يصدح القرآن بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في أرجاء هذا المنزل، حيث تجلس السيدات متشحات بالسواد يرمقن تلك المسكينة التي تصرخ داخل غرفتها ما بين شفقة وحزن وتهكم وشماتة. أما في داخل تلك الغرفة الصغيرة، تجلس فتاة على الفراش تصرخ وتنوح. جميلة باكية: ليييه، ليييه يسبوني ويمشوا دلوقتي؟ أنا ما كنتش عايزة حفلة، ما كنتش عايزة حاجة، أنا كنت عيزاهم هما. يا رب ليه سبتني أنا وخدتهم هما؟
صفاء باكية: يا جميلة يا بنتي اهدي، هيحصلك حاجة. جميلة باكية: لييه ما خدونيش معاهم ليه؟ سابوني لوحدي، هعيش إزاي من غيرهم؟ عشان خاطري يا طنط صفاء هاتيلي بابا وماما. دست صفاء رأس جميلة في حضنها وأخذت تمسد على شعرها برفق. صفاء باكية: بس يا بنتي، بس يا حبيبتي، حرام اللي بتعمليه في نفسك دا. جميلة باكية: ليه سابوني؟
أنا قولتلهم مش عايزة حفلة، مش عايزة حاجة. هما ما سمعوش كلامي، ماتوا وسابوني. يا بابااا، كده تسيب جميلة لوحدها؟ هعيش إزاي من غيرك؟ دخل عم جميلة، ويدعى مختار. اقترب من فراش جميلة وجلس على حافته. مختار بدموع: جميلة، ما ينفعش كده يا حبيبتي. بابا دلوقتي في مكان أحسن، وأنتي عارفة ماما كانت بتحب بابا قد إيه، فما رضيتش تسيبه لوحده. انتفضت جميلة من حضن صفاء، زوجة عمها، وبدأت بالصراخ: وسابوني لوحدي!
هما راحوا مع بعض وسابوا جميلة لوحدها. أنا عايزة أروح لهم، عشان خاطري يا عمي، مش أنت بتحبني؟ وديني ليهم، وديني ليهم. مختار سريعا: بعد الشر عليكي يا بنتي. أمسك مختار كتفيها: جميلة اهدي، اقبلي الحقيقة. باباكي ومامتك خلاص ماتوا. اللي بتعمليه دا ما فيش منه فايدة. دي مش تربية هشام يا جميلة. باباكي دايما كان بيقولي جميلة بـ 100 راجل. ألقت جميلة بنفسها في حضن عمها. جميلة باكية: وحشوني أوي يا عمو.
مختار بحزن: ربنا يصبرك ويصبرنا. بينما يقف هو على باب الغرفة يعقد ذراعيه أمام صدره، لم يستطع منع تلك الابتسامة الشيطانية من الظهور على شفتيه. رامي في نفسه: وأخيرا يا جميلة، الحاجز اللي بينا خلاص راح. الله يرحمك يا عمي، كنت فاكر إنك هتقدر تبعدها عني، اديك اتكلت في ستين داهية. وقريب أوي هتبقي ملكي يا جميلة. *** على صعيد آخر.
كان ينزل على سلالم المنزل الداخلي بكبرياء لا يليق إلا به فقط. وصل إلى غرفة الطعام، فقامت أخته وقبلت يده باحترام. سهر باحترام: صباح الخير يا أخوي. هز رأسه إيجابًا بجمود ولم يجب. قام الصغير زين وفعل مثل والدته. زين: صباح الخير يا خال. هز رأسه إيجابًا مرة أخرى، ولكن تلك المرة مع ابتسامة صغيرة. جلس على طرف طاولة الطعام، سانداً عصاه الابنوس السوداء بجانبه، وجلس يتناول الطعام بصمت. جسور بهدوء: سهر. سهر سريعا: أيوة يا أخوي.
جسور: في عريس زين جالي امبارح وقالي إنه طالب يدك. سهر بانفعال: ما أُعوزش، قولتلك إني مش هتجوز تاني. جسور بحدة: سهر، نسيتي نفسك؟ إياك كيف تعلي صوتك وأنا قاعد. سهر بخفوت: أنا آسفة. جسور بهدوء: وآخرتها وياكي يا سهر؟ هتقعدي كده من غير جواز؟ سهر بدموع: ما أقدرش يا أخوي، ما أقدرش أكون مرت حد تاني غيره. جسور: يا سهر، انسى بقى. بقالك كام سنة على الحال دا. سهر بدموع: وأنت نسيت مراتك يا أخوي.
أغمض جسور عينيه بألم: وإيه لزمته الحديث دا؟ مالك ومالي يا بنت الناس؟ أنا راجل لا هبور ولا هنعس، لكن انتي... سهر بانفعال: مش هتجوزه يا جسور. جسور بجمود: آخرة ما عندي يا بنت أبوي. أنا هروح أتفق مع الراجل، واكرامًا ليكي هخلي فيه فترة خطوبة في الأول. غير كده ما هيحصلش. أمسك عصاه الابنوس وهم بالخروج من الغرفة عندما سمعها تصرخ فيه وهي تبكي: لا يا جسور، أبوس إيدك ما أُعوزش أتجوز.
ثم سمع صوت ارتطام قوي بالأرض. التفت سريعا فوجدها ساقطة أرضًا فاقدة الوعي. صرخ باسمها وركض ناحيتها سريعا. جسور صارخا: سهر، فُوقي يا خيتي، سهررررر. يا أم السعد، انتي يا أم الزفت. دخلت الخادمة مسرعة. الخادمة بخضة: مالها الست سهر؟ كفا الله الشر. جسور صارخا: شيعي لحكيم الوحدة بسرعة. خرجت الخادمة مسرعة تحضر الحكيم، بينما حمل أخته بين ذراعيه ذاهبًا بها إلى غرفتها. *** في شقة جميلة.
