد استخدام البرود لأنه أصبح مكشوف أمامها لا تصدق حنين وطيبة قلبه، وإذا استخدم القسوة طلبه لم ينال القبول، فقال برجاء: -عايز أشوف علي. أصدرت ضحكات عالية، لكنها لحقت نفسها حين أدركت بوجودها في الشارع، أشارت لها بالولوج للداخل قائلة بسخرية: -اتفضل جوه لو وافق يشوفك. لم يتمالك نفسه، أمسك ذراعها بقوة، بوجه ملئ بالشر، هدر بعنف: -ما أنتِ السبب.
تأوهت من الألم، وهي ترد عليه: -اهااا ما أنت السبب. شايف أسلوبك عامل إزاي. كفاية اللي عملته فيا. ترك يديها مسلط بصره المليئة بالسخرية، قوس فمه بابتسامة عارمة قبل أن يتفوه: -ما كان عجبك ومكنتيش مصدقة إن هتجوزك. تردد عبارته على مسامعها، وقعت على أذنيها كوقع الصاعقة، أرادت أن تتخلص من تلك الذكريات المؤلمة، فردت عليه بيأس: -تقول إيه بقي. كنت هبلة وصغيرة فرحت بدكتور اتقدم لي معرفش إنه شيطان.
كور قبضة يده بشدة حتى أبيضت، برزت عروقه الخشنة في الظهور، كان على وشك التحول عليها، قطع ظهوره صريخها عليه عندما أضافت حديثها: -عجبك كده. اتأخرت على الشغل بسببك. هبط أصيل السلم بسرعة لكي يلحق معاد الشغل، جاب عينيه جوهرة وهي تضع الطعام على مائدة الطعام، أشاح وجهه للاتجاه الأخر، رافض ظهورها أمامه بعد ما حدث بالأمس. زاح المقعد للخلف بحنق دون أن يتفوه بكلمة، حملقت به بعينيها بتعجب، حاولت أن تصمت لكنه لم تستطع، جزت على
أسنانها من الغيظ وهي تقول: -مفيش صباح الخير. أحنا بني آدمين برده. تجاهل حديثها، كان في حالة لا يحسد عليها، عذاب يروضه منذ ليلة أمس احتل كيانه، وأبت الخروج، أغلق عينيه بألم، كأنه يطرد كلماتها من ذهنه، أخذ كوب العصير يرشف منه، يليه تناول الطعام. وضعت يدها على خصرها من شدة غيظها، وبخته بعينيها قبل لسانها بطريقة تربيتها: -على فكرة عيب كده. محدش علمك ترد الصباح والسلام. لازم أعرفك كل حاجة.
لم تجد رد منه، هزت قدميها بدلاً أن تقفز لتمحو القليل من الضيق الذي اعتري داخلها، فأردفت قائلة: -واضح إن غلط إن قبلت الشغلانة دي. أنا مغلطش في حاجة. أنت اللي كل حياتك غلط في غلط. استدارت للخلف بقوة، سرعان ما عادت تنظر له بتعجب مرة أخرى عندما هتف: -استني. انتظرت أن يكمل حديثه، باغتت عندما كان الصمت سيد الموقف، جزت على أسنانها من الغيظ قائلة بحنق: -الكلام تقيل على لسانك لدرجة.
كان معها حق، الكلمات لا تستطيع الخروج على لسانه بتلك السهولة التي يتصورها. حاول اكتمال حديثه، فقال بوهن: -كملي شغل عادي بس بلاش كلام معايا كأني مش موجود. كادت أن ترد عليه، لم تستطع بسبب قرع جرس الباب، حركت قدميها لتفتح بسرعة، وجدت أحد الخدام يتقدم اتجاه الباب بخطوات سريعة، اخترقت أذنيها كلماته التي أدت إلى امتلاء وجهها بالصدمة: -كل واحد هنا ليه وظيفته. أنتِ مهمتك الطبيخ والسفرة بس.
فكرت في طريقة تلقنه درس مفيد في الحياة وكالعادة بطريقتها، حركت يدها لكي تشرح له مع بابتسامة مرسومة على ثغرها قائلة: -ليه منساعدش مع بعض ونتعاون. ده ربنا أتكلم عن التعاون مش قال في القرآن الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة]. وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة -رضي الله عنه -قال: قال رسول الله
-صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ سُلامَي عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، يُحامِلُهُ عليها، أوْ يَرْفَعُ عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ" [ عليه الصلاة والسلام]. نهض عن مقعده باندفاع، تلاشى الطارق، ركز على حديثها، مضغ وجهه بالغضب اللعين، أصبحت أنفاسه لهثه لا أحد يستطيع السيطرة عليها، نتيجة رفع معدل ضربات قلبه، هدر بعنف:
-هو أنا تلميذ كل شوية تديني درس في الدين. أنا بصلي وبصوم وعارف ربنا بس حاطط قواعد في الفيلا عشان بحب النظام مش أكتر من كده. ردت عليه بجمود أكتر: -والظلام اللي حابس نفسك فيه ومجبر الكل عليه ده نظام.
