تحميل رواية «حب فوق الغصون» PDF
بقلم ساره نيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شوفت كلهم بيقولولي إنِّ عجوزة، وكمان أكتر الناس في الشارع بيقولوا مدام وفي ناس تقول يا حجة وأنا يدوب ٢٥ سنة، الكلام دا بيوجع قلبي أووي. قالت وهي بتبكي وبتبص للسما بعيون مليانة دموع: - أصلًا كلهم بيقولوا إن مستحيل حد يبصلك أو يفكر يتجوزك أصل إنتِ بصراحة مش فيكِ حاجة حلوة وشكلك مش أوي. تعرف في حد قالي جملة كدا.. قال إن البنت أول ما بتخلص جامعة خلاص محدش بيبصلها بتقعد في البيت ومحدش بيعرفها أصل فاهم دماغ الشباب وعارف بيفكروا إزاي.. البنت لما تعدي سن الخامسة وعشرين خلاص كدا فاتها قطر الجواز ومحدش بي...
رواية حب فوق الغصون الفصل الأول 1 - بقلم ساره نيل
شوفت كلهم بيقولولي إنِّ عجوزة، وكمان أكتر الناس في الشارع بيقولوا مدام وفي ناس تقول يا حجة وأنا يدوب ٢٥ سنة، الكلام دا بيوجع قلبي أووي.
قالت وهي بتبكي وبتبص للسما بعيون مليانة دموع:
- أصلًا كلهم بيقولوا إن مستحيل حد يبصلك أو يفكر يتجوزك أصل إنتِ بصراحة مش فيكِ حاجة حلوة وشكلك مش أوي.
تعرف في حد قالي جملة كدا.. قال إن البنت أول ما بتخلص جامعة خلاص محدش بيبصلها بتقعد في البيت ومحدش بيعرفها أصل فاهم دماغ الشباب وعارف بيفكروا إزاي..
البنت لما تعدي سن الخامسة وعشرين خلاص كدا فاتها قطر الجواز ومحدش بيبصلها وإللي بيجلها واحد متجوز قبل كدا أو أرمل وعلى الشاكلة دي..
عملوا نفسهم قضاه وبيحكموا همّا.. الحمد لله إن الرزق بإيدك إنت، على فكرا أنا عندي يقين كبير بالرزق إللي عندك.
أصل بيقولولي إن الخمار ده عملك زي ماما الحاجة ومعجزك، دا أنا حتى كنت بفكر ألبس النقاب أمال هيقولوا أيه ساعتها بقاا.
أنا مش حكاية مهتمة ولا بهتم بكلامهم بس غصب عني يارب غصب عني … جرحوني يارب خدلي حق قلبي منهم..
- غصون يا بنتي جيبي شوية الطلبات دول معاكِ.
- حاضر يا ماما عيوني.
- ربنا يسترها معاكِ يا بنتي ويرزقك من أوسع أبوابه ويريح قلبك.
- اللهم آمين يا ماما، ويجعل دعواتك دي من نصيبي يا غالية ويباركلي فيكِ.
- عوضك كبير أووي يا غصون، وهتقولي أمي قالت، ربنا شايلك ياامه أوي يا بنتي أصل ربك كريم.
رمت نفسها في حضنها، والدتها بلسم الجروح دي كلها وجودها كنز ونعمة كبيرة بتخفف عنها كتير.
- ربنا يخليكِ ليا يا ماما ويديم حضنك دا يا غالية. يلا همشي بقى علشان متأخرش على الشغل…
- روحي يلا ومتنسيش طلبتنا يا غصون.
- حاضر يلا سلااام.
نزلت السلالم جري وهي بتدعي جواها علشان ربنا يوفقها النهاردة وتصميمها يتقبل في الشركة إللي بتشتغل فيها؛ فعلى الرغم من إللي بيحصل إلا إنها كانت متفوقة جدًا في دراستها وكانت الأولى على دفعتها واتقبلت في شركة كبيرة للفاشون ديزاينر .. عندها أحلام كتيرة وطموح كبير.
بتعشق تصميم الملابس ونفسها تبقى المصممة الأولى في مصر وبعدين تحقق حلمها براا البلد..
- يارب تصميمي يتقبل النهاردة علشان اتنقل على المرحلة الأخيرة، يارب أجبر بخاطري.
ووقفت انتظرت اتوبيس وركبت وهي معلقة شنطتها على كتفها وعلى إيديها ألواح ورقية بيضاء كبيرة.. وفضلت تكرر باستمرار "لا حول ولا قوة إلا بالله" على لسانها.
بعد مدة وصلت قدام الشركة ودخلت واتجهت للمكتب وإللي بيضم أربع أشخاص غيرها ‘أحمد-أسيل-أروى-صبا’
أربع مصممين علاقتهم بيها غير مترابطة، بيكرهوها وبيسمعوها أسوء الكلام مع العلم إنها بتتجنبهم على قد ما بتقدر..
- السلام عليكم.. صباح الخير.
جلست خلف مكتبها الصغير الذي يقبع بأخر الغرفة..
وضعت صبا قدمًا فوق الأخرى وقالت وهي بتبصلها من فوق لتحت:
- _ أهلًا .. ماما غصون وصلت يا ولاااقلبت.
قلبت أسيل عنيها وقالت وهي بتعدل شعرها:
- _ صباحك زي وشك يا حجة غصون..
بينما أحمد فأكتفى بضحكة ساخرة وأروى فاكتفت بالصمت.
ابتسمت غصون وهي بتقنع نفسها أنها مش هتسمح لحد يعكر مزاجها وقالت بهدوء:
- _ الله يسامحكم.
رتبت الأوراق قدامها وقربت الأكواب الممتلئة بالأقلام منها وحاولت تتجاهلهم قدر الإمكان..
قالت صبا بغل وهي بتبصلها:
- _ أوعي تكوني مفكرة إن ممكن تكسبي في المسابقة يا ماما الحاجة، أصل هما لو شافوكِ هيتخضوا لأن أكيد تصميمك شبهك يا حجة غصون.
ردت أسيل:
- _ متشغليش بالك بيها يا صفا هي متستاهلش.. شوفي شوفي تعالي أفرجك صوري أنا وخطيبي شادي.. وأقولك على المفاجأة إللي عملهالي..
- _ واووو بجد ربنا يحفظك يا حبيبتي ويبعد عنك الحساد.
قالتها وهي بتبص على غصون بحقد دفين..
- _ يارب يا بنتي، وقولولي بقاا إنتِ وأحمد هتتجوزوا إمتى.
قال أحمد وهو بيبص لصبا بحب:
- _ أنا وصبا قلبي براحتنا، خلينا نتمتع شوية..
قاطعت وصلة سخريتهم أروى وهي بتقول:
- _ على فكرا بيقولوا خبير التصميم المتخصص هيوصل النهاردة وهو إللي هيطلع على التصاميم وهيصفيهم ويختار منهم مع لجنة تحكيم..
أحمد بجدية:
- _ طب دا شكله أيه ولا طبعه أيه، ويا ترى هيبقى عامل إزاي.
- _ محدش يعرف لأنه مسافر برا أصلًا .. بس كل إللي بيقولوه إن فظيع وحاجة كدا برفيكت وعلى فكرا هو إللي هيبقى المسؤول هنا..
همهمت أسيل بتعجرف:
- _ إن شالله يكون مين أنا واثقة من تصميمي كويس وهيختاره غصب عنه..
كانت غصون بتسمع وفضلت تدعي من جواها بخوف ويقين:
- _ يارب إنتَ الأقوى، يارب أجبر بخاطري.
مرّ عامل المشروبات عليهم وسألهم بطيبة رجل كبير:
- _ تحبوا تشربوا حاجة يا أساتذه..
قالت صبا:
- _ سانكس.
وأحمد وأسيل طلبوا قهوة، وأروى شاي..
وقالت غصون بوِد وابتسامة هادية:
- _ ممكن كوباية شاي بلبن يا عمي سيد لو سمحت الله يكرمك ومعلش هتعبك.
قال الرجل بطيبة:
- _ تعبك راحة يا ست البنات.. عنيا يا بنتي..
بصتلها صبا بإشمئزاز وهتفت:
- _ بيئة ولوكل..
- _ أكلك وشربك كله غير صحي يا ماما الحاجة لغاية ما بقيتي شبه الدب..
- _ باكل إللي بيعجبني يا أستاذة أسيل ومطلبتش رأي حضرتك ولا يهمني وكفاية إن بحب شكلي .. أحسن دبدوب والله.
شعرت أسيل بالإهانة وخبطت المكتب بقوة لتُأزرها صبا وتربت على كتفها قائلة:
- _ إنسانة جاهلة يا سيلو متعمليلهاش قيمة.. سيبك منها.
جذبت غصون حاجز على مكتبها يحجب رؤيتها عنهم ورؤيتهم عنها وبدأت في تصميم جديد لمجموعة الشتا بتاعتها..
بصلهم أحمد وقال:
- _ متقلقوش بأي طريقة هخرجها من مكتبنا .. مكتب تصميم الدرجة الأولى ونتطردها برا لأن دا مش مكانها وهي وصلت لهنا بالنصب…
*****************
_ خبير التصميم طالب مصممين الدرجة الأولى والدرجة التانية في إجتماع عاجل.
بصوا لبعضهم بعد سماع الخبر ده وبدأ يجهزوا نفسهم علشان المقابلة دي…
قالت أسيل:
- _ يلا بينا..
خرج أحمد مع صبا..
بصت أروى لغصون وقالت:
- _ مش هتيجي معانا يا غصون.
ابتسمت غصون بهدوء فأروى هي الوحيدة إللي فيهم هادية ومش بتتصادم معاها في الكلام، وأجابتها:
- _ هصلي الضهر وهاجي وراكم عالطول إن شاء الله مش هغيب.
- _ تمام.
وخرجت أروى ووراها أسيل إللي نمت على شفتيها إبتسامة شريرة وانتظرت أروى تبعد عنها وغصون تبدأ في صلاتها وقفلت الباب بالمفتاح من براا..
- _ ابقي وريني هتخرجي إزاي بقاا .. هيبقى يوم طردك يا بومة.
************
اتجمع أربع مصممين من الدرجة التانية ومصممين الدرجة الأولى … أحمد وأسيل وصبا .. وبقت غصون..
الكل منتظر الرئيس الجديد وإللي هيتوقف عليه كتير..
وبخطوات رزينة دخل ……
«عُـــــــدي»
- _ السلام عليكم.
وقف الكل بإحترام مرددين السلام وهم يتأملوا هذا الشاب الثلاثيني حازم الملامح طويل القامة ذا لحية خفيفة ومليح الوجه..
- _ أهلًا بيكم يا شباب .. أنا عُدي الحصري هكون معاكم إن شاء الله من النهاردة مسؤول عن التصميم هنا في المجموعة وعن المسابقة إللي هنختار منها تصميم واحد ..
التعامل بينا هيكون قائم على الإحترام وكل إللي بطلوبه منكم الإلتزام بالمواعيد وإللي بقوله ولو في أي مشكلة نتناقش فيها..
أنا المفروض يكون قدامي مجموعة الدرجة الأولى والدرجة التانية .. وإللي هما ٨ مصممين وأنا شايف قدامي ٧ بس..
دا بيسيب عندي إنطباع مش كويس من أول مقابلة.. فين المصمم التامن…
همست صفا لأسيل:
- _ أمال فين البومة مجيتش ليه .. يلا كويس يارب ما تيجي ومعدتش تدخلها تاني..
همست أسيل:
- _ متخافيش مش هتيجي ولا هتطلع أصلًا من المكتب.
- _ فهمتك يا سيلو برافوو عليكِ والله مطلعتيش سهلة بردوه.
- _ تربيتك يا صاافو.
ولسه ما خلصوا كلامهم وتفاجأوا بدخول غصون..
دخلت وهي بتتنفس بقوة وبين إيديها دفترها وأوراق طويلة رفعت رأسها لفوق موجهة نظراتها لذلك الذي وقف ينظر لها بصدمة كبيرة لا يُصدق ما يرااه .. هذا مُحال …!!!
إنـهـا هـــــــــي..!!!!
رواية حب فوق الغصون الفصل الثاني 2 - بقلم ساره نيل
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
عاوزه تفاعل حلو يا جماعة
بعتذر جدًا لحضرتك يا بشمهندس.
ظل يقف متخشبًا بأرضه وعيونه بتتأملها دون تصديق، إزاي هيّ!؟ .. حاجة مفيش مخلوق هيصدقها.!
حاول يهدي من نفسه ومن ضربات قلبه إللي زادت ويتمالك ذاته ويمنعها من ضعفها دا.
قال بثبات وصوت حاول صبغه بالحزم والحدة:
أتمنى ميتكررش يا أستاذة، أكتر شيء أكره عدم الإلتزام.
هزّت رأسها بإيجاب ورددت بهدوء وغض لبصرها:
إن شاء الله يا بشمهندس.
لازم يتمالك نفسه إللي مش قابلة تهدا قدامها، قال بلباقة وهدوء:
بستأذن خمس دقايق وراجع.
وخرج دون أن ينظر خلفه، خطواته سريعة متعجلة نحو مكتبه، دخل وأحكم غلق الباب خلفه.
سند على مكتبه وهو بيتنفس بعمق وبيردد:
استغفر الله العظيم .. استغفر الله العظيم، متعلقش قلبي بإللي مش ليه يارب.. بس إزاي كدا ..!! دي البنت إللي بحلم بيها من خمس سنين ومش بتسيب أحلامي، معقول دا طبيعي ولا أنا أيه إللي جرالي، كنت دايمًا بحمل نفسي الذنب مع العلم إن عمر ما كان ليا علاقة بأي حد.
نفس الشكل .. ونفس الصوت.
اتعلقت بيها من كُتر ما بحلم بيها ودلوقتي بقت قدامي واقع إزاي هقدر أتحكم بقلبي وغريزتي.
مسح على خصلات شعره وهو بيجذبهم بعنف وظل يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو بيقول بتوتر:
لطفك يارب، أكيد في حكمة من دا كله، أعني على قلبي يارب ولا تُأخذني فيما لا أملك.
واتنفس عدة مرات وقال وهو خارج:
استعنت بالله عليكِ يا …. صحيح معرفش اسمها!!
يلاا روح وإنتَ تعرف.
وقف مكانه بتعجب وهمس بصدمة:
هي حصلت يا عُدي بتكلم نفسك .. دي كانت دعوة الحاجة عليا .. ماشي يا بيلا لما أجيلك.
***
أهلًا تيتا غصون نورتي القاعة، أيه كان غرضك ننتظر جنابك ولا أيه يا بومة.
قالت صبا بعصبية وحقد وهي مش مصدقة إزاي خطة أسيل منجحتش بعد ما قفلت عليها الباب.
تماسكت غصون وحاولت تبان عادية ومتتأثر بكلامهم وتكتم كل الألم جواها، وقالت بصبر:
لا أبدًا يا صبا هانم الباب كان اتقفل عليا بس وربنا بعتلي العاملة إللي كانت بتمسح الطرقة وفتحتلي لما سمعتني بخبط .. مش بقولكم هو عادل وعالم بخبايا الأمور.
كتم أحمد غيظه منها وجواه إحساس بيقوله يخنقها ويخلص عليها بس منع نفسه بالعافية.
قالت أسيل بغضب:
أنا مش عارفة المدير ده سمح تدخلي إزاي .. ياريت كان طاردها وريحنا من بوزها ده .. حاجة تقرف والله.
أتأملت صبا ملابس غصون وإللي عبارة عن جيب كبس لونه أبيض وفوق بلوزة صوف من نفس اللون منقوشة بورد من اللون الكناري اللطيف بالإضافة لخمار أبيض بلفة محتشمة وطويلة، وإن كانت ملامحها بسيطة وبشرتها قمحية لكن جمالها الداخلي وبرائتها منعكسة على ملامح وجهها، ولمعة الحماس الدايمة في عيونها الواسعة ذات الأهداب الطويلة واللون الرمادي الداكن.
لوكل وفلاحة.
اتجهت أنظار صبا إلى عُدي الذي ولج للغرفة بملامح جادة باردة، لكزت أسيل وهمست وعيونها بتتأمل عُدي بوقاحة وعدم حياء.
بس البشمهندس عُدي دا حاجة تخبل يا بت يا أسيل.. طول بعرض ودقن وملامح فظيعة .. غير إن كاريزما مووت.
وغير دا كله اسمه عُدي.
بصتلها أسيل بصدمة وقالت:
صبا إنتِ بتقولي أيه، أحمد يسمعك!
بلا أحمد بلا بطيخ .. سيبيني أركز في العالم التاني ده.
اتصدمت أسيل من موقفها وكلامها لأنها كانت مفكراها بتحب أحمد وهيتخطبوا.
دا إنتِ طلعتي خطيرة يا صبا.
عَلا صوت عُدي وهو بيبعد أنظاره كل البُعد عن مكان غصون:
أتمنى الجميع يركز في كل كلمة هقولها علشان تعرفوا إللي مطلوب منكم.. زيّ ما إنتوا عارفين قدر ومكانة المؤسسة إللي بتضمكم مُمَيزة .. فعلشان كدا لازم نقدم لها أفكار مُمَيزة تليق بيها وبيكم.
همهم الجميع بجُمل إجابية متباينة:
دا أكيد يا بشمهندس .. إن شاء الله هنقدم جديد .. هنبذل قصارى جهدنا.
واصل كلامه بهدوء ونبرة رزينة:
قدامي ٨ مصممين بينقسموا لدرجة أولى وتانية.
المطلوب من كل مصمم لكل فصل من فصول السنة الأربعة تصميم، يعني كل مصمم هيصمم ٤ تصاميم.
نموذج لفصل الشتا .. وواحد للصيف وواحد للربيع وواحد للخريف.
إذًا بتكون الحصيلة ٨ نماذج لكل فصل من فصول السنة ومجمل النماذج ٣٢ نموذج.
كان بيتكلم وهي بتسجل كل كلمة في دفتر أزرق بحرص وهدوء، غصب عنه عينه لمحتها.
فعلًا هي مختلفة عن كل إللي حوليها مُمَيزة ولها طالة خاصة جدًا.
كان باقي المصممين منهم إللي بيسجل فويس لكلامه ومنهم إللي بيسجل على نوتس الموبايل.
بس هي كان لازم تكون مختلفة.
حاولت صبا تلفت أنظاره بأيّ طريقة، فسألت برقة مصطنعة:
مستر عُدي .. هل في أي شروط للديزاين؟
أجابها دون أن ينظر:
من غير أيّ قيود يا أستاذة، كل واحد يخرّج الطاقة إللي جواه وإبداعه على الورق.
بس أنا عايز مجموعة مُمَيزة عن أيّ مجموعة أنتاجتها مؤسسة Magic.
لازم تكون حاجة مختلفة جدًا عن أي شيء صممتوه وصممه غيركم، وهيتم تقيم نماذج الديزاين واختيار أفضل مجموعة وأفضل ديزاينر في الشركة.
دا بالإضافة للمسابقة.
همست صبا لأسيل:
دي أفضل فرصة علشان ألفت نظره، لازم أتميز وأنفرد.
