كانت تنظر لها باستغراب شديد، بينما الأخرى تنظر لها ببسمة وهي تمد يدها لكي تساعدها. ترددت لميس قبل أن تقرر مد يدها لها ثم ابتسمت بهدوء. مدت يدها إلا أنها تفاجأت بمراد يهتف بدهشة من خلفها وهو ينظر لتلك الفتاة: _ماتيلدا! نظرت لميس لها بغيرة واضحة، بينما المدعوة بـ ماتيلدا التفتت تنظر خلف لميس ثم تحدثت بسعادة وتمتمت بلكنتها الإنجليزية المنمقة: _Murad, Is that you are? I can't believe!
كانت لميس تشتعل غيظًا. وقبل أن يجيب مراد على صديقته، فوجئت بنفسها تحلق في الهواء ولا تلامس قدماها الأرض. نظرت له بغيظ شديد، بينما ابتعدت ماتيلدا خطوة للخلف. عبر مراد بها وهو يحملها بين يديه وتجاهل نظراتها التي تحدقه بحدة، ثم توجه إلى صديقته وقام بتحيتها وهو مازال يحملها: _أنتِ بتعملي إيه هنا؟ تحدثت ماتيلدا العربية بتكسر: _موش بهمل حاجة سياحة أزوري! تمتمت لميس داخلها وهي ترمقهم بغيظ: _عزيزي في عينك!
قالت ماتيلدا باستغراب: _مين دا مراد يشيلها؟ أردف مراد بمرح وهو يغمز للميس التي اشتعل وجهها من شدة الغيظ: _واهده كده! فتحت لميس عينيها بصدمة ولكزته على صدره، فتأوه مراد بخفوت. تابعت ماتيلدا باستغراب: _واهده كده يعني إيه موش فاهم! همست لميس بضيق: _نزلني! ضمها مراد له أكثر وتابع حديثه مع صديقته دون أن يحفل بما قالته، فقالت ماتيلدا باستغراب وهي تشير إلى ملابس لميس:
_مراد بس هي لابسة زي مسلمين كيف يهملها إنت شكله موش من... طالعتها لميس بضيق: _عاجبك كده أهي فهمت غلط. وجهت حديثها إلى ماتيلدا: _أنا مراته هو بيهزر معاكِ! تمتمت ماتيلدا بدهشة: _أنتِ لميس موش كده! نظرت لميس لها باستغراب ثم التفتت لمراد الذي بدا التوتر عليه جليًا. أخذت لميس تحدث نفسها، هل كان يحكي لها عني؟ هل كان يتذكرني طوال تلك السنوات؟ معقول؟ قال مراد بتغيير للموضوع: _ماتيلدا فرصة سعيدة إني شوفتك تاني! تحدثت ماتيلدا
وهي تنظر لهما بسعادة: _أنا مبسوط كتير مراد، كنت أود أشوف صديقك الصدوق. فرصة حلوة مدام لميس. سلام عليكم! أنهت حديثها ثم ودعتهم ورحلت. نظرت لميس له بتوتر وقالت حتى تداري ارتباكها وسعادتها بأنه كان يحكي لأصدقائه عنها وأنها هي صديقته الوحيدة: _نزلني بقى بعرف أمشي! _لأ أنا عاجبني الوضع أوي! همست لميس بخجل: _مراد الناس بتبص علينا أرجوك نزلني! _إحنا هنا في تركيا مش في مصر يعني كل واحد في حاله. يلا بقى العربية موجودة أهي!
وزعت لميس أنظارها بخجل وهي ترى نظرات الناس المحدقة بها: _لأ بردو الناس بتبص على لبسي إني مختمرة وفي واحد شايلني، مينفعش كده هيفكروا غلط. صمتت قليلًا ثم تابعت بسخرية: _وبعدين إيه واحدة كده دي إللي قولتها لصاحبتك؟ مقولتلهاش إني مراتك ليه؟ ابتسم مراد بمشاكسة وهو يغمز لها بعينيه: _كنت بناغشك لأنك من ساعة ما طلعنا وأنتِ ضاربة بوز شبه بوز الشاويش عطية! _شايفني كده؟ أنا شبه الشاويش عطية؟ الله يسامحك!
