في الصباح.. استعد أخيرًا وحزم أغراضه استعدادًا للمغادرة. التقط حقيبته وخرج من الغرفة وهو يتفحص كل ركن بالشقة بحزن. وقف أمام صورة والدته وهو يطالعها بحنين ويقول: "قدري أن أظل وحيدًا يا أمي." التقط إطارات الصور الصغيرة ووضعها بحقيبة ملابسه، ثم خرج من الشقة متجهًا لشقة عمه صالح. طرق الباب ففتحت حياة التي ما إن رأته وهو يحمل حقيبته حتى زاغت عينيها بقلق وقالت: "ما تلك الحقيبة؟ سألها متجاهلاً سؤالها: "أين عمي؟
"بالداخل، أين تذهب؟ ما تلك الحقيبة؟ "سأغادر، من فضلك أخبري عمي وأبلغيه سلامي." هم بالمغادرة ولكنها أمسكت بذراعه تمنعه وهي تقول: "انتظر، أين ستذهب؟ ولمَ ستذهب؟ أجابها بإيجاز وتعب: "من فضلك حياة، لن يفيد الكلام بشيء." نظرت إليه وسالت دمعاتها فجأة وهي تقول بتوسل: "أرجوك، لا ترحل." وظلت متشبثة بذراعه وكأنه سيفر منها وهي تنادي: "أبي، قاسم سيغادر.. أبي أسرع." نظر إليها قاسم متعجبًا وهو يقول:
"ما بكِ حياة وكأنكِ تمسكين بِلص الدجاج؟ ثم أنني لن أغادر إلى بلاد الهند مثلا.." نظرت إليه وهي تبكي وتقول: "لن تغادر قاسم، أنت لم تفعل شيئًا لتهرب، لست أنت من عليك الهرب." "عزيزتي أنا لا أهرب، لمَ تبالغين بهذا القدر؟ خرج صالح من غرفته متجها نحو الباب، وفور أن رآه حياة قالت: "أبي، قاسم سيغادر، أرجوك امنعه." نظر صالح إلى قاسم بأسف ورمق حقيبته بحزن، ثم عاد ينظر إليه بخزي وهو يقول: "هل ستغادر بني؟ أومأ قاسم موافقًا وقال:
"أجل، ولكن سأمر بكم من حين لآخر أكيد." "ستبقى بشقة سان لوران؟ أليس كذلك؟ "بلى." "أنا آسف قاسم، آسف لأننا نجلب لك المتاعب دومًا." "لا أبدًا يا عمي، هذا قدري." كانت حياة تنظر إليهم ببلاهة وهي تقول: "أي شقة؟ أنا لا أفهم شيئًا." تجاهلها قاسم وابتسم قائلاً: "اعتني بنفسك حياة، أراكم على خير." تركهم واقفين يتطلعان نحوه وهو يغادر بحزن عميق، بينما صالح يتمتم وهو يقول: "لم يكن هناك حل آخر." دخل وحياة تتبعه إلى أن دخل
غرفته فجلست بجواره تقول: "أين ذهب قاسم يا أبي؟ عن أي شقة تتحدث؟ "شقته." قالت باستغراب: "شقة قاسم؟ هل قاسم يملك شقة بسان لوران؟ "أجل." "ولمَ تركته يرحل؟ أي ذنب اقترف كي يُقصى دائمًا هكذا؟ "لم يكن هناك حل آخر يا حياة. كانت والدتك محقة منذ البداية عندما قالت أنه لا يجوز وضع النار بجوار الوقود." تنهدت بحزن وهي تقول: "لا أصدق ما فعلته عنبر، لم أتخيل أن أختي التي أقتدي بها قد تُقدم على فعل مشين كهذا!
أسند رأسه على ظهر المقعد من خلفه وقال بتعب بالغ: "انتهى الموضوع يا حياة، عنبر نالت ما تستحق وقاسم قد رحل، لا تتحدثي بذلك الأمر مجددًا." خرجت من غرفة والدها واتجهت إلى غرفتها حيث كانت عنبر تجلس فوق فراشها شاردةً وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتتطلع أمامها بسكون.
