كان يقف أمام المرآة مرتديا سروالًا من الجينز باللون الأسود وقميصًا باللون الأحمر، أمسك بزجاجة عطره الفواح ونثر منها ببذخ، ووضع ساعة يده الفخمة، ثم خرج من الغرفة وهو يطلق صفيرا بتسلية. رأته عنبر التي خرجت لتوها من المطبخ ونظرت إليه بتعجب وشملته بنظرة متفحصة وقالت: _هل ستخرج؟ _أجل. _إلى أين؟ _لا أعرف بعد، سنذهب أنا ورفاقي لنمضي بعض الوقت بأي مكان. _هل ستتأخر؟ نظر إليها متعجبا وقال: _ولمَ تسألين؟
سأعود حينما أود العودة.. تصبحين على خير زوجتي العزيزة. خرج وأوصد الباب خلفهُ بالمفتاح ثم استقل سيارته وانطلق متجها نحو العنوان المدون ببطاقة سماهر. وفي طريقه قام بالاتصال بأحد معارفه والذي يعمل في إحدى شركات تركيب كاميرات المراقبة وقال: _مرحبا حازم؟ أود أن أقوم بزرع كاميرات مراقبة سرية في بيتي! /////////////
صعد قاسم سيارته واحتل مقعده، ثم جلست حياة بالمقعد المجاور بتعب والتزمت الصمت، وتحرك هو في طريقه نحو بيت العائلة. ساد الجو صمتًا مهيبًا لم يألفه قاسم ولكنه كان مريحا لن ينكر ذلك. ولكنها حياة، إن صمتت أكثر من دقيقتين متواصلتين قد يلتف لسانها حول بلعومها وتموت مختنقة. نظرت إليه وقالت بهدوء: _كيف ستعتني به بمفردك؟ أجابها بهدوء مماثل: _لديه متسعًا من الوقت حتى يخرج من المشفى. _وماذا بعد أن يخرج؟ وماذا بعد أن يشفى؟
كيف ستعتني به طوال الثلاث سنوات حتى تنتهي محكومية والده؟ تنهد وقال محاولا تخفيف حدة الأجواء بينهما: _هل ستتخلى عنا آنسة كهرمانة؟ _وماذا ستفعل آنسة حبهانة؟ هل ستترك دراستها وأهلها وتتطوع لخدمتكما وإغاثتكما أم ماذا؟ بالطبع لا.. بالكاد يمكنني زيارتكما مرة كل أسبوع أو مرتين على الأكثر. _سيكون هذا نبلًا منكِ لن ننساه. _قاسم أنا لا أمزح أبدا، هل لديك أي فكرة عن تربية الأطفال؟ نظر إليها بجدية وقال: _أي أطفال؟ تقصدين صبر؟
عزيزتي صبر هذا ليس طفلا! إنه كهلا يبلغ من العمر خمس وتسعون عاما ولكنه فقط يعاني من توقف النمو. غلبت ابتسامتها حزنها وقالت: _بلى ، هو طفل.. ولكنه من عينة الأطفال العفاريت. هز رأسه بشبه اقتناع وقال: _ممكن.. حسنا هو عفريت فعلا.. تشعرين أنكِ ستضربين رأسه بالحائط ولكنكِ تتراجعين فقط لأنه طفل. ابتسمت وقالت بحزن: _عندما رأيته مستلقيا على السرير النقال اهتز قلبي، يا إلهي كم هو مسكين. أومأ بحزن وقال:
_نعم، ولكنه سيشفى ويعود لحياة العفرتة من جديد ، أليس كذلك؟ كان رجاءً أكثر منه سؤالًا فقالت بهدوء: _إن شاء الله. توقف أمام مدخل البيت وقال: _ها قد وصلنا.. أشكرك يا حياة، لقد شكّل وجودك بجانبي اليوم فارقا كبيرا. ابتسمت بصمت ولأول مرة تغادر دون أن تتحدث، دخلت البيت فانطلق هو عائدا إلى شقته. رن هاتفه برقم سماهر فأجاب: _نعم؟ _قاسم، لقد رأيت عبدالله يصف سيارته أمام بيتي الآن، لقد أتى كما توقعت أنت. هز رأسه بثقة وقال:
_أجل، أنتِ تعرفين ما ستفعلين، صحيح؟ _نعم، لا تقلق. _حسنا، وبالمناسبة.. لقد تحدثت إلى صديق لي وقام بالاتصال بالمصح النفسي الذي سيودع به أخيكِ بدءاً من الغد. تنهدت بأمل وقالت: _أشكرك قاسم، أشكرك شكرا جزيلا.. سأبلغك بآخر التطورات.. مع السلامة. /////////////////
وقف عبدالله أمام مدخل بيتها ونفش ريشه بخيلاء، ثم التقط تلك الحقيبة التي أحضرها وتقدم، طرق الباب ومرت ثوانٍ وهو يقف مشغولا يتفحص البيت والمكان حتى انفرج الباب وظهرت سيدة خمسينية ترتدي ملابسا بسيطة للغاية فاستطاع تمييزها فقال: _مساء الخير ، مدام سماهر موجودة؟ طالعتهُ السيدة باستغراب وقالت: _ومن أنت؟ حمحم قائلا: _أنا معرفة، أخبريها وسترحب بي فورا. _ولكنها ليست موجودة الآن. طالعها بشك وقال: _حقا؟
ليست موجودة فعلا أم أنكِ تكذبين؟ طالعته الأخرى بنفاذ صبر وقالت: _نعم أكذب، هل لديك اعتراض؟ هيا تصبح على خير. وصفقت البواب بوجهه بقوة ودخلت تهرول إلى حيث تقف سماهر تكتم ضحكتها وهي تشاهد ما يحدث بشاشة المراقبة الموجودة بغرفة الاستقبال. _ما رأيك سيدتي؟ ابتسمت سماهر وهي تهز قدمها باستمتاع وقالت: _أبليتِ حسنا يا عظيمة. وشردت وهي تحدث نفسها قائلةً: _مرحبا بك في شِباك سماهر أيها المحتال.
رن هاتفها برقم غير مسجل ولكنه ظهر باسم " عبدالله الحداد " على تطبيق معرفة اسم المتصل فأجابت وهي تتصنع النوم وقالت: _مرحبا. _مرحبا سماهر، أنا عبدالله. _مَن عبدالله؟ توتر بحرج وهو يمسح عنقه ويقول: _عبدالله الحداد، صاحب المحل الذي اشتريتِ منه الإطار اليوم! صمتت للحظات وكأنها تتذكر الاسم ثم قالت: _نعم نعم لقد تذكرتُ. ابتسم بأمل وقال: _جيد، في الحقيقة لقد أتيت لزيارتك ولكن الخادمة أخبرتني أنكِ لست موجودة.
_نعم، عندما أكون نائمة هي تتصرف بمعرفتها. وصمتت ثم قالت: _هل كنت تريد شيئًا؟ كيف يمكنني مساعدتك؟ تعجب لهجتها والرسمية التي تتحدث إليه بها ، وهو من ظنها أنها أكثر مرونة في التعامل، أو ربما ذلك ما وصل إليه من أسلوبها ونبرتها اللينة ونظراتها العابثة التي رآها منها، فما بالها تعامله الآن بطريقة مناقضة تماما! _مرحبا، هل أنت معي؟ خرج عن صمته وقال: _نعم أنا معك، على كل حال لقد اشتريتُ لكِ هدية فخمة جدا، ولكن كما تشائين.
