خرج كريم وأغلق الباب خلفه ليتفاجأ بالليل الحالك الذي يعم الأرجاء مما أثار رهبته وخوفه وجعله ينظر حوله بذعر، حتى أن قدميه الصغيرتين أصيبتا بالرجفة. وقف يتأمل المكان حوله لعله يعرف سبيلا للهرب من بين أحد الأزقة الضيقة المظلمة. وفجأة انفرج الباب وظهر حسان الذي كانت تبدو الدهشة على ملامحه، وفورًا تبدلت إلى ارتياح وهو يضم كريم إلى صدره بخوف ويقول: _كريم، الحمد لله أني لحقت بك في الوقت المناسب، ماذا كنت ستفعل يا فتى!
قالها وهو يمسك بكتفيه ويهزه في عتاب هادئ وتابع: _هل كنت تنوي الهرب فعلا؟ لا أصدق، كنت ستعرّض نفسك للخطر. تحدث كريم وهو يبكي وقال بضيق وحنق طفولي: _لم أكن أنوي الهرب؛ كنت أريد العودة إلى بيتي فحسب. نظر حسان إلى حالته بشفقة وأسف، ثم ربت على كتفه بمواساة وقال: _أعتذر لك لم أقصد مضايقتك، ولكن على كل حال الوقت متأخر جدًا كما ترى ولن نتمكن من الذهاب إلى بيتك الآن، أعدك أننا سنذهب صباحًا.
أومأ كريم باستسلام ودخل مع حسان مجددًا. فجلسا على الأريكة بغرفة الاستقبال الصغيرة وتحدث حسان قائلًا: _هل أنت جائع؟ هز كريم رأسه بنفي. فقال حسان: _لا تعاند، أنت لم تأكل شيئًا منذ أتيت إلى هنا صباحًا، سأحضر لك العشاء. _لا لست جائعًا. رد عليه حسان بإصرار: _لا أنت جائع ولكنك عنيد. وأردف بعفوية وهو يتجه نحو المطبخ: _مثل والدك تمامًا. انتبه كريم إلى ما قاله حسان وأثارت الكلمة فضوله فلحق به إلى المطبخ ووقف أمامه وقال:
_هل تعرف أبي؟ أدرك حسان زلة لسانه ولكنه حاول تدارك الموقف، ونظر إليه بهدوء وهو يصطنع الانشغال بتحضير العشاء فأجاب باقتضاب: _أجل، أعرفه. _أقصد هل كنتما أصدقاء؟ _لا، ليس تمامًا. مجرد معرفة سطحية. _إذًا كيف عرفت أنه كان عنيدًا؟ ابتلع حسان ريقه وشعر وكأنه قد حُشر بالزاوية فنظر إليه وقال: _كنا جيرانًا وتعاملنا سويا أكثر من مرة. صمت كريم للحظات، ثم توجه إلى المقعد الموضوع بالجوار وجلس فوقه بصمت.
فزفر حسان بارتياح ظنًا منه أنه قد تخطى الأمر، ولكن كريم فاجأه بالسؤال الذي زلزل ثباته حين قال: _هل كان أبي يستحق الموت؟ اختنقت الكلمات بحلقه وشعر بالعجز وهو يتفحص ملامح الصغير الذي يستجديه بعينيه لكي ينفي سؤاله. وأمام هذا الموقف الرهيب لم يسعه إلا أن يتنفس بهدوء وهو يحاول تهدئة نفسه ثم تساءل بارتياب: _لا، من قال لك هذا؟ أسقط كريم رأسه أرضًا بحزن وقال: _إذًا لماذا قتلتهُ أمي؟ _يا إلهي.
تمتم بها حسان بتوتر وارتباك ثم اقترب منه وجثا على قدميه أمامه وهو يتطلع إلى عينيه الباكيتين ويقول: _اسمعني كريم، ما سمعته هذا ليس صحيحًا، الأمر ليس كما تظن أبدًا. _كيف إذًا؟ تملكه العجز وقلة الحيلة وهو ينظر إليه ولا يعرف كيف يجيب أسئلته التي تبدو إجابتها معروفة من قِبَله جيدًا. ولكنه حاول التحايل على عقله الصغير عله ينجح في الخروج من هذا المأزق بطريقة تقنعه فقال:
_الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى وحده يا بني، أنا مثلًا.. زوجتي التي هي والدة صبر توفيت وهو بعمر الثانية، كان طفلًا بحجم الكف هكذا. هل يُعقل يعني أنني من قتلتها؟ لا.. لقد انتهى أجلها بأمر من الله سبحانه وتعالى. هكذا والدك أيضًا رحمه الله مات لمّا انتهى أجله بأمر من الله. لمعت عيناه وقد بدا عليه الاقتناع قليلًا وقال: _هذا يعني أن أمي لم تكن السبب في موته، لأن الموت والحياة بيد الله وحده. أليس كذلك؟
أومأ حسان مؤكدًا صدق الشطر الأخير من الجملة وقال: _صحيح. والآن هل ستأكل أم أنك لا تزال مصرًا على العناد؟ هز كريم رأسه بنفي وقال: _لا، سآكل. اتسعت ابتسامة حسان وربت على رأسه بحنو وقال: _حسنًا يا صديق، سأحضر لك العشاء ولكن أولًا عليك أن تعدني. هز كريم رأسه مستفهمًا. فأجاب حسان:
_عدني أنك لن تكرر فعلك الأحمق هذا مجددًا، الحمد لله لقد أمسكت بك قبل الفرار وإلا لكنت الآن أبحث عنك في الطرقات المظلمة الموحشة المليئة باللصوص والمجرمين وسارقي الأطفال. بانت الرهبة جلية في عينيه فأكمل حسان قائلًا:
_ثم أنك رجل، والرجال لا تهرب، الرجال تواجه دائمًا. يعني.. أنت كنت تشعر بعدم الارتياح هنا.. حسنًا كان عليك أن تخبرني وأنا كنت سأذهب معك إلى المكان الذي تريد الذهاب إليه. ولكن أن تتسلل من الغرفة كلص الدجاج وتخرج على أطراف أصابعك هكذا فهذا تصرف غير مقبول تمامًا. ضحك كريم أخيرًا عندما شبهه حسان بلص الدجاج مما أضحك حسان أيضًا وشعر أنه قد فعل إنجازًا كبيرًا. ثم تمتم كريم وقال: _أنا أعتذر.