ظلت تطالعها وبداخلها الكثير من الحديث الذي تود أن تقوله لها، الكثير من الأسئلة، الكثير من اللوم والعتاب كذلك، ولكنها ترددت.. لم تكن على استعداد لمواجهة شقيقتها الآن فآثرت الصمت. ولكن عنبر نظرت إليها بعينين محتقنتين وهي تقول بتهكم: "كم صورةٍ التقطتِها لي؟ تعجبت حياة أسلوبها الساخر وتقدمت منها، ثم جلست على حافة الفراش أمامها وقالت: "هل تمزحين؟ "ولمَ لا؟ أثارت إجابتها حفيظة أختها فقالت:
"لا أصدق؛ هل أنتِ بمزاجٍ يسمح لكِ بالمزاح والسخرية؟ بينما والدك يكاد قلبه أن يتوقف ويصاب بأزمة قلبية بسبب ما فعلتِه! هل أنتِ من بني البشر مثلنا؟ هل تشعرين؟ هل ما يجري بعروقكِ دم مثلنا؟ أشهرت سبابتها كسلاح حاد في وجهها وهي تقول بتحذير: "لا تتجاوزي حدك يا حياة، وإياكِ أن تنسي أني أختك الكبيرة." ابتسمت حياة باقتضابٍ ساخر وهي تقول: "أختي الكبيرة أليس كذلك؟ وماذا فعلتِ كأخت كبيرة حتى أحترمكِ وأتحدث إليكِ بمراعاة؟
صعدتِ لشقة ابن عمنا الأعزب بقميص نومك وعرضتِ نفسك عليه بكل وقاحة، ثم اتهمتيه أنه هو من يلاحقك.. تمامًا كما فعلتِ من قبل واتهمتيه أنه من قام باغتصابك وهو بريء من ذنبك." حدقت بها عنبر بذهول وصمتت لثوان ثم قالت: "ماذا تقولين؟ ما تلك الحماقات التي تتفوهين بها؟ "تلك الحماقات أنتِ من ارتكبتِها، والآن أختي الكبيرة أود أن أسألك سؤالاً، كيف أحببتِ قاسم في يوم؟ ونظرت إليها مرة أخرى وهي تطرق بسبابتها على ذقنها وتقول:
"لا، الصيغة الصحيحة هي.. ما هو مفهوم الحب بالنسبة لكِ؟ هل الحب من وجهة نظرك ممكن أن يمتزج بالأنانية وحب الذات؟ هل ممكن أن يكون المحب محبًا لذاته أكثر من حبيبه؟ برأيي غير ممكن.. الحب والأنانية لا يجتمعان أبدًا." أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الجدار وهي تقول: "اصمتي، أنتِ لا تعرفين شيئًا." "بلى، أعرف كل شيء." نظرت إليها عنبر باستفهام فقالت:
"أعرف أن عبدالله اغتصبك يوم عقد قرانك أنت وقاسم، أعرف كذلك أنه أجبركِ أن تتهمي قاسم أنه من فعل. أعرف أنكِ كنتِ السبب في سجنه." أجهشت الأخرى بالبكاء وهي تقول: "كنت مضطرة، لم يكن أمامي حل آخر.." نظرت حياة إليها باستنكار وهي تقول بابتسامة ساخرة: "مضطرة؟ وهل هذا مبرر كافٍ برأيك؟ أنكِ كنتِ مضطرة؟ في تلك اللحظة انفرج الباب وظهرت والدتهما فجأة، وفورًا أشارت عنبر إليها وهي تقول: "هي السبب!
نظرت إليها أمها بصمت، بينما نقلت حياة عينيها بينهم بترقب، وبدأت عنبر تحكي فقالت:
"هي من أقنعتني أن ذلك هو سبيل الخلاص، قالت قاسم سيسجن على الأقل عشر سنوات، ولن يرحمنا أحد.. ولن يدعونني وشأني، وحتى بعد أن يخرج قاسم من السجن لن ينظر إليكِ بعد أن انتُهِك عرضك، قالت أني لم أعد أصلح له ولم يعد يصلح لي، عبدالله هو منقذي الوحيد.. وعلي أن أقبل به وأرضخ لقدرى.. حينها أقنعني عبدالله أنه سيتقدم لخطبتي ويقيم لي زفافًا كأي فتاة، قال أنه يحبني قبل أن يعرف أن قاسم يحبني، وأوهمني أن ما أفعله في صالح الجميع، لذا وافقت."