ضحك مراد بخفة وهو بلا وعي يشدد يديه حولها يقربها منه وهو يستنشق الهواء براحة لأول مرة: _اللهم آمين يارب! كان الناس ينظرون إليهم ما بين مبتسم ظنًا منهم أنهم عشاق، وبين نظرات أخرى حانقة. تطرق إلى لميس بعض الهمهمات من المارة: _يبدوان يحبان بعضهما! ابتسمت بحب وهي ترجوه من داخلها أن يكون ذلك صحيحًا، إلا أن ابتسامتها سرعان ما اختفت عندما سمعت همهمات أخرى حانقة: _ترتدي ثيابًا كهذه وتسمح لشابٍ بحملها هكذا أمام الناس؟
أين ذهب الحياء. لوت المرأة فمها وتشدقت قائلة بنبرة تحمل التهكم للميس ومراد: _اللهم احفظ بناتنا! حزنت لميس بشدة واخفت وجهها في صدره. تمتم مراد بهدوء وهو يسير بها متجاهلًا تلك النظرات والهمهمات:
_بصي يا لميس كل واحد بيفسر على مزاجه وبيشوف الظاهر بس. حد منهم لاحظ إن رجليك الاتنين ملفوفين بشاش وإنك صعب تمشي براحتك. وإحنا مش هنقعد نبرر تصرفاتنا لكل واحد يعني. وأنا المهم عندي راحتك أنتِ علشان رجلك متوجعكيش. لما أنتِ رجلك متحملكش أنا رجليا لازمتهم إيه؟ ابتسم مكملًا بنبرة حانية:
_أنا هكون رجلك وايدك. من واجبي أشيلك على كفوف الراحة. وإن مشلتكيش إيديا تشيلك رأسي. الرسول صلى الله عليه وسلم قالنا رفقا بالقوارير شبهكم بأرق حاجة. ومن واجب الزوج على زوجته يكون سند ليها في كل وقت ولما تميل هو يرفعها! أتدرون سعادتها بعد هذا الكلام؟ لقد فاقت عنان السموات والأرض!
لو أن كل زوج عامل زوجته كما كان يعامل النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته، وكذا الكلام بالنسبة لزوجة، لن تكون هناك مشاكل. ستكون الحياة وردية كما يقولون! _شكرا! _مفيش داعي تتشكريني كل شوية كمان. أنا السبب في اللي رجلك فيه. يالا ادينا وصلنا أهو! أنهى حديثه ثم أنزلها برفق، فاستندت على السيارة ريثما يفتح الباب ثم أدخلها ووضع حزام الأمان حولها بهدوء واتجه إلى مقعده في الناحية الأخرى وهو مقعد السائق. قال مراد
بهدوء وهو يقود سيارته: _تحبي تروحي فين؟ ابتسمت لميس بسخرية وتمتمت ساخرة: _معرفش من إمتى وأنا بقولك هروح فين؟ أنا ماشية وراك يمين يمين وشمال شمال! تجاهل مراد سخريتها وقال بجدية: _ندمتي صح؟ كانت تنظر من نافذة السيارة بشرود. وعندما سمعت سؤاله المباغت هذا، توترت ثم أجابت وهي تتصنع اللامبالاة: _إحنا بنعمل حاجات كتير وبنندم عليها، قصدك إيه بقى؟ _أول حاجة بصيلي وأنتِ بتتكلمي! نظرت له لميس بهدوء وهي تزفر الهواء: _ها وبعدين!
