جلست بمقعدها بجواره في السيارة بهدوء تام، تنظر من النافذة المجاورة لها نحو اللاشيء. وهو يجلس بجوارها يتأملها من فينةٍ للأخرى، لا يدري أهذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ أم أنه هدوء ما بعد الصدمات المتلاحقة التي أفقدتها المقاومة تماما. بداخله خوفًا كبيرًا، يخشى فقدانها، يخشى أن تتخلى عنه ويقف هو في مهب الريح بمفرده يتخبط بين صراعاته، يخشى الغرق ببركة الظلام التي تسحبه أكثر وأكثر، وحياة هي طوق النجاة الوحيد بالنسبة له.
نظر إليها بقلق فرآها وقد أغمضت عينيها وأسندت رأسها للخلف. فقال: _حياة، هل أنتِ بخير؟ لم تتحدث، فقط فتحت عينيها ونظرت إليه نظرة مليئة بالاستهجان والاستنكار. نظرة ذات مغزى وكأنها تقول "كيف تسأل سؤالًا كهذا! تنهد بقلة حيلة وصب تركيزه على الطريق أمامه مجددا حتى وصلا إلى مدينتهما. فقالت: _خذني لبيتي، لن أذهب معك. كان هذا المتوقع أساسا، لذلك لم يعقب أو يجادل أو يتفوه بحرف حتى.
أخرج هاتفه من جيبه وقام بالاتصال بالسيد أكثم الذي أجاب مسرعا. وقال: _مرحبا قاسم. _مساء الخير سيد أكثم، أو صباح الخير للأسف الساعة تخطت الرابعة صباحا. _لا يهمك قاسم، أنا مستيقظ وكنت سأتصل بك على كل حال، لقد بلغني الخبر. تنهد قاسم متسائلا: _أي خبر بالتحديد؟ للأسف الأخبار السيئة كثيرة. _خبر موت سماهر. تنهد بتعب وضيق وقال:
_هذا ليس آخر الأخبار للأسف، ابنة عمي متهمة بقتل زوجها وأريد منك أن توكل لها المحامي الذي تعاملنا معه سابقا. تحدث أكثم بذهول وقال: _هل تقصد عبدالله؟ عبدالله مات؟!! تنهد بأسف قائلا: _أجل. _لا حول ولا قوة إلا بالله، صحيح أن لكل ظالم نهاية.. على كل حال سأفعل ما بوسعي لا تقلق. _أشكرك جدا سيد أكثم، سأتحدث إليك لاحقا.. مع السلامة.
أنهى الاتصال ورمقها مرة أخيرة فوجدها تغمض عينيها وتبكي بصمت، فأكمل طريقه متجها لبيت العائلة. وكلما اقترب منه ازداد توتره وخوفه. نعم هو يشعر بالخوف فعلا ليس تعبيرا مجازيا. يعلم أن بانتظاره مواجهات عديدة سيكون وقعها عليه أثقل من خبر موت عبدالله نفسه. أجاب الاتصال أخيرا وكان المتصل عزيز الذي قام بالاتصال به عدة مرات. وقال بإيجاز: _عزيز نحن باتجاه بيت العائلة، يجب أن نتحدث فورا، انتظرني هناك.
أنهى الاتصال ونظر إلى حياة التي نظرت إليه. وقالت: _ماذا ستقول له؟ وماذا سأقول لأمي؟ هل سأقول لها ابنتك قتلت زوجها وألقي القبض عليها؟ أم سأقول لها أبي تعرض لجلطة وحالته خطرة؟ ماذا سأقول لها؟ لم يجبها؛ لأنه كان بنفس حيرتها، بداخله إحساسًا بالذنب والندم لذلك يخشى مواجهتهم ولا يعرف كيف سيقف أمامهم ويبلغهم بما حدث! بعد قليل.. توقف بسيارته أمام بيت العائلة.