المنافسة دي هتكون شرسة وصعبة جدًا يا صبا، دا خلاف إن عُدي دا شكله تقيل أوووي ومن المستحيل توقعه.
دا مرفعش وشه في أيّ حد يا بنتي.
قالت بغضب من بين أسنانها:
مش عليا يا أسيل .. مكونش صبا لو موقعتهوش على جدور رقبته، بكرا تشوفي هخليه زي الخاتم في صباعي ويتمنى نظرة مني.
بس أنا لاحظته بص كام مرة كدا على غصون يا صبا، حسيته كان مركز معاها.
أيه!!!!!! مستحيل طبعًا إنتِ اتجننتي يا أسيل، العجوزة دي مستحيل حد يبصلها أصلًا.
قال غصون قال جتها كسرة في غصنها البومة.
خدي في بالك هي خصم لا يستهان بيه برده يا صبا.
إحنا لازم نعمل المستحيل علشان نخرجها من هنا ومستر عُدي يطردها من هنا شر طردة.
متخافيش هيحصل صدقيني.
في فترة السكون دي وكل واحد بيراجع بعض التصاميم علشان يعرضها على عُدي استغلت الفرصة وبدأ لسانها يكرر بعض الذكر والإستغفار على مسبحتها الصفراء إللي في صباعها.
قرّب بعض الشباب من عُدي يسألوه عن بعض التصاميم بس كان في حالة تشتت رهيبة وبيحاول يكتم العشق إللي في قلبه علشان ميتخطاش جوارحه.
في نفس الوقت قرّب شاب من مصممين الدرجة التانية من غصون وابتسامة عريضة على فمه.
أستاذة غصون.
التفتت غصون تجاهه، وردّت ببشاشة وإحترام:
اتفضل يا أستاذ حازم، خير.
مدّ إيده بكتابٍ ما، وقال:
شكرًا جدًا يا آنسة غصون استفدت من الكتاب كتير عن حاجات كانت ساقطة مني في بعض التصاميم والتنبيهات إللي كتبتيها بجد عظيمة.
العفو يا أستاذ حازم دي حاجة بسيطة، والحمد لله إنّ فادتك وربنا ييسرلك العسير يارب.
ممكن بس طلب لو اتكرمتي يا أستاذة غصون.
اتفضل أكيد.
ممكن رقم والد حضرتك، أنا عارف إن بيشتغل في الخشب كنت عايزه في شغل.
وبصدق نية وصفاء خاطر ابتسمت ونقشت أرقام هاتف والدها على أقصوصة من الورق واعطتها إياه تحت أنظار هذا الذي أصبحت عيناه موطنًا للجمر وقلبه بات يغلي كالمرجل، ورددت بهدوء:
اتفضل مفيش مشكلة وواثقة إن شغل بابا هيعجبك.
أنا واثق يا آنسة غصون.
لو استمر في هذا المكان أكثر سيصدر عنه أمور لا تُحمد عاقبتها وسيُثير تساؤلات لا حدّ لها، قبض على كفيه بقوة عنيفة وهو يرمقها بنظرات نارية لو كانت تقتل لأسقطتها صريعة على الفور.
بينما وأثناء ما يحصل كانت غصون تبتسم ببراءة لا تدري بما يدور.
تمالك أعصابه بشق الأنفس وقال:
عن إذنكم يا شباب هخلص شوية شغل وهستدعيكم واحد واحد وأناقشه.
الإجتماع إنتهى.
وخرج على الفور يسير بغضب وضيق يدُك الأرض دكًا ويشعر بأن الغيرة تأكل قلبه وتحرقه.
شعور مؤذي وقاتل.
لمرته الأولى يشعر بهذا الشعور!
ولمن!!! فتاة يراها لمرته الأولى منذ عدة دقائق!
كـــــــــاذب يـــا عُـــــــدي!!
تراها منذ خمسة أعوام … تستوطن فلك أحلامك.
لا تتركك…!
سند على باب مكتبه وغمض عينه بقوة يحاول طرد هذه المشاعر لكن لا فائدة.
نطق لسانه بكل إنسيابية وغذوبة بحروف اسمها من بين شفتيه وقلبه قبل ذلك:
غــــــــــــصـــــــــون.
اتنهد بألم ونطق بعذاب:
عملتي فيا أيه، بحاول أقاوم علشان مأذكيش بمشاعري الجياشة، يارب قويني يارب.
أنا مش عايز أعصيك فيها يارب حتى ولو بنظرة.
يارب أنا عايزها في الحلال.
اجعلها من نصيبي يا الله.
***
جلست على مكتبها بتفكر في فكرة جديدة ومختلفة ومحصلتش؛ علشان تبدأ تشتغل عليها.
فكري يا بت يا غصون.
فكري كدا.
اممم يا ترى أيه هي الحاجة المختلفة وإللي الشركة هنا مصممتهاش قبل كدا!
شبكت إيديها في بعضها، وقالت فجأة:
وأنا هعذب نفسي ليه، أنا هصلي ركعتين قضاء حاجة وأقرأ شوية في القرآن وربنا هيلهمني ويوفقني.
يارب استعملني ولا تستبدل بي.
السلام عليكم.
رفعت غصون رأسها وكانت بنت من البنات إللي شغاله في الشركة.
وعليكم السلام.
قالت البنت بعملية:
غصون مستر عُدي عايزك في مكتبه بيستدعيكِ لأمر هام.
اتعجبت غصون وكل إللي في المكتب اتعجب جدًا، أمّا صبا فقلبها امتلىء حقد وكره غير عادي.
رددت أسيل بحِدة وغيظ:
يا ترى مُصيبة أيه إللي عملتيها يا بومة!
رواية حب فوق الغصون الفصل الثالث 3 - بقلم ساره نيل
تنفست بهدوء مستعدة للدخول وعقلها يطرح بعض التساؤلات في السبب الذي بعث لها من أجله.
ابتسمت للسكيرتيرة ودخلت بعد ما تركت الباب مفتوح شوية.
السلام عليكم.
رفع رأسه غاضّ بصره ورد السلام بهدوء:
وعليكم السلام ورحمة الله، اتفضلي يا أستاذة غصون.
حضرتك طلبتني يا بشمهندس.
أشار للمقعد، لتجلس بهدوء، وأردف بثبات وهو يتحاشى النظر تجاهها:
لكِ ٣ نماذج المطلوب منك تراجعيهم لأن فيهم شوية تفاصيل مش مظبوطين.
اتصدمت من كلماته وهتفت بإستنكار:
نعم!! تصاميم ليا أنا فيهم حاجات مش مظبوطة.!؟
رفع إحدى حاجباه بتعجب وقال بتهكم:
أيه مُنزهة عن الخطأ ولا أيه يا أستاذة، يعني مينفعش تغلطي لا بجد برافوو.
حسّت بالتهكم والسخرية من نبرته ودا شيء عصبها جدًا لكن تمالكت نفسها وقالت بنبرة حادة:
أنا مقولتش كدا حضرتك، أنا براجع تصاميمي بدقة كذا مرة غير النماذج إللي بتقول عليها مش مظبوطة معروضة على لجنة الشركة ومكانش في أي إعتراض على حاجة فيها أو تعليق… لكن إتفاجأت بتعليقك .. يعني أيه إللي اتغير.
منع إبتسامة من الإنفلات على شراستها الواضحة، وارتسم على وجهه الوجوم وردد بثقة:
أناا! .. أنا إللي براجع ودا سبب كفاية، الديزاين لازم يكون بريفكت مفيش عليه غبار.
وأيه الغلط يا بشمهندس عرفني غلطي.
لون القلم إللي صممتي بيه.
طالعته بدهشة وقبضت على كفيها بشدة ثم قالت بهدوء:
تمام .. تحب اللون يكون أيه حضرتك؟!
بجد .. بس كدا.
أيوا مش دا تعليق حضرتك.
تمام.
سحب ورقة وبدأ يسجل بعض الملاحظات المرافقة للتصاميم.
هزّت ساقيها بعصبية ودارت عيونها في غرفة المكتب وإللي كانت تختلف تمامًا عن غُرف مكاتب المُدراء إللي قبله.
بعض لوحات الأيات القرآنية متعلقة على الحائط.
وصوت القرآن الخافت الصادر من اللاب توب.
نقلت أنظارها على سطح المكتب ولمحت المصحف على الملفات واللوحة المنقوش عليها اسمه.
”عُـــدي الحـصـري”.
اتفضلي.
شكرًا.
وخرجت مسرعة من الغرفة وتنوى الكثير والكثير بداخلها بينما هو فتبسم من تصرفاتها المتذمرة.
وظلت تتمتم بالكلمات بسخرية:
قال علشان أنا … أيه ده، واحد بيتلكك بيقولي لون القلم ومش عارف أيه .. شغل تلكيك ميتسماش غير كدا ..
استغفر الله العظيم يارب، أيه الحاجات الغريبة دي.
هدأت من نفسها ودخلت المكتب بهدوء عكس إللي جواها.
أهلًا تيتا غصون.. مستر عُدي كان عايزك في أيه يا بومة.
قالت أسيل باستفزاز وصبا وأحمد بيبصوا لبعض والفضول سيطر عليهم علشان يعرفوا سبب استدعاءها.
تجاهلتهم غصون وجلست خلف مكتبها وبدأت تراجع الملاحظات إللي هو كتبها لتتوسع أعينها بصدمة.
اتعصبت صبا من تجاهلها فقامت من مكانها وصاحت بعصبية:
أيه يا بتاعة إنتِ، .. إنتِ طارشة كمان مش بتسمعي ولا أيه، شيفاكِ بجحة أووي لتكوني مفكرة نفسك حاجة يا بومة إنتِ.. إنتِ فعلًا Stupid.
قال أحمد بإشمئزاز:
غباء.. إنتِ مش بتردي ليه يا حجة غصون.
الكل اتفزع من مكانه لمّا قامت غصون من مكانها وقرعت على سطح المكتب بعنف وقوة جعلت الجميع يتصنم.
التهب غضبها واحتقن وجهها بإحمرار الغضب.
بصتلهم بغضب جام وقالت وهي بتشاور عليهم:
أَعرِض عَنِ الجاهِلِ السَفيهِ
فَكُلُّ ما قالَ فَهُوَ فيهِ
ما ضَرَّ بَحرَ الفُراتُ يَوماً
إِن خاضَ بَعضُ الكِلابِ فيهِ.
فغر الجميع أفواههم وهم يجدون صعوبة في فهم ما تقول بينما ابتسمت أروى بخفة عليها.
أمّا هذا الذي مرّ من أمام الغرفة فابتسم بإتساع عندما سمع كلماتها.
ردد عُدي بإبتسامة وهو بيكمل مشيّ:
دي جدور مش غصون لا.
بصتلها صبا بعدم فهم وتسائلت بتردد:
قصدك أيه بالكلام ده .. إنتِ بتشتمينا ولا أيه.
حملت غصون حقيبتها وبعض الأوراق وقالت بكبرياء:
أوعوا تفكروا إن علشان ساكتة ومش برد عليكم يبقا لكم الحق تسوقوا فيها، أنا أقدر أغلط ولساني يبقا طويل بس كل واحد بيعبر عن البيئة إللي جاي منها وتربيته.
لكن علشان ساكته وبتجاهلكم فاكرنِيّ ضعيفة وبتتمادوا.
وإنتِ يا أستاذة صبا بدل ما تبرطمي كلام بالإنجليزي طول الوقت هنا وهناك .. روحي يا أوختي اتعلمي لغتك الأم الأول علشان تفهمي الكلام إللي بيتقال وما تدخُليش في مجموعة الجهلة… وتفرقي دا كلام ذمّ ولا مدح في جنابك.
ويلا سلام وقت شغلي إنتهى.
الكل كان في حالة من الذهول والصدمة ومش مصدقين الكلام إللي سمعوه من غصون ولا مصدقين إن دي غصون إللي دايمًا ساكته.
صبا وقعت على الكرسي وسندتها أسيل إللي كانت في حالة مش أفضل منها.
أمّا أحمد فضل يبص في مكانها بغضب وهو بيستحلف جواه لها.
والله لأمحيكِ من وش الدنيا يا بومة وأعرفك مين الجاهل هنا .. دا إنتِ مطلعتيش سهلة اصبري عليا.
قالت صبا بعدم تصديق:
إنتِ سمعتي غصون العجوزة قالت أيه يا أسيل.. شوفي كانت بتكلمني إزاي.
هتندم يا صبا والله لتندم.
نزلت من الأتوبيس وهي بتتنهد براحة وحزن معًا.
هي دايمًا في حالها وبتتجنب الجميع لأنها مش فاضية تشغل نفسها بحد غير نفسها.
مش عايزة تأذي حد وتجرح أيّ إنسان ولو بمجرد كلمة، بتخاف تأذي مشاعر غيرها.
مش سلبية ولا قلة كرامة منها ولا ضعف شخصية إنها سكتت الفترة دي على إهانتهم.
لا …بس هي عندها مبدأ أكتر الناس بتعتبره غريب.
التجاهل أقسى أنواع الإنتقام، كانت شايفة قيمتهم هي التجاهل وإنها لا تعطيهم أكبر من حجمهم.
بس تمادوا جدًا.
هي عارفة إن طريقها صعب شوية في العالم ده وسطهم.
طبقات أرستقراطية راقية مُتسيبة ومفيش عندهم أيّ حدود.
هي الوحيدة المختلفة بينهم لكونها مختمرة، بس لها رسالة لازم توصلها على أكمل وجه.
مش هتتخلى عن حلمها بعد ما وصلت لهنا.
الناس دي بتفكر بطريقة عجيبة أووي، فيهم ناس راقية في فكرها وفيهم إللي ميستحقوش حتى الهدوم إللي عليهم.
استغفر الله العظيم .. يارب صبرني ودلني على الطريق الصحيح دايمًا.
طرقت الباب بطرقات رتيبة، قابلتها والدتها بإبتسامة بشوشة:
الحمد لله على سلامتك يا غصون .. جيبي من إيدك يا حبيبتي.
أيوا شيلي عني يا هدهد دا أنا قاطعة النفس.
بعيد الشر يا بنتي .. يلا على ما تغيري هدومك وتصلي يكون أبوكِ جه من المسجد وجهزت الغدا.
طبعت قبلة على وجنتها وتسائلت بمشاكسة وهي تُبعد حجابها:
عامللنا غدا أيه النهاردة يا هدهد.؟
شوربة عدس يا عيون هدهد مش شايفة الجو برد إزاي وعايزين حاجة تدفينا.
فرصتك دي يا هدهد .. أنا قولت كدا بردوة لما لقيت الجو برد .. الحمد لله نعمة وفضل من الله.
هغير وأصلي العصر وأجي طيارة.
أما أشوف أخرتك أيه يا بنت عبدو.
ردت غصون من خلف باب غرفتها:
كل خير يا زوجة عبدو العزيزة.
ابتسمت والدتها وبدأت تدعيلها بصلاح الحال والهداية.
بدلت ملابسها وتوضئت وبدأت تؤدي فرضها بتأني وخشوع، إنتهت ورددت بعض الأذكار.
غمضت عيونها وقالت بإبتسامة رضا وملامح تشع نور:
اللهم لك الحمد يا الله حمدًا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك .. شكرًا يارب على كل شيء أقسم لكَ بإسمك العليّ إن أنا راضية وقلبي مليان بالرضا على كل عطاياك إللي مقدرش أشكر منها نعمة واحدة.. شكرًا يارب على كل حاجة وعلى كل خطوة كنت معايا فيها، متسبنيش خالص يارب .. إنت الحنين عليا والمُطلع على حالي سامحني وأعفو عن أخطائي وذلاتي.. أنا من غيرك ولا حاجة .. أنا قوية بك ضعيفة من غيرك.. تعرف يارب أنا بحبك أووي بحبك حُب .. أنا ببقا فرحانة وسعيدة دايمًا وأنا معاك متسبنيش لنفسي يارب فتهلكني خليني دايمًا قريبة منك وابعد عني أيّ حاجة تبعدني عنك.. يارب إملا قلبي بالرضا والقناعة دايمًا.
وجلست متحمسة وهي بتبص للسماء الصافية من باب الشرفة وقالت بحماس:
هحكيلك على كل حاجة حصلت النهاردة كالعادة، وإللي وجعني وإللي خايفة منه وإللي محتارة فيه.
وبدأت تسرد وتحكي إلى خالقها ما يحدث وما حدث وهو أعلم جلّ جلاله.
عادة اعتادتها .. تنظر للسماء وتأتي بما في قلبها لتشعر بعدها بالراحة والدِفء يملأ قلبها، تستشعر بأن الله ينظر إليها ويسمعها ويشعر بها دون أن يُكلفها ذلك شيء.
الحديث مع الملك الرحمن الرحيم أُولى أسباب سعادتها.
بيلا … يا بيلا.
عُدي يا نور عيني الحمد لله على سلامتك يا غالي.
مصر نورت يا بيلا أول ما أنا وإنتِ نزلنا .. سمعتهم بيقولوا إن الشمس مش بتطلع والدنيا ضلمة عالطول.
مش ناوي تبطل بكش بقاا يا عُدي باشا.
اشتم أنفه رائحة مألوفة له، التفت ينظر بأركان المنزل المُرتب فعقد ما بين حاجباه بتعجب وقال بعتاب:
ليه كدا يا بيلا.. إحنا لسه الصبح راجعين من سفر طويل وإنتِ جيتي نضفتي الشقة وعملتي أكل .. ينفع كدا.
قولي بس الأول صليت العصر.
أيوا الحمد لله صليت حاضر قبل ما أطلع.
سحبته نحو الأريكة وهي بتقول:
أنا يا حبيب أمك بعد ما وصلتني على هنا ونشفت راسك وروحت على الشغل.. جيت لقيت خالتك فراولة أم ليث منضفة الشقة ومخليها بتضحك زيّ ما إنت شايف.
وكمان عاملة فضلة خيرك محاشي من إللي قلبك يحبها.
وعاملة إحتفارة وأنا يدوب قولتلها إمبارح في نص النهار إننا جاين.
ابتسم بحنين وقال بشوق:
وحشتني فراولة ووحشني الواد ليث أووي يا بيلا والله الغُربة وحشة بردوة.
أمال أيه يا عُدي كمان فراولة مش مجرد جارة ليا وبس دي أختي وليث ابني وأخوك، قضيتوا طفولتكم سوا واتربيتوا مع بعص .. والحمد لله اتلم شملنا تاني.
وضع رأسه على ركبتيها وهتف ببسمة وسعادة غامرة:
الحمد لله يا بيلا وأخيـــــــــــرًا.
اتعجبت من حالته فتسائلت بنصف عين:
تعال هنا بقا وقولي .. مالك كدا من ساعة ما رجعت حسيت إن الروح ردت في وشك يا واد يا عُدي.. ومالك بتقول وأخيرًا بتنهيدة كدا .. إنتَ مخبي عليا حاجة يا واد.
أعتدل ونظر لها وبعض الدمع الخفيف بعينه وقال بلهفة:
مش هتصدقي يا أمي لو قلتلك.
شعرت بالقلق من نظرته والدمع الحبيس بأعينه، كورّت وجهه بين كفيها بحنان:
مالك يا بني .. مالك يا عُدي قلقتني يا كبد أمك.