_ده كله علشان اعترفتي إنك... قاطعته لميس وهي تجعد جابينها بضيق واضح: _مراد إنت عايز إيه من الآخر؟ مطلوب مني إيه وأنا أعمله؟ _مش مطلوب منك حاجة. أنا آسف على السؤال. انسي! حزنت لميس وابتلعت ريقها ونظرت إلى نافذة السيارة بشرود وأخذت تحادث نفسها: _يعني أعمل إيه؟ أتمسك بيك وأنت مع أول فرصة هتتخلى عني؟ صعب. مش عايزة أبعد بس في نفس الوقت خايفة أقرب. طب إنت بتحبني؟ ولا لأ؟
مبقتش فاهمة أي حاجة. حاسة إني تايهة. خايفة أقرب وإنت تبعد. الموضوع كله صعب. إزاي هقدر أبص في وشك وأنا أبويا خسرك كل حاجة؟ _كانت تجلس فوق الشجرة بيدها مسدس تقلبه بين يديها بشرود وهي تتذكر ما مضى. عودة إلى الوراء. تنفس سيف الصعداء وغادر مغلقًا الباب خلفه. تكورت سمر على نفسها وجلست على السرير وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وأخذت تحدث نفسها بشرود مصحوب ببعض الخوف من القادم: _يا ترى الأيام مخبية إيه تاني؟ صمتت قليلًا ثم أردفت:
_أنا موافقة أشتغل معاهم! هنا صرخ صوت ضميرها وهو يقول: _توافقيني على ماذا؟ أجننتي؟ إنهم مافيا بلا رحمة! _وعشان كده أنا موافقة! _لم أعد أفهمك! أغمضت سمر عينيها وهي تقول بغموض: _مع الأيام هنفهم كلنا. في الصباح. استيقظت من نومها، أو لنقل هي لم تستطع النوم. وفوجئت بدخول ذاك المدعو بـ عز والذي أخذ يتمتم بسخرية وهو يقول: _القطة عجبت الزعيم وبيقولك هتشتغلي معانا برضاكي أو غصب... _وأنا موافقة!
نظر لها عز باستغراب من موافقتها السريعة ثم تمالك نفسه وقال بسخرية: _طبعًا ما أنتِ بنت مين في الآخر؟ بنت سعيد الكـ... إللي بيبيع مبادئه عشان الفلوس! ضغطت على يديها بقوة حتى تكتم غيظها وألا تنهض وتريه من هو الكـ... ثم هتفت بسخرية: _بالظبط كده. ما أنا زي ما إنت قولت بنت سعيد وأنا موافقة على الشغل. خبر زعيمك!
ومن بعد هذه المحادثة خضعت سمر لعملية تدريب مكثفة تحت إشراف الزعيم، الذي أخذ يلقي بها في مهمات صعبة ومستحيلة؛ ليرى جدارتها. ورغم أنها جديدة في هذا المجال، إلا أنها أثبتت جدارتها فيه واحتلت ثقة زعيمهم وصارت سمر بنت المافيا القوية، يخشاها الرجال بسبب صرامتها وقوتها، رغم أنها فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها! عودة إلى الواقع. أفاقت من شرودها على صوت سيف وهو ينادي عليها باستغراب:
_أنا مغلطش لما قولت عليك مجنونة. بتعملي إيه عندك؟ ضحكت سمر وهي تحمل قطعة من المانجو: _باكل مانجة. تاخد واحدة! _سمر تعالي معايا عايزك! أومأت برأسها ثم هبطت من على الشجرة بقفزة واحدة واتبعته بهدوء، حتى وصلا إلى مكان معزول ويبعد عن مقر تجمعهم. استدار لها سيف يتمتم بهدوء: _مش عايزة تسيبي العالم ده وتخرجي منه؟ _وإيه لازمته السؤال ده وإنت عارف إجابته!! قال سيف بهدوء: _أسمعها منك!
_بقولك إيه أنا مش فايقة لكلامك ده. سيبني لوحدي! وآه بلاش تغيب كتير بقى الفترة دي. عملية الروس قربت على آخر الشهر ده دي أكبر عملية في تاريخ المافيا! ركل سيف الحجارة أسفله بضيق: _عارف! _شحنة البنات دي هتكون هي هدفي. وإللي حصل قدامي ده مش هيتكرر تاني! طالعته سيف باستغراب: _أنتِ لسه فاكرة؟ شردت سمر وهي تتذكر إحدى المرات في بداية عملها معهم كيف يعاقبون من يخونهم، وفضل الزعيم أن ترى بنفسها العقاب. عودة إلى الوراء.
كان الزعيم يصرخ عاليًا بغضب شديد، ثم فجأة فُتح الباب وظهر رجل يجر فتاة ما قد حاولت الهرب. فأمر الزعيم بتلقينها درسًا قاسيًا وأصر على حضور سمر، التي أتت ووقفت بدورها بقربه، بينما سيف أحنى رأسه للأرض بحزن شديد، وتابع الرجال ما أمرهم به ذلك العجوز.
