الفصل 3 | من 51 فصل

رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثالث 3 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
19
كلمة
3,941
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

وقفت حياة أمام مرآتها وهي تطالع هيئتها بصمت وشرود. سرعان ما تذكرت حديثها برفقة قاسم عن العدسات التي ترتديها، وكيف أنه لا يراها مناسبة عليها. أصابها الحنق الشديد وهي تخلع العدسات وتضعها بعلبة المحلول الخاص بها. ثم وقفت تنظر لنفسها مجددًا وإلى لون عينيها، وتذكرت فور أن وصف عينيها بالكهرمان. انزوت شفتيها بابتسامة متألقة، ثم دخلت إلى فراشها وأغمضت عينيها وقد اتخذت قرارًا لا رجعة فيه.

من الآن فصاعدًا ستعترف بعينيها الكهرمانتين بلونهما الفريد ذاك. *** كان قاسم يجلس بشرفة الصالون وأمامه قدح القهوة خاصته وهو يتحدث بالهاتف قائلاً: "صراحةً أنا لا أعرف كيف يمكنني البدء. أنت تعرف بخصوص المبلغ الذي أدانني إياه سيد حبيب، وكنت أود البدء بمشروع تجارة السيارات." على الطرف الآخر تحدث أكثم قائلاً:

"مليوني جنيه ليس مبلغًا كافيًا لتجارة السيارات يا قاسم. أرى أنه من الممكن المتاجرة في الدراجات النارية، وبمرور الوقت ستتوسع تجارتك أكيد وتجني من ورائها ربحًا طائلاً." "حسنًا سيد أكثم، فليكن ما تراه مناسبًا." "دعنا أولًا نعد دراسة الجدوى وبعدها نتحدث بجدية عن الأمر." "حسنًا، أشكرك جزيل الشكر سيد أكثم." "لا داعي للشكر قاسم، لقد أوصاني عليك سيد حبيب بشدة. إذا احتجت أي شيء أخبرني على الفور." "شكرًا لك، مع السلامة." ***

في الصباح، استعدت حياة للذهاب إلى كليتها حيث تدرس بالسنة الثانية في كلية الفنون الجميلة. طالعت هيئتها برضا وخرجت لتلتقي كالعادة بقاسم الذي ابتسم قائلاً: "ما كل تلك الصدف يا صغيرة! حدقته بضيق مصطنع. فقال مقتربًا منها بخفة الفهد وهو ينظر بعينيها بتركيز: "حياة، ما أحلاكِ! فاجأها إطراؤه الغير متوقع بالمرة فابتسمت بعفوية وقالت: "ماذا هناك؟ "لقد نزعتِ تلك العدسات اللعينة، أبليتِ حسنًا! تبدين فاتنة بعينيكِ تلك يا كهرمانة."

تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل وابتسمت قائلة: "شكرًا لك. وأنت أيضًا أصبحت مقبولًا بعد أن قصرت شعرك ولحيتك." مسح جانب وجهه بكفه مبتسمًا ثم نظر إليها بعينين باسمتين وقال: "كنتِ تودين إغاظتي فقط، أليس كذلك؟ "بلى." ابتسم مجددًا وقال: "ولكنني لم أكذب بشأن العدسات. لا تفعليها ثانية أرجوكِ." ضحكت قائلة: "هل كنت بشعة بذلك القدر؟ أومأ موافقًا وقال: "للأسف نعم، بدوتِ مثل الجرو الهَسكي." اتسعت حدقتاها بصدمة فانفجر في الضحك قائلاً:

"لا تغضبي من فضلك، أنا صريح للغاية." نزلا درجات السلم سويًا وهو يقول: "ثم أنكِ لديكِ عينان مميزتان جدًا، لِم التصنع إذا؟ تنحنت بحرج. وقبل أن ترد تعثرت بدرجة السلم فكادت أن تسقط لولا أن تشبثت بساعده بقوة، بينما أحاط خصرها بذراعه وهو يقول: "انتبهي! في تلك اللحظة انفرج باب شقة عنبر التي كانت تودع ابنها قبل خروجه للمدرسة. طالعتهما بتعجب وسرعان ما قالت حياة بصيغة الدفاع كمن شوهد بالجرم المشهود:

"لقد تعثرت وقاسم كان يساعدني لأنه.. أقصد لأني قد خلعت عدساته،.. أقصد عدساتي.. العدسات التي كنت أضعها قررت الاستغناء عنها، هذا كل ما حدث." نطق قاسم بضيق قائلاً: "لماذا تبررين؟ ولمن؟ لا شيء يستحق التبرير يا كهرمانة." وتركها وحث الخطى للخارج. بينما أمسكت هي بيد ابن أختها وقالت: "هيا كريم، لنذهب سويًا." *** جلس صالح بغرفته يتناول فطوره كالعادة وعقله لا يتوقف عن التفكير أبدًا.