مد حسان قبضته المضمومة إلى كريم فضم قبضته كذلك وضرب بها قبضة حسان الذي قال: _وأنا قبلت اعتذارك يا صديقي، هيا بنا لكي نعد عشاءً رائعًا. في تمام الثانية والنصف صباحًا انتهى حفل عقد القران. فودع الجميع العروسين اللذان كانا يستعدان للانطلاق نحو الفندق الذي سيقضيان به ليلة عرسهما ومن بعد سيسافران في رحلة حول العالم. صافحت حياة كلا من فتون وسارة فقالت:
_لقد سررت برؤيتكما وقضاء ذلك الوقت الممتع برفقتكما، أراكما على خير إن شاء الله. ابتسمت فتون بود وقالت: _ونحن أيضًا سعدنا برؤيتك حياة، أنتِ إنسانة لطيفة وودودة جدًا، تستحقين رجلًا رائعًا مثل قاسم وهو أيضًا يستحق زوجة جميلة مثلك. حفرت كلماتها ألمًا إضافيًا بقلبها ولكنها لم تظهر ذلك، فقط اكتفت بابتسامة وقالت: _شكرًا سيدة فتون، هذا من ذوقك.
_أنا لا أجاملك حياة، أنا أقول الحقيقة، قاسم له مواقف لا تُنسى معنا، هو الوحيد الذي وقف معنا في غياب حبيب، نحن لن ننسى له ذلك أبدًا. ابتسمت حياة فخرًا بمواقف زوجها الشهم الذي لطالما رفع رأسها عاليًا وقالت بسرور: _هو لم يفعل سوى الواجب. أومأت فتون مؤيدةً وأردفت بثقة:
_وهذا الواجب يُحتم عليّ أن أخبركِ شيئًا هامًا.. أنتِ هنا لستِ بمفردك. لديكِ أختًا كبيرة تدعى فتون، وأختًا صغيرة تدعى سارة. إذا احتجتِ لأي شيء فلا تترددي في طلب المساعدة. نحن لسنا مجرد جيراننا. نحن أهل. كانت حياة على وشك البكاء من فرط تأثرها برقة ونبل موقف فتون وقالت بابتسامة منكسرة: _أشكرك كثيرًا، وأعدكِ ألا أتردد في طلب المساعدة إذا احتجتُ إليها. أتمنى لكما أوقاتًا سعيدة، عن إذنكما. استوقفتها فتون وقالت: _إلى أين؟
_سأستوقف سيارة أجرة. _لا داعي، هيا لنذهب سويًا، طريقنا واحد. طريقنا واحد! هذه الجملة المكونة من كلمتين فقط شكلت لها ماضيًا لن يُنسى ولو مر على ذكراه ألف سنة! ماضٍ ليس ببعيد.. بُني عليه حاضرًا غادرًا.. انحدر بها فجأة نحو أنهارٍ من الشهد الذي غرقت بحلاوته؛ وفي النهاية لم تجد نفسها إلا غارقة في بحر من الدموع. أفاقت من شرودها على يد فتون وهي تهزها برفق وتقول: _حياة، هل أنتِ بخير؟ انتبهت ونظرت إليها مبتسمةً
وهي تقول بهدوء: _نعم، بخير. _إذا هيا بنا، السائق ينتظر. ركبن ثلاثتهن السيارة وتحرك السائق عائدا بهن إلى البناية. طوال الطريق كن يتجاذبن أطراف الحديث بود، ويتحدثن عن أجواء الليلة الحماسية والحفل الصاخب، ويبدين آراءهن في تفاعلات بعض الشباب والفتيات، إلى أن انقضى الطريق ودخلت السيارة إلى المرآب لكي يصفها السائق. نزلت حياة من السيارة لتتفاجأ بسيارة قاسم المصفوفة جانبًا فشعرت وكأن أحدهم قد شق قلبها إلى نصفين في الحال.
اقتربت من السيارة ووقفت أمامها وهي تتذكر ذكرياتهما سويًا؛ ذلك اليوم الذي تقيأت في السيارة وكان هو مراعيًا وحنونًا أكثر من اللازم وكان ينظف وجهها وملابسها بنفسه، يومها أقسمت أنه أحن رجل بالعالم، حتى وإن كان يستفزها وينجح في استثارة غضبها دائمًا ويُخرجها عن دائرة العقل والتحكم في النفس ولكنه سيبقى رجلها الأول وبطلها الهُمام.