كانت سمر صامدة، تعتري ملامحها علامات الجمود.. وكان الزعيم يكاد يصاب بالشلل من برودها بعد ما رأت. ولكن هيهات تماسكت رغم أنها من داخلها كانت ترتجف بزعر. إنهم بلا رحمة أو شفقة... وأقسمت بالله أن تلك الفعلة لن تتكرر مرة أخرى وبأنها ستحمي كل فتاة بكل قوتها. عودة إلى الواقع. _أنا... قاطعه صوت نغمة هاتفه. أخرجه سيف ونظر إلى الاسم وأشار إلى سمر أن تلتزم الصمت، ثم غاب بعض الوقت وعاد إليها. قالت سمر بتوتر وهي تطالع معالم وجهه:
_في حاجة؟ _لا ده إتصال مش مهم أوي. بقولك إيه دي فرصتنا بعد العملية إللي جاية دي نخلص من العالم ده بقى ونطلع للنور! ضحكت سمر بشدة ثم تمتمت بسخرية وهي تقول: _جرى إيه يا سيف باشا؟ مفيش حد غيرنا هنا علشان تمثل عليه! وضع سيف يده على رأسه وضحك بخفوت. فقالت سمر وهي تغمز له بمرح: _مش لايق عليك خالص! _منا لازم أحبك. الدور حلو. _طيب المهم كنت عايزني في إيه بقى؟ وضع سيف يديه في جيب بنطاله وهو ينظر لوجهها بهدوء:
_في حد بيدور عليك! قهقهت سمر ضاحكة وهي تردف بسخرية: _مصر كلها بتدور عليا يا بني، إيه الجديد؟ _في واحد اسمه حسام وده صديق ليا بعتلي صورتك و..... عودة إلى الوراء. _عاش من سمع صوتك يا عم حسام! رد حسام بهدوء: _مش وقته الكلام ده. أنا عايزك في أمر مستعجل! قال سيف بانتباه: _خير! _هبعتلك دلوقتي صورة بنت عايزك تلاقيها مختفية من فترة كبيرة أوي! _طيب ابعت!
أرسل حسام الصورة له. مرت دقائق كان سيف ينظر لهاتفه ينتظر حتى تتحمل الصورة لكي يراها. وما إن رأى صورة الفتاة هتف بصدمة: _دي صورة المرأة الحديدية! رفع سيف هاتفه على أذنه وقال باستغراب: _طيب يا حسام هجبلك معلومات عنها بس قلي بتدور عليها ليه يعني؟ _مش أنا إللي بدور عليها. ده العقيد أحمد ومش هقدر أقولك ليه بقى؟ لأن أنا نفسي معرفش! _طيب يا حسام لو لقيت حاجة هبقي أقولك!!
أغلق معه ولا يعلم لما لم يخبره أنه يعلم مكانها. شيء ما منعه من ذلك. ثم أخذ يحدث نفسه باستغراب: $طب والعقيد أحمد بيسأل عليكِ ليه يا سمر؟ عودة إلى الواقع. _وأنا عايزة أقابله!! رمقها سيف بتهكم: _هتقابليه إزاي بس؟ تحدثت سمر ببرود: _زي الناس يا سيف! _يا برودك يابت! _بقولك إيه هقابله يعني هقابله والنقاش في الموضوع ده انتهى على كده!! حدق سيف بعينيها بضيق: _سمر أنتِ كده بتلعبي بالنار. سمعاني؟
أيوه أنتِ معايا طول الوقت وايديك مش ملوثة بالدم.. بس الحكومة متعرفش ده ومدام اسمك وصلهم الله أعلم بقى باللي هيحصل. أنا مرضتش أقوله على مكانك! _مش مهم يا سيف. أنا عايزة أخلص. بعدين أنا آه عشت معاهم 6 سنين بس لا قتلت حد.. وبعدين كنت بساعدك صح وإنت مش هتتخلى عني! ابتسم سيف بسنة صغيرة وقال:
_لأ طبعًا مستحيل. أنتِ هتطلعي من هنا كما ولدتك أمك نقية زي ما انتِ. ده كفاية إنك عشتي معاهم بس مبقتيش زيهم. ده غير إنك مكشفتنيش وطول الوقت بتنفذي تعليماتي وده هيدعمك أوي لما نقبض عليهم. واحيطك علمًا أنا حكيت لرئيسي عنك وإن شاء الله خير!