نزلت حياة وصف سيارته ثم نزل بدوره؛ وفورا وقعت عيناه على المحل الخاص بعبدالله بعد أن قام هو ببيعه للمالك الحالي وشعر بوخزات في قلبه تخبره بأنه قد أخطأ. صعدا إلى حيث شقة صالح، دخلا فكان كلا من صفية وحنان وعزيز بانتظارهما. وقفت صفية بلهفة وهي تنظر حولها وخلفهما وإلى جوارهما. وهي تقول: _أين ابنتي؟ أين عنبر؟ لماذا لم تأتِ معكما؟ وأين صالح؟ تهاوت حياة على المقعد بتعب شديد وفعل قاسم المثل.
فنهض عزيز من مكانه وجلس بجواره بقلق. وقال: _لماذا الصمت قاسم؟ لماذا طلبت أن نتحدث هنا وطلبت مني الحضور؟ ما الذي حدث؟ أين عمي وعنبر؟ نظر قاسم وحياة لبعضهما البعض وكلا منهما ينتظر أن يكون الآخر أجرأ منه ويبدأ هو بالحديث. فصرخت بهما صفية بنفاذ صبر وخوف: _فليخبرني أحدكما ماذا حدث لابنتي؟ هل ماتت عنبر؟ قالتها وهي تضرب على صدرها بيدها بخوف. فقالت حياة مسرعةً: _لا، لم تمت. هدأت قليلا وتنفست الصعداء ثم قالت بخوف لم يَزُل:
_إذا أين هي؟ وأين والدك؟ أطرق قاسم برأسه أرضا فتولت حياة الحديث. وقالت: _لقد ألقي القبض على عنبر لأنها.. ونظرت إلى عزيز بأسف وشفقة وأكملت بصوت مرتجف: _لأنها قتلت عبدالله. وانسابت دموعها بصمت وهي تنظر إلى أمها التي جحظت عينيها بصدمة وشهقت بفزع. وقالت: _ماذا؟ ماذا فعلت؟ تقولين قتلت عبدالله!!
كتمت حنان صوت شهقتها الفزعة وهي تنظر إلى عزيز الذي يجلس مأخوذا بصدمته، لا ينطق ولا يتحرك، فقط يحدق بهم كلٌ على حدة وكأنه لم يلتقط ما قالته حياة بعد. مدت يدها وأمسكت بيده وهي تبكي. فقال: _لماذا تبكين؟ أساسا ما هذا الذي قالته حياة؟ لم أفهم قصدها، ماذا يعني عنبر قتلت عبدالله؟ ما هذا الهراء؟ ونهض من مكانه متجها نحو حياة التي وقفت بجوار أمها وتحتضنها. فقال وهو يقترب منها بشدة: _ما هذا الذي قلتِه؟
ماذا يعني عنبر قتلت عبدالله؟ هل عبدالله أخي؟ عبدالله أخي هو من قتلته؟ مستحيل! وأشار بسبابته أن لا وقال بثقة: _لا، أنتِ تكذبين. نهض قاسم على الفور ووقف أمام حياة كفاصل بينهما. وهو يقول: _عزيز اهدأ لو سمحت.. هدر به عزيز صائحا بغضب. وهو يقول: _كيف أهدأ؟ بربك قاسم ألم تستمع لما قالته؟ وضحك بغير تصديق. وقال: _تقول أن عنبر قتلت أخي؟ هل هذا كلامًا يصدقه عقل؟
وأخذ يتحرك حول نفسه بعشوائية وفجأة ضرب قبضته بالجدار أمامه وصرخ يقوة. وهو يقول باكيا: _هذا هراء ليس إلا، أخي لم يمت ولم يُقتل، لا أعرف من أخبركم بتلك الترهات اساسا؟! ثم اقترب من قاسم وهو يبكي. وقال برجاء: _قاسم بالله عليك أخبرني الحقيقة، هل مات فعلا؟ أومأ قاسم وهو يجاهد كي لا ينفجر باكيا هو الآخر. وقال: _أجل، للأسف هذه هي الحقيقة. وقف مذهولا يحدق بوجوه الجميع بتشويش، وحانت منه التفاتة نحو حنان التي تقف بجواره وتبكي.