هذه الذكرى جعلتها تنخرط في حالة من التأثر والاشتياق الجارف، فأسندت رأسها على السيارة ودخلت في نوبة بكاء شديدة. نوبة صعبة جرفت معها فيضان من المشاعر والذكريات الجميلة التي تقتلها ببطءٍ الآن. اقتربت كلا من فتون وسارة منها وهما تحاولان مواساتها ولكنها مسحت دموعها سريعا وتظاهرت أنها بخير ثم قالت: _لا بأس، مجرد تأثر ليس إلا. على كل حال أشكركم جزيل الشكر. تصبحون على خير. وفرت هاربة من أمامهم وصعدت إلى شقتها على الفور.
دخلت وما إن أغلقت الباب خلفها حتى انفجرت مجددًا في نوبة بكاء أعتى وأشد. كانت تتقدم من الغرفة وهي تكسر وتحطم كل ما تراه بطريقها حتى وصلت إلى فراشها فارتمت فوقه وهي تنظر إلى سقف الغرفة بشرود وتقول بتيه: _إلى متى؟ إلى متى ستبقى فرحتي ناقصة؟ إلى متى سأتذوق طعم الشهد ممزوجًا بالدموع!!
استمعت إلى قرآن الفجر وقد بدأ يصدح في الأرجاء فرفعت أكف التضرع وأخذت تدعو وتتضرع إلى الله لكي تمر الأيام سريعا بسلام وأن يرزقها رؤية طفلها سليمًا معافى في وجود زوجها لكي لا تكون فرحتها ناقصة. وفجأة استمعت إلى صوت هاتفها يرن فأخرجته من الحقيبة لتصاب بالصدمة عندما رأت كم المكالمات الفائتة من والدها ومن رقم آخر غير مسجل لديها. _يا إلهي!! لقد اتصل أبي أربعًا وعشرين مرة!! أجابت الاتصال فورًا وقالت بقلق: _مرحبا أبي…
ولم تستطرد ما بدأته إلا وقد قصف صوت والدها الجهور وهو يقول بغضب وانفعال لائم: _مرحبا حقًا؟!!! لماذا تفعلون بي هذا! لماذا تُصرون على جعلي أنقم على عجزي وهذا الشلل اللعين الذي أقعدني وجعلني ذليلًا مقيدًا لا يسعني سوى أن ألجأ لهذا الهاتف الحقير. لماذا؟!!! ذُهلت حياة من انفعاله وصراخه المقهور وانتابها القلق حول حالته فتسائلت بخوف: _ما بك يا أبي؟ ماذا حدث؟ _وتسألين يا حياة؟ انظري بهاتفك ستعرفين ماذا حدث؟
لقد اتصلت بكِ ما يقارب من عشرين مرة.. لو كان ميتًا في قبره لأجاب!! زمت شفتيها باستياء وتحدثت بتوتر وهي تقول: _أنا آسفة يا أبي، أعتذر منك لم أسمع الهاتف، لقد كنت بحفل زواج جارتي… ولم تكمل كلامها حيث قاطعها قائلًا باستياء وانفعال متهكمًا: _حفل زواج؟ حياتنا مقلوبةً رأسًا على عقب وأنتِ تحضرين حفل زواج؟! تسائلت بتعجب وقلق أكبر: _ماذا تقصد؟ ماذا حدث؟
لم تستمع سوى لتنهيدات والدها واستغفاره فعلمت أن الأمر جلل ولا يجب أن يستهان به أبدًا فقالت بتوتر: _أبي، هل أنت بخير؟ هل آتي لعندك؟ أجابها باستهجان واضح: _متى ستأتين؟ الثالثة فجرًا؟ وتابع وهو منفعلاً يُرغي ويزبد: _والدتك كادت أن تقتل حنان!! _ماذا؟!!!!!!! صرخت بها بفزع واعتدلت في مرقدها بتأهب وتحفز شديدين وتابعت بغير تصديق: _ماذا قلت يا أبي؟ كيف حدث ذلك؟ وماذا حدث لحنان؟ هل هي بخير؟!!
_لا أعرف، عزيز يقول أنها بخير، تعاني فقط من عدة جروح وخدوش بسيطة، ولكني لا أصدقه، كريم أخبرني أنهما كانتا تتشاجران وصوتهما كان عاليًا جدًا ووالدتك كانت تصرخ بقوة.. _كريم؟ وهل كريم كان شاهدًا على ما حدث؟ يا إلهي، ما هذا!! صمت صالح للحظات ثم قال باستدراك: _كريم!! لقد وعدتهُ أنني سأرسل أحدًا ما لأخذه الليلة ولكني نسيت تمامًا، التهيتُ بكِ وبمحاولاتي العديدة للوصول إليكِ ونسيت وعدي للصغير. _وأين أمي حاليًا؟ ماذا فعلت؟
كيف بررت ما فعلته؟ تجاوز أسئلتها وقال باقتضاب: _لا أعرف أين هي. _ماذا؟ كيف لا تعرف أين هي؟ _لقد طلقتها. _يا إلهي!! ماذا تقول؟ هل أنت جاد يا أبي؟ هتف بحنق وغضب فائضين:
_طبعًا جاد جدًا، لقد صبرت عليها بما يكفي، منذ اليوم الأول الذي تزوجتها به وهي تفتعل العداوات والمشاكل مع الجميع، دفنتُ رأسي بالرمال كالنعام كثيرًا بسبب مواقف مخجلة ورطتني بها، تحملتها من أجلكما كثيرًا، وتجاوزت أمورًا بشعة من أجل الحفاظ على هذا البيت ولكن يكفي. انتهى، لقد طفح الكيل. طفــح الكيــل يا حيــاة. كانت تسمعه وهي تبكي بانهيار وقلبها ينقبض أكثر كلما ارتفع صوته ثم قالت:
_ولكن أمي لا تعرف غيرنا، أمي لا تملك أهلًا ولا أصحابًا، إلى أين ستذهب؟ أجابها بضجر ونفاذ صبر: _لا يهمني، من الآن فصاعدًا لن أكترث لأمرها. فلتذهب للجحيم حتى لن أهتم. لم تُعقب وأجهشت في بكاء حار فهتف بها بعصبية وسأم: _وأنتِ لمَ تبكين؟ أليست هذه من كانت السبب في حزنك وبكائك دائمًا؟ ألم تتركي البيت مرارًا بسببها؟ ألم تخجلي من تصرفاتها مع زوجك وتمنيتِ لو أنها لم تكن أمك يومًا، أليست هذه من تسببت في خراب حياة الكل؟!