_عارفه يا سيف كل ده وإنت بردو طول الوقت بتساعدني وعلى طول جنبي وكمان خلتني أكمل تعليمي وكنت بتغطي على غيابي لحد ما اتخرجت وبقيت محامية. والاوباش دول.. نهايتهم قربت بس بردو هقابل العقيد ده! قالتها وهي تعقد ساعديها أمام صدرها بضحك. تمتم سيف بسخرية: _طيب منا عارفك دماغك صرمة قديمة وعنيدة. قالت سمر باستفزاز: _عارفه أنا ديمقراطية أوي ومع ذلك رأيي أنا إللي بيمشي! طالعها سيف بسخرية:
_طب يلا يا ديمقراطية نروح نشوف شغلنا ده. زمان سي مروان هيتجنن عليكي ده إللي حايشه عنك البوص. _خليه يتجنن! _طيب أنا كده هتصل على حسام وأقوله. أومأت سمر بهدوء: _تمام كده! _طيب يلا بينا. اسبقيني أنتِ وأنا هكلم حسام. صمت قليلًا ثم أردف بسخرية: _مروان هيولع. روحي طفي نار قلبه وحني عليه. أردفت سمر بحدة وهي توليه ظهرها: _اخرس يا حيوان!
_طوال الطريق بعد تلك المحادثة التي جرت بينهما التزم كلا منهما الصمت، حتى أوقف مراد سيارته أمام إحدى الحدائق العامة. _وقفت ليه؟ نظر لها مراد بهدوء: _انزلي وهتعرفي! أنهى حديثه وهو يترجل من سيارته ثم اتجه ناحيتها وقام بفتح الباب وساعدها على النزول. _لميس! قالتها جنار بتوتر، فالتفتت لميس ناحيتها باستغراب. تقدمت جنار بضع خطوات واقتربت منها وهتفت بقلق: _إيه ده رجلك لسه بتوجعك؟ ضحك مراد بشدة: _التانية حفيدة دي كوارث!
ابتسمت جنار بشرود وهي ترى مراد يضحك. مضى زمن طويل لم ترى فيه ضحكته تلك، أو بالأحرى لم ترها بحياتها. مالت لميس عليه تهمس بغيظ: _على فكرة مش بضحك! همس مراد هو الآخر بضحك: _ماتيلدا كانت بتقول إن دمي خفيف هي والدكتورة هازان! لوت لميس شفتيها بغيظ: _نينينينيني هازان قال!
كانت جنار تراقبهم بسعادة وهم يتناقرون هكذا وكأنهم عشاق. آه من الزمن لو التقيا في ظروف أفضل من هذه، ولكن لله حكمة من ذلك ولا أحد يعلم ماذا يحصل غدًا سوى الله. قطعت مناقرتهم تلك وهي تقترب من حفيدتها ثم قالت: _إيه يا لميس تيته موحشتكيش؟ اندفعت لميس بدموع صوبها وهي تحتضنها: _وحشتيني أوي! لم يخفَ على جنار دموعها تلك أو نبرة صوتها المتعبه والتي يُغلفها الحزن، وعلمت أن للأمر علاقة بمراد فقالت:
_مراد هتلنا بوظة. أنا شوفت واحد بيعملها هنا!! _بتزغزغيني يعني! قالت جنار ضاحكة: _نبيه طول عمرك. روح بقى عايزة حفيدتي في كلمتين! أومأ مراد وتركهم مع بعضهم. جلست جنار ولميس بين أحضانها، وقبل أن تنطق لميس بحرف باغتتها جنار وهي تلقي بسؤالها بينما تربت على ظهرها بحنان: _بتحبيه صح؟ رفعت لميس رأسها ونظرت إليها بتوتر شديد وغزت الحمرة وجنتيها وتلعثمت شفاهها وحاولت النطق فخرج صوتها بصعوبة: _هو مين؟ أمسكت