قَبَل كفيها كُلًا على حِدة وقال بسعادة:
ربنا رحيم أووي يا أمي رحيم فوق ما نتصور .. بعد خمس سنين بتيجي في أحلامي وأنا زيّ التايه والغريق ومش فاهم حاجة.. إرادة ربنا فوق كل شيء .. وألاقيها قدامي النهاردة.. تخيلي يا أمي من الأحلام للحقيقة معقول .. أنا وقفت مصدوم مش مصدق.
اتسعت أعينها بدهشة وقالت:
أوعى يكون إللي في دماغي يا عُدي.
هو يا أمي .. طلعت إنسانة حقيقية وشوفتها النهاردة .. غــــــــــــصـــــــــون يا أمي.
شدته لحضنها وبدأت تربت على ظهره بحنان وانسابت دموعها قائلة:
مش قولتلك يا عُدي ربنا هيدلك .. دا كان شيء خارج إرادتك وملكش دخل فيه وربنا مش هيعذبك بتعلقك ده أبدًا.. ربك كريم يا ابني.
عندك حق يا أمي .. أنا لغاية دلوقتي مش مصدق، إللي حصل ده زيّ معجزة بالظبط.
ربك على كل شيء قدير.
ونعم بالله يا أمي.
طب أيه هتعمل أيه بقى.
هعمل أيه في أيه.
أولًا هتحكيلي كل حاجة .. ثانيًا أيه هتعمل أيه في أيه دي..! طبعًا هتتقدم لغصون وتتطلب إيدها… باقلها خمس سنين معاك في أحــلامــك..وآن الأون تكون في حيـاتـك وحــلالــــك.
رواية حب فوق الغصون الفصل الرابع 4 - بقلم ساره نيل
ارتدت فستاناً من لون اللافندر الفاتح، وفوقه جاكيت قصير من قطن البوليسير ذا اللون الكريمي. وفي لفة رقيقة جعلت خمارها ذا اللون الكريمي أيضًا، فكانت في غاية الرقة والاحتِشام. ووضعت بمعصمها إكسسوارًا رقيقًا من الفضة يتدلى منه ريشات صغيرة.
"يا صباح اللبن على الناس القشطة."
"أيه صباحك إللي كله منتجات ألبان ده يا غِصن؟"
قبلت والدها من وجنتيه وقالت بمرح:
"كله كالسيوم يا عبدو ومفيد للعظام."
"الله يبارك لك يا حاج عبدو، متقاوحش معاها مش هتاخد لا حق ولا باطل."
"بقا كدا يا هدهد؟ دايمًا ظلماني كدا.. ماشي."
احتضنها والدها بحنان مُقبلاً رأسها بدِفء قائلاً:
"كله ألا غِصن دي حبيبة أبوها دي."
"أيوا أقعد دلع فيها يا أبوها، أما أدخل أجهز الفطار قبل ما يحصلي حاجة."
قامت غصون وحملت حقيبتها قائلة:
"أنا همشي أنا يا هدهد علشان ألحق."
"طب والفطار يا غصون، مفيش خروج من البيت قبل ما تفطري، مش هيحصل."
"حيلك بس يا هدهد، هو أنا أصلًا بسهو على نفسي.. بس النهاردة هفطر من عند البت أمينة، هعدي عليها أخد السندويشه بتاعتي."
"سندويشه برودة وأمينة تاني؟"
"سيبيها يا أم غصون براحتها، أهي تغيرة."
ركضت نحو والدها وطبعت قُبلة على رأسه، ثم طبعت مثلها على خدّ والدتها قائلة وهي تخرج:
"ربنا يخليكم ليا، يلا سلام ومتنسوش تدعولي."
ابتسم والداها وقالت والدتها:
"مش ببطل والله يا بنتي، ربنا يسترِك ويهديك كمان وكمان ويحققلك ما تتمني."
"ربنا يصلح حالها وينور طريقها يارب."
بينما غصون وقفت أمام إحدى العربات الخشبية الموضوعة على ناصية أحد الشوارع وقالت بإبتسامة عريضة:
"صباح الخير يا شيف أمينة."
"يا صباح الورد على غصون الورد، أيه يا غصغص؟ عاش من شافك يا أوختي، أيه كبرتي علينا ولا أيه؟"
"أمينة الحرمية، خلي قلبك أبيض يا بت إنتِ، عارفة إللي أختك كانت فيه."
"آآآه ماشي يا سراقة، عارفة إن أمينة طيبة بقاا وهتقولك خلاص سماح."
تدخلت سيدة من الخلف قائلة وهي تتخصر:
"سماح ماتت يا أختي إنتِ وهيّ.. واحدة تقول سراقة والتانية حرامية، يا فرحتي يا ناس."
قالت غصون وهي تُقبّل رأسها:
"صباح الخيرات يا خالتي أم أمينة."
"لسة فاكرة يا غصغص.. على العموم صباح الورد يا بنتي."
تدخلت أمينة قائلة:
"هاا طلباتك أيه يا غصون هانم.. الطلب المعتاد؟"
"أكيد يا أمينتي."
وبدأت أمينة بإعداد الشطيرة وغصون تتابعها بشغف، فأمينة تُحضر أشهر وأشهى شطائر الجُبن التي تعشقها غصون.
وضعت أمينة قطع الجُبن الرومي على سطع الساج، ووضعت أعلاه أنواع أخرى من الجُبن، فصنعت خليطًا ذائبًا منهم، ثم رشّت بعض التوابل. وبعد التقليب والمزج المستمر، نقلتهم داخل قطعة من خبز الفينو العريض والسميك، والتي تصنعه أمينة بذاتها، وغلفته ليبقى ساخنًا.
"أحلى سندويشه لأجمل غِصن في الحديقة كلها."
"عايزة أقولك إن لُعابي سال يا بت أمينة، حاجة كدا تفتح النفس."
وضعت أمينة عبوة حليب صغيرة معهم وقالت بطيبة:
"بالهنا على قلبك يا ست غصون، ويلا يا أختي على شغلك علشان متتأخريش."
"روحي ربنا يرزقك كدا يا بت يا أمينة بباشا مشهور كدا ويقعدك في قصر طويل عريض، وأهم حاجة يكون واحد من بتوع التموين ولا حاجة؛ علشان يريحك من دوشتهم يا بنتي."
"شقيتي وتعبتي يااامه وربنا هيجبرك وهترتاحي يا أمينو، وكلمة بقولهالك."
قالت جملتها الأخيرة وهي تهرول مُسرعة نحو أحد الأتوبيسات، لتبتسم أمينة قائلة:
"مجنونة والله."
وبمجرد أن قالت غصون تلك الجُمل، كأن السماء كانت مفتوحة.. فكانت سيارة سوداء تعرج للشارع حيث تلك العربة الخشبية، ولم يــكن ســوى….
ولجت للشركة بحماس كعادتها، وأوشكت على الصعود، لكن لفت أنظارها العمّ سيد وهو يجلس بأحد الزوايا حزينًا مُطأطأ الرأس.
ذهبت إليه على الفور وتسائلت بقلق:
"عم سيد مالك قاعد كدا ليه؟ شكلك مهموم."
رفع الرجل رأسه بحزن وقال بإستنجاد:
"بنتي يا أستاذة غصون.. هتروح مني."
"إهدى بس يا عم سيد وقولي هي مالها، وإن شاء الله خير، ربك موجود يا راجل يا طيب، وإن ضاقت فعند الله المخرج."
"مطلوب ليها عملية في القلب يا بنتي وتكاليفها غالية، وأنا مش حيلتي ألا مُرتبي ومش عارف أعمل أيه."
رددت بحزن وعقلها يعمل بجميع الجهات لمساعدته:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، وحد الله كدا وربك هيحلها صدقني.. طب إنتَ مجربتش تاخد سلفة من الشركة ولا حتى قرض؟"
"روحتلهم يا بنتي واترجيتهم ومحدش وافق، وقالوا مفيش عندنا قروض لحد.. حاولت أستلف بس مين هيسلف واحد زيّ مبلغ كبير كدا."
"أيه يا عمّ سيد الكلام ده.. دا إنتَ حتى راجل عارف ربنا، أوعى تكون باليأس ده، أوعى تيأس من رحمة ربنا."
"شوفت الناس إللي رفضت تديك دي، هو مين عطاهم!
وإللي عطاهم قادر يعطيك، كل محنة وفيها منحة، ولازم يكون عندك حُسن ظن بالله ويقين، وصدقني ربنا هيفرجها وهيَسخر إللي يجيبهم لغاية عندك، لأن رب العالمين لا يُكلف نفسًا إلا وسعها ومش هيحملك مالا تطيقه."
"ونعم بالله يا بنتي، يعني قوليلي أعمل أيه يا أستاذة غصون."
"صلي ركعتين قضاء حاجة بنية تفريج كربك وربنا كبير."
توقفت فجأة وقالت مُتسائلة:
"عمّ سيد هو إنتَ سألت المدير إللي جاي جديد ده؟"
"لا والله يا بنتي، بعد ما روحت لرئيس مجلس الإدارة نفسه ورفض وصاحب الشركة ومراته رفضوا كمان، قولت أكيد هو كمان هيكون رده نفس الرد، يعني هيعمل أيه يعني."
تلكأت في كلماتها لكن قالت ببعض الثقة والاطمئنان التي لا تعلم مصدره وهي تتذكر هيئته المختلفة:
"مش هتخسر حاجة يا عمّ سيد، وهو باين عليه مختلف عنهم وابن حلال، كلمة يمكن يكون ليه طريقة ويكلم صاحب الشركة.. استعين بالله كدا وأنا معاك وهدور من جهتي بردوه، وعرفني هيرد عليك ويقولك أيه بس."
"حاضر يا أستاذة غصون، هنزل أصلي ركعتين وربك كبير وقادر على كل شيء.. وهكلم أستاذ عُدي وأشوف كدا."
ورحل الرجل من أمامها لتظل تنظر في أثره وبعض التساؤلات ثارت بداخلها عن موقف هذا المدير الجديد.
ماذا سيقول؟
شعرت بالضيق من مجرد رفضه مساعدة العمّ سيد.
"يا ترى هيقبل يساعده ولا يكون زيّ غيره، بس واضح أووي إن مختلف عن إللي هنا."
أفاقت على نفسها وتنحنحت قائلة:
"وأنا مالي مختلف ولا غيره."
دخلت المكتب فوجدته خاليًا، صفا وأسيل وأروى وأحمد لم يأتوا بعد.
"أحسن حاجة إنهم مجوش والله علشان أكل السندويشه بمزاج وأبدأ شغل."
وبعد مُدة أخرجت طعام إفطارها وبدأت تلتهم الشطيرة بنهم وتلذذ، وتُصدر الهمهمات المستمتعة بالطعام، وترتشف الحليب البارد بتمهل.
"البت أمينة إيديها تتلف في حرير.. حاجة كدا وهم، إن شاء الله هجيب واحدة بكرا بردوه، مش خسارة فيها العشرين جنية."
بينما في الخارج كان يسير نحو مكتبه، فوجدها على هذا الوضع، فلم يكن منه إلا أنه ابتسم بإتساع من قلبه على حالتها وتصرفاتها المجنونة.
وبعدما طال وقوفه مثل المتلصصين، فاق على نفسه وهرول مبتعدًا وهو يلتفت من حوله.
"لا أنا حالتي بقت تخوف.. على رأي بيلا، أيه هيخليني أستنى وخير البر عاجله. وأخيرًا يا ست غصون هتبقى ملكة مملكتي.. يارب وفق ويسر الأمور يا الله."
دخل مكتبه ثم جلس بتأنٍ وأمسك بالمصحف، ثم وبصوت عذب بدأ بترتيل سورة البقرة كعادة إعتادها صباح كل يوم.
عند غصون، أخرجت مفكرة صغيرة وبدأت تكتب المهام المطلوبة منها وإللي أنجزتها.
"الحمد لله صليت الفجر حاضر وقولت أذكار الصباح وكمان قرأت جزء من الوِرد بتاعي.. آآه وكمان سورة البقرة هقرأها في البريك دا شيء أساسي."
"عندي بقا تصميم خريفي النهاردة لازم أكمله، وهبدأ في المجموعة المطلوبة بإذن الله والحمد لله رب العالمين ربنا ألهمني الفكرة، يارب أتوفق فيها."
"ااه وبعدين بقاا عندي روتين للبشرة وعندي كيّ هدومي."
"بالإضافة أكيد مواعيد صلاة الفروض الخمسة في وقتها."
"وأختم اليوم بأذكار المساء وجلسات الذكر."
"وأيه كمان … ااااه حلقتين من “شامة في البراري” إزاي أفوت شامة..!"
"أنا كدا رتبت اليوم وأسيبه يجري زيّ ما ربنا مقدر، بس ربنا يعيني ويقويني وأخلص كل المطلوب."
رفعت رأسها للسما وقالت من كُل قلبها:
"يارب يا رحمن يا رحيم ساعد عمّ سيد وفك كربه يارب، يارب أشفي بنته وفرج همه يارب، إنتَ على كل شيء قدير وبالإجابة جدير."
"كدا إتفاقنا على الخطة دي، ومتقلقوش عندي غيرها يعني كدا كدا مش هتقعد فيها."
قال أحمد كدا وهو في السيارة لصفا وأسيل.
ردت صفا بغلّ وحقد:
"مش هرحمها دا أنا ناوية على كتير."
"عايزكم تنفذوا كل إللي مطلوب منكم بالحرف الواحد، وكمان بلاش كلام قدام أروى تمام."
"تمام يا أحمد يلا بينا."
صعدوا إلى المكتب وولجوا للداخل دون بث كلمة واحدة.
تعجبت غصون من حالتهم لكن آثارت الصمت ولم توجه كلمة واحدة إليهم.
قالت السكرتيرة بهدوء:
"بشمهندس عُدي.. عمّ سيد الساعي عايز يقابل حضرتك."
رفع رأسه وقال بتعجب:
"خير إن شاء الله.. ماشي خليه يتفضل."
ودخل العمّ سيد بقلب مرتجف ويدعو الله أن يجد هنا ما يبغيه… ليواجه أخر فرصة ووسيلة له…
رواية حب فوق الغصون الفصل الخامس 5 - بقلم ساره نيل
أتفضل يا عم سيد، أنا تحت أمرك.
الأمر لله وحده يا بشمهندس عدي، كان ليا رجاء عندك يا ابني ويارب ما تردني خايب.
عقد حاجباه بتعجب ورق قلبه لملامح الرجل المهمومة، وقال بإحترام:
أنا تحت أمرك اتفضل طبعاً ولو أقدر صدقني مش هتأخر.
قال العم سيد بحزن:
بنتي يا ابني ليها عملية خطيرة في القلب ومطلوب مني مبلغ كبير، قدمت على سلفة أو قرض من الشركة بس اترفض روحت لمدحت بيه صاحب الشركة ومراته زيزي هانم بس هما رفضوا، مفيش قدامي غيرك يا ابني بس عايزك تتوسطلي يمكن يسمعوا منك أو تقدر تعملي حاجة.
اتصدم عدي وحس بغضب يملى قلبه من موقف الناس السلبي، إزاي في إيديهم مصلحة لحد أو تفريج كربة لإنسان ويقفوا كدا، وقف من مكانه ووقف قدام عم سيد، رفع إيده ووضعهم على أكتافه بدعم وقال بقوة وحزم:
متتكسرش ولا تحني راسك ألا للي خلقك يا عم سيد الرزاق هو الله، وعد شرف مني بنتك هتعمل العملية وهتقوم وتبقى بخير بإذن الواحد الأحد .. هكلم بشمهندس مدحت وإللي فيه الخير يقدمه ربنا ارتاح إنت ومتشلش هم.
عم سيد اندهش من معاملة عدي، كان فاكر هيكون موقفه زيهم لأنه عمره ما تعامل معاه بحكم إن لسه جديد على المكان وفي مكانة عالية، لكن الواضح إن هو ابن أصول ويختلف فعلاً زي ما قالت "غصون" عن الباقي إللي في المكان.
نظر له بإمتنان وقال بطيبة:
روح ربنا يفرجها عليك يا ابني ويعلي مراتبك ويريح بالك وعقلك وينولك إللي في بالك.
ابتسم عدي ببشاشة وقال:
أيوا كدا دا إللي محتاجة ادعيلي كتير يا راجل يا طيب.
وخرج عدي متجه حيث مكتب مدحت صاحب تلك المؤسسة وزوجته المصون زيزي هانم.
طرق الباب وتنحنح قبل الدخول حيث مكتب مديرة مكتبهم:
السلام عليكم ورحمة الله.
قامت السيدة والفتاة التي بجانها:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل يا بشمهندس عدي.. أي خدمة.
قال بأعين بعيدة:
عايز أقابل بشمهندس مدحت يا أستاذة.
ظلت الفتاة تتأمله بعدم حياء ووقاحة وقالت برقة ونبرة مصطنعة:
في حاجة معينة يا مستر عدي؟ أصل تقريباً مدحت بيه مش متفرغ ممكن ترتاح هنا شوية على ما أديله خبر.
زفر بفروغ صبر مستغفراً سراً وردد وهو يستدير:
أنا هستنا برا يا أستاذة ولما….
قاطعته السيدة الوقور وهي تنظر للفتاة بحدة:
بشمهندس عدي أتفضل حضرتك مدحت بيه وزيزي هانم موجودين هعطيلهم خبر بس.
تمام يا مدام ناهد….
ولجت ناهد للداخل وقالت بإحترام:
مدحت بيه بشمهندس عدي عايز يقابل حضرتك.
دخليه فوراً يا ناهد.
ولج عدي للداخل بشموخ وثقة مردداً تحية الإسلام فقام مدحت مسرعاً لعلمه ما أهمية عدي لشركتهم ومدى الصعاب الذي واجهتهم ليأتي إلى هنا:
بشمهندس عدي اتفضل .. أيه النور ده.
شكرًا يا بشمهندس مدحت الله يباركلك، كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
راقبت زيزي هانم الحديث وهي تعدل ثيابها وترتب خصلاتها واضعة قدم فوق الأخرى.
ردد مدحت بجدية:
اتفضل عالطول يا بشمهندس عدي .. في مشكلة أو أي حاجة.
بصراحة طالب من حضرتك سلفة أو قرض يتصرف لعم سيد مسؤول البوفية .. أنا أعرف إن في أي شركة أو مؤسسة يقدر أي عامل فيها يسحب قرض في أي وقت، والراجل بقاله مدة طويلة هنا وبيشتغل بكل تفاني وإخلاص.
ولما يقع في أزمة الواجب نساعده مش نتخلى عنه.
مدحت اتعجب جداً إن جاي مخصوص علشان يكلمة على ساعي في الشركة ليس إلا.
بينما زيزي فشعرت بالغضب فقالت بحدة:
وأيه الضامن إن واحد زي سيد يسدد قرض بالمبلغ ده؟
رد وقد بدأ يشعر بالغضب من برودهم:
هيتم خصم كل شهر جزء من الراتب بتاعه.
وهو الراتب بتاعه أيه علشان يتخصم منه يا بشمهندس عدي..