فهدر صارخا: _لا تبكِ، أخي لم يمت.. احتضنته بقوة فارتمى بحضنها منهارا وبكى كما لم يبكِ من قبل. هي ليست المرة الأولى التي يرتمي عزيز على صدرها ويبكي، هي تعرفه بطبيعته إنسانًا هشًا جدا ومتزعزع القوى ودائما ما يصاب بنوبات انهيار مثل تلك ولكن هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها منهارا بذلك الحد!
ضمته إليها بقوة وامتزج صوت بكائهما سويا مما جعل قاسم يشعر بالاختناق أكثر فخرج إلى الشرفة مسرعا وأخذ يدخن بشراهة ودموعه تتسابق أيهما يشق خده أسرع. نظرت صفية إلى ابنتها التي تحتضنها وكأنها استيقظت من صدمتها للتو. وقالت: _هل والدك معها؟ هل هو برفقتها الآن؟ هزت رأسها بنفي وأسف واحتضنت أمها أكثر. وهي تقول: _أبي بالمشفى. _لماذا؟ ماذا حدث له؟ هل تعرض لذبحة صدرية من جديد؟ أومأت بنفي مرة أخرى. وقالت بصوت مرتجف:
_لا، فقط انخفض ضغطه والدكتور أمر أن يبقى لحين استقرار حالته. _سأذهب إليه، أود الذهاب إليه حالا وأود رؤية عنبر، سأذهب لأرى ابنتي أولا ومن ثم أذهب للاطمئنان عليه. وأخذت تبكي وتنوح بقهر: _ابنتي، ماذا فعلتِ بنفسك عنبر؟ لم يستحق يوما أن تلوثي يدك بدمائه، ماذا فعلتِ عنبر؟ ثم نظرت إلى قاسم وفجأة وقفت أمامه وأمسكت بكفيه في توسل لأول مرة. وقالت:
_أرجوك قاسم لا تتخلى عنها، لا تتخلى عن ابنة عمك أرجوك، أنت الآن تستطيع فعل أي شيء، لديك معارف وأناس موثوقون يمكنهم مساعدتها. أومأ مؤيدا. وقال: _لقد فعلت ما بوسعي فعلا ووكلت لها محامٍ سيحضر معها التحقيق غدا.. إن شاء الله سيفعل قصارى جهده كي يحصل لها على أخف حكم. نظرت إليه بعينين فزعتين. وقالت: _ماذا؟ حكم؟ هل ستسجن ابنتي؟ هنا انفجر عزيز بنفاذ صبر. وهو يمسح وجهه متحدثا:
_بالتأكيد، في النهاية من قتلته هذا إنسانا وليس دجاجة. وتركهم وخرج من البيت. فنظر إليها قاسم بإيجاز. وقال: _أنا وحياة سنأخذ بعض الأغراض لعمي ونذهب إليه، وبعدها سنذهب لعنبر، عزيز سيتابع إجراءات المشرحة وتصريح الدفن، وحنان ستبقى برفقتكما أنتِ وكريم. تكلمت صفية قائلة: _لا، سأذهب لرؤية ابنتي، أود رؤيتها. هم قاسم بالتحدث ولكن نظره وقع فجأة على كريم الذي كان يقف بزاوية باب الغرفة التي كان يغفو بها يستمع إليهم وهو يبكي.