أجابته بانهزام وهي تبكي وقد أصبحت خائرة القوى تمامًا: _ولكنها تبقى أمي!! مهما فعلت هي أمي. _ولكنها لا تعنيني من الآن. سأطلقها رسميًا وأنا مستعد لإعطائها نفقاتها كلها مقابل أن تبتعد ولا أرى لها وجهًا مرة أخرى. كتمت حياة غضبها وضيقها وهي تتمتم باستهجان واضح: _حسنًا، ولكن بعد أن نجدها ونعرف إلى أين ذهبت. _لا تقلقي، أمك لن تضيع، ستذهب إلى أي جارة من الجيران، وربما تجدينها تطرق على بابكِ الآن. مسحت على
وجهها بضيق وأردفت بإيجاز: _حسنًا أبي، مع السلامة. وأنهت الاتصال دون انتظار رده حتى وهي تتمتم بذهول: _يا إلهي!! ما هذا الذي يحدث معنا؟! أين ذهبتي يا أمي؟ أين أنتِ بربك!! كانت فريال تقف برفقة ممدوح أمام باب الغرفة الخاصة بهما في الفندق الذي سيمضيان به ليلتهما الأولى. تنظر إليه بابتسامة ساحرة وهي تراه يتفحص ملامحها بعشق كشاب مراهق شغوف بحبيبته. ولما طال انتظارها وشعرت بغرابة الموقف حمحمت بحرج ثم قالت:
_ممدوح، هل سنظل هنا؟ ألن ندخل؟ نظر حوله بانتباه ثم ضحك بارتباك وقال: _لا، لن نظل هنا بالتأكيد. أومأت بموافقة ثم قالت: _هل أدخل بقدمي اليمنى كما تفعل العروس دومًا؟ اقترب منها بغتةً فأرجعت رأسها إلى الخلف بتفاجؤ من حركته المفاجئة، فوجدته ينحني ثم حملها على ذراعيه ونظر إليها مبتسما بحنان وقال: _لا، أنتِ اليوم ملكة، قدماكِ لن تلمس الأرض أبدًا وإنما ستحلق بين السحاب. ضحكت بسعادة فضحك بدوره فقالت:
_هل نسيت مفتاح الغرفة أم ماذا أصابك؟ هل سنقضي ليلة عرسنا هنا على الباب؟ المنظر يبدو غير لائق أبدًا. أومأ مبتسمًا وهو يثبت نظره على شفتيها اللتين تتحدثان بطريقةٍ تبدو مغوية فأشاحت بوجهها للجهة الأخرى بخجل فطري فقال: _فلة، المفتاح بجيبي، هل يمكنكِ إخراجه؟ انحنت للأمام قليلًا وهو لازال يحملها ومدت يدها ولكنها لم تستطع الوصول لجيبه فقالت: _لم أتمكن منه، أنزلني. قال وهو غارقٌ بالنظر إلى عينيها: _ها؟ ارتفعت
ضحكاتها رغما عنها وقالت: _من فضلك أسرع، أخشى أن يفتح أحد النزلاء باب غرفته ويُمسك بنا ونحن في هذا الوضع. _و إذا؟ نحن عروسين والدليل واضح، ها أنا أرتدي حلة بيضاء وأنتِ ترتدين ثوبًا أبيض، وترتدين قبعة العروس أيضًا. ضحكت وهي تشير إلى قبعة رأسها البيضاء وقالت: _هل أعجبتك القبعة؟ أومأ ضاحكًا وقال: _جدًا، وكأنكِ أحد أفراد العائلة المالكة.. لم أُخطئ عندما قلت أنكِ ملكة فعلاً. ضحكت عاليًا مرة أخرى فقال:
_ما بالِ هذا المفتاح وكأنه تأخر كثيرًا. نظرت إليه وهي تقاوم ضحكاتها وقالت: _قلت لك أنزلني وابحث عن المفتاح جيدًا. اقترب منها وقبّل أنفها قبلةً طائرةً وهو يقول: _لا، لن تنزلي، يمكنني أن أحملك بيدٍ واحدة وأبحث عن المفتاح باليد الأخرى. _حقًا؟ _طبعًا، لقد كنت أحصد الميداليات في رفع الأثقال عندما كنت شابًا، ألن أتمكن من رفعكِ بيد واحدة؟! ثم أنكِ بحجم الغزال. يا غزال.