جنار بوجهها بحنان ثم قالت: _حبيبتي مفيش داعي تخبي عني. أنا بفهمك على طول، وأول ما شفتك شوفت وحسيت بوجع ده. وأشارت على قلب لميس، فارتمت لميس بين أحضان جدتها وقالت بدموع: _هايفيد بإيه؟ الحب لوحده مش كفاية. مراد لسه عايش في الكوابيس يا تيته. عارفه لما بينطق اسمي بحس إنه بيدور فيا على أخته. مراد مش شايفني أصلا. صمتت وهي تبكي ولم تعد قادرة على الحديث أكثر. ربتت جنار على ظهرها وهمست لها قائلة:
_غلطانة هو بيحبك والله حتى لو مقالهاش يا لميس. وموضوع أخته هو مستحيل ينساه ولا الحادثة نفسها تتنسي. مراد محتاجك معاه أكتر من أي وقت تاني. مراد ضعيف عايزك معاه وأنتِ هتنسيه. أيوه صعب ومش هقولك إن علاقتكم دي سهلة لأ يا قلبي صعبة وصعبة أوي كمان بس مش مستحيلة. أمسكت بوجهها بين يديها وتابعت حديثها ببسمة صغيرة:
_ومدام بتحبيه تتمسكي بيه. أوعي تتخلي عنه وربك قادر على كل شيء. ماتستبعديش يكون هو كمان متمسك بيكِ. وعلى حتة مش شايفك دي لأ غلطانة. موضوع إنه يدور فيكِ على أخته ده كان زمان. تعرفي إن مراد متعلق بيكِ زيك بالظبط وكان دايما يسأل العم أحمد عنك ده قبل ما يعرف الحقيقة يعني. بس مع ذلك هو بيحبك والله وعلى حكايته إنه ضعف في مرة وكان هيقتلك، هو ميقدرش يعملها أبدا. ابتسمت لميس بسخرية رغمًا عنها. رأت جدتها ابتسامتها تلك فقالت وهي
تتابع التربيت على كتفها: _على فكرة مراد قناص ماهر وبيعرف يصيب هدفه ولو على بعد منه. فكري بعقلك وشوفي هو شايفك أنتِ ولا أخته وخلي ده. ثم أشارت على قلبها وتابعت: _هو اللي يحكم! شردت لميس بحديث جدتها، وأخذت تتذكر عندما احتضنها بقوة، عندما أفاقته من كابوسه في ذلك المنزل الذي اختطفها فيه وعندما ذكر اسمه كان يعنيها هي بقوله "لميس متسبنيش أنا تعبان" إلى غير ذلك ومواقفهما في الباخرة أيضًا.
كان بين ذراعيها يعلم من تكون، لم يكن يعي أخته. وتذكرت عندما أخذ يرتجف وهو يخبرها برغبته في النسيان، وبألا تتخلى عنه وتمسكه بثيابها بقوة وعندما جلسا بهدوء هو يقرأ القرآن وهي تستمع له، وأيضًا عند صلاتهم معًا، وعند خوفها بأول ليلة لها في الباخرة، لم يتركها وجلس يقرأ لها القرآن حتى غفت.
ومواقف كثيرة خوفه عليها في أغلب الأوقات وقلقه عندما تشعر بالدوار وأيضًا حمله لها بسبب وبدون سبب حتى لا تتعب أو تقع على الأرض، وحمايته لها بكل قوته عندما كانا في ذاك الصندوق. حسمت أمرها لن تتخلى عنه ستكون معه حتى يتجاوز كل ذلك، لن تترك يده. ومض على عقلها عبارة ظلت محفورة بعقلها "نار انتقامه قوية ولكن نيران حبي له لن تهزم بسهولة". ابتسمت جنار وهي تقول: _مراد جه أهو. امسحي دموعك دي وربنا يقدم اللي فيه الخير!