"وأبي؟ أبي كيف سمح لكما بارتكاب مثل تلك البشاعة؟
"أبي لم يعرف أني سأذهب لاتهام قاسم، أمي أخبرته أنها عليها أن تأخذني لزيارة الطبيبة النسائية كي نتبين إذا ما كان حدث حمل أو لا، وبعد أن أخذتني بالفعل وخضعتُ للفحص كان عبد الله في انتظارنا، وذهبنا ومعنا نتيجة الفحص التي تثبت وقوع الاغتصاب إلى المخفر وقدمنا البلاغ.. صُعِق أبي عندما علم بما فعلناه، حتى أنه كان بصدد الخروج والذهاب إلى المخفر وتكذيب كل اتهاماتنا ولكن ما فعلته أمي كان غير متوقع! `استرجاع زمني`
كان ينتظرهما والقلق على أشده وهو يرجو الله أن يدبر الأمر وألا تكون ابنته قد حملت من ذلك الخسيس.. انفرج الباب ودخلت زوجته ومعها ابنته التي كانت في حالة يرثى لها، وتفاجأ بذلك الحقير يظهر برفقتهما. هرول صالح نحوه وفجأة انهال عليه بصفعةٍ مدوية، ثم أمسك بتلابيبه وهو يقول بصوتٍ هادر: "كيف تأتي إلى هنا بكل وقاحة يا قذر! سأنال منك يا حقير يا كلب، أقسم بالله سأشرب من دمك يا نذل."
كانت عنبر تنزوي على نفسها في ركن وهي ترتجف وتنتحب بصمت، بينما أمها تحاول تهدئة أبوها وهي تقول: "أرجوك صالح، لا تتعصب أرجوك ستسقط ميتًا في الحال.." "أخرجي هذا الكلب من هنا، هيا اخرج يا حقير.. أو.. أو انتظر.. سأطلب لك الشرطة يا قذر.." مسح عبدالله وجهه بغضب وهو ينظر لعمه بكل جرأة ويقول: "صدقني ليس بمصلحتك أن أسجن يا عمي، ليس بمصلحتك أبدا." نظر إليه باستفهام وقال: "ماذا تقصد؟
"ما أقصده هو أن تبحث عن مصلحة ابنتك، التي هي معي بالفعل، قاسم قد انتهى، هل ستزوج ابنتك لقاتل؟ دعك من هذا.. هل ستزوجها من مغتصب؟ نظر إليهم صالح بتعجب وحيرة وقال: "مغتصب؟! "أجل، لقد اتهمته عنبر أنه قد اغتصبها وقدمنا دليل الاغتصاب للشرطة." جحظت عيناه بغضب وصدمة وهو يطالعها بغير تصديق ويقول: "ماذا؟ " واقترب من ابنته ببطء وهو يقول: "ماذا فعلتِ؟ هل حقا فعلتِ ما قاله ذلك الكلب؟ هل اتهمتِ قاسم بأنه اغتصبك؟
رأى في صمتها الموافقة والتخاذل فباغتها بصفعة قوية أسقطتها أرضًا وهو يقول: "ماذا فعلتِ؟ كيف تفعلين ذلك؟ ونظر إلى زوجته التي أخذت تتراجع للخلف بخوف وقال: "كيف تفعلين ذلك؟ كيف تتهمونه ظلماً؟ ماذا فعل لكم كي تفعلوا به ذلك؟ وكان من نصيبها صفعةً هي الأخرى لولا أن عبدالله الواقف خلفها حال دون سقوطها.