خلاص تبقا فرصة تزودوا الراتب بتاعه طالما عارفين إنه مش حاجة..
شعرت بالغضب الشديد لإجابته فأوشكت أن تهاجمه بالكلمات لكن سبق الرد من مدحت قائلاً:
بشمهندس عدي إنت عارف إننا في داخلين على بداية موسم جيد وفي قدامنا تصاميم كتير هتتنفذ والميزانية بتاعة الشركة واقعة واستعنا بيك علشان نقدر ننهض بيها…
يعني الميزانية مش حمل قرض أبداً ومتسمحش بيه..
لسه النماذج على قيد التنفيذ والمصانع بتطلب مبالغ كبيرة علشان جودة القماش وأنت عارف إللي فيها.
وأنا مقدرش أضحي بشغلي علشان عامل في الشركة.
قام عدي واقفاً قبل أن ينفلت زمام غضبه لتلك الطريقة التي يتحدثون بها واستهانتهم بحياة إنسان، وهتف بوجه محتقن:
تمام يا بشمهندس مدحت وكويس إن عرفت الكلام دا من بدري.. عن إذنك يا باشا…
وخرج دون أن ينظر خلفه ويتعجب من الحال الذي آل إليه البشر، قابله العم سيد الذي يقف بترقب ولهفة وقد انحطت عليه الهموم فشعر بقلبه ينقسم من تلك النظرة التي بعينه شاعراً بالعجز لأجله.
أيه يا ابني قالولك أيه..
ربت على كتفه يؤازره:
للأسف قالوا الميزانية مش هتسمح وعندهم موسم جديد وتنفيذ لنماذج كتيرة.
شعر الرجل بالحزن والإحباط لكن تماسك وقال:
ولا يهمك يا ابني حصل خير .. ربنا هيفرجها بإذن الله.
لم يستطيع أن يجيبه وتركه وخرج خارج الشركة بأكملها وعقله يبحث عن مخرج.
بينما سار العم سيد بأكتاف منهزمة وأعين عاجزة مليئة بالدمع.
خرجت غصون تبحث عنه لتعلم منه ما الذي حدث.
رأته يسير بهذا الإنهزام فهرولت بتجاهه قائلة:
عم سيد عملت أيه .. هو قالك أيه؟
قال إن الميزانية بتاعة الشركة متسمحش يا بنتي وهما عندهم نماذج جديدة هتتنفذ.
شعرت بالصدمة تصيب قلبها والخيبة تسيطر عليها.
جلست على أحد المقاعد في زاوية.
طب أنا ليه مصدومة فيه كدا .. وهو أنا كنت واثقة إن هو مختلف عنهم ليه .. أهو طلع زيه زي أي حد هنا ميهموش ألا نفسه، هيزعل ليه على واحد غلبان زي عم سيد ويشغل دماغه بيه وهو شكله ابن أكابر ولا داق المر.
دفنت وجهها بين راحتيها قائلة بإختناق:
يارب لطفك مش عارفة مالي وليه اتصدمت كدا وحسيت بالخيبة .. يارب افرجها من عندك .. ياريتني كان معايا أي مبلغ وكنت عطيته ليه من غير تردد.
وضعت كفها على قلبها وقالت:
يارب متعلقش القلب ده بغيرك .. إنت عارف إن أنا إنسان أضغف ما يكون مش محتاجة ولا عايزة إلا راحة البال والسكينة تسكن قلبي ده.
مدت يدها بجيبها وجذبت تلك الملاحظة التي وجدتها بجانب الملاحظات التي تركها فوق تصاميمها أمس.
لما شعرت بتلك المشاعر تهاجمها بعنف!!!
قرأتها للمرة التي لا تعلم عددها.
"تصاميمك كلها رقيقة زي وردات فوق الغصون، أبدعتي ووفقتي من الله .. أنتظر المزيد من هذا النتاج الراقي."
يارب انقذني يارب …
***
يلا بسرعة هي خرجت إفتحي الفون بتاعها، مش إنتِ عارفة الباسورد.
أيوا عارفاه يا أحمد شوفت المتخلفة دي بتفتحه كذا مرة قدامي.
طب يلا بسرعة.
فتحت صبا موبايل غصون إللي سابته وخرجت تدور على عم سيد.
فتحت برنامج الماسنجر وانتظرت رسالة أحمد إللي وصلت خلال ثواني بعد ما وصل لأكونت غصون على الفيس بوك.
قالت أسيل:
يلا يا صبا ردي على أحمد وكأن هي إللي بتتكلم.
بدأت صبا بكتابة الرسائل على لوحة المفاتيح وتبعث بها لأحمد الذي يراسلها من جانبها وتكتب الكثير من الرسائل البذيئة والغرامية على لسان غصون.
وظلوا على هذا الحال بينما أسيل تراقب الطريق حتى تكون كثير من الرسائل والمراسلات العديدة بينهم.
بس كدا .. هتعملي أرشفة أو إخفاء للشات كأنه مش موجود.
تمام .. كدا تمت أول مرحلة.
برافو يلا اقفلي البرنامج وكدا تمام أووي..خلاص كلها خطوات بسيطة ونرميها براا الشركة دي.
صح وبدل ما تبقى المصممة الرئيسية هنا والكل مفكر إنها مبدعة والشغل ده يعرفوا قذارتها وحقارتها وناخد إحنا مكانها.
أنا شايفة إن مفيهاش حاجة مميزة يعني علشان بشمهندس مدحت ينفذ كل الديزاين بتاعها.
هانت وهو إللي هيسحبها ويطردها من هنا.
***
فضل يدور في الشوارع بعربيته حزين مهموم ونفسه يقدم أي مساعدة لإنقاذ أبنة هذا الرجل، تذكر الكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن تفريج كروب المسلمين.
فمن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة.
وقف قدام أحد المساجد ودخل ثم توضأ وبدأ بصلاة ركعتان فالآن يشعر بضيق وغضب شديد والغضب من نار ولا يطفأ النار إلا الماء .. والضيق سيذهب بالحديث مع المولى عز وجل…
جلس عندما إنتهى وشرع يكرر الحوقلة ويستغفر….
وفجأة … اتسعت عيناه عندما تذكر…
إزاي نسيت الموضوع ده.
وخرج من المسجد مسرعاً ثم قاد سيارته بأقصى ما لديه وبعد مدة توقف أمام أحد البنايات وصعد إليها.
السلام عليكم.
وعليكم السلام ..
أهلًا يا عدي. الحمد لله على سلامتك.
الله يسلمك. المهم يا محمود، ضروري أنا هنسحب من المشروع ومحتاج السهم بتاعي ضروري.
الله الله! خير يا ابني، في إيه يا عدي؟
مفيش وقت للكلام ده يا محمود، محتاج الفلوس ضروري.
معدش وقت يا عدي، وانسحابك ده هيخسرك كتير.
سيبها على الله يا محمود، قولتلك محتاج الفلوس حالًا.
طب طمني طيب، خالتي نبيلة تعبانة؟
لا أمي بخير، بس يلا خلص الإجراءات ضروري وحالًا.
حاضر حاضر، وإنت حر يا عدي، أنا أصلًا مش فاهم حاجة.
قال عدي بإبتهال:
يارب قدرني أساعده. يارب اشفيها يا الله.
وضع العم سيد أكواب القهوة أمامهم، وغصون تنظر له بعجز وهو يسير بهذا الحزن.
ارتفع رنين هاتفه، فأخرجه من جيبه فوجد أن المتصل زوجته.
أغمض عيناه بحزن وأدرك أن صغيرته قد انتقلت بجوار خالقها. لاحظت غصون هذا فخرجت خلفه وقد ارتعتشت دقات قلبها خوفًا.
أمسك الهاتف بأيدي مرتعشة وأجاب بتردد:
بنتي ماتت صح يا فادية؟
مسك في العمليات يا سيد بقالها ساعتين، والدكتور بيقول العملية ماشية ما شاء الله وهتبقى كويسة إن شاء الله.
إنت بتتكلمي إزاي يا فادية؟ مسك إزاي في العمليات؟ أنا مدفعتش الفلوس! إنت بتتكلمي بجد؟
والله يا سيد بنتك بخير. ربك كبير. في شاب هنا الله يباركله دفع التكاليف وكمان نقلنا لمستشفى خاصة ونضيفة قوي ووصى أحسن الدكاترة على مسك ومشى.
يا كريم يارب. مين الشاب ده يا فادية، وقالك اسمه إيه ولا هو مين؟
أنا والله ما شوفته ياخويا. المستشفى اللي بلغتنا ونقلتنا لمستشفى تانية. بس سألت في إدارة المستشفى وواحدة من الممرضات قالت اسمه باين. عدي.
الله يباركله ويصلح حاله ويجبر بخاطره.
اتصدم أول ما سمع اسم عدي ووقف مش عارف يفكر إزاي. قال بفرحة مقدرش يخبيها:
قولي عنوان المستشفى وأنا مسافة الطريق وأكون عندك.
أخبرته مكان المشفى وأغلق وهو يدور مكانه يحمد الله بصوت مرتفع وقد هبطت دموعه ليسجد شكرًا لله.
شكرًا يا حنين. يارب لك الحمد يارب حتى ترضى. يارب كمل شفاها يارب.
عم سيد أيه الأخبار؟ مالك بتعيط ليه؟ حصل حاجة؟
كانت غصون اللي جت حلفه تسأل عن ما حدث.
غصون يا بنتي، طلع كلامك فعلًا صح. عدي يختلف عن كل الناس اللي هنا. الله يباركله ويجبر بخاطره، ربنا يصلح حاله ويزيده.
تسائلت بعدم فهم:
طب في إيه، فهمني إيه اللي حصل؟
بنتي يا أستاذة غصون دخلت العمليات الحمد لله. وكمان نقلها لمستشفى خاصة ودفع كل التكاليف، الله يجبر بخاطره.
قصدك مين يا عم سيد؟
عدي.
مش إنت قلت إن قالك إن مزانية الشركة مش هتسمح؟
أيوا مدحت بيه قاله كدا بعد ما طلب منهم، بس باين إن هو اللي اتكلف بالعملية من فلوسه الخاصة.
هروح يا بنتي المستشفى وأشكره.
وقفت مصدومة وحست الأرض بتدور بيها، قالت بدهشة:
عدي! أنا أول مرة في حياتي أكون سيئة الظن في حد. ظلمته في فكرتي عنه.
رواية حب فوق الغصون الفصل السادس 6 - بقلم ساره نيل
_السلام عليكم، إزيك يا بابا.
_وعليكم السلام، الحمد لله يا غصن، إيه القمر هل علينا وبيتصل يعني.. مش انت لسه في الشغل.
_أيوا يا أبي لسه في الشغل بس كنت عايزة بس أستأذن من حضرتك على مشوار كدا.
_خير يا غصون في حاجة ولا أيه يا بنتي.
_عم سيد الساعي اللي في الشركة هنا انت عارفه، بنته مسك تعبانة وبتعمل عملية خطيرة في القلب وهو كان مهموم وخرج بسرعة على المستشفى لأن مراته لوحدها.
_لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يشفيها ويعافيها يارب، خلاص يا بنتي روحي واقفي جنبهم بس متتأخريش يا غصون علشان في موضوع كدا عايزك فيه.
_حاضر يا بابا ومتنساش تقول لماما، بس هو في حاجة ولا أيه!
_خلاص يا بنتي مع السلامة لما تيجي نبقى نتكلم.
خرجت من الشركة بعد ما أخدت إذن بالخروج ساعة بدري عن ميعادها، ركبت أول تاكسي قابلها وقالت للسائق عنوان المشفى بعد أن أخدته من العم سيد.
بعد قليل وصلت للمستشفى.
طلعت تسأل عن مكانهم وبتدعي من جواها ربنا يشفي مسك وميحرقش قلب أهلها عليها.
_السلام عليكم، ممكن أعرف مكان بنته جت هنا تعمل عملية اسمها مسك سيد.
قالت موظفة الإستقبال بعملية:
_أيوا يا فندم مسك في غرفة العمليات لسه مخرجتش وأهلها منتظرين في استراحة العمليات.
_تمام، طب فين الإستراحة.
_في الدور الرابع على الشمال.
_شكرا جدا.
صعدت للمكان على أقدامها وهي بتبص حوليها على المرضى اللي داخلين وخارجين واللي بيتوجع واللي أهله واقف يدعي بترقب، أهوال وأوجاع مختلفة.
قالت غصون بدموع محبوسة ومن قلبها بصدق:
_يارب انت الحنين اشفيهم وخفف عنهم يارب، انت أحن عليهم مني ومن أي حد.. الدنيا مليانة اضحكي يا غصون ربنا رحيم قوي وانت في نعمة مش حاسة بيها ده انتي لما بيجيلك شوية صداع بتبقي على أخرك.
الحمد لله يارب، شكرا يارب على كل شيء سامحني على أخطائي وذلاتي يا أرحم الراحمين.
فعلا الحكمة من زيارة المريض كبيرة قوي وبتخلي الواحد يقف مع نفسه وقفة جديدة، الاتعاظ من ابتلاءات الغير اللي أكيد مقابلها ثواب عظيم من رب العالمين ولها عوض كبير وتخفيف للذنوب.
الحمد لله دائمًا وأبدًا، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به خلقه وفضلني على كثير من عباده.
وصلت الدور الرابع واتلفتت حولها في المكان فتفاجأت بـ عدي اللي تفاجأ بيها برضه.
شعرت بالحرج وأخفضت عيونها ثم رددت تحية الإسلام على استحياء:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال العم سيد بدهشة لما شافها:
_وعليكم السلام، آنسة غصون! تعبتي نفسك ليه بس يا بنتي.
قالت بهدوء وداخلها متوتر لتواجده ولا تعلم لماذا:
_ولا تعب ولا حاجة يا عم سيد، مسك أختي ولازم أكون جنبكم في موقف زي ده.
_ربنا يباركلك يا بنتي كتر خيرك.
ذهبت بإتجاه الخالة فادية التي تبتهل بالدعاء وهي تبكي، تسائلت غصون وهي تجلس بجانبها وتربت على كتفها بمواساة لترتمي الأخرى على كتفها تبكي فاحتوتها غصون ومسدت على ظهرها برفق:
_أخبار مسك إيه؟ محدش من الدكاترة طمنكم؟
لم يستطع العم سيد الذي يجلس بإنهيار الإجابة وأيضًا لم تختلف زوجته عنه، فأجابها عدي بنبرة رزينة هادئة:
_إن شاء الله بخير، الدكتور قال العملية ماشية تمام ومعدش وقت وهتخرج بس هي العملية بتاخد وقت ودا اللي مقلقهم.
_عم سيد استعين بالله واصبر، البكا عمره ما هيفيد مسك صدقني كل اللي يقدر يساعدها هو الدعاء، ادعيلها انت وخالتي فادية وخلي عندكم أمل ويقين بالله ومتنساش إن ربنا على كل شيء قدير، ده اختبار لكم ولازم تنجحوا فيه وادعوا وانتوا كلكم يقين، أنا واثقة إن مسك هتخرج وربنا هيتم شفاها على خير وهتمارس حياتها بطبيعية جدًا كمان.
_يارب يا بنتي يارب يا غصون ادعيلها كتير انتي قلبك نضيف وطيبة.
قالت الخالة فادية بانهيار:
_يارب يا بنتي ونعم بالله.. يارب يا حنين علينا يارب اجبر بخاطرنا يارب وفرج الكرب.
ابتسم عدي تلقائي أول ما سمع كلماتها اللطيفة واللي كان لها وقع جميل على قلبه، رقيقة شبه الورود اللي فوق الغصون، هي غصون رقيقة مجمعة أحلى وأندر الورود.
اتنهد بعمق وربت على ظهر العم سيد قائلًا:
_يلا يا عم سيد نصلي العصر حاضر وإن شاء الله ربنا يفرجها من عنده، يلا شد حيلك كدا المسجد جنب المستشفى عالطول.
_بشمهندس عدي إحنا تعبناك معانا والله كتر خيرك انت عملت اللي عمر ما كان حد يعمله أنا مكسور...
قاطعه عدي وقال بحزم:
_عيب الكلام ده يا عم سيد أنا مش زي ابنك ولا إيه، وبعدين أنا معملتش حاجة ولو سمحت متقولش الكلام ده تاني.
يلا بينا نصلي العصر.
قام عم سيد وسنده عدي ده كله كان تحت مسامع غصون اللي ابتسمت بإبتهاج لإختلافه الملحوظ لكن زاد ندمها على سوء ظنها.
قالت للخالة فادية برفق:
_يلا إحنا كمان يا خالتي تعالي نصلي ونبرد قلبنا بالصلاة وبإذن الله فرج ربنا واسع.
قامت الخالة فادية معاها بصمت ومشت ببطء يناسب عمرها بالإضافة لحزنها الذي يثقل كاهلها، تمسكت بغصون من ذراعها، وقالت بإمتنان:
_ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، وقفتك معانا دي انتي والبشمهندس عدي مش هننساها أبدًا ربنا يبارك فيكم يا بنتي.
_أنا معملتش حاجة يا خالتي فادية، المسلمين لو موقفوش جنب بعض وساندوا بعض أمال مين يعمل كدا، إحنا كلنا إخوة ودي كلها حاجات بسيطة.
_ربنا يكتر من أمثالكم يا بنتي.
دخلوا المسجد وغصون ساعدتها في الوضوء ووقفوا متراصين بعد ما سمعوا إقامة الصلاة.
وفور أن سمعت صوت الإقامة العذب أدركت أنه عدي.
ودون أن تدري ارتسمت إبتسامة ندية على شفتيها.
وكانت الصلاة هي أول شيء يجمعهم.
انتهت الصلاة وخرجوا سويًا ثم صعدوا مرة أخرى للمشفى وجلسوا مرتقبين أمام غرفة العمليات، وبعد قليل أتى العم سيد بمفرده فاعتقدت أنه رحل.
قالت غصون سرًا:
_استغفر الله العظيم.. استغفرك وأتوب إليك يارب، يارب يا حبيبي متعلقش قلبي بغيرك، خايفة قوي يارب من أن أعمل حاجة تغضبك وتزعلك مني وكمان توجعني وتأذيني.
بستعين بك يا الله وبستنجد بك أنا ضعيفة وبخاف من الوجع بس قوية بيك يا أرحم الراحمين.
دقائق وخرج طاقم من الدكاترة والممرضين انتبهت غصون وهرولوا جميعًا بإتجاههم.
قالت الخالة فادية بلهفة أم:
_طمني يا دكتور، بنتي عاملة إيه.. هتبقى كويسة، أنا عارفة إن ربنا مش هيردني خايبة أبدًا.
ابتسم الطبيب ببشاشة:
_اطمني يا حاجة ربك كبير، بفضل الله تمت العملية بنجاح وكان فيها تيسير وسهولة أنا مشوفتهاش قبل كدا، الآنسة مسك بأمر الله هتقوم زي الحصان وأفضل من الأول كمان لأنها مكانتش برعايتنا دي برعاية الرحيم.
أول ما قال الكلام ده عم سيد سجد على الأرض بإنهيار وبكى بتشنج وصوت عالي وبيكرر من بين بكائه:
_لك الحمد يارب.. لك الحمد يارب.