مد مراد يديه بالآيس كريم لهما وهو يردف بهدوء: _اتفضلوا البوظة أهي! طالعته جنار بابتسامة وهي تأخذ الآيس كريم منه: _احكيلي بقى عملتوا إيه في البحر؟ جلس مراد بهدوء بجوارهم: _ولا أي حاجة. كل شوية تدوخ وأنا أشيلها. تقوليش أنا الشيال بتاع الست لميس! ضحكت جنار بخفوت ثم قالت: _هي لميس من صغرها مبتحبش البحر! أخذ مراد يتحدث مع جنار في عدة أمور، بينما لميس كانت شاردة بأمره. هل تتمسك به كما يحثها قلبها وجدتها؟
هي أيضًا تشعر أنه يكن لها مشاعر حتى لو لم يعترف لها. ولكنها تتذكر عندما كانت غائبة عن الوعي في المياه برفقته أنها سمعته بقلبها وهو يعترف لها، أم أنها كانت تتخيل؟ لا تعرف. ابتسمت بهدوء ثم بدأت تشاركهم في بعض الأمور، وبعد مرور بعض الوقت استأذنت جنار. ولكن قبل أن ترحل حدثت مراد على انفراد وأخبرته بأن موعد العملية الكبرى للمافيا آخر هذا الشهر. _عارف رامي بلغني! أمجد أخوها أخباره إيه؟ غمغمت جنار بحزن:
_اهو داير بيلف ويدور على الحقيقة، أما المخفي لسه مرمي في المستشفى. _كان يسير بسيارته بشرود وهو يتذكر حديث ذاك الرجل وعقله لا يستوعب ما عرفه. _أنا مش قادر أصدق. مش ممكن! شرد عقله وهو يسترجع تلك المحادثة. عودة إلى الوراء. بعد أن تركته والدته وغادرت ظل جالسًا في مكانه وهو يضع يديه على رأسه. لم يعد يفهم أي شيء. آفاقه من شروده أحدهم وهو يجلس على المقعد المقابل له. رفع أمجد رأسه ونظر إليه باستغراب فتحدث الآخر معرفًا
عن نفسه: _فاكرني ولا؟ أومأ أمجد بهدوء: _عارفك طبعًا! _أنا عارف إن جواك مئات التساؤلات والملاك بتاعك كلامه ماقنعكش صح؟ قال أمجد بدفاع: _هو بس مجهد وتعبان.. بس أنا أصلا مش مصدق إن أختي حصلها حاجة! _لا صدق.. ووالدك هو السبب.. وتعرف أنا ممكن ببساطة أثبتلك صدق كلامي بس.. نظر له أمجد بتوتر: _بس إيه؟ لو عندك حاجة قول؟
_شوف الدليل اللي معايا حساس أوي بس أنا هحطك على أول الطريق، ماتثقش في أبوك أوي.. عارف كلامي صعب عليك.. بس هي دي الحقيقة. أبوك عميل قديم للمافيا! تمتم أمجد بضيق وهو ينهض يحمل هاتفه ومحفظته: _أنا سمعت بما فيه الكفاية. عن إذنك عندك دليل توريهوني مش هتقعد تقولي ألغاز. بعد إذنك! _بكره تعرف الحقيقة وتندم لأنك كنت في يوم في صفه. هو ضد أمك واختك! عودة إلى الواقع.
زفر بضيق وهو يضرب على المقود بغضب شديد ثم أغمض عينيه بقوة وسرعان ما فتحها مرة أخرى، عندما استمع لصوت نغمة رسائله الخاصة. أوقف سيارته وأمسك هاتفه ونظر إلى الرسالة باستغراب وقرأ محتواها. _إيه ده؟
_كانت مستلقية على الفراش بتعب وهي تغمض عينيها. منذ أن أتوا أصر على أن ترى قدمها طبيبة لكي تطمئنهم أكثر. وفجأة دلف مراد إليها وهو يحمل علبة عصير وبعض الطعام. واستأذنت الممرضة بعد أن عقمت جرح قدمها ولفته بشاش طبي وتركت لهما المكان. أما الطبيبة فقالت لهم بأنه لا داعي للخياطة فالجرح ليس كبيرًا وغادرت هي الأخرى. فتحت لميس عينيها وحاولت الاعتدال في جلستها. فاقترب مراد منها ووضع وسادة خلف ظهرها وساعدها على أن تجلس نصف جلسة.