"سأذهب وأكذب اتهاماتكما الكاذبة حالًا، سأبرئ قاسم من تلك التهمة البشعة حتى لو كان الثمن الزج بكما داخل السجن، لن أسمح بأن يعاقب على تهمة لم يفعلها أبدا." وهم بالخروج فعلاً لولا أن زوجته نطقت فجأة وقالت: "عنبر حامل! تسمر بمكانه وجمدت الدماء بعروقه وكمن سقطت عليه صاعقة من السماء. "ابنتك حامل يا صالح فماذا ستفعل؟ نظر إلى ابنته بصدمة، ثم نظر فجأة إلى عبدالله وانهال عليه بالضرب المبرح حتى كاد أن يفقد وعيه. نظر بعدها صالح
إلى زوجته وابنته وهو يقول: "سنقوم بإجهاض ذلك الحمل، ذلك الحمل لا ينبغي أن يكون." وقفت صفية أمامه وهي تقول بإصرار: "وتعرض ابنتك للخطر؟ ألم تسمعي عن شادية ابنة جيراننا التي توفت وهي تجهض جنينها؟ هل ستلقي بابنتك للموت بيديك؟ هوى جسده على المقعد من خلفه بعجز، ووضع رأسه بين كفيه وأخذ يبكي وينوح ويستغفر ربه بقلة حيلة. اقتربت صفية منه وجثت أمامه وقالت: "عبدالله سيتزوجها." نظر إلى عبدالله الذي قال:
"ولكن إذا ذهبت وقمت بتكذيبنا سأعيد التفكير في الأمر، ليس من صالحي ولا صالح ابنتك أن يخرج ذلك القاتل بعد عام أو اثنين ويعيث بيننا فسادًا." تنهد صالح بعجز وكم مقت عجزه ذلك الوقت والتزم الصمت تمامًا فقال عبدالله:
"لا أحد يعرف لمَ قام قاسم بحرق المحل، الجميع يظنون أنه اختلاف بيننا فحسب، مازالت هناك فرصة كي تنقذ شرفك يا عمي، أنا متأكد أن قاسم عندما يعلم بزواج عنبر مني لن يخبر أحدًا بالحقيقة أبدًا.. سنعلن خطبتنا، وبعد شهر نقيم زفافًا هائلاً.. ستتزوجني مرفوعة الرأس.." ابتسم صالح ابتسامة ساخرة متهكمة، بينما استكمل الشيطان قائلاً: "ستتزوج والد ابنها." فجأة تملكهُ شياطين الأرض جميعها ونهض من مكانه ينوي ضربه مرة أخرى ولكنه
وقف خلف صفية وهو يقول: "أخبرني بقرارك غدًا يا عمي، وكن على علم أنك لا تملك حرية الاختيار." وفتح باب الشقة وولى مدبرًا ولم يعقب. ~ عودة للحاضر ~ كان من الصعب أن تستوعب كل تلك الصدمات المتلاحقة؛ والأصعب أن تلك الصدمات لم تأتِ سوى من عائلتها.. عائلتها التي كانت تتفاخر بهم وتظن أنها محظوظة بوجود مثل تلك العائلة في حياتها. ما أصعب أن تعيش سنوات عمرك في وهم؛ فالوهم ضلالٌ لا ينتهي إلا بحقيقةٍ تصفع!
وها هي الحقيقة تصفعها وبشدة.. تضربها بمقتلٍ، تحول حياتها إلى جحيم. نظرت إلى أمها وانبجست عيناها من كثرة البكاء وهي تقول: "لمَ كل ذلك؟ لمَ تكرهين قاسم بتلك القوة؟ ماذا فعل لكِ كي تفعلين به ذلك؟ تحدثت صفية أخيرًا بعد أن أطلقت تنهيدةً حارة وقالت: "لم أكرهه، ولكني كرهت العار، كرهت الفضيحة، كرهت الذل والهوان. ضحيت به من أجل ابنتي.." وأخذت تشهق في بكاءٍ لاذع وتقول: "ما فعلته لم يكن سوى أن أم كانت تبحث عن الستر لابنتها .."