هو يعلم أن قاسم أطيب رجال العائلة، كما يعرف أن عزيز وعبدالله لن يتركانه يحيا بينهم بسلام، وأنهما سيفعلان كل ما بوسعهما للخلاص منه، خاصةً وأنهما يشعران باقتراب الخطر كلما تواجد قاسم بالقرب منهما. تمتم لنفسه بحيرة قائلاً: "لن تستقر الأمور هكذا، يجب أن يعلما أن قاسم لم يعد يحمل لهما أي ضغينة أو حقد، وإلا لن يمنعهما شيء عن التدبير للمكر به." ونادى على زوجته قائلاً: "صفية.." أتت صفية تهرول فقال:

"لدينا عزيمة كبيرة، ستشمل كل أفراد العائلة، استعدي." سألته بتعجب فقالت: "من تقصد بكل أفراد العائلة؟ أضاف بتأكيد ليؤكد لها شكوكها فقال: "كل أفراد العائلة. حنان وعزيز، عنبر وعبدالله، وقاسم! نظرت إليه بصدمة وقالت: "يا ويلي! هل ستحضر قاسم إلى هنا وتجعله يجلس بجوارهما على المائدة بتلك البساطة؟ أومأ مؤكدًا وقال بلهجة آمرة:

"نعم، قاسم فرد من تلك العائلة وبصفتي عمهم وكبير العائلة بعد موت ناجي وعبدالعزيز رحمهما الله، ينبغي أن أكون أنا من يجمع شمل العائلة ويلملم شتاتها." "على حساب راحة ابنتك؟ نهض واقفا وهو يستعد للخروج وقال: "أنا أكثر من ضحى لأجل راحة ابنتي. ما قلته للتو ينفذ، وإياكِ أن تخبري أحدًا أن قاسم سيحضر على الغداء غدًا." وتركها وخرج وهي تنوح وتبكي حظها وحظ ابنتها التي انفرجت أمامها جميع أبواب الهلاك على مصراعيها! ***

في اليوم الثاني. التف الجميع حول مأدبة الغداء التي أعدتها حياة برفقة والدتها. جلس صالح على رأس المائدة وبجانبه جلست زوجته صفية، وإلى جوارها جلست عنبر، وفي الطرف المقابل جلست حياة وبجوارها حنان يجلس بجانبها عزيز. كان صالح يتفقد أفراد العائلة بترقب. حينها انتبهوا جميعهم لصوت الباب وهو يُفتح. دخل بعدها عبدالله وألقى السلام على الجميع. ثم اتجه صوب المقعد المقابل لمقعد عمه صالح وكان بصدد الجلوس عليه،

إلا أن صالح منعه وهو يقول: "اجلس بجوار عنبر يا عبدالله من فضلك." نظر إليه عبدالله متعجبًا وقال: "هل ننتظر ضيفًا آخرًا أم ماذا؟ وقبل أن يجيبه عمه طُرِقَ الباب ونهض صالح بنفسه وفتح الباب مستقبلًا ذلك الضيف الغير مرغوب فيه إطلاقًا. دخل قاسم والجميع ينظرون إليه بذهول شديد. ما عدا حياة التي اتسعت ابتسامتها وقالت بترحاب: "مرحبا قاسم."

دخل قاسم وهو يتفحص وجوه الموجودين كلهم بثبات وثقة كلفتهُ الكثير من الوقت لاكتسابها، بل واستدعائها لدى احتياجها. ألقى تحية السلام وهو يعلم أنه لن يرد السلام سوى اثنتين. ردت أولاهما فكانت حياة التي قالت: "ما تلك المفاجأة الجميلة! أهداها قاسم ابتسامة ودودة. ثم نظر إلى حنان التي نهضت من مقعدها واحتضنته وهي تقول: "مرحبا بك أخي." قبّل قاسم أعلى رأسها واحتضنها بذراعٍ واحدة وقال: "مرحبا صغيرتي."

احتقن وجه كلًا من عزيز وعبدالله اللذان كانا يجلسان وكأنهما يفترشان الجمر من أسفلهما، خاصةً بعد أن تجاهلهما قاسم وجلس على المقعد الوحيد الشاغر والذي يقع مقابل مقعد عمه صالح على الطرف الآخر من المائدة. همس عبدالله بغضب مستعر إلى عنبر وقال: "ألهذا منعني أبيكِ من الجلوس على هذا المقعد؟ تبًا! ازدردت عنبر ريقها بخوف شديد، فهي تعرف زوجها جيدًا عندما تثور ثائرته لن يجد سواها كي يصب غضبه الحارق عليه. تمتمت عنبر بوجل:

"يا إلهي، فليمضِ هذا اليوم بسلام." أشار لهم صالح بالبدء بالطعام وسط همهمات من الجميع، ما عدا قاسم وحدهُ الذي كان يجلس صامتًا يراقب انفعالاتهم بتلذذ. بدأ صالح بالحديث فقال وهو يتناول طعامه بهدوء: "لا أحد منكم لديه فكرة عن سبب تلك العزيمة المفاجئة، لذا سأخبركم حالًا، منذ يومين زارني والدي الحج فضل في المنام." توقف وهو يرتشف رشفة ماء، ثم أكمل وقال:

"عاتبني وعنّفني بشدة، وقال لي بالنص ' اجمع فروع الشجرة قبل أن تُنتزع جذورها '." صمت لبرهة يستشف ردات فعلهم وأكمل: "لم أكن بحاجة للمزيد من التوضيح لكي أفهم أن فروع الشجرة هي أنتم! ولذلك قررت جمعكم اليوم بصفتي عمكم وبمنزلة أب لكم." تحدث قاسم أولا وقال: "رحمك الله يا جدي. لطالما كان يقدس روح العائلة، جيد أن توفاه الله قبل أن يرى ما حدث لفروع شجرته العريقة." فاحت نبرة التهكم من حديثه الهادئ ولكنه لم يبالِ.