فسمعها تتمتم بانزعاج واضح: _مفيش في تركيا كلها غير الدكتورة هازان يعني! اعتدل مراد ونظر لها بتعجب بعد أن انتهى من وضع الوسادة خلفها: _مش عارف مش بطيقها ليه يعني؟ دي دكتورة دمها خفيف ولما شافتني جايبك حبّت تيجي تطمن. مفهاش حاجة! أنهى حديثه وهو يبتسم بظفر يعلم أنها ستنفجر بعد كلامه هذا، وهذا ما حدث: _طبعًا مهي عجباك أوي وإيه. صمتت قليلًا وهي تقلده بسخرية: _دمها خفيف مش كده... قال مراد وهو يدعي البراءة:
_شهادة حق هي دكتورة.. _مراد! قالتها لميس بحدة ثم أمسكت به من ياقة قميصه وتمتمت بلكنة جديدة على مراد وما زاد دهشته أكثر هو إضافتها لياء الملكية في نهاية حديثها: _إنت صديقي أنا وبس. مينفعش يكون ليك أصدقاء بنات فاهم؟ معنديش أنا الكلام الفاضي ده. إنت ليا وبس!
صمتت وهي تلتقط أنفاسها وبكت. اللعنة على تلك المشاعر والهرمونات، يا الله ساعدني. وضعت يدها على وجهها وأخذت تشهق بقوة، لأنها للمرة التي لا تدري عددها أظهرت مشاعرها أمامه بدون مواربة. ورغم أن مراد وصل إلى غايته وهو أن يخرجها من برودها الغير محبب بالنسبة له.
وها هو جعلها تنفجر مرة أخرى، وكم ألمه قلبه عليها فهو يدري صراعها مع نفسها، هو الآخر يعايش ذات الصراع. فاقترب منها وحاوطها بذراعيه وعانقها بهدوء. تحركت في البداية بهيستيرية، ثم استكانت. فهمس مراد بحنان: _خلاص أهدي. أنا آسف أنا بهزر والله معاكِ. أنا مش بصاحب بنات معرفتي بيهم سطحيه. حتى ماتيلدا مجرد تعارف من بعيد لبعيد..! تحدثت لميس بدموع في صدره:
_مراد إبعد عني. وجودك جنبي نار.. نار بتحرقني. أنا قلبي واجعني مش قادرة.. قربك مني بيخليني أتعلق بيك أكتر. همس مراد بحب وهو يزيد من ضمها له: _بس أنا مش عايز أبعد. صمت قليلاً ثم تابع بحزن: _مش بإيدي.. بس مش قادر.. مش قادر أقول إللي في قلبي ليكِ.. حاسس بالعجز.. بس إللي مش هقدر أعمله هو إني أسيبك لأ! غمغمت لميس بدموع: _كفاية مش قادرة! أخرجها مراد من حضنه وأمسك بوجهها بحنان وهو يقول بصوت هادئ:
_أنا هحاول يا لميس بس أنتِ إللي بتتهربي مني. من وقت ما كنا في البحر مبصتيش لعيني. ده مش ذنبك. أنا لو هدي لينا فرصة، بس حاسس إنك يأستي. معقول؟ هتبعدي؟ مش عايز أحاول وأنا حاسس إنك أنتِ مش عايزة و.. قاطعته لميس بدموع: _أنا لو عليا مش عايزة أبعد عنك خالص.. أنا سبق وقولتلك إنك حلم بالنسبة ليا.. أنا خايفة أظلمك معايا.. إنت من حقك.. تشوف حياتك مع... _متكمليش حياتي معاكِ أنتِ! وهي تنظر له قالت برجاء: _هتقدر يا مراد؟
_مش هوعدك إن الحياة هتكون وردي معايا. بس هحاول مادام أنتِ معايا. بس عندي شرط. ازدرقت ريقها بتوتر وابتعدت عنه. _في نفس الوقت ولكن بمكان آخر. كان يحدق في الصورة أمامه ثم ألقى هاتفه بغضب نحو الجدار فتحطم بقوة، وأخذ يصيح بحدة وهو ينظر لرجاله ثم قال بنبرة صوت غليظة: _نهايتك على إيدي يا عز الكـ... عودة إلى مراد ولميس. تمتمت لميس بتوتر وهي تقول بارتباك: _شرط شرط إيه؟ _تتبري من والدك وعيلتك كلها! فتحت
لميس عينيها بدموع وصدمة: _إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!