قطع قاسم حديثه فورا. وقال بصدمة: _الولد. نظروا جميعهم حيث ينظر هو وصعقوا عندما رأوه يقف مفطورا من شدة البكاء. فهـرولت إليه حياة واحتضنته. وهي تقول: _كريم، حبيبي. نظر إليها كريم وهو يبكي. ويقول: _هل أمي قتلت أبي؟ أغمضت عينيها وهي تبكي بقهر وتلعن غبائها وغبائهم جميعا. وقالت وهي تمسح على رأسه: _لا حبيبي لم يحدث. _ولكني سمعتكم تقولون أنها قتلته والشرطة قبضت عليها. _لا، لم نقل هذا لقد أخطأت فهمنا بالتأكيد.
اقتربت حنان منهما وجثت على ركبتيها أمامه. وهي تقول: _كريم حبيبي، ما رأيك أن نبقى سويا ريثما يذهبون لزيارة جدك بالمشفى. صرخ كريم باكيا وأخذ يتحرك بعشوائية لكي يبتعد عنهما. وهو يقول: _أنتم جميعكم كاذبون، أبي مات وأمي من قتلته. لقد سمعت حديثكم سويا. اقترب منه قاسم وهو يحاول تهدأته. وهو يقول: _كريم عزيزي من فضلك اهدأ، سأقترح عليك اقتراحا، ما رأيك أن تذهب للبقاء بشقتي الجديدة؟
هي جميلة وواسعة جدا ويمكنك أن تتسلى هناك أنت وخالتك حنان وجدتك كذلك، وأعدك في الصباح سيكون لديك ضيفا لذيذا جدا ستحبه أنا واثق من ذلك. نظر إليه الطفل بتمرد وغضب. قائلا بنبرة حادة: _لا أريد الذهاب لبيتك، أريد الذهاب لأمي وأبي. نظر قاسم إلى حياة بقلة حيلة. وقال: _يجب أن نتحرك حالا.. أدخلت حنان الطفل إلى غرفته قسرا وهي تحاول تهدأته ومحايلته، بينما دخلت حياة إلى غرفة والدها وأخذت بعض الأغراض وخرجت فوجدت أمها بانتظارها.
وهي تقول بتصميم: _لن أجلس هنا وأترك ابنتي تواجه مصيرها بمفردها، سأذهب برفقتكما. انطلقوا جميعهم بسيارة قاسم وكلٌ شارد فيما يشغله، حياة وأمها اللتان يفكران فيما سيؤول إليه حال عنبر من جهة، ومن جهة أخرى حالة صالح الصحية، أما عزيز الذي يبكي بصمت وهو لا يستوعب الخبر للآن وكيف أن أخاه لم يعد موجودا!
حسنا.. هو كان يشعر بالحقد تجاهه لأنه كان شخصا أسودا مليئا بالكره والشر ويحيك الخطط الشيطانية التي يقف لها الشيطان متعجبا، ويدبر المكائد، ولكنه شقيقه في النهاية، وبالرغم من أنه لم يرَ منه إلا الشر والسواد ولكن الآن بالتحديد لا يتذكر سوى اللحظات الجميلة التي جمعتهما في طفولتهما. أما قاسم، فكان شاردا يفكر بكل ما يفكرون به، عنبر ومصيرها ماذا سيكون، عمه وحالته إلى أي حد ستصل؟
عبدالله وموته الذي كان مفاجأة القرن بالنسبة له، إضافةً لإحساسه بالذنب والشفقة لا يبارحانه. في تمام السابعة صباحا كان قاسم قد توقف أمام المشفى الموجود بها صالح. نزل وبرفقته حياة وصفية، بينما ذهب عزيز للمشرحة. دخلوا إلى المشفى وهرولت حياة نحو الغرفة الموجود بها والدها وكانت صفية أيضا تركض بعزمٍ ضئيل حتى وصلت لغرفته.
دخلت حياة ولحقت بها والدتها التي صُعِقت عندما رأت صالح يجلس طريح الفراش، يده اليسرى مضمومة إلى جانبه قليلا، ونصف وجهه مرتخي للأسفل. شهقت صفية بصدمة عندما رأت زوجها وقد أصيب بشلل نصفي، ووضعت يدها تكمم بها فمها، ثم استندت إلى الباب. وهي تنظر إليه بغير تصديق، بينما سارت حياة نحوه وهي تحاول أن تبدو متماسكة لأبعد حد، جلست بجواره وقبلت يده ووجنته. فنظـر إليها بقلة حيلة وعجز مميت وحاول التحدث بصعوبة. فقال: _عنبر..