ضحكت وتشبثت بعنقه أكثر فأمسك بها بيدٍ وبالأخرى أخرج المفتاح من جيبه وفتح الباب ثم نظر إليها مبتهجًا وقال: _لقد نجحنا. ثم خطى خطوتين وقال: _اللهم إنا نسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله. دخل وأغلق الباب وهو لازال يحملها، ثم أضاء نور الغرفة ونظر إليها ثم أشار بعينه إلى الفراش فنظرت حيث يشير لتتفاجأ بفراشٍ مغطى بالفل الأبيض فنظرت إليه وعلى شفتيها ابتسامة معبرة وترقرق الدمع بعينيها فقال: _الفل للفل. عانقته بقوة
فقربها إليه أكثر وهو يقول: _أحبك كثيرًا فلتي. _وأنا أحبك أيضًا.. أحبك كثيرًا ممدوح. قبل وجنتها ثم اقترب بها نحو الفراش ووضعها فوقه بخفة وقبّل جبينها بفرح وقال: _مرحبًا بكِ في حياتي يا فلة. حللتِ أهلًا ونزلتِ سهلاً. سالت دموعها بفرح فأحاطت وجهه بكفيها وهي تنظر إلى عينيه بابتسامة عاشقة وقالت: _لا يسعني سوى أن أحبك. فأحاط وجهها بكفيه كذلك وهو ينظر إلى عينيها بعشقٍ خالص وأضاف: _وأنا لا أطلب أكثر من ذلك.
و قَبِلا بما قُسم لهما من العشق، يستخلصا منه زادًا وزوادًا وشهدًا له مذاقًا ساحرًا، يُغنيهما عن الإصابة بفقر الحب ونقص هرمون السعادة. شهدًا غنيًا بكل ما يحتاجه الإنسان لكي يعيش حياته راضيًا سعيدًا، ومُحبًا! كانت فتون تقبع فوق فراشها بسكون تام، تضم ركبتيها إليها وتسند رأسها فوقهما وهي تحاول جاهدةً لئلا تستسلم إلى فيضان المشاعر الذي يهدد دموعها بالانسياب.
دُخنت العديد من السجائر حتى امتلأت المنفضة ببقاياها وامتلأت الغرفة برائحتها، ولكنها لم تهدأ ولم يسكت ضجيج قلبها. مارست بعض التمارين الرياضية علها تساعدها في الالتهاء والانشغال عن الوساوس التي تنخر برأسها، ولكنها لم تفلح في ذلك أيضًا. أمسكت بهاتفها تحاول الاتصال بأيًا من صديقاتها لعلها تلتهي في الحديث وتنصرف عن التفكير الذي سيودي بحياتها ولكنها تراجعت في آخر لحظة لأنها لا تجد ما تقوله أساسًا.
لم تستسلم، بل خرجت من غرفتها وذهبت لغرفة ابنتها لكي تجلس برفقتها وتنتشل نفسها من تلك الحالة ولكنها تراجعت عندما استمعت إلى صوت بكائها فعلمت أنها لديها ما يكفيها بالفعل فعادت تجر أذيال الخيبة مجددًا إلى غرفتها وأوصدت الباب على نفسها من جديد.
ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا تبحث عن حل، تريد حلاً لكي تتخلص من حالة القهر التي تقتلها بالبطيء وعندما خاب دليلها ونفذ صبرها أمسكت بالوسادة وكتمت بها صوتها وأخذت تصرخ بكل ما أوتيت من قوة. تصرخ.. وتصرخ.. وتصرخ.. لم يكن صراخًا عاديًا أبدًا. لم يكن حتى انهيارًا. ولا انفجارًا. حالتها أبسط من ذلك بكثير.. لقد كان مجرد قهـر!! ثمة مشاعر متشابهة، ما بين القهر والحسرة والمرارة، الفقد والاحتياج والخذلان، الفشل والضياع والحيرة.
كلها مرادفات تبدو في ظاهرها بسيطة ولكنها ليست كذلك. فما من شعور منهم إلا وأتبعه القهر؛ وإذا شعر الإنسان بالقهر تبلدت كل مشاعره بالتدريج وفقد رغبته بكل شيء. وهذا تمامًا ما كانت تشعر به، فبعد أن ضعفت قوتها تمامًا بسبب كثرة الصراخ والبكاء جلست أرضًا أمام السرير وأسقطت رأسها على حافة الفراش من خلفها وشخصت ببصرها في الفراغ من حولها بهدوء.
ليس الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولا حتى الهدوء النابع عن الرضا، إنما كان نابعًا عن الاستسلام! إنها الآن تستسلم تمامًا وتسحب يدها من كل شيء، لم تعد تطمح إلى شيء ولم يعد يعنيها شيئًا في كل هذا الكون الواسع بُرمته. لم تدرك أنها الآن تبكي إلا عندما أحست بسخونة دمعاتها وهي تسيل على خديها باستسلام يشبه حالتها تمامًا، فأغمضت عينيها بخنوع، نزولًا عند رغبة قلبها الذي لا يريد شيئًا الآن سوى أن يبكي بصمت. في الصباح..
خرجت حياة من بيتها باكرًا وقصدت بيت والدها فورًا، كانت تمني نفسها طوال الطريق أنها بمجرد أن تصل ستجد والدتها هناك. وفي أسوء تقدير ستكون قد باتت ليلتها لدى إحدى الجارات. هي تعرف أن أمها لا تستسلم ولا تتحول إلى ضحية بهذه السهولة.