غصون دموعها نزلت تلقائي غرقت وشها وبصت لفوق وقالت بكل حب ويقين وامتنان:
_أنا كنت واثقة.. أنا كنت عارفة.. انت عمرك ما خيبت ليا رجاء وظن.. أنا بحبك قوي يارب.. انت حبيبي يارب.
بينما صرخت الخالة فادية ببكاء:
_حنين يارب.. حنان ومنان شكرًا يارب العالمين.
كان عدي واقف في بداية الممر وشاف فرحتهم ابتسم وهمس وهو بيغمض عينه:
_ لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد بعد الرضا ولك الحمد إذا رضيت، أشفي كل مريض يارب.
قال الطبيب الشاب والذي وجهه يحمل البشاشة والصفاء بإبتسامة وهو يرى فرحتهم:
_إن شاء الله الآنسة مسك هتتنقل للعناية لغاية ما تفوق كدا ونطمن عليها وتقدروا تدخلوا تشوفوها كمان.
تسائلت فادية بلهفة:
_هي كويسة يعني يا دكتور.. ليه عناية هو في خطر عليها.
_ لا لا طبعًا بس علشان تبقى تحت المراقبة وناخد بالنا منها أكتر والحمد لله على سلامتها.
_الحمد لله، الله يسلمك يابني.
ورحل الطبيب عبيدة وهو يبتسم ويحمد الله على إعانته له ويدعو أن يتم شفاءها إلى أن تتماثل تمامًا.
قابل عدي الذي ابتسم له وتسائل:
_إيه يا دوك كل حاجة تمام.
_بفضل الله يا هندسة، أنا بشكرك إن استعنت بيا في العملية دي.
قال عدي بمرح وهو يغمز له:
_ الله الله.. ده شكل الصنارة غمزت ولا إيه عبيدة باشا.
_طول عمرك دماغك شمال يا صاحبي كدا وبتفهم غلط.
_قصدك بفهم صح!
_روح روح يا أخ النحنوح انت كمان.. محدش أحسن من التاني ولنا قاعدة طويلة سوا.
_سلام يا أخ عبيدة.
اقترب منهم وهو يحمل بين يديه أكواب من القهوة وعبوات عصير وبعض الشطائر، مد يده ووضعهم بينهم ثم قال:
_عارف إن لو قولتلكم تعالوا تاكلوا حاجة مش هتوافقوا، اتفضلوا دي حاجة بسيطة على الأقل علشان تقدروا تقفوا على رجليكم وأتمنى محدش يعترض.
قالت فادية وهي تمسح دموعها:
_والله يا بني أنا محرجة منك.
إنت من الصبح واقف معانا وشيلت هم مش همك.
_لو سمحتي يا حاجة متقوليش الكلام ده صدقيني أهم حاجة بنت حضراتكم تكون بخير وتقوم بالسلامة. اعتبريني زي ابنك.
_الخير موجود لسه يا بني والدنيا لسه بخير. ربنا يبارك في إللي ربيتك ومتشوفش وحش فيك ويسعدك يا عدي.
_الله يباركلك يا أمي.
اخفضت غصون عيونها وفركت إيديها بتوتر بدأ يسيطر عليها في وجوده. استعانت بالحوقلة والإستغفار.
"في حاجة غريبة أووي أيه إللي بيحصل ده!!"
قلبها!!! بيدق بطريقة مرعبة جداً. دا إللي كانت بتدعي دايمًا إن ميصبهاش.
بيدق بطريقة بتخوفها!
فضلت تضم إيديها بقوة. دلوقتي بتتمنى إنها تهرب في أي مكان.
قرب عدي منها ومد إيده ببعض العصائر والشطائر وقال وداخله مضطرب لمجرد الحديث معها:-
_اتفضلي يا آنسة غصون حاجة بسيطة بقالك فترة هنا وجاية من الشغل.
بلعت ريقها وحاولت تخرج صوتها وهي حاسة بالحرج والإضطراب. تنحنحت وقالت بتحشرج وصوت متقطع:-
_أنا شكرًا يعني مش عايزة.. مش جعانة.
_يعني هتكسفي إيدي يا آنسة غصون؟ يلا اسمعي الكلام وخديه الله يهديك.
أماءت برأسها وسحبت ما بيده دون أن تنظر.
_شكرًا يا بشمهندس.
ابتسم وقال ببعض المرح:-
_إحنا مش في الشغل. تقدري تقولي عدي بس بلاش بشمهندس.
احمرت وجنتيها وكان لابد من الهروب. وقفت بتوتر وهرولت وهي تقول بتوتر:-
_تلفوني بيرن هرد عليه.. عن إذنكم.
خرجت بعيدًا وسندت على أحد الجدران وهي تتنفس بعنف واضعة يدها على قلبها:-
_لطفك يا الله. أول مرة يحصلي كدا في حياتي. بجد وجوده خطر جدًا.
غابت الشمس وكان لابد لها من العودة للمنزل. بعد أن استعادت أنفاسها وهدأت دقاتها عادت لهم.
قال لها العم سيد:-
_يلا يا غصون روحي إنت يا بنتي كفاية عليك كدا مينفعش تتأخري أكتر من كدا. وإنت يا بشمهندس عدي كتر خيرك يا ابني من صباح ربنا وإنت واقف على رجلك.
ماسكه بقت بخير وكدا كدا مش هتفوق إلا الصبح.
قالت غصون وهي تودعهم:-
_حاضر يا عم سيد وإن شاء الله هاجي أشوف ماسكه بكرا بعد ما تفوق. لو إحتاجتي أي حاجة كلميني يا خالتي فادية.
_ماشي يا بنتي. يلا روحي علشان متتأخريش وابقي طمنيني إنك وصلتي.
_حاضر. مع السلامة.
واستدارت راحلة دون أن تنظر خلفها.
بينما قال عدي بجدية:-
_لو في أي حاجة متترددش ترن عليا يا عم سيد. وأنا هتابع معاك.
_إن شاء الله يا بني ربنا يبارك فيك.
_السلام عليكم.
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وخرج عدي خلف غصون التي وقفت تنتظر سيارة أجرة من تلك المنطقة البعيدة.
وجدها تقف بمثل هذا الوقت وفي تلك المنطقة فوقف عاجزًا حائرًا لا يدري ماذا يفعل!
أيعرض عليها أن يوصلها أم ماذا!
اقترب منها ببطء حتى وقف خلفها. وقال بهمس:-
_آنـسـة غـصـون.
رواية حب فوق الغصون الفصل السابع 7 - بقلم ساره نيل
سمعته ينادي اسمها بصوت منخفض فأغمضت عيونها جامد ولم تستدر أو حتى تجيب.
عندما لم يجد منها رد أدرك أنها تتحاشى الحديث معه، فعاتب نفسه على ذلك. استدار هو الآخر معطيًا ظهره لها وقال وهو على حاله:
_ مينفعش تروحي لوحدك في وقت زي ده والمكان بعيد، ممكن أوصلك أو أركب معاك التاكسي لغاية ما توصلي بيتك.
اتصدمت من كلامه، بس أدركت إن ده مجرد موقف شهم منه، ولو كان أي شاب ابن ناس مكانه كان موقفه هيبقى زيه.
قالت غصون برفض تام ومازالت على حالتها:
_ شكرًا يا بشمهندس، مينفعش بأي شكل من الأشكال أركب مع حضرتك ولا تركب معايا التاكسي، ده كمان ميصحش، ربنا هيسهلها وهقدر أروح لوحدي. كمان مينفعش أقف أتكلم معاك في الشارع، عن إذنك.
وسارت بعض خطوات مبتعدة عنه، لكن ظلت تحت أنظاره. لم يغضب ولم تثر حفيظته، بل ابتسم بخفة وسار نحو سيارته وهو يقول:
_ شاطرة يا غصون، الحب في قلبي، بس شكلك عنيفة أوي، على العموم نستنى لغاية ما تركب ونطمن إنها وصلت بخير.
ركب سيارته وظل منتظرًا بها، وهي منتظرة سيارة أجرة. لمحته وهو داخل السيارة ولم يرحل، فابتسمت في الخفاء.
أشارت سريعًا لسيارة أجرة، سائقها رجل مسن فتوقف لها وركبت لينطلق بعدما أملته العنوان.
بينما تحرك عدي خلف السيارة. سندت رأسها على زجاج الشباك ولمحته من المرايا وهو وراها، وظل يسير خلفها حتى توقفت سيارة الأجرة أمام منزلها، ليتوقف بعيدًا وهو يشاهدها تترجل من السيارة.
التقطته قبل أن تدخل، فتبسمت وصعدت بحماس.
بينما هو، فدار بسيارته عائدًا لمنزله، وردد وهو يتنهد:
_ الحمد لله سلامتك يا غصني، كده أنا ارتحت.
***
_ أخيرًا شرفتي يا ست غصون.
_ هو أنا غبت يا هدهد؟ أنا جيت على طول أهو.
قالتها وهي تقبل وجنتها، لتلكزها والدتها بكتفها وقالت بتذمر:
_ شاطرة تتصلي بأبوك وأمك تنسيها خالص كده.
_ ألاه، انتِ زعلتي يا بيضة؟ بس على فكرة أنا قولت لعبده يقولك، لأن الوقت كان متأخر.
_ يلا مش مشكلة، المهم قوليلي دكتورة ماسك عاملة إيه يا غصون؟ بقت بخير؟
_ الحمد لله يا ماما، العملية نجحت والدكتور طمنا وقال إنها هتكون بخير.
_ يا رب يا بنتي، ربنا يتمم شفاها على خير. وقوليلي جيتي من برا تجري على البلكونة ليه كده؟
أخذت غصون تبدل ملابسها وتبعد خمارها، ثم تحرر خصلاتها وقالت بهدوء:
_ كنت بشوفه مشي ولا لأ.
ضربت هدى على صدرها بدهشة وتساءلت بصدمة:
_ هو مين ده يا غصون اللي مشي؟ وكمان جاي لحد هنا؟
جلست غصون على فراشها وسحبت والدتها من إيديها وقالت:
_ تعالي يا هدهد وأنا أحكيلك.
وبدأت تحكيلها على كل حاجة من بداية أزمة عم سيد ومشكلته مع الفلوس، لغاية ما وصلت هنا.
قالت هدى بسعادة:
_ الله يبارك في اللي ربيته يا بنتي، والله الدنيا لسه فيها خير يا غصون، ربنا يكتر من أمثاله. فعلاً ابن حلال ومسابكيش إلا لما وصلتي البيت في وقت زي ده، ربنا يسترها معاه دنيا وآخرة.
_ أيوا عندك حق يا ماما، نادر لما حد يقف الواقفة دي مع غيره. أنا أسأت فيه الظن في البداية وقولت إنسان أناني ميهمهوش مصايب الناس، وفي الآخر ووقت ما كنت بقول كده كانت ماسك في العمليات بعد ما ربنا سخره لها. ربنا يسامحني على ظني ده.
_ إن بعد الظن إثم يا غصون، ومش لازم كل حاجة نشوفها نصدقها. الظواهر ساعات بتبقى مش حقيقية، لأن محدش عارف ظروف حد. لقدر الله لو مكانش معاه المبلغ ده أو لو مقدرش يعمل اللي عمله، يبقى هو كده إنسان مش كويس.
لا يا بنتي مش كده أبدًا، وربنا أعلم المبلغ اللي دفعه ده وصله بتعب قد إيه ولا ضحى بإيه عشان يوصل للي وصله.
قالت غصون بندم وهي زعلانة من جواها على تفكيرها:
_ عندك حق يا ماما، أنا اتسرعت في حكمي. أصلًا إحنا مش لنا الحق نحكم على حد، بس ده كان من حزني على عم سيد وقلة حيلتي، غير المحيط اللي أنا جواه والطبقة دي فيهم طبائع مش كويسة خالص يا ماما.
بيكرهوا بعض وبيكرهوا اللي أحسن منهم، وفيهم اللي بيدوس على الناس الغلابة وبيحتقروهم. مش عارفة إيه السبب، مش إحنا كلنا خلق الله وبشر زي بعض، ومفيش فرق عند رب العالمين إلا بالتقوى والعمل الصالح.
ليه الحقد والكره اللي بقى في نفوس بعض الناس ده يا أمي؟ وليه الناس مش بتساند بعضها وتحب لغيرها الخير؟
ليه كل واحد مش في حياته وبس، ولازم يدخل في حياة غيره ويتابعها. تعرفي لو كل واحد وفر جهد متابعة غيره ده لتعديل حياته والاهتمام بيها، مكانش الحال بقى الحال.
تلاقي بعض الناس مهتمة باللي لسه ربنا مرزقهاش بالزوج الصالح، واللي ربنا رزقها واتخطبت وطولت شوية في الخطوبة، برضه مش عاجب، ويقولولك دي طولت أوي.
واللي تتجوز وربنا ميرزقهاش بالذرية أو تتأخر، برضه مش بتسلم من كلامهم، وحتى لو خلفت تسمعي كلام غريب. شوفي ده خلفتها كلها بنات، شوفي ده خلفتها ولاد ومخلفتش بنات.
بقى حالنا يحزن القلب والله، الناس بتنهش في بعضها يا أمي وكأننا مش أمة واحدة.
بعض الناس عينوا نفسهم القاضي والجلاد وبقوا يحكموا على غيرهم بأحكام غريبة، بقوا يحطوا قوانين على حسب هواهم. اللي خلصت جامعة وماتخطبتش، ربنا بقى يعوض عليها لأن كده خلاص فاتها قطر الجواز الرهيب اللي بيقولوا عليه. اللي تتم خمسة وعشرين سنة خلاص دخلت في فئة العوانس يا حرام.
ليه مش بيفهموا إن رزق الله وما بيده لا يوزع بقوانينهم المريضة.
تعرفي يا أمي أنا بحمد ربنا ومرتاحة وقلبي مطمئن إن رزقنا بيد الله وحده ومش بإيد حد من البشر أو في إيدينا إحنا شخصيًا.
فضلت والدتها تسمع كلامها بفخر والدموع في عيونها. كلام غصون كله صحيح ولا غبار عليه. ربنا رزقها بغصون فقط ولم ترزق غيرها، بس عوضها فيها عن كل حاجة.
رزانة عقل وحكمة وأدب ودين وقلب نضيف، غصون هي كنزها الثمين.
سحبت رأسها وحضنتها وقالت بكل حنان:
_ يزيدك من عنده يا ست البنات، ربنا يبارك فيكي يا حبة عيني. الخير موجود يا بنتي والشر برضه موجود، وكلنا معرضين للغلط وباب التوبة مفتوح، بس اللي يرجع ويتوب وربك غفور رحيم.
تعرفي يا غصون أنا بدعي بإيه؟ أنا نفسي ربنا يعينك كده وتغيري المكان اللي انتِ فيه. تعرفي الناس اللي فيه مش وحشين، بس هما تايهين بس ومش عارفين الطريق، ويمكن ربنا بعتك المكان ده عشان تغيري وتصالحي ما يمكن إصلاحه.
_ أنا لولا ستر ربنا عليا يا أمي، ده فضل من الله وربنا يقويني ويستعملني ولا يستبدل بيا وأقدر أفيد.
_ يا رب يا حبيبتي. آآه صحيح، نسيتني يا بت يا غصون عن اللي كنت هقولهولك.
_ خير يا ماما.
_ غيري هدومك وصلي العشا على ما أجهز الأكل، تاكلي لقمة عشان أبوكِ عايزك في موضوع.
_ خير يا ماما، هو برضه قالي وأنا بكلمه.
_ كل خير يا غصون، بس يلا خلصي وتعالي متغيبيش.
_ حاضر يا ماما، أنا برضه واقعة جوع، هاكل وأظبط بكوباية شاي بلبن عشان قدامي سهرة طويلة على تصميم قلبوظ.
_ خلاص يا أخت المصممة، هنعطلك عن أعمالك.
_ أنا عنيا لك يا هدهد.
خرجت والدتها، وهي توضأت وبدأت تصلي العشاء بهدوء وخشوع وتدعو بكل ما يملأ قلبها وما تتمناه وما تخشاه، وهل التضرع والتذلل إلى غير الله يجدي.
انتهت من صلاة العشاء بسنتها، ثم بدأت تردد أذكار ما بعد الصلاة وبعض الأذكار التي جدولتها في خطط.
مثل الصلاة على النبي عقب كل صلاة عشرون مرة، وتدريجيًا يتزايد العدد، بالإضافة إلى ورد صلاة على النبي مع أذكار الصباح والمساء وفي أوقات الفراغ والمواصلات.
وهكذا مع الحوقلة والاستغفار وذكر الله.
قالت بإرتياح وهدوء وقلبها مليان سكينة:
_ آآه الحمد لله، أنا كده مرتاحة جدًا.
مسكت فونها وفتحت الكاميرا وضغطت على زر تسجيل الفيديو، وبعدها تنحنحت وقالت وهي قدام الكاميرا:
_ الحمد لله، شوفي يا غصون السكينة والطمأنينة اللي جواكي دي عمرك ما هتحسي بيها إلا وإنتِ مع ربنا وجمبه. أنا حقيقي مش ببقى فرحانة إلا وأنا مع ربنا. بالي بيبقى مرتاح وحاسة من جوايا بهدوء وارتياح وعندي طاقة أهد جبال.
دي مش شطارة منك يا ست غصون، ده فضل ومنة من ربنا، لازم تشكريه عليها دائمًا.
وصحيح، لازم نعمل خطط جديدة وتتعودي على عبادات جديدة.
النهاردة كان يوم مميز جدًا ومليان برحمة ربنا وعطاياه. دكتورة ماسك بنت عم سيد بقت بخير والمشكلة اتحلت.
وإياكِ يا غصون تبقي سيئة الظن في حد تاني، دعي الخلق للخالق يا غصون يا وحشة.
أنا فرحانة إن لسه موجود حد بالخير ده، وبعتذر من كل قلبي للإنسان ده، أنا مدينة بإعتذار له.
احمرت وجنتيها بخجل وتأملت وجهها بالكاميرا، ثم ابتسمت وأغمضت عينيها هامسة بنبرة محبة بحروف اسمه دون أن تشعر:
_ عـــــــــــــــــدي...
_ غــــــــــــصـــــــــون إنتِ يا بنتي اتأخرتي كده ليه؟ بتعملي إيه جوا كل ده؟
فور أن سمعت والدتها وأدركت ما قالته، سقط الهاتف من يدها بذعر.
_ إيه اللي أنا بعمله ده.
أغلقت تسجيل الفيديو، ثم خرجت وهي تقول:
_ أنا جيت أهو يا هدهد، هاا عاملة أكل إيه النهاردة؟
عيونها لمعت أول ما وقعت على المكرونة البشاميل على طاولة الطعام المستديرة.
جلست وهي تشمر عن ساعديها وترفع خصلاتها المموجه بدبوس شعر.
_ يا سلام، مكرونة بشاميل يا هدهد.
كدا أحبك موت.
_بت بتاعة مصلحتها وبس .. شوف البت علشان بطنها تقول كدا أحبك.
قال الحاج عبد القادر والد غصون وهو يدخل وبيده كيس صغيرة:
_سيبك منها يا هدهد ولا تزعلي نفسك خالص، أنا يا ستي بحبك من غير أي حاجة وشوفي جايبلك أيه!