_حسنا، يمكنك زيارتي غدا، أعدك أن أتفرغ لك تماما. تنهد باستسلام وقال: _حسنا، سآتي إليكِ غدا، وإن لم تكونِ متفرغة غدا سآتي بعد غد، وإن لم يكن بعد غد سأعود ولو طال انتظاري أعواما. ضحكت ضحكةً ناعمة أسرت بها عقله وهزت قلبه الذي ظنه أنه قد مات منذ زمن وقالت: _يا إلهي، كم أن كلامك معسول، أعتقد أنك ستكون صديقا لطيفا. اتسعت ضحكته وقال بحماس: _إذا، ألن تتكرمي وتمنّي على صديقك اللطيف بنظرة؟
لقد أتيت طريقا طويلا لأراكِ، فقط نظرة وسأرحل. عادت لهدوئها من جديد وقالت بنبرة واثقة: _صدقني وقتي لا يسمح باستقبال الضيوف الآن، غدا ألقاك. _سأنتظر سيدتي، حتى وإن أصبحت كل أيامي غدا سأنتظر.. واسمحي لي أن أترك باقة الورود تلك لأجلك. وانحنى وترك باقة الورود و أنهى الاتصال وعاد لسيارته هيمانا مسرورا يمني نفسه وقلبه الولهان بلقياها غدا كما وعدته، تحرك بالسيارة بعد أن قام بتشغيل أغنية للسيدة أم كلثوم وأخذ
يدندن معها بحالميه ويقول: _أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غد ألا شوقي واحتراقي في انتظار الموعد أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غد يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد ////////////// عاد قاسم إلى شقته، دخل وعلى الفور خلع كنزته وألقاها على الأريكة بإهمال، ثم تقدم نحو الحمام ولكن سرعان ما دق جرس الباب فعاد لفتحه فإذا به يجد جارته الهيفاء تقف وبيدها طبقا مغلفا. نظرت إليه بتفحص وجرأة وهي تقول: _مساء الخير سيد قاسم؟
تعجب وقاحة نظراتها وعاد خطوات للأريكة والتقط كنزته ثم ارتداها مجددا وذهب إليها ليقول: _صباح الخير سيدة فوزية.. برقت عينيها بشراسة وهي تقول: _فريال ولست فوزية.. _اعذريني لدي مشكلة عويصة في حفظ الأسماء، كيف أستطيع خدمتك؟ ناولته الطبق وهي تتطلع نحوه بابتسامة وتقول: _لقد صنعت تلك الحلوى مخصصا من أجلك. _من أجلي؟ قالها متعجبا فقالت: _أجل، ترحيبا مني بك في بنايتنا.. هيا تذوقها وأخبرني رأيك. تناول الطبق منها
وهو يقول بابتسامة مهذبة: _شكرا لكِ سيدتي ولكن اعذريني أنا لا أتناول الحلوى في هذا الوقت المتأخر.. في الصباح يمكنني تناولها إن شاء الله. تراجعت ابتسامتها وقالت: _حسنا، كما تشاء، سأنتظر رأيك على أحر من الجمر. ابتسم باقتضاب وقال: _إن شاء الله ، تصبحين على خير. أوصد الباب وتنهد بضيق ثم دخل المطبخ ووضع الطبق على الطاولة ثم دخل إلى الحمام ليأخذ حماما دافئا وبعدها يخلد للنوم.