طالعتها حياة بابتسامة بلهاء وقالت: "الستر؟ هذا عذر أقبح من ذنب.. تبحثين عن الستر رفقة من انتهك شرفها؟ تظلمين إنسانًا بريئًا، وتزورين الحقائق وتقومي بإيهام أبي أنها حامل كي تبتزيه وتجبريه أن يوافق على تلك الزيجة، هل هناك بعد ذلك ستر برأيك؟ مسحت أمها دمعاتها وهي تقول:
"عندما كنت طفلة في العاشرة من عمري، كان لي أخت أكبر مني بسبع سنوات.. كانت تحب ابن جيراننا، تقدم لخطبتها مرارًا ولكن أبي كان يرفض دائمًا لأن والده كان سيء الخلق، واستطاع هذا الشاب بمكره أن يقنع أختي أنها إذا أقنعت والدي أنهما أخطآ سويًا سيضطر أبي للخضوع والقبول به كي يدرأ الفضيحة، وبالفعل اقتنعت أختي بكلامه وأخبرت أمي بذلك الوهم فما كان من أمي إلا أن أخبرت أبي في الحال، وللأسف عندما علم أبي بتلك الكذبة انهال عليها بالضرب وحبسها ومنع أمي عنها، ظل يعاقبها على فعلتها بحبسها إلى أن أقدمت على الانتحار!
ماتت وهي بريئة، ماتت بكذبة وفي سبيل كذبة.. بعد أن ماتت حزن الشاب جدًا وشعر بالذنب ومرض فجأة، وفجأة تدهور حاله وأصبح يعيش في أروقة المستشفيات، وعندما أحس باقتراب الأجل أراد أن يبرئ شرف أختي فأخبر أبي وأبيه والقرية كلها بالحقيقة، أخبرهم أنه هو من ألهمها تلك الفكرة التي كان فيها هلاكها." وأخذت نفس طويل ثم تابعت:
"خفت أن تواجه عنبر نفس مصير أختي، خشيت أن ينفذ عبدالله تهديداته ويقوم بالتشهير بها والادعاء عليها أنها كانت على علاقة آثمة بقاسم، كيف كانت ستواجه المجتمع؟ خفت كما تخف أي أم على أولادها.. خفت أن تلقى عنبر مصير أختي لذلك نفذت ما قاله عبدالله بدون تفكير، ولذلك اضطررت لقول تلك الكذبة حتى يرضخ أبيكِ في النهاية، ولم أفكر فيما سيحدث بعد أن يخرج قاسم من السجن! صمتت وأزالت دمعاتها، بينما نظرت إليها حياة وهي تقول:
"مهما قلتِ لن ألتمس لكِ أي عذر، لقد توفت زوجة عمي مقهورةً بعد ما آل إليه حال ابنها.. لقد ظلم وأفنى عشر سنوات من عمره لأجل ابنتك وفي النهاية كافأتموه بتهمةً إضافية كي تنقذي شرف ابنتك المصون، أما هو فليذهب للجحيم هو وأهله وشبابه وآماله وطموحاته.. أنا ومن بعدي الطوفان، أليس كذلك؟ تنهدت صفية بصمت ولم تتفوه ببنت شفة، بينما كانت عنبر تستمع إليهما وهي لا تزال تسند رأسها إلى الجدار بصمت وشرود، في حين وقفت حياة
وهي تطالعهم بنفور وتقول: "لم يعد لدي ما أقوله، أشعر بالأسف لنفسي فقط لا غير." وتركتهما وخرجت لا تعرف إلى أين تتجه ولكن أي مكان سيكون أفضل من البقاء رفقتهما. ////////////////// كان قاسم جالسًا بمكتبه في معرض الدراجات خاصته فإذا به يتلقى اتصالاً من سارة، فابتسم وأجاب: "مرحباً آنسة سارة." "مرحباً قاسم، أود ألا أكون قد أزعجتك." "لا أبداً، على الرحب آنستي." "قاسم هل يمكنك توصيلي لبيت رفيقتي چاسي؟
صراحةً كان بإمكاني أن أطلب من حسين ولكني أردت أن أتحدث إليك قليلاً.." "حسنًا آنستي، أخبريني في أي وقت تريدين الذهاب وسأصلك قبل الموعد." "في الثامنة سيكون مناسبًا." "حسنًا. مع السلامة." أنهى الاتصال وفجأة وجد حياة تقف أمامه بهيئتها المثيرة للتعجب، ففطن فورًا أنها ليست بخير. استقبلها باهتمام وهو يقول: "حياة، ما بكِ؟ نظرت إليه بوجهها الشاحب وقالت: "ألن تدعوني للجلوس؟ "طبعًا، تفضلي." جلست وجلس على المقعد
المقابل لها وهو يقول: "ما بكِ؟ هل أنتِ بخير؟ هزت رأسها بنفي فتنهد بضيق وقال: "هل قام بإزعاجك مرة أخرى؟ أومأت بنفي وقالت: "لا، لم أرهُ أساسًا منذ يوم الاحتفال.. يحاول الاتصال بي كثيرًا ولكني أتجاهل مكالماته." "إذًا ماذا بكِ؟ نظرت إليه وطفقت عيناها الحمراوان تفيضان بالدمع من جديد وقالت: "لقد واجهت عنبر بالحقيقة." زم شفتيه بضيق وتنهد فقال: "لهذا لم أرغب في إخبارك."