صعدت إلى شقة والدها وفتحت الباب بمفتاحها الخاص ثم دخلت إلى غرفة والدتها أولًا ولكنها كانت فارغة، توجهت إلى غرفة والدها الذي كان نائما وفزع عندما أحس بحركة بالقرب منه فإذ به يجدها فوق رأسه تمامًا فقال بذهول: _حياة، متى أتيتِ، كم الساعة الآن؟ _الساعة الآن السادسة صباحًا. نظر إليها متعجبًا وقال: _ماذا؟!!! ولمَ خرجتِ من بيتك بهذا الوقت؟ نظرت إليه بضيق واستياء من اللامبالاة التي تفوح من حديثه وقالت بتوتر وعصبية:
_لأن والدتي مختفية، ونحن لا نعرف أين هي ولا أين قضت الليلة الماضية! زفر بضيق وقال: _قلت لكِ لا أكترث لأمرها، وصدقيني لولاكِ أنتِ لكنت أنا أول من يبلغ عنها الشرطة بعد فعلتها النكراء هذه. نظرت إليه بضيق وقالت بحدة: _خلاصة القول أنها لم تعد إلى هنا منذ أن خرجت.. أقصد منذ أن طردتها. نظر إليها رافعًا حاجبه بضيق واستياء وقال: _لا لم تعد، ثم ألا تلاحظين قلة التهذيب بطريقتك تلك؟
تماسكت قدر الإمكان لئلا تبكي وتنهار أمامه وهذا آخر ما تريده الآن وتمتمت باقتضاب: _أعتذر منك يا أبي، عن إذنك. _إلى أين؟ ابقِ معي اليوم. _ليس قبل أن أجد أمي. عن إذنك. وخرجت مسرعةً وتركته في حالة تعجب من رد فعلها الغريب عليه، وهو الذي توقع أنها ستتقبل الأمر برحابة صدر، خاصةً لأنها تعرف حجم معاناته مع والدتها منذ زمن. ولكن على ما يبدو كان مخطئًا تماما.
وقفت حياة أمام بيت جارتهم السيدة "تحية" بحرج وتردد، كلما مدت يدها لتطرق الباب تراجعت بخوف وتوتر إلى أن استجمعت رباطة جأشها أخيرًا ودقت الباب. دقيقتان وانفرج الباب وظهرت السيدة تحية التي نظرت إليها بتفاجؤ وقالت: _حياة!! تفضلي يا ابنتي. كانت نظرة الدهشة وتقطيبة الحاجبين على وجه السيدة كافية لأن تخبرها أن أمها ليست موجودة هنا فقالت: _أنا أعتذر منكِ خالتي، لقد أزعجتك. _لا أبدًا حبيبتي، تفضلي.. عساه خير؟
تلعثمت وترددت، لا تدري بما ستجيبها ولا كيف ستسألها عما جاءت لتسأل عنه، فبادرت السيدة بالحديث وقالت بقلق: _ما الخطب يا حياة؟ هل والدك أو والدتك بخير؟ تحدثي يا ابنتي. _أمي، ألم ترينها؟ أحدث حاجبيها تقطيبةً متعجبةً وقالت باستنكار: _صفية؟ نعم لقد رأيتها اليوم صباحًا، كانت تعبر الشارع ويبدو على وجهها الانفعال والغضب. ولم أرها بعدها.. ماذا حدث؟ _لا أبدًا. كل ما هنالك أنها تشاجرت مع أبي كالعادة وخرجت ولم تعد حتى الآن.
_لا حول ولا قوة إلا بالله. إلى أين ستذهب؟ أمسكت حياة برأسها في تعب وأجابت: _لا أعرف، على كل حال أشكرك خالتي وأعتذر منكِ مجددًا لأنني أزعجتك.. عن إذنك. انصرفت حياة لتكمل رحلة بحثها عن أمها المفقودة؛ فطردت أبواب كل الجيران بمنطقتهم، وفي كل مرة يتكرر المشهد نفسه، يبدأ الأمر بتعجب صاحب المنزل لرؤيته حياة في مثل ذلك الوقت وينتهي بتمنياتهم لها بأن تجد ضالتها في أسرع وقت.
بعد مرور ساعتين كاملتين قضتهما حياة في البحث عن والدتها دون جدوى استقلت سيارة أجرة وقصدتها للذهاب إلى بيت حنان وعزيز. كان عزيز يجلس بجوار حنان، يساعدها في وضع كريمات التجميل التي وصفها لها الطبيب، ثم تركها ودخل إلى المطبخ وأعد كوبًا من العصير الطازج وقدمهُ إليها بابتسامة وقال: _تفضلي عصفورتي، ثلاث أرباعه من أجلك والربع الأخير من أجل صغيرنا. أمسكت بالكوب وهي تضحك وتقول:
_ما بالك يا زوجي العزيز وقد أصبحت رومانسيًا للغاية، هل كل هذا الدلال لأنني أصبحتُ حاملًا فقط؟ جلس بجوارها وأمسك بيدها وطبع فوقها قبلةً رقيقة ثم قال: _لا، كل هذا الدلال لأني اكتشفت أني متيمٌ بكِ، عندما رأيتكِ بتلك الحالة المأساوية شعرت وكأن أحدهم قد شق صدري واجتز قلبي منه ورماه أرضًا. لا حرمني الله منكِ حنونة. وضمها إليه فاستكانت بين أحضانه قليلًا حتى استمعا إلى رنين جرس الباب فنظر كلا منهما إلى الآخر بتعجب فقال عزيز:
_بالتأكيد هذا حسان. لقد أخبرني أنه سيمرر كريم إلينا في طريقه إلى المعرض. خرج عزيز وفتح الباب ليتفاجأ بحياة التي تقف أمامه شاحبة الوجه، خائرة القوى، وقبل أن تتفوه ببنت شفة كانت قد سقطت أرضًا مغشيًا عليها. _حياة!! هتف بها عزيز بصدمة وذهول ثم انحنى وحملها فورا ودخل بها إلى الغرفة الموجودة بها حنان التي صُعقت عندما رأته وهو يحملها بتلك الحالة وقالت بفزع: _حياة! ما بها؟ ماذا حدث؟
وضعها عزيز بجوارها على السرير ثم نظر إليها وهو يلتقط أنفاسه المتسارعة بفعل الصدمة وقال: _لا أعرف، فتحت الباب فوجدتها تقف ويبدو عليها التعب الشديد، وفجأة سقطت فاقدةً للوعي. _على الأغلب انخفض ضغطها، أحضر لي جهاز قياس الضغط حالًا. دخل عزيز إلى الغرفة المجاورة وأحضر جهاز قياس الضغط الذي كانت تستعمله حنان في الأيام التي كانت تُمرض فيها عزيز بعد تعرضه للحادث. أعطاهُ لها فقامت بقياس ضغطها ونظرت إليه بهدوء وقالت:
_كما توقعت، ضغطها منخفض. سنحتاج لمحلول مغذي حالًا يا عزيز. _حسنًا، سأذهب إلى أقرب صيدلية وأحضره. خرج عزيز مسرعًا وظلت حنان بجوار حياة ممسكةً بيدها وتمسح عليها بحنوٍ بالغ وهي تتطلع نحوها بأسى وأسف وهي تقول: _ترى ما الذي أوصلكِ إلى هذه الحالة يا حياة؟ بعد مرور ربع ساعة تقريبًا.. كان عزيز قد أحضر المحلول وقامت حنان بتوصيله بوريد حياة التي بدأ ضغطها يرتفع شيئًا فشيئًا، مُستجيبًا للسائل الذي تسرب إلى وريدها.