_كانت حياة تستلقي بفراشها وهي تنظر بسقف الغرفة بشرود، وفجأة رن هاتفها فانتفضت ظنا منها بأن المتصل هو قاسم، ولكن تجهم وجهها بحزن عندما رأت اسم خالد. تجاهلت المكالمة، وجلست بمكانها، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وأسندت رأسها فوقهما وهي تتحدث بصوتٍ خافت: _إلى متى حياة؟ الأيام تمضي ولم يتبقَ على موعد زفافكما سوى شهر ونصف فقط! هل أنتِ مستعدة للزواج منه وأنتِ مشتتة بهذا الشكل؟
ورفعت وجهها ومسحته بأناملها ثم نهضت من مكانها متجهة إلى غرفة والدها تنوي التحدث إليه ولكنها وجدته نائما فعادت أدراجها إلى الغرفة. أمسكت بهاتفها الذي ظهر على شاشته إشعارا بوصول المكالمات الفائتة إلى ست مكالمات، أحضرت رقم قاسم وظلت تتطلع إليه بحيرة وتحدث نفسها وتقول: _ماذا ستقولين له؟ أشعر بأني مشتتة ولا أجيد التصرف؟ وماذا سيفعل لكِ؟ هل هو من سيتزوج أم أنتِ؟ وعبثت بشعرها بجنون وقالت:
_يا إلهي رأسي سينفجر، إلى من سأتحدث؟ وبعد عناء وتفكير مضني قررت إرسال رسالة له على إحدى مواقع التواصل لأنها جبنت أن تتحدث إليه مباشرةً ، إضافةً إلى أن الوقت قد تأخر وبالتأكيد هو الآن يغرق في نومٍ عميق.
_قاسم، كنت أود الاتصال بك وطلب نصيحتك في أمر ما، ولكني تراجعت، في الحقيقة لا أعرف هل ما أفعله هذا صائبا أم لا، ولكني أثق بك على كل حال، أشعر أني مشتتة، مشاعري ممزقة، أحاسيسي مبعثرة، أشعر كأني بحارٌ لا يجد مرسى، تلخيصا لحالتي أشعر بالضياع، من المفترض أن يتم زفافي بعد شهر ونصف على أكثر تقدير، ولكنني لست سعيدة أبدا ولا مستعدة لذلك، أصبحت أشعر بأن هناك عبئا على صدري عندما أرى رسالة من خالد أو عندما أراه، لا أشعر بالراحة
في وجوده أبدا، وما سيثير جنوني أنني لم أكن هكذا من قبل، كنت أتعامل معه بكل ود، لم أكن أنفر من قبلته كما أفعل الآن، أشعر أنني لن أكون سعيدة أبدا إذا تزوجته وفي نفس الوقت أشعر حياله بتأنيب الضمير، لم أرَ منه إلا كل خير، أشعر أنه لا يستحق ذلك الجفاء الذي أصابني فجأة، أرجوك إن كانت لحالتي تلك علاج أرشدني إليه.
ضغطت زر الارسال بتوتر، حتى أنها فكرت أن تقوم بإلغاء إرسال الرسالة ولكنها تماسكت وحدثت نفسها قائلةً: _لا تكوني جبانة يا حياة! ونهضت من مكانها متجهة إلى طاولة الرسم خاصتها كعادتها عندما تشعر بالشرود، تجلس أمام لوحاتها وتمسك بأقلامها وتعبث لتتفاجأ بالنهاية! قامت بتشغيل موسيقى هادئة، وأخذت ترسم بعشوائية في لوحة قاسم الذي رسمت بها نصف وجهه، وشردت بعيدا مع الموسيقى وفي النهاية توقفت لتصدم بما رأت!
نصف وجهها بجانب نصف وجه قاسم! عينها الكهرمانية بجانب عينه السوداء الغاضبة تماما، نصف أنفها بجانب نصف أنفه، نصف شفتيها المكتنزتين تمتزجان بنصف شفتيه.. وفي النهاية.. لوحة متكاملة مؤلفة من وجه واحد مقسوم إلى نصفين وكل نصف بملامح مختلفة. شهقت بصدمة وهي تتطلع إلى اللوحة بتعجب وتقول: _يا إلهي! ما هذا؟ ماذا فعلت أنا؟ ما هذا الهراء؟ يا إلهي لو أن أمي رأت تلك الحماقة ستفصل عنقي عن جسدي فورا.