"صدقني لولا ما حدث لم أكن لأخبرها شيئًا، ولكن ما فعلته هو ما استفزني، ولم أشعر إلا بنفسي وأنا أرمقها باحتقار وألقي بكل ما أعرفه بوجهها دفعة واحدة." تساءل بهدوء: "وماذا بعد؟ "قالت لي أنها…" قاطعها قائلاً: "لم أقصد أن تخبريني ما قالته، لم يعد يهمني، أقصد وماذا بعد أن أخبرتها بما تعرفينه؟ هل تشعرين بالراحة الآن؟ أومأت بصمت وقالت: "أجل، قليلاً، على الأقل أصبحنا واضحين ولم يعد هناك أسرار.." "جيد إذًا."
"لا ليس جيدًا، أشعر بالنفور، أشعر بالاشمئزاز، لا أصدق أن والدتي وأختي قد أوقعا بك في ذلك الفخ بكل أنانية." ضحك ببساطة قائلاً: "هيا يا صغيرة، لا تطيلي من فضلك. لقد حدث ما حدث ومرت الأيام وانتهى، هل تريني أبكي على الأطلال؟ بالعكس.. أنا أقترب كل يوم خطوة نحو هدفي." سألته بابتسامة: "وما هو هدفك؟ أشاح ببصره بعيدًا وقال بشرود: "أن يطمئن قلبي! استوقفها تعبيره، وشعرت أنه يحمل معانٍ خفية لا تدركها هي ولكنها
تستطيع تخمينها فقالت: "كيف استطعت تدبير تلك التهمة لعبدالله؟ ضحك قائلاً: "كما استطاع تدبير التهم لي سابقًا، يؤسفني أن أخبرك أن الحدادين مشهورون بتفكيرهم الخارق وخيالهم الخصب، وأنتِ أكبر مثال." نظرت إليه باستغراب فقال: "تملكين خيالاً خصبًا جدًا بالقدر الكافي كي يصور لكِ أني بيدوفيلي." انفجرت ضاحكة واستغرقت نوبة ضحكها ثوانٍ طويلة ثم قالت: "بيدوفيلي." "نعم هذه." وابتسم فتأملت ابتسامته طويلاً ثم قالت:
"أنا آسفة قاسم، آسفة بالنيابة لك عن عائلتي كلها." ابتسم بهدوء ورصانة وهو يقول: "لا بأس يا كهرمانة، لا أحد ينال كل شيء.. أحدهم قد ينال عائلة محبة ودودة، ولكنه لا يملك ثمن قميصًا ليشتريه.. وأحدهم يملك سيارة وشقة بحي راقٍ ومعرض دراجات نارية يقع بمنتصف المدينة وفي المقابل لا يملك عائلة حقيقية.. هذه هي الحياة يا حياة." وضحك فضحكت، ثم نظر إليها بابتسامة وقال: "ولكن أتعرفين يا حياة؟ هزت رأسها بتساؤل فقال بابتسامة:
"أنتِ عائلتي! توقف قلبها عن النبض، وجف حلقها وأحست بالرهبة تلفها والصدمة تغمرها حتى أنه لاحظ شحوبها فقال: "يا إلهي، هل جئتِ لتفقدي وعيك هنا؟ ابتسمت وهي لازالت تحت تأثير الصدمة، ثم رفرفت بأهدابها كثيرًا وعادت تتساءل بتوتر: "أنا عائلتك؟!! هز رأسه بهدوء وقال: "أجل، أنتِ تغنيني عنهم يا قصيرة." سحبت شهيقًا طويلاً ملأت به رئتيها ثم قالت بابتسامة مترددة: "في الحقيقة… آاا.. شكرًا لك." ابتسم بود ولطف وقال: "على الرحب."