فتحت حياة عينيها ببطء وأخذت تتطلع حولها بتعب فشعرت بحنان وهي تمسح عن جبينها حبات العرق وهي تقول: _حمدًا لله على سلامتك حياة، كيف حالك الآن؟ نظرت حياة إلى عزيز فتذكرت عندما فتح لها الباب وفقدت وعيها فورًا، أمسكت برأسها بتعب وهي تعتدل لتجلس بالفراش وهي تقول: _أعتذر منكما، لقد أزعجتكما منذ الصباح. تحدث عزيز بود قائلًا: _أيُ إزعاجٍ هذا؟ المهم كيف حالكِ الآن؟
_بخير، غالبًا هذا الإغماء حدث لأنني لم أتناول شيئًا منذ الأمس، إضافةً لأني بذلتُ مجهودًا كبيرًا اليوم في البحث عن أمي. نظر إليها كلا من حنان وعزيز بتعجب وقالت حنان: _ماذا؟ ماذا يعني أنكِ كنتِ تبحثين عنها؟ شردت قليلًا ثم نظرت أرضًا بحزن وقالت: _لقد طلقها أبي، وبعد أن طلقها قام بطردها ولم يُراعِ حتى أنها لا تملك مكانًا للذهاب إليه. كان عزيز يحدق بها بذهول وقال: _غير معقول! هل اتصلتِ بها؟ زفرت باستياء وقالت:
_لم تأخذ هاتفها. زَمت حنان شفتيها بأسف شديد ونظرت إلى حياة وقالت: _أنا أعتذر يا حياة، نحن لم نخبر عمي بشيء صدقيني، كريم هو من أخبره بكل شيء. نظر إليها عزيز في هذه اللحظة وقال بانفعال: _لمَ تعتذرين يا حنان؟ حتى وإن كنا نحن من أبلغنا عمي فهذا رد فعل طبيعي جدًا. نظرت حياة أرضًا بخزي وانكسار فقال عزيز بلهجة أخف حدة وانفعال:
_أنا آسف يا حياة، لم أقصد مضايقتك أبدًا ولكن الأمر يستفزني ويثير غضبي جدًا. والدتك كانت ستتسبب في موت حنان لو أنني لم آتِ في الوقت المناسب.. ألم تكتفي بما جنيناهُ من وراءها إلى الآن؟ نظرت حنان إليه بتحذير فالتزم الصمت ودخل إلى الشرفة بينما قالت هي: _حياة، أرجوكِ لا تكترثِ لكلامه، أنا أعرف أنكِ لديكِ همومًا تكفيكي، ولكن عزيز غاضب بشدة ومنزعج جدًا لأني أجبرته على عدم إبلاغ الشرطة. أرجوكِ لا تحزني!
ابتسمت حياة وهي تحاول إخفاء حزنها وانكسارها وقالت وهي تربت على ذراعها: _أنا أتفهم موقفه ذلك وأقدره كثيرًا حنان. وأقدر موقفكِ أيضًا ولن أنساه أبدًا. و أعتذر لكِ عما بدر منها. ولكني أعتقد أنها نالت جزاءها الآن. حاولت حنان تخطي ذلك الأمر فقالت بابتسامة: _حياة، أنا حامل! حدقت بها حياة بعينين متسعتين بذهول ورددت: _حامــل!! هل أنتِ جادة؟ هزت رأسها بتأكيد وقالت: _نعم، عرفنا عندما كنا بالمشفى أمس. حامل في بداية الشهر الثاني.