أجهشت صفية بالبكاء وخرجت من الغرفة فورا وانفجرت في نوبة بكاء شديدة، بينما حاولت حياة تهدأة والدها. وقالت وهي تمسك بيمناه: _ستكون بخير أبي لا تقلق، لقد وكلنا لها محامٍ ولن نتركها أبدا. أغمض صالح عينيه بتعب وألم وسالت دمعة على جانب خده باستسلام، مما جعل حياة تبكي بقهر وشعرت بحقدها يزداد ويزداد تجاه قاسم. قاسم الذي كان يقف على باب الغرفة يسند يده على إطار الباب ويطالع عمه الذي يرقد عاجزًا مقهورًا.
كان يرغب أن يذهب إليه ويقبل يده ويعتذر إليه، يقول له سامحني لقد تسببت لكم في كل المتاعب لأنني كنت فقط أريد حقي. كان يرغب في الاعتذار بشدة ولكن الاعتذار لن يفيد؛ لذا وقف مكانه عاجزًا قليل الحيلة يتطلع حوله بيأس وكأنه لا يجد مخرجا أبدا. بعد دقائق خرجت حياة من الغرفة، كان ينوي احتضانها فور أن تخرج، يشعر بها ويدرك أنها تحتاج لضمةٍ منه كي تشحذ بها قواها الخائرة.
كان ينوي فعل ذلك ولكنها فاجأته عندما تجاهلته واتجهت لوالدتها التي كانت تبكي بانهيار واحتضنتها بقوة وانفجرتا سويا في بكاءٍ مرير. قام بالاتصال بحنان كي يطمئن على حالة كريم. فأجابت الاتصال بصوت مرهق للغاية. وقالت: _نعم قاسم، ماذا فعلتم؟ _نحن الآن بالمشفى، سنذهب بعد قليل للقسم، أخبريني ماذا فعلتِ مع كريم؟ تنهدت بتعب. وقالت:
_لن تصدق قاسم، لقد اضطررت أن أعطيه دواءً للسعال بكمية مضاعفة حتى يغلبه النعاس، الولد لم يتوقف عن البكاء والصراخ لحظة وظل يردد أمي قتلت أبي لدرجة أنني خشيت أن يسمعنا الجيران! تنهد مستغفرا: _أستغفر الله العظيم، كان الله في عونه. على كل حال اهتمي به جيدا ريثما نعود. _لا تقلق. قاسم، كيف حال عزيز؟ أتصل به لا يجيب. _لا تضغطي عليه أكثر، سيكون بخير.. لقد اتصلت بكِ لأنهم هاتفوني من المشفى الموجود بها صبر. _ومن هو صبر؟
تنهد بنفاذ صبر. وقال: _سأخبرك عنه فيما بعد، الطفل خضع لعملية زرع نخاع منذ شهر تقريبا وحان موعد خروجه اليوم. لقد جهزت له غرفة معقمة ستكون خاصة به. أرى أنه سيكون مناسبا لو أنكِ أقنعتي كريم كي تذهبا وتصطحبانه سويا لبيتي وأن تنتظرا هناك لحين عودتنا. _حسنا، سأفعل ذلك.. بعد أن يستيقظ كريم سأحاول إقناعه بذلك. _حسنا، كان الله في عونك. _إن شاء الله، مع السلامة.