ثم نهض وهو يجمع أغراضه الخاصة كمفاتيح سيارته وهاتفه وعلبة سجائره من فوق المكتب وهو يقول بجدية لطيفة: "اعذريني يا حياة كنت أود البقاء معكِ أكثر، ولكن علي أن أصطحبك للمنزل حالًا لأن لدي موعدًا هامًا قبل الثامنة." نهضت وهي تتساءل بفضول يعرفه: "إلى أين؟ أجاب ببساطة وهو يقوم بتمشيط المكان بعينيه كعادة يومية اكتسبها قبل المغادرة: "سألتقي بسارة." ارتفع حاجباها بضيق وغيظ ثم قالت: "وما السبب؟ ارتفع حاجبه
وهو يقلدها ويقول بفظاظة: "وما شأنك يا متطفلة! حملقت به بغيظ فقال: "هيا ولا تحدقين بي بعينيكِ الكهرمانيتين هاتين، سأفقأهما عما قريب." تنهدت بضيق واضح وسارت أمامه متجهين نحو السيارة فصعدت واستقلت المقعد بجواره ثم قالت: "لقد سألت أبي عن شقة سان لوران، ولكنه لم يجبني لأنه لم يكن في حالة تسمح." هز رأسه فقالت: "لمَ تقوم بهز رأسك هكذا؟ ينقصك أن تصفق بكلتا يديك وتكون كالبطريق تمامًا." هز رأسه بيأس من جنونها المعتاد وقال:
"حياة، لا أحب المراوغة أبدًا.." "حسنًا، من أين حصلت على تلك الشقة بمكان راقٍ هكذا؟ أجابها بهدوء: "هي هدية من السيد حبيب." أخذت تقلب كفيها ببعضهما وتقول: "أقسم أني كنت أشعر بذلك، ألم يهديك السيد حبيب خاصتك واحدة من كليتيه أو فصًا من رئتيه؟ ضحك بقوة قائلاً: "لا، ليس لتلك الدرجة، هو فقط أهداني الشقة كي أتزوج بها والمليوني جنيه." "تتزوج؟ لقد وضحت الرؤية إذا." تململ بيأس وقال:
"أرجو ألا تكوني الآن قد تعاقدتِ مع خيالك الخصب وتنسجين أوهامًا ليس لها أساس من الصحة، أرجوكِ يكفيني ما نالني." "يريد أن يزوجك ابنته الشقراء الحية الرقطاء إذا، أليس كذلك؟ نظر إليها متفاجئًا وقال: "حية رقطاء؟ يا إلهي أغثني، هيا حياة انزلي." نظرت للطريق أمامها وقالت: "ولكننا لم نصل بعد." "أعلم، يتبقى خطوات قليلة يمكنكِ أن تسيريها أو تزحفيها حتى إن أردتِ، هيا انزلي." "للعلم أنت تتصرف معي بقلة ذوق دائمًا."
"أعلم، هيا تكرمي واغربي عن وجهي أرجوك." مدت يدها تفتح الباب المجاور وهي تقول: "لم يكن هذا نبلًا منك يا ابن عمي." "لستُ ابن عمك أساسًا، أخبرني والدي ذات مرة أنه عثر علي مربوطًا من قدمي ورأسي يتدلى ويتأرجح كطرزان.. تلك الحقيقة المرة التي لم أنوِ إخبارك بها ولكني مضطر، لست ابن عمك لذلك لا تريني وجهك ثانيةً." وبمجرد أن خرجت من السيارة حتى زفر بيأس وهو يقول: "يا إلهي، لا تبتليني بزوجة بقباقة مثلها أرجوك."
واتجه في طريقه نحو بيت سارة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!