وهمت بتقطيع اللوحة ولكن فجأة أصدر هاتفها صوتا معلنا عن وصول رسالة، فقفزت فوق السرير قفزةً واحدة وأمسكت بالهاتف بلهفة وقرأت رسالة قاسم: _عزيزتي حياة، علاجك فيما ستمليه عليه نفسك، إن كنتِ تشعرين بعدم الراحة والاطمئنان لا تترددي واهربي، حدسك لا يخطئ فاتبعيه. في الحقيقة لم يكن كلامه شافيا بما يكفي، لقد جعلها أكثر توترا وحيرة، ولكنه أرسل لها رسالة أخرى يقول بها: _لمَ لا تصلين صلاة استخارة؟
اسألي الله أن يقدم لكِ الخير وثقي أنكِ ستسيرين في الطريق الصحيح براحة ورضا.. ثم ختم حديثه معها عندما أرسل الرسالة الأخيرة وقال: _تصبحين على خير يا كهرمانة. ظلت حياة تنظر لرسائله كثيرا، ثم نهضت بعدها على الفور واتجهت للحمام وتوضأت، ثم قامت لتصلي صلاة الاستخارة كما نصحها. /////////////////// كان قاسم يقرأ رسائلها مجددا واستوقفته جملة استفزته كثيرا فقال:
_لم تكن تنفر من قبلته سابقا والآن أصبحت تفعل، تبا لكِ يا حياة الوقحة. وفعّل الوضع الصامت ثم عاد للنوم مجددا ولكن تلك الليلة على الأغلب لن يكتب له بها النوم.. قرأ اسم سارة الموجود على الشاشة وقرر تجاهله بضيق، ولكنه أجاب في النهاية قائلا: _مساء الخير آنسة سارة ، هل هناك شيئا طارئا؟ تحدثت إليه سارة بضيق وصوت خافت وقالت: _في الحقيقة لا، ليس هناك شيئا طارئا، ولكني حاولت الاتصال بك مرات عديدة ولم تجب.
_لم أكن متفرغا أبدا لذلك لم تتسنى لي الفرصة.. _حسنا، في الحقيقة اتصلت لأتحدث إليك بخصوص ما رأيته اليوم. لم يستطع التحكم في غضبه أكثر فقال منفعلا: _ماذا تقصدين بالتحديد؟ هل عندما رأيتكِ تدخنين؟ أم عندما رأيت ذلك الشاب اللزج يقترب منكِ ويضمك إليه بتلك الصورة المنفرة؟ تنهدت بضيق واضح وقالت: _أعرف أن ما رأيته أزعجك، ولكنك لم ترَ الصورة كاملة ً، لذلك لا تقسو في حكمك علينا. تنهد بتعب وقال:
_آنسة سارة اسمعيني جيدا، أنا لا يهمني رفاقك، لا يهمني ما يفعلونه ولست مهتما لشأنهم، أنتِ فقط من تهميني، أنتِ شابة في بداية حياتها لا يفترض أن تكون في مثل تلك الحالة أبدا.. الآن تدخنين السجائر غدا ستنجرفين في طرق أكثر سوادا وأشد هلاكا، هل يا ترى سيظل والدك فخورا بكِ كما أخبرك إن علم بما تفعلين؟ _أكيد لا. تعجب إجابتها الواثقة الواضحة والتي لم يكن يتوقعها من الأساس، بل كان يتوقع ردا أكثر حدة وعنفا فسلك سبيل اللين وقال:
_جيد إذا، ثم أنكِ تضرين بصحتك، تلك ليست البداية المثلى أبدا. تنهدت بضيق وقالت: _سأحاول وضع كلامك قيد التنفيذ، ولكني لا أعدك. تنهد وقال: _وبالنسبة لذلك الفظ الذي سمح لنفسه بالاقتراب منك بتلك الحميمية؟ أجابت بتوتر: _سيف يحبني، والجميع يعرف أننا مرتبطان، سيف الوحيد الذي يقبل بي برغم كل النقاط السوداء بحياتي، الوحيد الذي يحنو عليّ ويعوضني فقدان الحب والحنان والاحتواء بحياتي، لقد بحثت عن الحب فوجدته.