أنهى الاتصال وتلقى اتصالا من أكثم يبلغه فيه أن المحامي موجود الآن بقسم الشرطة وجاهز للحضور مع عنبر. فانتقلوا ثلاثتهم إلى القسم على الفور. تقف الآن بمكتب الضابط.. مطرقةً برأسها أرضا في حالة جمود، لا يظهر عليها الانهيار أو الندم كما من المفترض أن تكون حالتها. نظر إليها الضابط. قائلا: _اسمك بالكامل؟ _عنبر صالح فضل الحداد. _ما ردك على التهمة المنسوبة إليكِ بقتل زوجك عبدالله ناجي الحداد عن طريق وضع السم له بالطعام؟
أجابت بهدوء شديد: _نعم فعلت ذلك. _تقصدين أنه كان قتلا عمدا؟ أومأت بموافقة. وقالت: _أجل. _وما الذي دفعكِ لوضع السم له بالطعام؟ _لأسباب كثيرة، أهمها أنه لا يستحق العيش. _تحدثي مباشرةً وبدون مراوغة، ما هي دوافعك لقتل زوجك؟ نظرت إليه ببرود. ثم قالت: _لأنه لا يستحق العيش، شيطان مثله لا يستحق العيش لأنه يفسد كل شيء حوله، هل هذا سببا غير كافٍ؟ نظر المحامي إليها وحثها على التحدث. ثم قال:
_موكلتي تعرضت للابتزاز من المجني عليه، المجني عليه كان يزرع كاميرات مراقبة في منزله وبداخل غرفة نومه ليقوم بابتزاز زوجته وتهديدها بتلك الفيديوهات، وفي الفترة الأخيرة ضغط عليها كي تعطيه مبلغا كبيرا كان ينوي استخدامه للهرب إلى اليونان عبر هجرة غير شرعية، وكما هو موضح لديك حضرة الضابط أنه كان مطلوبا على ذمة قضيتين، تهمة تحريض على الخطف، وتهمة قتل راقصة كانت تجمعه بها علاقة غير شرعية.
استمع إليه الضابط بهدوء وهو يقلب قلمه بين يديه. ثم نظر إليها. وقال: _هل ما قاله الأستاذ وجدي المحامي صحيح؟ أومأت بموافقة. وقالت: _نعم صحيح. _ولماذا لم تقومِ بالإبلاغ عنه عندما قام بابتزازك؟ لمعت عيناها بحزن. وقالت: _لأنني خفت أن ينفذ تهديده وينشر الفيديو. _كيف خططتي لقتله؟ تحشرج صوتها بتوتر. وقالت:
_كان بيننا اتفاقا مسبقا بأن نلتقي بذلك الفندق بالتحديد، فاشتريت السم ومن ثم اشتريت الطعام وذهبت إلى الفندق وأبلغته أنني قد وصلت فأتى وأكل من الطعام المسموم ومات. هذا كل شيء. _هل تعرفين أن هذا يعد قتلا مع سبق الإصرار؟ هل تعترفين أنكِ خططتي لقتله بالسم واستدرجتِه لغرفتك بالفندق وأطعمتِه الطعام المسموم متعمدةً وأنتِ بكامل قواكِ العقلية؟ أي أنكِ لم تكونِ تحت تأثير المخدر أو ما شابه؟ أومأت بنفي. وقالت:
_لا، كنت بكامل قواي العقلية. تحدث المحامي قائلا:
_موكلتي تعاني من الضغط النفسي والعصبي منذ فترة بسبب ضغط المجني عليه عليها وبسبب تعرضها للتعنيف بصفة مستمرة إضافةً لبعض الأحداث المأساوية التي تعرضت لها كخطف أختها والتي كان المجني عليه مساهما في تلك الواقعة بشكل كبير، ومؤخرا ابتزازها وخيانة المجني عليه لها مع القتيلة التي قتلها المدعوة سماهر. وكل تلك الأحداث المتلاحقة أثرت بشكل كبير على صحتها النفسية وجعلتها تعاني من التشوش والتخبط، لذا أرجو الاهتمام بحالة الاضطراب النفسي لموكلتي.