ابتسمت هدى بسعادة وقالت:
_حمد لله على السلامة يا أبو غصون.
أخذت الكيس من يده لتجد أعواد العسلية التي تحبها، لمعت عيونها وشعرت بالسعادة، فعلى الرغم من أنه يبدو شيئًا بسيطًا إلا أنه بالنسبة لها عظيم جدًا لكونه دائمًا يتذكر ما تحب ويحضره لها.
_تسلم إيدك يا غالي عليا تعيش وتجيبلي...
تنحنحت غصون وقالت بصوت مرتفع:
_أحممم نحن هنا يا عصافير.. ولا أما أكل أحسن، بسم الله الرحمن الرحيم.
ضحك والديها وهم يجلسان حول المائدة، وقال والدها:
_أيه مزعلك كدا بس يا غصن.. ابقي إديها عسلية يا هدهد.
رفعت أكتفها وقالت بمرح:
_لا وهزعل ليه يا حاج عبدو، ربنا يديم المحبة، خلي العسلية بتاعتك يا هدى بالهنا على قلبك.
ضحك الجميع وتناولوا الطعام في جو مليء بالدفء والود يبهج النفس، كان له أثر بتكوين شخصية غصون المستقيمة.
فرغوا من طعامهم وتمتموا بالحمد.
قال الحاج عبدو براحة بال:
_الحمد لله الذي أطعمني هذا وسقاني من غير حول مني ولا قوة.
وهكذا رددت هدى وغصون.
لعقت غصون أصابعها قالت:
_لذيذة يا هدهد تسلم إيدك ويديمك لنا.
قالت هدى بإمتعاض على لعق أصابعها:
_بردوة مش هتبطلي بعد الأكل تاكلي صوابعك كدا وتمصيها.
ابتسمت غصون وقالت بتفهم:
_إنت تعرفي يا ماما إن بعد ما الرسول صلى الله عليه وسلم كان بعد ما يخلص طعام كان يلعق أصابعه الثلاثة وكان يأمر بلعق الأصابع وسُئلت الصحافة إللي هي الطبق.
دا خبر صحيح رواه مسلم وحكاه كعب بن مالك رضي الله عنه "رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها".
يعني الحركة اللي بعملها دي سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
تمتمت هدى:
_عليه أفضل الصلاة والسلام، ربنا يزيدك يا غصون فعلاً مكونتش أعرف المعلومة دي يا بنتي.
_ولا يهمك يا هدهد أي خدعة.
وخليكي يا ماما أنا هلم الأطباق وأغسلهم وأعمل الشاي وهاجي طيارة.
قال والدها:
_متتعبيش نفسك يا غصون إنت طول النهار واقفة على رجلك.
_وماما بردوة مش بتقعد يا بابا.. دي حاجة بسيطة هخلص وأجي عالطول.
قالت هدى بحنان:
_ربنا يباركلك يا غصون.
وخرجوا بالشرفة وجلسوا يتسامرون إلى أن تأتي بأكواب الشاي.
بينما غصون جمعت الأطباق وقالت وهي بترفعهم:
_ "الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفٍ ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا."
وقامت بغسلهم ورصت أدوات المطبخ بترتيب ثم أعدت كوبان شاي لوالديها وكوب شاي بالحليب لها وحملتهم للشرفة.
_وأدي قاعدة.. الشاي يا جلالة الملك الشاي يا جلالة الملكة.
_بطلي لماضة يا بت.
_أديني سكت.
أجلى والدها صوته وقال بهدوء:
_الموضوع اللي كنت قولتلك عليه يا غصون، لقيت اتصال من واحد بيقول إن بيشتغل في الشركة اللي بتشتغلي فيها اسمه حازم حكيم.
ابتسمت غصون وقالت بصدق:
_فعلاً يا بابا أخد رقمك وقالي إن عايز حضرتك في شغل خشب بعد ما عرف إنك شغال في الخشب وأنا قولت خير رزق من عند الله.
_هو فعلاً اتصل عليا يا بنتي بس مكانش عايز شغل ولا حاجة.
عقدت غصون حاجبيها بتعجب وتسائلت:
_أمال أيه.. مع العلم هو قالي كدا.
ابتسم والدها لصدق نواياها وقال:
_استاذ حازم طالب إيدك ولقيته جاي لغاية هنا كمان، عرفنا على نفسه وحكى لنا على كل أموره وكل اللي عنده وفي الآخر قلنا على اسمه بالكامل علشان لو سألنا عليه، وأنا قولت أقولك قبل ما نقرر أي حاجة.
توسعت عيون غصون بصدمة لتلك المفاجأة ولا تعلم لماذا أصابتها تلك الرجفة وهاجم عقلها طيف عدي!
اهتز ثباتها ولم تدري بماذا تجيب!
حاولت إبتلاع ريقها الذي جف ورددت بتيهة:
_حازم..!!! يعني مش عارفة اتفاجأت جداً.
طب إنت قلت أيه يا بابا ولا رأيك أيه.
قال الأب بعقلانية:
_والله يا بنتي مبدئياً الشاب واضح عليه ذوق ومحترم وكمان أول ما خرج من هنا سألت عليه كام واحد معرفة كدا ومحدش قال عليه كلمة وحشة، أسرته كويسة، والده متوفي وهو بنى نفسه بنفسه.. دا يعني كسؤال مبدئي بس قولت الكلمة الأولى والأخيرة لك قبل ما يجي ويدخل البيت وتقعدي معاه.
قالت هدى بخوف أم:
_براحتك خالص يا غصون خدي وقتك حتى من قبل ما يجي، ومش هيضر يا بنتي لو جه وقعدتي معاه وشوفتي هيبقى في قبول ولا لا وهترتاحي ولا لا.
وإنت قرارك في الأول والآخر اللي هيمشي ومحدش هيجبرك على حاجة.
كل ما تريده الآن الانفراد بنفسها ومناجاة ربها، تريد الإختلاء والإختباء عن الأعين.
تصنعت المرح وغصبت إبتسامة كاذبة على فمها قائلة وهي تسحب كوبها ثم تقف:
_سيبوني أستخير رب العالمين وأستشيره وبعدين أرد عليكم.. يلا سلام عليكم يا أهل الخير.
هرولت لغرفتها وولجت بداخلها ثم أغلقت خلفها مستندة على الباب وهي تضع يدها على قلبها بأنفاس سريعة وأعين متسعة مترقرقة بالدمع.
خرجت للشرفة سريعاً تتنفس ثم رفعت رأسها للسماء وبمجرد ما نظرت إليها فاضت عيونها بالدموع.
وقالت بستنجاد:
_إلحقي.. أنا متلخبطة رتبني، أكيد في حكمة من كل ده صح!!
أنا خايفة من الوجع يا حنان، طب أقولك بالله عليك يارب لو الموضوع ده في شر أبعده من بعيد لبعيد من قبل ما يدخل البيت.. لو مفيش نصيب ابعده بما شئت وكيفما شئت يارب من قبل ما يتسبب في جروح.
لو في شر اصرفه عني يارب ولو في خير قربه مني يارب.
أصلًا أنا مليش غيرك.. إنت كل حاجة، طب أقولك أنا أصلًا مليش حد أروحله وأحكيله ومحدش هيفهمني زيك يارب العالمين.. إنت فاهمني من غير ما أتكلم صح.
إنت عارف سبب خوفي وبكائي دلوقتي اللي معرفش سببه وعارف اللي جوايا اللي أنا معرفوش صح.
إنت ركني الشديد وحبلي المتين يا الله.
إنت اللي فاهم غصون بالله عليك ما تسبني ولا تتركني إلى نفسي فتهلكني.
تعرف أنا هعمل إيه دلوقتي أنا هسيب الأمور كلها لك.. أنا بطلب منك يارب تتولى أمري وترتبه أنا واثقة في اللي عندك.
دبر لي أمري فأنا لا أحسن التدبير يا الله.
ولم تدرك من لهفتها في دعائها وحديثها مع الله أنا تستحلفه بإسمه العظيم لكن الله رحيم جداً وحنان على عباده فليس هناك تكاليف في الحديث مع رب العزة.
ادعو فقط بيقين ومن قلبك حتمًا الله يستمع لكل كلمة وكل همسة.. الله حبيبك.. الله أقرب حد لك، فقط انظر للسماء.
توضأت وصّلت ركعتين قيام ليل تلتزم بهم خلف صلاة العشاء للضمان لأنها قلما ما تستيقظ ليلاً فهذا أفضل من العدم.
أكثرت من الدعاء وختمت صلاتها بالشفع والوتر ثم جلست تقرأ في كتاب الله متسلحة به في كل الصعاب.
شردت قليلاً ثم همست:
_ربنا هيدلني.. توكلي عليه يا غصون إنت هتشيلي هم ليه وتفكري وتجهدي نفسك سيبيها على الله وسلمي أمورك لله.. ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
إجابة ربنا هتجيلي بكرا.. أنا واثقة.
_غصون حبيبتي وأخيراً بقيتي حلالي.. كنت واثق ومتيقن إن دعواتي كلها هتستجاب.
نظرت له بحب مختلط بالخجل وهمست:
_وأخيراً يا عدي، أنا كمان دعيت كتير وكنت متلخبطة أووي بس الحمد لله ربنا قادر على كل شيء.
قبل جبينها ثم باطن كفيها قائلاً بعشق وحنان:
_تعرفي أنا حلمت بيكي قد أيه.. وبقالك قد أيه مرافقة أحلامي مش بتسيبيها.. بس الحمد لله غصون لعدي وبس مستحيل كنت أتنازل عنك ولا أقدر على بعدك يا غصون وجذور الحب بقلبي.. أنا مش مصدق عيني.
ترقرق الدمع بعينيها النجلاوين ورددت:
_غصون لعدي وبس.. وعدي لغصون بس.. أنا ولا هسيبك لا في الحلم ولا في الحقيقية يا عدي.
إنت اللي اتأخرت عليا واستنيتك كتير.
فجأة صرخ بصوت مرتفع يناديها:
_ غــــــــــــصـــــــــون .. غــــــــــــصـــــــــون!!
رواية حب فوق الغصون الفصل الثامن 8 - بقلم ساره نيل
اقبل يا ادمن
بعتذر عن التأخير بس في مشاكل في النت
حب فوق الغصون
الحلقة الثامنة
ناد بأعلى صوته عندما رأها تختفي من أمامه شيئاً فشيء...
ثم استيقظ بفزع وهو يتنفس بعنف ويتصبب عرقاً.
_أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ليه اختفت من قدامي كدا مرة واحدة، دا معناه أيه؟
مسح على شعره ونظر في المنبة الذي يقبع بجانبه على وحدة الأدراج فوجد أن الوقت تقارب على الفجر، قام من سريره وقال:
_استغفر الله العظيم واتوب إليه، يارب احفظها يارب واحميها من أي أذي يا الله.
توضأ وبدأ يصلي ركتي قيام ليل قبل أن يؤذن الفجر وظل يدعو بسجوده بالخير والصلاح لها ويدعو الله أن تكون حلاله ومن نصيبه بأقرب وقت.
_ربنا يجعل نصيبك أنا يا غصوني.
فرغ من صلاته وخرج من غرفته وهو يستغفر ليجد والدته تجلس ويبدو أنها قد فرغت من صلاتها للتو.
ابتسم ببشاشة واقترب منها قائلاً:
_تقبل الله يا بيلا.
_منا ومنكم يا حبيب بيلا، مالك يا عدي وشك أصفر كدا، إنت تعبان ولا أيه؟
تنهد وهو يجلس بجانبها ثم قال بعدما قبل يديها:
_إهدي يا أمي أنا بأفضل حال، بس حلمت حلم حلو وقلب في أخره وحش.
تسائلت بتعجب:
_غصون بردوه، بس أيه الوحش يا عدي ما بقالك فترة طويلة بتحلم نفس الأحلام.
_أيوا بس كانت كلها أحلام عادية وحلوة لكن بتاع النهاردة في أخر الحلم كانت بتبعد عني واختفت من قدامي.
وتابع بحزم:
_إن شاء الله بعد الشغل بكرا هروح على بيت والدها أنا عرفت مكانه وهكلمه مبدئياً وبعدين أخد منه ميعاد.
ابتسمت بسعادة وقالت:
_وأخيراً يا عدي، أيوا خير البر عاجله وربنا يا بني يسهلك أمورك ويسعد قلبك ويجبر بخاطرك يا حبيبي.
متعرفش أنا قد أيه متحمسة إن أشوف غصون ونفسي بفارغ الصبر تبقى في بيتك النهاردة قبل بكرا.
_إن شاء الله يا أمي، دعواتك بس وأنا متأكد إنك هتحبي غصون جداً.
_أنا بحبها من خمس سنين مش لسه هحبها يا عدي هو إحنا كان ورانا كلام غيرها لمدة خمس سنين والله سيرتها كانت مهونة غربتنا.
_عندك حق يا بيلا فعلاً هونت عليا كتير، التعب والغربة.
أنا كنت بحب أنام علشان أشوفها كانت بالنسبة ليا جايزة على كل حاجة حصلت في يومي.
_يا سلام على عم الرومانسي يا نااس، دي كلت عقلك على الأخر يا ابن نبيلة.
ضحك بشدة وقبل رأسها وهو يقول:
_بس إنت طبعاً الأساس يا بيلا، إنت حبيبتي الأولى ومفيش مقارنة بينكم.
_كلي بعقلي حلاوة بقااا يا سي عدي، المهم أنا مرضتش أكلمك إمبارح لما لقيتك تعبان وقولت أسيبك تفوق.
أيه إللي أخرك كدا إمبارح، كمان لقيت محمود صاحبك متصل يطمن ويقولي الحمد لله على السلامة ويسألني إنت كويسة. وبعدين بيقولي هو في أيه وعدي ماله.
أنا قلبي كان هيقف لما قالي كدا.
ولما ألحيت عليه حكالي وقالي إن إنت روحت وسحبت نفسك من المشروع وأخدت الفلوس وإنت مستعجل جداً وخرجت وإنت شكلك ميطمنش.
في أيه يا عدي إحكيلي.
تنهد مستغفراً وقال:
_هو الواد محمود ده مابيتبلش في بوقه فوله.
في الأول أنا بعتذر على موقفي لأن انسحبت من المشروع من غير ما أرجعلك وأنا عارف قد أيه كان حلمنا ونفسنا في المشروع ده، عارف التعب إللي تعبناه علشان نوصله.
بس كوني متيقنة إن ربنا هيعوض بإللي أحسن.
_طب احكيلي حصل أيه، طمني يا عدي.
بدأ يحكيلها بموضوع عم سيد ومشكلته وكل حاجة حصلت وإنتهى من رواية ما حدث ثم نظر لها وقال:
_ودا بس إللي حصل يا ست بيلا.
ترقرق الدمع بعينيها ونظرت له بإبتسامة ندية ثم رفعت كفها تمسد على شعره وقالت بفخر:
_الحمد لله يارب، خير ما عملت يا ابني خير ما عملت يا حبيبي، ربنا يضع الخير فيك دايمًا يا ابني.
في ستين داهية الفلوس المهم فرجت كربة إنسان، ربنا يزيدك من نعيمة ويعوض عليك يا عدي.
دا إبني إللي ربيته أنا فخورة بيك يا عدي.
انحنى ولثم كفيها ثم لثم رأسها ومسح دمعها مردداً:
_دا كله رزق الله يا أمي أنا وما أملك ملك لله، الفضل لله ثم إنت من بعده يا أمي، أنا إللي فخور بإن إنت أمي وإن أنا إبن إنسانة عظيمة زيك، ربنا يبارك في عمرك يا أمي.
_حبيبي ونور عيني يا عدي، قلبي راضي عندك دائمًا وأبدًا.
_وهحتاج أيه بعد كدا يا أمي، الدنيا وما فيها بين إديا.
_يلا الفجر هيأذن ألحق انزل على ما أحضرلك الفطار قبل ما تروح شغلك.
_لا يا أمي نامي إنت واستريحي النهاردة الأتنين نويت الصيام إن شاء الله.
_تقبل الله يا عدي.
_منا ومنكم يا أمي، هنزل المسجد بقاا يلا سلام عليكم.
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
خرج لصلاة الفجر وبقت هي تدعو له بالصلاح والفلاح من قلب أم صادق.
بينما أدى عدي صلاته وعاد لمنزله يقرأ سورة البقرة كما إعتاد واتبعها بترديد أذكار الصباح ثم بدأ يتجهز ليخرج لعمله بنشاط وحيويه.
بمنزل غصون لم يختلف الأمر كثيراً، أدت غصون صلاة الفجر حاضرة ورددت أذكارها وبعض آيات الذكر الحكيم لتكون لها وقوداً وعوناً وطاقة ليومها وما سيحدث به.
أخذت ترتدي ملابسها فوقع اختيارها على رداء ناعم من قماش الستان ذا لون سماوي رقيق وفضفاض وأكملت طلتها النقية بخمار من اللون الأبيض ذا نقوش من ورود الإقحوان الجميلة والمفضلة لديها، أحكمته بلفة مختلفة ورقيقة فكانت بغاية الرقي والنقاء والإحتشام.
سحبت من درجها إكسسوار رقيق من الفضة يتدلى منه ريشات صغيرة ووضعته حول معصمها.
وضعت كل ما تحتاجه في حقيبتها القماشية ذات اللون السماوي والمتناثر عليها سحب بيضاء ضاحكة.
_يلا بينا، توكلنا على الله.
خرجت من الغرفة وقالت وهي ترتدي حذائها الأرضي ذا اللون الأبيض:
_يا صباح الخيرات يا أهل الدار.
خرجت والدتها من المطبخ بينما والدها فكان يتابع الأخبار على التلفاز:
_هتخرجي من غير ما تفطري يا غصون، أنا جهزت الفطار أهو استني تفطري يا بنتي.
_لا يا هدهد أنا نويت الصيام إن شاء الله.
_ربنا يعينك يا غصن.
_يارب يا بابا، يلا همشي أنا بقى وادعولي كتير، السلام عليكم.
وخرجت ودعوات والديها تلاحقها.
قالت وهي تهبط السلالم:
_بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء.
وبعد أقل من ساعة كانت تدخل الشركة بهدوء وسكينة، دخلت مكتبها لتجد الجميع متواجد.
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محدش رد عليها غير أروى إللي ابتسمت بهدوء وقالت:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ابتسمت لها غصون وتسائلت:
_إزيك يا أروى عاملة أيه، أمال مجتيش إمبارح ليه لعل المانع خير.
_خير يا غصون ماما بس كانت تعبانة شوية وعملت أجازة على ما تشد حيلها شوية.
_ألف سلامة عليها يا حبيبتي ربنا يشفيها ويعافيها يارب.
_الله يسلمك يا غصون تسلميلي يارب يا حبيبتي.
صبا وأسيل كانوا بيبصولها بقرف وغل كبير وأحمد كان بيغلي من جواه.
_أيه يا حاجة غصون الألوان اللوكل إللي لبساها دي، الواحد عينه وجعته من ألوان الطيف دي ولا أيه يا أسيل.