احتضنتها حياة بفرحة شديدة وقالت بابتسامة عريضة: _مبارك عليكِ حنون، لقد فرحت من أجلكما كثيرًا. _شكرًا حياة، أنتِ إنسانة جميلة بقلبٍ جميل. ابتسمت حياة ابتسامةً لم تصل إلى عينيها وقالت وهي تتفحص وجه حنان بشفقة: _هل هذه الجروح عميقة؟ _لا، أغلبها جروحًا سطحية، وكما تعرفين الجروح السطحية تلتئم سريعًا. استوقفتها كلمات حنان لبرهة، وشردت بها بعيدًا وهي تردد باقتناع:
_صحيح، الجروح العميقة هي من لا تلتئم، وحتى إن التئمت لا بد أن تترك مكانها ندوبًا لا تزول. كان صالح لا يزال يجلس بسريره، يشعر بالرغبة في دخول الحمام، يشعر كذلك بالجوع وقد بدأ يتسلل إلى معدته. ولكنه لن يتمكن من مساعدة نفسه. زفر بضيق شديد ناتج عن عجزه وحاجته، فقرر الاتصال بحياة ولكنه تراجع عندما تذكر طريقتها والتي كانت صادمة بالنسبة له فترك الهاتف من يده وهو يردد: _أموت من الجوع ولا أتصل بقليلة التهذيب هذه.
ثم أمسك بالهاتف وتردد في الاتصال بعزيز ولكنه تراجع مجددًا وهو يقول: _لا، لا يمكنني الاتصال بعزيز، بالتأكيد سيكون مشغولًا برعاية زوجته. لا ينقصه همي. زفر بقلة حيلة وأخذ يردد: _لا حول ولا قوة إلا بالله. وما العمل إذا؟ وفجأة استمع إلى صوت باب الشقة وهو ينفرج ثم يُغلق فجلس متأهبًا ينتظر دخول إما حياة أو عزيز. وبالنسبة له كان مجيء حياة احتمالًا ضعيفًا.
ولكن كعادتها دوما لا يمكن لأحد توقعها، دخلت حياة وقد بدا الإرهاق واضحًا عليها وهي تقول: _أعتذر لأنني تأخرت عليك. _لماذا أتيتِ؟ قالها صالح وهو يتصنع الضيق والغضب فأحضرت كرسيه المتحرك واقتربت لكي تمسك بيديه وتساعده على الانتقال إلى الكرسي المتحرك ثم قالت بهدوء: _أتيتُ من أجلك أبي. _أبيكِ؟ هل تذكرتِ للتو أنني أباكِ؟ وعندما تعاملتي معي بقلة التهذيب تلك ألم أكن أباكِ؟ _أعتذر منك.
قالتها بتعب وهي تساعده لكي يخرج بالكرسي من الغرفة ثم توجه إلى الحمام فدخلت إلى المطبخ لكي تعد له الإفطار. بعد دقائق كانا يتناولان فطورهما سويا ولكنه لاحظ شرودها ومنظر وجهها الشاحب وملامحها الباهتة فقال: _هل أنتِ بخير؟ ربما عليكِ زيارة طبيبك. _أنا بخير، مجرد إرهاق. _ابقِ معي هنا. لا داعي للتنقل بين هنا وهناك وأنتِ بحالتك تلك. نظرت إليه طويلًا حتى ظن أنها شردت ثم قالت:
_لا أظنه قرارًا صائبًا يا أبي، أعتقد أنني أحتاج لكي أبقى بمفردي بعض الوقت.. سأمر بك يوميًا أكثر من مرة لا تحمل همًا. هز رأسه بصمت وكأن حديثها لم يَرُقهُ فقالت: _والآن علي أن أذهب، سأسأل بجميع المستشفيات ربما تكون قد مرضت أو أغمي عليها وتم نقلها إلى المستشفى. لا بد أن أجدها. _ستجهدين نفسك أكثر من اللازم.. أمك ليست عديمة العقل ولا صغيرة بالعمر. عندما تود الظهور ستظهر.. لا تُرهقي نفسك.
لم تعلق على ما قاله ونهضت ثم حملت حقيبتها وانصرفت. وبقي هو بمفرده يتأمل المكان من حوله بحسرة وشرود فسقطت دمعةً من عينيه ولكنه وأدها سريعا. ارتفع رنين جرس الباب فتحرك بكرسيه المتحرك وفتح الباب ليتفاجأ بالممرضة حسناء تقف أمامه وعلى ما يبدو أنها متوترة وتتطلع بالمكان بارتياب فقالت: _مساء الخير. _مساء النور دكتورة.. تفضلي.
_أعتذر لأنني أتيت مجددًا ولكني مضطرة لأخذ أغراض مكتب التمريض التي تركتها هنا، هذه عُهدة كما تعرف. وعندما أتيت في المرة السابقة قامت زوجتك بطردي فورًا ولم أتمكن من أخذهم. أرجوك أن تعطني إياهم قبل أن تخرج وتطردني مجددًا. تنهد طويلًا بضيق ثم قال: _وأنا لم يتسنَ لي أن أعتذر لكِ عما بدر منها. أعتذر منكِ. تبسمت بحرج ثم قالت: _العفو منك يا حاج صالح. أنا أتعرض لمواقف كثيرة مشابهة لذلك لم أعد أكترث. هز رأسه بتفهم ثم أفسح لها
المجال لكي تدخل وهو يقول: _أعتذر منكِ سيتطلب الأمر أن تدخلي بنفسك، جهاز قياس الضغط والسكر موجودان بغرفتي. وحقيبة المستلزمات الطبية بغرفة الصالون أعتقد.. ولا تخافي، هي ليست موجودة. أومأت بموافقة ودخلت لكي تحضرهم سريعا ثم خرجت ووقفت أمامه لتشكره فقالت: _أشكرك كثيرًا، تمنياتي لك بالشفاء العاجل إن شاء الله. أومأ بهدوء ثم نظر إليها لثوان طويلة ثم قال: _حسناء، هل تتزوجيني؟ يتبع..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!