نظر الضابط إلى عنبر. وقال: _هل لديكِ أي أقوال أخرى؟ _لا. _إذًا تقدمي وامضي على أقوالك. ونظر إلى المحامي. وقال: _هل لديك أي طلبات أخرى؟ _لا. فنظر إلى الكاتب وأملى عليه. قائلا: _بعد الاستماع لأقوال المتهمة حول التهمة المنسوبة إليها واعترافها بقتل زوجها قتلا عمدا مع سبق الإصرار قررنا نحن حبس المتهمة أربعة أيام على ذمة التحقيق على أن يراعى لها التجديد في الميعاد، وأقفل المحضر في ساعته وتاريخه.
خرجت عنبر من المكتب منكسة الرأس، لا تشعر بشيء، وكأن شعورها قد أصيب بخدر كامل فأصبحت كالجسد الخاوي بلا روح. هرولت كلا من صفية وحياة نحوها وقامتا باحتضانها. فقالت صفية ببكاء: _عنبر، حبيبتي، ماذا فعلتِ بنفسك أمي؟ ماذا فعلتِ بنفسك؟ لماذا ضيعتي عمرك هباءً؟ احتضنتها حياة بقوة. وقالت: _عنبر لا تخافي، لقد وكل لكِ قاسم محاميا ممتازا سيفعل قصارى جهده ليساعدك.
نظرت عنبر إلى قاسم الذي كان يقف على بعد خطوات يطالعها بنظرات مبهمة، خليطًا من الشفقة والندم والأسف والحزن، وكأن كل الحقد الذي كان يكنه إليها قد تبخر فجأة. نظرت عنبر إلى حياة. وقالت بهدوء: _لا أريد محاميا، كل ما أريده أن تعتني بكريم. وتحركت مع العسكري. وهي تنظر للخلف حيث يقفون. وقالت برجاء: _لا تخبروه الحقيقة رجاءً.. اعتني به أمي، كريم في أمانتكم. غابت عن أنظارهما فانهارت حياة وتشبثت بعنق أمها. وهي تبكي بحسرة. وتقول:
_يا إلهي، ما هذا الذي يحدث لنا؟ عنبر يا أمي. احتضنتها صفية بكل قوتها. وهي تبكي. وتقول: _أختك ضاعت حياة، لقد ضاعت عنبر للأبد.. يا ويلي، يا أسفي عليكِ ابنتي. تقدم منهما بعد قليل. وقال: _حياة، لا بد أن نذهب، وجودنا هنا لن يفيد بشيء. أومأت بموافقة وأشارت إلى أمها ليغادرا. فاصطحبهما قاسم بسيارته إلى حي فخم جدا أثار تعجب حياة التي توقعت أن يذهبا للانتظار بالمشفى أو للبقاء بفندق مثلا.
توقف أمام بناية أقل ما يقال عنها أنها بناية فخمة وراقية جدا مما ينم عن أن هذا المكان لا يقطنه سوى الأغنياء. طلب منهما الصعود ففعلتا. فاصطحبهما إلى شقة في الطابق الثاني. دخل ولحقت به صفية وحياة التي تعجبت المكان جدا ولكنها لم تعقب. _تفضلوا، سنبقى هنا لحين الاطمئنان على صحة عمي. نظرت إليه حياة بشك ولكنها تجاهل شكها. وقالت: _حياة، خذي والدتك لغرفتها لترتاح، وبعدها الحقي بي من فضلك.
أخذت والدتها إلى الغرفة حيث أشار وطلبت منها أن تستريح لبعض الوقت. وبالفعل لم تمانع صفية نظرا لشعورها القاتل بالألم والإرهاق. ثم ذهبت حياة إلى الغرفة التي دخلها قاسم فرأته يتمدد فوق الفراش كجثة هامدة، باسطا ذراعيه بجواره بتعب واضح. _اغلقي الباب حياة. أوصدت الباب كما أمرها وتقدمت منه تطالعه بتعجب. ثم نظرت إلى الغرفة من حولها بتعجب أكبر، حاولت كبح جماح فضولها اللعين ولكنها لم تنجح. فقالت: _هل هذه الشقة ملك لك؟ _نعم.