تنهد بضيق وأسف، لأنه يعرف أنها مظلومة، هي حرمت الحب والاحتواء فعلا لذلك تتمسك بذلك الشاب الرخو ظنا منها بأنه ملجأها وملاذها وأنه من سيعوضها كل ما ينقصها. يعرف أنها ضحية لظروف مظلمة بدلت أحلى لحظات حياتها لأحلكها سوادا. فما كان منه إلا أنه تنهد بضجر وقال:
_اسمعيني سارة، وعندما أحدثكِ دون لقب أو تكليف فهذا يعني أنني أقدرك كثيرا وأرى فيكِ أختي الصغيرة التي لم أكن موجودا بجانبها لأقدم لها النصيحة، لا تبحثي عن الحب، ابحثي عن السند، كل سندٍ سيصبح حبيبًا، وليس كل حبيب يستطيع أن يكون سندا. لمست كلماته شغاف قلبها وروحها، وكعادتها صمتت بعد حديثه للحظات، ثم تحدثت مغيرةً مجرى الحديث فقالت: _هل سنزور أبي غدا؟ _أجل، إن شاء الله. _لقد أحضرت له هدية آمل أن تعجبه. تنهد مبتسما وقال:
_بالتأكيد، ولو أنه يكفيه رؤيتك. ولكن تلك الهدية سيكون لها تأثيرا خاصا عليه.. على كل حال سأصلك في التاسعة صباحا. _حسنا، سأكون جاهزة في الموعد.. مع السلامة. أنهت الاتصال وزفرت براحة، وتسللت إلى شفتيها ابتسامة رقيقة حالمة. //////////// عاد عبدالله إلى شقته، دخل وعلى غير العادة كانت عنبر تنتظر رجوعه، وبمجرد أن رأته حتى هبت واقفة كالبركان الثائر وقالت: _هل كنت توصد الباب من الخارج؟ هل أنا بسجن أم ماذا؟
نظر إليها متعجبا وقال: _وما أدراكِ أنني أوصدته من الخارج؟ ألم أخبرك ألا تذهبين لأي مكان؟ إلى أين كنتِ تنوين الذهاب؟ نظرت إليه بغيظ وقالت: _لقد أتت والدتي لزيارتي وعندما ذهبت لأفتح الباب وجدته موصدا من الخارج، هل أنت مدرك كم الحرج والخجل الذي كنت أشعر به حينها؟ هل تتخيل الموقف المؤسف الذي وضعتني به أمام أمي؟ _لا تطيلي عنبر، من الآن فصاعدا لن تخرجي في غيابي ولن يزورك أحدٌ، أنا لا أحب الاختلاط بالبشر وأنت تعرفين.
ذهب باتجاه الخزانة فذهبت خلفه وهي تقول: _هذا يعني أنك تود أن أصبح كالسجينة! لا أذهب لأحد ولا يأتي أحدا لزيارتي! أي حياة تلك؟ _وما المانع؟ ونظر إليها بنظرته المتسلطة المهيمنة التي تبعث في نفسها الخوف وقال: _طالما أن زوجتي المصون لم تحترم غياب زوجها وخرجت بدون علمه، هل تعرفين حكم ذلك في الدين عزيزتي؟
يسمونها ناشزا، وأرى أن عقابك أن تظلي هكذا .. إن أردتِ فليكن سجنا، وإن أردت فليكن عزلة، وإن أردت فليكن استرخاء، المسميات كثيرة فاختاري الأنسب لكِ. وتركها وأكمل خلع ملابسه ثم اتجه للحمام ليأخذ حماما دافئا.. في تلك اللحظة كانت عنبر تستعد لنقل ملابسه إلى صندوق الملابس المتسخة ولكن فجأة سقط منها بطاقة تحمل رقم وعنوان متجرا خاصا لبيع الورد. نظرت إليه عنبر بتعجب وقالت: _ورد؟ ما القصه إذا!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!