خرجت صفاء بهدوء من غرفتها وأغلقت الباب بهدوء. مختار: نامت؟ صفاء بحزن: آه، الحمد لله يا حبة عيني. اتهرت من العياط. الله يرحمك يا سعاد. بقولك إيه يا مختار، إحنا مش هينفع نسيبها قاعدة لوحدها. لازم نأخدها تعيش معانا. مختار بضيق: نأخدها فين؟ لاء طبعًا ما ينفعش. ورامي ابنك؟ دا أنا مرعوب على البت منه. بعد ما هشام الله يرحمه... انتي هتفضلي قاعدة معاها هنا لحد ما حالتها تتحسن، وبعد كده هنشوف هنعمل إيه.
صفاء: ماشي يا مختار. ربنا يصبرها يا رب. *** عودة لسرايا جسور. جسور بجمود: خير يا دكتور؟ الطبيب: ما تقلقش حضرتك. واضح إن ضغطها عالٍ شوية. يا ريت ما تتعرضش لأي ضغط عصبي خالص. جسور: تشكر يا دكتور. ثم صاح بصوته الجهوري: يا أم السعد، أوصلي الدكتور. رافقت الخادمة الطبيب إلى باب السرايا، بينما صعد هو لأخته ليطمئن عليها. وجدها نائمة على الفراش تحدق في السقف ودموعها تهبط من عينيها. جلس بجانبها على الفراش ومد
يده يمسد على شعرها بحنان: ينفع كده؟ خلعتي قلبي عليكي. سهر باكية: أنت ما عندكش قلب يا جسور. أمسك كف يدها ووضعه على صدره: أومال إيه ده اللي بيدق؟ معقول تكون الكلاوي؟ خرجت منها ضحكة خافتة رغما عنها. جسور مبتسمًا بحنان: أيوه كده، خلي السرايا تنور. سهر بدموع: ما أُعوزش أتجوزه يا أخوي. جسور مبتسمًا: حاضر يا خيتي، ما هتتجوزيهوش (مش هتتجوزيه) سهر مبتسمة: صوح يا أخوي.
جسور: انتي عارفة جسور السيوفي ما بيرجعش في كلمته ولو على رقبته. احتضنته سهر بسعادة: ربنا يخليك ليا يا أخوي. قبل جبينها بحنان: ويخليكي ليا. ثم أكمل بمرح نادر الظهور: بس تعرفي، خسارة والله العريس ده. سهر: واه، اشمعنى يعني؟ جسور بمرح: تاجر برتقال يا فقرية، كان هيغرقك في أبو سرة.
انفجرا كلاهما في الضحك بعد تلك المزحة السخيفة، فهما الاثنين لا يملكان سوى بعضهما في تلك الدنيا. بعد أن هجرت أمهم أبيهم وهم صغار، ومن بعدها مات الأب، وجسور هو أبيها وأخيها وكل ما تملك هي وصغيرها زين. *** بعد عدة أيام. بدأت حالة جميلة تهدأ نوعًا ما. كانت جالسة بجوار صفاء، زوجة عمها، تحاول إقناعها كالعادة بأن تأكل بعض الطعام. صفاء: يا حبيبتي، عشان خاطري، معلقة واحدة بس. مش شايفة وشك بقى عامل إزاي من قلة الأكل.
ظلت صامتة، تنساب دموعها بصمت. صفاء بحزن: يا جميلة... قاطعها صوت رنين هاتفها. التقطته فوجدتُه رامي. صفاء: خير يا رامي؟ رامي بلهفة: الحقيني يا ماما، بابا واقع على الأرض، قاطع النفس. صرخت صفاء بفزع: مختار! أنا جاية حالا. التقطت صفاء حقيبة يدها وخرجت تهرول من باب الشقة. نزلت لأسفل سريعا، أوقفت سيارة أجرة، ركبتها سريعا وأخبرت السائق بالعنوان.
بينما وقف هو بعيدًا يراقبها وهي ترحل. اتسعت ابتسامته الخبيثة عندما تأكد من نجاح خطته. قادته قدماه بلهفة إلى حيث تقطن جميلته. وصل أمام باب شقتها ودق الباب بهدوء. كانت في هذه الأثناء قلقة من صراخ زوجة عمها وهرولتها السريعة، حتى أنها لم تستطع سؤالها عما يحدث. وبعدها سمعت صوت دقات على باب المنزل. ذهبت ناحية الباب، وقبل أن تفتحه تذكرت جملة والدتها الخالدة: (جميلة، أوعي تفتحي الباب وانتي لوحدك من غير ما تعرفي مين اللي بره)
جميلة بقلق: مين، مين اللي بره؟ رامي: أنا رامي يا جميلة. جميلة: رامي؟ خير يا رامي؟ طنط صفاء كويسة؟ رامي: أيوه، ما تخافيش. افتحي بس، عمك بعتلك حاجة معايا. جميلة: بعتلي إيه؟ رامي بضيق: في إيه يا جميلة؟ هو أنا هأكلك؟ ما تفتحي. فتحت جميلة الباب فتحة صغيرة: عايز إيه يا رامي؟ دفعها رامي بعنف إلى داخل الشقة وأغلق الباب خلفه. رامي مبتسما بشر: وأخيرا يا جميلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!