أجابها باختصار، مما زاد ارتباكها وخوفها. فقالت بترقب: _متى اشتريتها؟ _منذ فترة. لم تكن إجابته شافية لفضولها أبدا، فتقدمت منه أكثر وجلست بجواره على الفراش. وقالت: _منذ متى بالتحديد؟ صمتت، وصمت هو أيضا، هو يعرف مغزى سؤالها، ويعرف إلى أين تريد الوصول تماما، ولكنه يعرف أيضا أنه إذا أجابها الإجابة التي تنتظرها ستخرج من هنا حالا ولن تنظر خلفها حتى. لذا؛ جذبها من ذراعها لتسقط فوق صدره فجأة. فرفعت رأسها تنظر إليه باستغراب.
وقالت: _ماذا تفعل؟ تنهد بتعب مغمضا عينيه. وقال بنبرة مرهقة: _أحتاج لقربك. توترت بشدة، اهتز جسدها وانتفض قلبها الخائن الذي لا يكن له سوى الحقد كما تعتقد، وابتلعت لعابها بتوتر. وهي تطالعه بتشتت. فقال: _أحتاج إليكِ بجواري، أشعر كأنني على حافة الانهيار وأنتِ وحدكِ طوق نجاتي. كانت كلماته بمثابة مخدر لمشاعرها المنهارة، فأسندت رأسها على صدره كما كانت وصمتت، أغلقت عينيها وسالت دموعها بغزارة ولكن بصمت.
لو كان الأمر بيدها لانفجرت وأطلقت الصراخ عاليا حتى يهدأ قلبها ويعود إليه نبضه من جديد، ولكن احتياجه لها واعترافه بذلك جعلها تشعر بالمسؤولية تجاهه لأول مرة، وكأنها أم وتخشى أن تزعج طفلها الذي أعلن حاجته لدعمها بكل وضوح. مد يديه ومسح دموعها. وهو يقول: _لمَ تبكين؟ صمتت فصمت بدوره لأنه شعر بسذاجة سؤاله. ثم تكلمت هي. قائلة: _لمَ تحتاجني بجوارك؟ فتح عينيه وشخص بهما بالسقف، ثم نهض بجذعه ومال نحوها.
فأصبح ينظر إليها من علوٍ ووجهيهما متقابلين. ارتبكت وشحب وجهها لأنهما متقاربان لذلك الحد، ابتلعت لعابها بتوتر. وهي تراه ينظر إليها بتفحص، يدور بعينيه حول معالم وجهها الفتان لأول مرة، ظل يتجول في ملامحها طويلا، وما لا تعرفه هو أنه كان يتحدث إليها حديثا صامتا، حديثا نابعا من قلبه ولم يجد القدرة على النطق به، حديثا لو سمعته لمسحت كل ذرة حقد بقلبها نحوه.
كان يتأمل عينيها الكهرمانيتين، يحدثهما ويشرح لهما كم أنه بحاجة لنظرة اللوم بهما كي تكون تلك هي الرادع الأقوى، يخبرهما أنهما سيكونان مستودع أسراره، سيكونان دوما ملجأه وملاذه. وتحدث أخيرا بدون وعي. وقال: _أبدا لا تتركيني حياة. أومأت بضعف. وهي تنظر لعينيه التي تخترق وجدانها. وهمست: _أبدا لن أتركك. أسند جبهته فوق جبهتها وأغمض عينيه. وقال: _أشكرك كثيرا، أشكرك على كل شيء.
ثم ابتعد وأسقط جسده مجددا على الفراش وأحاطها بذراعه. وفورا استمعت إلى انتظام أنفاسه فعلمت أنه غط بالنوم. فأوصدت جفنيها وسقطت في النوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!