كان كالقط والفأر يتحدان بعضهما البعض، مداولات عدة حدة تمت بينهما دون اهتمام لمعرفة الطارق، لم يستطيع إيقافها سوي صوت الطارق الذي كان يتتبع حوارهم بصمت تام، اكتفي أن يراقبهما، حينها تأكد من ظنونه، إن مجيئها لهذا القصر سوف يخرج أصيل من الظلام إلى النور. قال بحدة: -إيه اللي بيحصل هنا بالظبط. أمعن أصيل بصره على الطارق، اكتفي بكلمة واحدة استطاعت أن تعرف من هو: -جدو.
أشار إلى جوهرة دون أن ينظر لها، تعمد فعل هذا لكي يشتت انتباه حفيده، منع أن يجعله يري أي تعبيرات غريبة تحل وجهها. شاط غاضباً: -مين دي. بتجيب بنات الفيلا. لا يقبل الإهانة له ولها، هز رأسه بالنفي، قائلاً بسرعة الصاروخ: -لا يا جدو دي الطباخة الجديدة بس لسه مش عارفة نظام هنا. بعرفها بس هي عنيدة شوية. دخلت جوهرة في الحوار متسائلة: -مين دي اللي عنيدة. أنت اللي حياتك غلط في غلط.
اقترب يمسك من ذراعها، لم يكتمل صدرت صياحاً عالياً، اشتعلت عينيها كجمرتين من النيران، أرسلت لهيب عينيها له، ترفض فعلته، قررت تهاجمه لتلك الفعلة التي كان ينوي فعلها، لكن صريخها منع، فهتفت: -أنت أتجننت. عايز تمسك. مستحيل أسمحلك بكده. أنا. قطع حديثها، لم يقصد أي شيء سيء، أراد أن يجعلها تكف عن الحديث فقط: -إيه اللي أنتِ بتقوليه ده. كل اللي أنا عايزه أنك تسكتي. أنا مش قصدي حاجة وحشة. رفع محمد أصبعه في وجههم،
تبدلت نبرته لتصبح حادة: -إيه اللي بيحصل هنا بالظبط. لازم أفهم. تعمد أنه تذكر شيء ما، ضم أنامله لبعضهما البعض، تابع حواره: -ثانية واحدة. أنتوا أزاي قاعدين من غير محرم. رد أصيل عليه بشراسة: -باباها معاها مش لوحدها. معرفش هو فين دلوقتي. دخلت جوهرة في الحوار، بعد ما فرست ملامح عدم رضا على ثغرها قائلة: -هيكون فين. نايم في الأوضة مش بيتحرك كتير وبياخد علاج بينيمه كتير الصبح.
حدق محمد عليهما بصرامة، حاول اختراق حياتهما مهما يجد من حروب، مقاومات، جدران تحطمه، سوف يصل إلى هدفه، وصلت آماله وأمنياته إلى سقف الحائط، قال بعند: -يبقي هبات هنا عشان أبقى معاكوا الصبح. شكل خناقتكم هتبقى كتير.
قام حمزة من مكانه، اتكأ على مكتبه، نظر إلى النادل نظرة جعلته يشعر أنه يغرق وسط بركان من الغضب، براثن الغضب استحوذت كيانه كله عندما علم بعدم مجيء حنان حتى الآن، فشل في تفسير هذا الموقف، هب باندفاع للخارج، اختار أحد الطاولات التي يستطيع يري من بالخارج.
نظر إلى عقارب الساعة الموضوعة في معصمه، هوى قلبه إلى قدمه، أحمر وجهه من الخوف، لقد تأخر الوقت حتماً. سرعان ما تبدد حاله من الخوف إلى الاطمئنان، اليأس إلى الأمل، الحزن إلى الفرحة، رغم تمكنه من تلك الشعور إلا أنه قرر أن يفعل نقيضه عندما وجدها تقترب، لا يقع ضحية من ضحايا الضعف.
منذ أن توفي والديه، أصبح مسئول عن نفسه، الصمود والقوة عنوانه في الحياة، رفض الضعف أن يدخل حياته، حتى يستطيع مواجهة الدنيا، فالدنيا كبيرة بها الكثير من المتاعب، جبر على طريق يتبعه دون إرادته. جلس كالتمثال لا يصدر أي تعبيرات، اقتربت ببطء بقلب يهلع من الخوف بسبب نظراته الموجهة عليها، أرادت أن تنشق الأرض وتبلعها، وقفت أمامه بوتر، أدي إلى سقوط حبيبات العرق على جبينها، ثم قالت بأسف: -أنا آسفة بس غصب عني.
ضغطت على شفتيها بقلة حيلة، لم تجد ما تبوح به، كيف تقص له حياتها الغير مشرفة بالمرة، ولجت في حرب مع لسانها حتى وجدت الكلمات المناسبة، هرولت في الرد بسرعة: -أصل ابني كان تعبان. متعود على خلف أعذار، فبالتالي رد تلقائياً دون وعي: -وأنا مالي باللي بتقوليه ده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!