ضحك كل من أسيل وأحمد بصوت مرتفع على كلام صبا وتريقتها بينما أروى حركت رأسها بعدم فايده ومسكت قلمها وأوراقها وبدأت تصمم نموذج لها.
أما غصون ابتسمت بهدوء وحركت يدها على ملابسها بنعومة وقالت ببرود أعصاب:
_ليه تتعبي نفسك كدا يا صبوبة أنا يا حبيبتي مش طلبت رأيك أصلاً، متجهديش نفسك في التعبير يا روحي وكفاية إن عجبني ومش تاعب عيوني.
اشتعلت عيون صبا بالغضب وأسيل حست بحرج من أجل صبا.
أما أحمد فبصلها بغموض وبيستحلف لها من جواه، وقال من بين أسنانه:
_شايف إن الحاجة غصون طلع لها لسان وبقت ترد وتتريق علينا.
طب خافي على نفسك بقى علشان هتعيطي كتير يا غصون هانم.
تجاهلت الرد عليه، فهي تبغض هذا الاختلاط ووجودها في نفس المكان مع مثل هذا الشخص. لكن كونهم فريق واحد بيستلزم هذا.
قطع تلك الحِدة دخول مدام ناهد فانتبه الجميع لها وأدركوا أن هناك خبر هام.
قالت بعملية وهي تقف بمنتصف المكان:
_مسابقة التصميم الرسمي تم حسمها وتم اختيار التصميم من قبل لجنة تحكيمية. في اجتماع الساعة 11 هيتم مناقشة الديزاين وعرض النموذج.
اللجنة كانت مكونة زي ما انتوا عارفين من اتنين أجانب وهما السير جون والبرنسيس أوزلام بجانب البشمهندس عدي وزيزي هانم.
والتفاصيل الباقية هتعرفوها في الاجتماع.
أتمنى الجميع يكون موجود في قاعة الاجتماعات قبل 11.
ردد الجميع:
_تمام يا مدام ناهد.
شعرت غصون بالتوتر وساد الصمت بين الجميع وهم ينظرون لبعضهم البعض بقلق، فواحد فقط من بينهم الخمسة سيتم اختياره ليمثل الشركة والمؤسسة وهيبقى ليه مميزات كتير.
وأهمها إن هيتنقل من المحلية للعالمية.
قالت غصون بداخلها بيقين تام:
_يارب يارب أجبر بخاطري. أنا واثقة وراضية بأي نتيجة. أنا اجتهدت واشتغلت كتير على التصميم ده وراضية بالنتيجة أي كانت.
وقفت أسيل تتخصر وقالت بكبرياء:
_الفوز حقي أنا وتصميمي هو اللي يستحق يكون في الصدارة لأن فعلًا مميز.
قالت أروى بهدوء:
_لجنة التحكيم هي اللي قررت وهنعرف مين هو التصميم اللي طابق كل المعايير وتوافر فيه كل الجماليات. إنت عارفة إن بيدرسوا كل تصميم من جميع الجهات.
_احلموا كلكم حقكم بس أنا اللي هفوز وهنشوف.
نظرت صبا لأحمد وهمست:
_هننفذ الخطة النهاردة؟
_هيحصل وهنفضحها النهاردة. وهتنطرد من هنا شر طردة.
والكل يعرف حقيقتها بدل ما هي عاملة فيها الخضرة الشريفة.
فتحت عيونها واتلفتت حوليها وهي تشعر بألم فظيع في صدرها وإرهاق بروحها قبل جسدها.
هرولت إليها والدتها ووالدها بلهفة.
قالت فادية بلهفة ودموع تغرق وجهها:
_مسك.. بنتي حبيبتي إنتِ فوقتي يا بنتي. الحمد لله يارب الحمد لله.
قال العم سيد بلهفة:
_آه يا مسك أبوكِ ضهره اتكسر. الحمد لله يارب. أنا أنا هروح أنادي دكتور عبيدة.
وخرج مسرعًا لتظل فادية تمسد جسد مسك بلهفة وتتحدث دون توقف:
_مسك إيه اللي بيوجعك. اتكلمي يا بنتي.
هبطت دموع مسك بغزارة بألم نفسي قبل جسدي وهمست بضعف شديد ووهن:
_كل حاجة وجعاني. كل حاجة يا.. أمي.. كل حاجة.
تعرفي قبل ما أجي المستشفى زمايلي في الكلية قالولي إيه؟ وكان عندهم حق.
تعرفي يا أمي إن كنت بتمنى الموت وبقول يا ريتني ما أقوم.
نطقت والدتها بصدمة:
_مسك.. بنتي إنتِ بتقولي إيه.
_الكل قالي حتى لو عملتي العملية يا مسك إنتِ معدتيش هتنفعي لحاجة يا حرام. متزعليش دا نصيبك. إحنا كلنا شافقين عليكِ. إنتِ مستحيل حد يقبل بيكِ وهتعيشي متعذبة طول حياتك بين الفقد ومرارة الرفض.
حتى هتفقدي أبسط حقوقك في كل حاجة.
مستحيل حد يقبل يتجوز واحدة زيك. أو حتى لو فرضًا جدلًا حصل عمرك ما هتبقي أم.
وفي نهاية دا كله.. يقولوا إحنا بنقولك الحقيقة وبنواجهك بيها أوعي تزعلي.
شوفتي يا أمي نظرت الناس ليا.
ياريت هما وبس دا أنا بشوف الشفقة في عيون الكل.
وقفت فادية مصدومة مش مصدقة إللي بتسمعه، إزاي كانت غافلة عن كل الكلام ده ومقدرتش تحمي بنتها.
هي كانت فين وبنتها بتتعذب العذاب النفسي دا كله.
أيه المرحلة إللي وصلت لها مسك تخليها بعد ما تفوق وربنا نجاها تزعل إنها عاشت واتمنت الموت.
إزاي دا حصل؟
لم تستطع الرد حيث دخل والدها بصحبة عبيدة الذي دخل مبتهجًا بإبتسامة بشوشة والسعادة ترتسم على وجهه.
_السلام عليكم.
التفتت مسك بوجهها بعيدًا وتشعر أنها تبغض هذا الطبيب لفلاحه في إنقاذها وكأنه هو السبب وليست أعمار وقدر الله.
اقترب عبيدة بصحبة ممرضة وتفحص بعض الشاشات والأجهزة بينما تفحصت الممرضة المحلول المعلق بيدها.
لاحظ عبيدة آثار الدموع على وجهها فعقد حاجباه وتسائل بإهتمام:
_آنسة مسك عاملة إيه. قوليلي حاسه بأيه. وأيه بيوجعك.
رفعت أعينها له ونظرت له بحدة وهجوم وتحدثت بوجه محتقن ألمًا:
_كل حاجة بتوجعني. وجع فظيع في صدري. ووو
مش قااادرة أتكلم.
تعجب عبيدة من هجومها ونظراتها الحادة لكن شعر بالقلق من أجلها وقال:
_الوجع طبيعي يا آنسة مسك. لازم تكوني قوية علشان تقومي بالسلامة. العملية مش سهلة ولازم يبقى عندك عزيمة واستعداد إن تكوني بخير وأهم شيء العامل النفسي وتنسي كل حاجة تانية. وو.
قاطعته بحدة ووقاحة:
_حضرتك دكتور شغلتك توصف العلاج وبس. أي حاجة تانية مش شغلتك. مش معقول أقولك تعبانة وجسمي.
آآآه. كله بيوجعني تقولي الدرس دا كله وتقولي أبقى قوية.
سعلت بوجع لتنظر إليها والدتها بقلق وتهرول نحوها. بينما عبيدة وقف مصعوقًا من هجومها الحاد عليه ووقاحتها في الحديث.
همس بخفوت:
_استغفر الله العظيم. إيه القطة الشرسة دي. هو أنا كنت عملت فيها علشان هجومها ده. لا إله إلا الله.
قال العم سيد بقلق:
_هي مالها يا دكتور عبيدة. إديها أي حاجة تخفف الوجع.
نظرت له مسك بحدة ورددت:
_أيه يا دكتور هتقف تتفرج كتير ولا. أيه.
طلب عبيدة بعض الإبر من الممرضة وهو يتمتم بسخط:
مسك إيه دي سم ومكس على بعضه.
_بتقول حاجة يا دكتور.
_بقول هتاخدي حقنة مسكنة. والعلاج ده هتاخديه في مواعيده وهتتبعي كل التعليمات وهتفضلي مشرفانه هنا شهرين.
_مش هيحصل. آآآه يا دكتور. أنا مش بحب المستشفيات. قول له يا بابا هنطلع.
نظر عبيدة للعم سيد وقال بحزم:
_لازم يبقى في التزام بالتعليمات يا عم سيد علشان ميحصلش انتكاسة. ولازم آنسة مسك تهدأ من أعصابها شوية.
_طبعًا يا دكتور هنفذ كل التعليمات وكل إللي هتقول عليه.
نظر لها بتحدي وخرج وهو يقول:
_الحمد لله على سلامتها. السلام عليكم.
همست بغضب وجفونها تنغلق:
_دكتور غبي. دا مين إللي عمله دكتور.
وذهبت بنوم عميق. ليتغير خلف جدران تلك المشفى أقدار ويحدث ما لم يتوقع.
جلس الجميع داخل قاعة الاجتماعات بترقب شديد.
غصون. أروى. صبا. أسيل. أحمد.
دخل مدحت بصحبة زوجته زيزي هانم. وبجانبهم مدام ناهد وبعض الأشخاص الآخرين.
ثم وأخيرًا دخل عدي وبيده بعض الملفات.
وقف مدحت قائلًا:
_خمس تصاميم تم اختيار تصميم واحد فقط هيمثل المؤسسة وهيفوز في المسابقة.
تم دراسة كل التصاميم من جهة خبراء أجانب وكان بشمهندس عدي ضمن اللجنة وزيزي هانم.
هنعرض التصميم اللي اختارته اللجنة.
بشمهندس عدي وزيزي هانم متحمسين عشان يعرفوا مين صاحبة أو صاحب التصميم.
شعرت غصون بالتوتر وظلت تردد بعض الآيات القرآنية والذكر لتهدأ من روعها. رفع عدي أنظاره نحوها فتبسم ويدعو الله لها بالتوفيق، وحقًا لا يعلم من صاحب التصميم المختار.
لحظة ترقب. الجميع على أعصابه ومترقب.
أطفأت الإضاءة وأضاءت شاشة كبيرة بوسط الغرفة.
نظر الجميع بترقب بينما أغمضت غصون عينيها وقلبها يدق بسرعة.
ابتسمت أسيل بتشفي وتكبر وقالت:
_وأخيـــــــــــرًا.
ظهر على الشاشة التصميم المختار لينظر الجميع بصدمة غير متوقعة مرددين:
_معقول.
فتسائل عدي بلهفة:
_مــيــــن صـــاحــب الـتـــصــمـيـم ده؟
رواية حب فوق الغصون الفصل التاسع 9 - بقلم ساره نيل
اقبل يا ادمن
حـب فــــوق الــغــــصــون
-الحلقة التاسعة- ‘9’
وقف الجميع في حالة من الصدمة والدهشة، ويوزعون أنظارهم فيما بينهم، بينما غصون كانت مازالت مغمضة عينيها.
أول ما نطق كانت أروى التي قالت بحزن:
_مش تصميمي.
فتسائلت زيزي:
_الديزاين تبع مين؟ متشوقة جدًا أعرف.
هنا فتحت غصون عينيها بحذر وترقب. توسعت عينيها ونما بها بعض الدمع، واتسعت ابتسامة عريضة على شفتيها.
وظلت تتمتم بالحمد مرارًا وتكرارًا.
ثم قالت بهدوء وسعادة تنطق بها نبرتها:
_الحمد لله. التصميم تبعي يا أستاذة زيزي.
كانت أسيل وصبا وأحمد في حال لا تُحسد عليها.
وأسيل كانت تنظر لها بغل وتوعد شديدين.
بينما عدي فابتسم باتساع وهمس:
_كنت متأكد. تصميم شبه الغصون الرقيقة المميزة والقوية في نفس الوقت.
قال بصوت مسموع موجه كلامه لها:
_مبارك يا آنسة غصون. حقيقي التصميم رائع ويستحق الفوز وفعلا جديد.
تقدمت زيزي وقالت بسعادة:
_مش هتبطلي تبهريني بقى يا غصون. شابوه لكِ يا مبدعة.
شعرت بالحرج من كم هذا الدعم والمدح. خفضت رأسها وقالت على استحياء:
_جزاك الله خيرًا يا بشمهندس. ربنا يبارك فيك.
ونظرت لزيزي بإبتسامة وقالت:
_دي عيونك بس هي اللي حلوة يا مدام زيزي. تسلميلي يارب.
قال مدحت:
_مبروك يا غصون. حقيقي بتدهشينا بأفكارك.
_شكرًا جدًا لحضرتك. الله يبارك فيك.
قال عدي بهدوء:
_ممكن تشرحي تصميمك بالتفصيل وأيه الأفكار اللي اعتمدتي عليها.
وقفت بهدوء وأماءت برأسها قائلة بإيجاب:
_أكيد يا بشمهندس.
تقدمت حتى وقفت أمام الشاشة بثقة تحت أنظار الكارهين والحاقدين وأعينهم تأكل هذا التصميم المميز الذي قدمته.
تنحنحت ثم قالت بعد أن كررت البسملة عدت مرات:
_أولًا أنا اعتمدت في تصميمي على عنصر التوفير والرقي.
لما بنحب نشتري ملابس بنقف حيرانين، لأن أوقات بنبقى محتاجين أطقم رسمية مريحة ومحتاجين في نفس الوقت طقم مناسبات.
فأنا فكرت ليه ما أجمعش بين طقم رسمي وفي نفس الوقت للمناسبات.
التصميم يظهر من الوهلة الأولى إنه فستان مناسبات.
بس في التصميم الجانبي غير.
لأن التصميم عبارة عن طبقتين، بعد ما يتم إزالة الطبقة اللي فوق هيتغير شكل التصميم تمامًا.
ده غير إن نقدر نتحكم في كون الفستان منفوش زي ما البعض بيحبوا أو غير ذلك زي ما البعض الآخر يفضلون.
ودا بيحصل من خلال قطعة قماش بسيطة هتتثبت على كل جانب من جوانب التصميم.
الطبقة اللي فوق من النوع القوي والخفيف في نفس الوقت، ودا بيعطي نفشة بسيطة للفستان. والتطريز هيكون بنفس الاتجاهات اللي في التصميم بلألألىء متناسقة الألوان.
أما الطبقة التانية وإللي هي الأساسية هتكون من قماش لين مريح بحيث تكون أكتر عملية، والزركشات اللي عليها هتكون يدوية غير بارزة بحيث لما الطبقة اللي فوق تلزق عليها الزركشات دي تعطي شكل لطيف متناغم مع التطريز الخارجي. وفي نفس الوقت هيبقى شكلها لطيف جدًا لو الطقم الداخلي العملي اتلبس لواحده، وإللي هيبقى ساعتها طقم رسمي.
تنفست بهدوء وأكملت:
_اخترت الأنواع دي من القماش في الطبقات علشان في تجاذب بينهم فبيتماسكوا كأنهم قطعة واحدة.
وإللي بيميز التصميم إن رعيت يكون لجميع الفئات. المحجبة والغير والمختمرة وكمان المنتقبة.
ويبقى كدا قدرت أجمع فكرة ثوبين في ثوب واحد ودا هيوفر أكيد. فبدل ما نشتري طقمين واحد مناسبات وطقم عملي يكون كدا معانا ثوبين في ثوب.
ولما يتنفذ التصميم أكيد هيوضح أكتر.
وفي الأخر دا مش شطارة مني دا فضل من الله فاللهم لك الحمد.
صفق الجميع بحرارة، بينما قبضت كلًا من صبا وأسيل كفيهم بغضب ونظروا لها بكره شديد.
كان عدي يشعر بسعادة كبيرة لأجلها والابتسامة لم تُمحى من فوق فمه.
نظرت له صبا وهي ترى انبهاره بتلك غصون، فأقسمت أن تجعل منها مسخة في نظره.
تقدمت زيزي وقالت:
_مبسوطة منك يا غصون. فكرتك مميزة عن غيرها وهتتنفذ تحت إشرافك وأنا أول واحدة هتلبس الموديل.
قال مدحت يحييها:
_ملحوظة حلوة إن في تصميم واحد رعيتي كل الفئات. دا بخلاف بقيت التصاميم القصيرة والمكشوفة وإللي متنفعش إلا لفئة واحدة بس. ودا هيخلي كل بنت تشتري الموديل من غير تعديل.
_شكرًا جدًا لثقتكم الجميلة وأتمنى دايمًا أكون عند حسن ظنكم.
قام مدحت وقال بحزم:
_انتهى الاجتماع يا سادة.
وخرج ومعه زوجته المدام زيزي.
ذهبت غصون لأروى لتبتسم لها أروى بطيبة محتضنه إياها، فبادلتها العناق.
_شطورة يا غصون. بجد تصميمك مميز ألف مبروك يا حبيبتي ربنا يوفقك.
_تسلمي ليا يا أحلى أروى. وأنا بعشق كل النماذج الرقيقة بتاعتك.
استمع عدي لها وهو يلملم أوراقه، بينما أخذت صبا تقترب منه وهي تتأمله بعدم حياء.
وقالت بنعومة مصطنعة:
_مستر عدي. ممكن أعرف القصور اللي في الديزاين بتاعي. حقي أعرف، علشان أعدل منها.
شعرت غصون بشعور غريب يجتاحها عندما رأت هيئة صبا المتبرجة تقترب من عدي بتلك الهيئة وتتكلم بتلك الطريقة المبتذلة.
عدي أدار رأسه للجهة الأخرى وقال بعملية:
_كل تصميم مرفق بيه كل التعليمات والملاحظات اللي أنقصت منه، وعلى العموم الأفضلية بتبقى في التصميم المختلف وإللي فكرته جديدة.
_طب ممكن نتناقش في النقط دي يا مستر عدي.
قال بثبات ونبرة حادة بعد أدرك ما ترمي إليه:
_مش مستاهلة يا أستاذة كل حاجة هتبقى مفهومة.
وخرج بثبات، لكنه لمح تلك التي تقف وعلى وجهها تلك الملامح الساخطة قبل خروجه، فابتسم وذهب إلى مكتبه.
واستشاطت صبا غضبًا.
_ماشي يا عدي باشا اتقل زي ما إنت عايز، وفي الأخر هعمل إللي أنا عايزاه.
قربت منها أسيل وهمست:
_بردوه بيصد. مش قولتلك دا تقيل ومش من نوع الشباب بتوع اليومين دول.
_مش عليا يا أسيل. هتشوفي هعمل إيه.
_شكله منبهر بالبومة اللي اسمها غصون.
_أخدت بالي متقلقيش. أحمد هينفذ الخطة النهاردة، عايزين نركز علشان ننفذ كل حاجة بالظبط.
جمعت غصون أوراقها وشافتهم بيتهامسوا فقلقت من جواها، بس قالت بيقين:
_ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
وقفت في البلكونة في وقت البريك تتنفس بهدوء وتذكر الله تارة وتحوقل تارة أخرى.
قالت بهدوء وسعادة:
_شكرًا يارب. لك الحمد يارب العالمين. كنت عارفة إنك هتجبر بخاطري. فرحت قلبي وأنعمت عليا. مش عارفة النعم دي كلها أوافي منها نعمة واحدة إزاي. مقدرش على شكرها يارب.
جابرني يارب. تعرف أنا بحبك أووي يارب.
دلني على الطريق الصحيح وريح قلبي لو الموضوع دا في شر ابعده عني بما شئت وكيفما شئت.
من قبل ما يدخل وأقعد معاه. أصل يارب القعدة دي بتبقى تقيلة على قلبي ومش سهلة عليا.
ياااارب.
وقبل ما تكمل وصلة كلامها وحديثها الذاتي مع الله عز وجل لقت صوت دوشة جاي من وراها.
الشرفة اللي واقفة فيها كانت الشرفة البحرية وبتقع في ممر طويل فيه مكاتب بعض الموظفين، وبناحية هادئة جانبية كان مكتب عدي.
استدارت لترى أحمد يأتي بغضب شديد وخلفه صبا المنهارة والباكية، وتُهدأها أسيل.
تعجبت كثيرًا من حالتهم وأصابها القلق.
في هذا الأثناء كان يجلس عدي بمكتبه، فسمع ضوضاء وجلبة في الخارج.
خرج بقلق ليرى ما يحدث، ليتوقف متسمرًا بصدمة حينما رأى وسمع ما يحدث.
_إنت مش ناوية تسبيني في حالي بقى ولا إيه يا أستاذة غصون.
قالها أحمد صارخًا بغضب شديد وهو يقف أمام غصون التي لا تفهم ما يحدث.
أكمل بصراخ لتزيد صبا بالبكاء:
_قولتلك مية مرة أنا هخطب صبا وبحبها وإنت مصممة على الكلام بتاعك وكل يوم والتاني بعتالي رسائل شكل.
أطنش وأجي أكلمك بالعقل مفيش فايدة.
ليه توقعي بيني وبين البنت اللي هخطبها وتخليها تفتكر إن في حاجة بينا.
لم تصدق غصون ما تسمع وهو يصرخ ويتابع بتلك الاتهامات البائسة. تجمهر من بالشركة بتلك البقعة. ومن بينهم حازم.
ووقف حازم مصعوقًا مما يسمع.
غصون كان يعتقدها ملاكًا، وأمس فقط تحدث مع والدها لأجل خطبتها، لكن ما هذا الذي يسمعه. هل ممكن أن يكون هذا مجرد قناع لقذارتها.
شعرت غصون بتيه واتسعت أعينها وهي ترى أن الجميع يقف يشاهد ما يحدث. حازم. أروى. صبا التي تبكي. وأسيل.
وزيزي هانم التي أتت تشهد تلك الفضيحة.
وأخيرًا عدي الذي يقف كمن سقط عليه دلو ماء مثلج.
نطقت بعدم فهم:
_إنت بتقول إيه يا أستاذ أحمد. رسايل إيه. أنا مش فاهمة إنت بتتكلم على إيه.
_بلاش وكفاية تمثيل يا غصون. إنت بقالك فترة بتطاردني وأنا شوية أتجاهلك وشوية أمسح رسايلك وزهقت أكلمك بالذوق لكن مفيش فايدة. إرتاحتي لما صبا شافت الرسايل وفكرت إن بينا حاجة. ليه بتعملي كدا.
قولتلك مية مرة أنا مش بحبك ولا هحبك.
_رسايل إيه. أنا مبعتلكش حاجة ولا عمر كان في كلام بينا. إلزم حدك يا أستاذ.
أخرج هاتفه ومده لها بغضب:
_أمال إيه ده.
عفريت إللي بعته ولا أيه؟
نظرت على شاشة الهاتف وكانت صاعقة.. رسائل عديدة غرامية وغير أخلاقية من حسابها الشخصي على برنامج ماسنجر مرسلة لأحمد.
هزت رأسها نافية وقالت:
_أنا مبعتش حاجة ولو سمحت إلزم حدودك يا أستاذ أحمد وبلاش تظلمني وتدخلني في ألاعيبك.. أنت واثق من جواك إن أنا مبعتش حاجة.
_أمال أنا بتبلى عليك ولا أيه يا أستاذة؟
بكت صبا وقالت تنتحب:
_ليه كدا.. أنا عملت فيك أيه علشان دا كله ليه تعملي كدا وتخونوني من ورا ضهري؟
اقترب حازم وسحب الهاتف من يد أحمد لتقع أعينه على تلك الرسائل فيغمض أعينه بصدمة حقيقية.
فتحت غصون هاتفها وبحثت في المحادثات فلم تجد شيء.
كتبت أسمه في قائمة البحث وخرج أمامها ضغطت على أيقونة إرسال رسالة فوجدت الرسائل مرسلة من حسابها لتصعق أكثر.
كيف هذا؟
هي لم ترسل تلك الرسائل!!
سحب حازم هاتفها ليتأكد فمن الممكن أن يكون حسابها قد تم تهكيره أو شيء من هذا القبيل.
وجد الرسائل مرسلة من الهاتف ولم يحدث شيء.
نظر لها بخيبة وقال بغضب:
_إزاي أنا كنت مخدوع فيك.. إمبارح لسه طالب إيدك من والدك بس الحمد لله إن ربنا بان وظهر حقيقتك قبل ما تحصل أي حاجة.. كانت هتبقى أكبر غلطة في حياتي.
بجد أنا مصدوم فيك.. بلغي والدك إن كل شيء نصيب.
ورحل تحت صدمة عدي الذي صعق أكثر من كلمات حازم.
هل كان هناك أخر يريدها زوجة وسبقه؟
إذا هذا معنى حلمه!
أما غصون ابتسمت بداخلها وأيقنت أن تلك الإجابة الربانية.
تعلم أن خلف ما يحدث درس كبير.
تلك إرادة الله.. الله يعلم أنها لم تقم بهذا ولم تفعل شيء.
هذا قدر.. الله سيخرجها من هذا الكرب وسيرد هذا الظلم عنها.
اقتربت زيزي وقالت بحزم:
_المسخرة إللي بتحصل هنا مش هتعدي على خير.
وسحبت الهواتف لترى من إن كانت حقيقية.
وقالت:
_دي مؤسسة محترم والسمعة عندنا أهم حاجة.. الوكالة في فترة عصيبة ومش مستاهلة حاجة.
غصون أكيد فيه موقف من كل ده.. بصراحة خيبتي أملي فيك.
يلا كل واحد على شغله.
ثم رحلت بغضب تام.
رفعت غصون رأسها نحو أحمد وقالت بقوة:
_تعرف مين هيجبلي حقي!!
أنا متأكدة من غير ما أنطق كلمة واحدة الحقيقة هتظهر، مش هقولك عملت ليه كدا أو أيه غرضك.
بس الرد على الظلم ده وإتهامي في شرفي هيكون قاسي وهيخسرك كتير.. ربنا حرم الظلم على نفسه وحرمه بين عباده وأنا مش مسمحاك لأنك اتهمتني وحبكت لعبة عليا.
ربنا شاهد ووكيل.. وحسبي الله ونعم الوكيل.. إنت متعرفش قوة الكلمة دي أيه.
نظر لها أحمد باستهزاء ورحل بغل شديد.
رحل الجميع ومازالت تقف هي ثابتة تتنفس بعنف.
أدارت رأسها وبين جفونها بعض الدمع لتجده يقف ثابتًا في موضعه لم يتحرك وعلامات الصدمة مرتسمة على وجهه.
بالتأكيد صدق ما قال أحمد.. بالتأكيد سيقول ما يقوله الجميع.
اقترب منها حتى وقف أمامها ثم رفع رأسه لتستدير وتغمض عينيها بإنتظار إتهام قاسي ظالم مثل غيره.
قال عدي بصدمة وهو لا يصدق ما سمعه:
_مــــعـــقــول إنـــت…
رواية حب فوق الغصون الفصل العاشر 10 - بقلم ساره نيل
إنتِ معقول … كنتِ هتتخطبي .. يعني كان في حد متقدملك.. إزاي كدا .. أنا كدا فهمت كل حاجة..بس خلاص معدتش ينفع ولازم مستناش أكتر من كدا..
توسعت عيون غصون بصدمة من هذه الجُمل الغير مترابطة وإللي ملهاش علاقة بالموضوع خالص، مقدرتش تفهم هو يقصد أيه..
عن إذنك يا بشمهندس..
ومشيت على مكتبها ولسانها بيدعي إن حقها يرجعلها… أما عُدي وقف مكانه وحاسس بتيهة كبيرة وخرج وهو مقرر هيعمل أيه..
وغصون إنتهت من عملها سريعًا وخرجت ذاهبة إلى زيارة مِسك والاطمئنان عليها…
***
شعرت بالضيق من الجلوس في هذا المكان ووغزات الألم لا تبرح عنها..
مالك يا مِسك .. في حاجة وجعاكِ؟
أيوا في وجع صعب أوي من الصبح..
وقفت والدتها وخرجت بلهفة لأحد الممرضات، قالت بلهفة:
بالله يا بنتي تنادي الدكتور عُبيدة مِسك موجوعة أووي..
قالت الممرضة:
الدكتور عُبيدة بيصلي والله يا خالتي عشر دقايق وهيكون هنا..
طيب يا بنتي يارب ما يغيب أصلها بتتوجع أووي..
دا طبيعي علشان عمليتها كانت مش سهلة، ربنا يشفيها ويعافيها يارب..
يارب يا بنتي .. يارب..
دخلت للغرفة تاني وتأملت وجه مِسك إللي مرتسم عليه الألم الشديد..
استحملي يا مِسك دكتور عُبيدة عشر دقايق وهيكون هنا..
قالت بغضب وهي بتتوجع:
أنا قولتلك مش عايزة أعمل عمليات وسيبني للموت بدل ما إحنا قاعدين تحت رحمة دكتور الهنا ده..
اصبري يا بنتي واستحملي كدا .. ربنا يشفيكِ ويعافيكِ يارب..
ظلت تتلوي من الألم وهطلت الدموع من أعينها وقد شعرت بالألم يتمكن منها ولا تستطيع التحمل حتى أنفاسها قد ضاقت عليها…
آآآه يااااارب…
وظلت تبكي بشدة وتنهج بسرعة قوية .. أصاب الذعر الخالة فادية وهي ترى ابنتها تنتفض..
دخل عُبيدة الغرفة مهرولًا ليراها في تلك الحالة أسرع نحوها لتقول والدتها بترجي:
بالله يا دكتور عُبيدة إلحقها أنا مش عارفة مالها..
خير يا حاجة .. إهدى بس كدا مفيش حاجة هي بس بتدلع..
ومن وسط وجعها نظرت له بغضب وهو يستهين بألمها..
قال عُبيدة بجدية:
متركزيش في الألم وتوهمي نفسك لازم تتحملي وتواجهي الوجع..
كانت في قمة تعجبها من هذا الطبيب في وسط هذا الألم ..كيف يقول هذا؟!..
قالت وهي تلهث من بين أنفاسها:
بقولك مش قادرة … الو..جع بيقتل…ني ..بجد … إنت .. إنسان .. معندكش إحساس..
تجاهل فظاظتها وقال:
إنتِ إللي واهمة نفسك ومش بتساعدي نفسك على الشفاا.. أنا قللت المسكن وهتواجهي نفسك وسيبك من الكبرياء ده..
لم تستطيع الرد وهي تنتفض وتلهث وهي ترى بأعينها أنها النهاية والألم يمزقها ومن حولها يشاهدون كأنه مسرحية هزلية…
أغمضت أعينها شاعرة بأن إدراكها يتراجع وتفقد وعيها هامسة:
أشهد أن لا إله إلا الله … وأن سيدنا محمد رسول الله..
وسقط رأسها في ظلام دامس..
وقف عُبيدة وهو لا يُصدق ما يرى في صدمة لا يتوقعها.. أما والدتها فصرخت صرخة شقت سكون المشفى وتخشبت على إثرها غصون التي تقف في الخارج…
***
وصل عُدي أمام منزل غصون .. طرق الباب فقابله رجل عرف من مظهره أنه والدها..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، خير يا ابني أقدر أساعدك في حاجة..
دا بيت عم عبد القادر صح..
أيوا أنا …اتفضل يا أستاذ..
دلف عُدي للداخل في حرج .. ثم جلس بهدوء ليجلس والد غصون أمامه بتعجب..
تنحنح عُدي وقال:
أنا بعتذر لو جيت لحضرتك من غير ميعاد يا عمّ عبد القادر
ولا يهمك يا ابني أنا تحت أمرك…
ورفع صوته قائلًا:
الشاي يا أم غصون..
ابتسم حينما سمع اسمها وقال:
أنا اسمي عُدي الحصري عندي ٣١ سنة وبقالي ٥ سنين مسافر برا أنا ووالدتي لأن كنت بشتغل في شركة وحاليا استقرينا في مصر وبشتغل في أحد الشركات..والدي الله يرحمه متوفي ومليش ألا أمي الله يبارك في عمرها…
أهلًا وسهلًا يا ابني .. اتشرفت بيك..
أكيد حضرتك مستغرب كلامي ودخلتي .. بس مفيش أفضل من الصراحة وأنا هكون صريح مع حضرتك وهحكيلك على كل حاجة ..بصراحة كدا على سنة الله ورسوله أنا طالب إيد بنت حضرتك الآنسة غصون…أنا من فترة كنت عايز أكلم حضرتك بس مكونتش أعرف العنوان أو رقمك..
تأمل والد غصون عُدي وسيمات الصلاح والإيمان المرتسمة على وجهه وطريقته المهذبة في الحديث معه..شعر بالألفة لهذا الشاب وقبول لا يعلم سببه..
أكمل عُدي حديثه وقال:
أنا هحكي لحضرتك كل حاجة..إنت في مقام والدي الله يرحمه..
وبدأ يسرد له كل شيء .. رحلة أحلامه مع غصون ورؤيته لها أول مرة ومجاهدته في الثبات وفي الأخر وصوله لهنا وتجنب الموقف الذي حدث من أحمد وحازم..
رأى والد غصون الصدق والإخلاص بعينه، إنه يشبه ابنته غصون في كثير من الأشياء، حقًا ما بعد الصبر إلا الجبر..
– أنا اتشرفت بيك يا بشمهندس عُدي..
– ليه بشمهندس ما من البداية قولت ابني..
– أكيد طبعًا يا ابني، أنا هعرض الأمر على غصون ونتناقش وربنا ييسر يارب.
– أكيد يا عمي .. ممكن رقم حضرتك..؟
– طبعًا يا ابني .. اتفضل.
أملاه رقمه ليشعر عُدي بالراحة ثم استقام ومدّ يده يصافحه وقال:
– أنا في الإنتظار يا عمي واتشرفت بحضرتك..
– عالطول كدا يا بني طب اتفضل اشرب الشاي طيب.
– مرة تانية إن شاء الله يا عمي، السلام عليكم.
- وعليكم السلام .. مع ألف سلامة…
وخرج عُدي ثم صعد لسيارته وهو يتنهد براحة فأخيرًا قد وقف على بداية الطريق إليها..
– يارب العالمين سهل الأمور واجعلها من نصيبي يارب..
سمع رنين هاتفه فأخرجه ليجد أنها مهاتفة من العمل حيث المتصل مدحت..
– السلام عليكم..
سمع صوت مدحت الغاضب يقول:
– وعليكم السلام .. بشمهندس عُدي أتمنى تكون في الشركة في أسرع وقت ممكن لازم نحط حد للي بيحصل ده ولازم تكون متواجد .. أول مرة تحصل المهزلة دي في شركتي ومش هسكت أبدًا…
تعجب عُدي من غضبه وتسائل:
– خير يا بشمهندس مدحت في حاجة حصلت؟!
– لما تيجي يا بشمهندس عُدي.. أنا في إنتظارك.
– تمام دقايق وأكون عندك إن شاء الله.
أما في الأعلى كان والد غصون يروي لوالدتها كل شيء حدث وما قاله له عُدي..
– ما شاء الله يا أبو غصون أنا بصراحة مرتاحة أووي..
ثم صمتت وهي تتذكر حديث غصون عن ما حدث أمس أثناء مجيئها من المشفى وموقف عُدي معها فأيقنت أنه نفس الشخص.. ابتسمت بسعادة وقالت:
– ربنا يجعل نصيبك حلو من كل حاجة يا بنتي..
ردد والد غصون بقلق:
– بس متنسيش إن كمان في حازم يا أم غصون..
صمتت هُدى فكانت لا تُريد قول هذا قبل أن تأتي غصون لكن قالت بتردد:
_بصراحة يا حاج عبدو غصون بعتت ليا رسالة من ساعة كدا وقالت إن كل شيء نصيب وحازم مش الشخص المناسب وهو بلغها بالكلمتين دول وقالها توصلهملك بسبب موقف حصل قالت لما ترجع هتحكي الموضوع من البداية..
– أيه الكلام ده يا هُدي .. مش المفروض دا كلام رجاله والأستاذ حازم زيّ ما كلمني المرة الأولى وكان كلام رجاله يكون بردوه الكلام ده بيني وبينه .. ماله ومال بنتي..دا كلام يصح..
– إهدى يا أبو غصون .. أنا في البداية زعلت وقلقت بس رجعت قولت دا أكيد خير وربنا مش بيجيب ألا خير وأدي أول موقف منه بين سلوك مش كويس منه…غصون هتيجي وتحكي على إللي حصل ونعرف الموضوع أيه علشان مانظلمش حد…
– الحمد لله يا هُدى كله خير أكيد …
***
في هذا الأثناء كانت على وشك الدخول عندما سمعت الصراخ لكن أوقفها رنين هاتفها اللحوح..
أخرجت الهاتف من حقيبتها وتعجبت حينما وجدتها أروى..
– السلام عليكم..
– وعليكم السلام .. بقولك يا غصون لازم ترجعي الشركة دلوقتي ضروري في أسرع وقت..
خرجت من المشفى وتسائلت بقلق:
_في أيه يا أروى .. أيه إللي حصل..
– لما تيجي يا غصون، المهم في أسرع وقت تكوني هنا .. الدنيا مقلوبة..
– خير يارب .. حاضر يا أروى في أسرع وقت وهكون عندك.. سلام ..
– سلام..
بعد أقل من نصف ساعة كانت تدخل من أبواب الشركة بقلق وأسرعت نحو الأعلى لتجد الكثير من أفراد الأمن منتشرين وموظفين الشركة متجمعين..
الهرج يسود الأرجاء ومدحت وزوجته يقفان غاضبان..
همست بإرتعاش:
– بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم..استرها يا الله وكن معايا ومتسبنيش..
تقدمت وتسائلت بعدم فهم:
– في أيه .. أيه إللي بيحصل..
انتبه الجميع لها فالتفت عُدي نحوها ثم تقدم مدحت منها بغضب تام وخلفه زوجته مدام زيزي وترميها بنظرات خائبة غاضبة..
– في إنك حرامية ونصابة كبيرة ياللي عاملة شيخة وأنا مش هعمل حاجة ألا إن أسلمك للشرطة وبس……