مد يده والتقط كأس الماء الموجود أمامه وارتشف منه رشفتين ثم وضعهُ أمامه ثانية. وفي تلك اللحظة اختلس نظرةً إلى عنبر التي كانت تطالعه بطرف عينها وفور أن رأته أسقطت وجهها بطبقها فورًا. حينها ابتسم بسخرية وأكمل غداءه بصمت. أحست عنبر بأن الطعام يقف بحلقها وكانت في حاجة ماسة لأخذ نفس عميق، لذا نهضت عن مقعدها فجأة بطريقة لفتت الأنظار إليها. فما كان منها إلا أن قالت: "سأحضر طبق معكرونة إضافي." تحدثت حياة وقالت:

"من فضلك عنبر، أحضري الحساء أيضًا." ونظرت إلى قاسم بابتسامة مشرقة وقالت: "هل ينقصك شيء ابن عمي؟ ابتسم قاسم بألفة وقال: "إطلاقًا، شكرًا لكِ يا حياة." "لقد أعددتُ الطعام بنفسي، ما رأيك؟ "خير ما فعلتِ يا قزمة." ضحكت ونظرت إلى حنان فقالت: "إذا تغير الكون بأسره فلن يتغير أخيكِ أبدًا، يستفزني كلما استطاع." نظرت حنان لقاسم باشتياق وقالت: "كذلك هو قاسم." ابتسم لها قاسم وهو يمضغ الطعام ببطء.

حينها رن هاتفه فأخرجه من جيبه وأجاب قائلاً: "مرحبا سيدة فتون." في تلك الأثناء كانت عنبر قد عادت من المطبخ وهي تحمل صينية عليها طبق المعكرونة وطبقين من الحساء الساخن. وضعت طبق المعكرونة أمامها وهمت بوضع طبق الحساء أمام حياة. وفجأة ارتجفت يداها عندما استمعت لاسم "فتون" ومال الطبق من يدها فانسكب فوق كف حياة التي صرخت بألم غير محتمل! *** في تلك اللحظة نظرت فتون إلى الهاتف بيدها بتعجب وقالت تحدث ابنتها التي تجلس بجوارها:

"ماذا حدث؟ انقطع الاتصال فجأة! قالت سارة بعدم اهتمام: "ليس متفرغًا بالتأكيد." قالت أمها بشرود: "لا، ليس كذلك، لقد سمعت هرج ومرج وانقطع الاتصال فجأة." "خبرًا الآن بثمن بعد قليل سيباع مجانًا." طالعتها أمها بضيق وقالت: "وكأنني تنقصني أمثالك، على كل حال سأذهب للتسوق، إذا احتجتِ شيئًا اتصلي بقاسم، لا تزعجيني أرجوكِ." خرجت فتون. وعلى الفور نهضت سارة من مكانها وألقت حاسوبها بإهمال على الأريكة، ثم أمسكت بهاتفها وطلبت رقمًا

تحدثت إليه وقالت: "أرسل لي الموقع فورًا! دقائق وأصلك." *** نهض قاسم من مكانه مسرعًا وأمسك بكف حياة بقلق وهو يصرخ بعنبر قائلاً: "ماذا فعلتِ؟ لمَ لم تنتبهي؟! أجفلها صراخه المدوي وأربكها كونهُ وجه إليها ذلك الحديث. ابتعدت للخلف. بينما قاسم تقدم الجميع وهو ينحني نحو حياة بخوف حقيقي وهو يمسك بمنديل ويمسح به آثار الحساء من على يدها ويقول: "مرهم حروق بسرعة."

هرولت حنان باتجاه الحمام وأحضرت مرهماً للحروق ثم أعطته إياه فبدأ بفرد طبقة منه فوق ظهر كف حياة وهو ينسف الهواء برقة فوق يدها ويقول: "لا بأس، سيزول الألم." احتقنت عينا حياة بالدموع ولكنها تماسكت قدر الإمكان حتى لا ينعتوها بالطفلة الساذجة التي تبكي لأن بعض الحساء الساخن قد تناثر فوق كفها.

ولكن ما أربكها بحق وجعل قلبها يضطرب ونبضه يدوي هي نظرات قاسم الملهوفة المتألمة وحسيس أنفاسه الساخنة على ظهر كفها وهو يطمئنها أنه سيزول! تقسم أنها لن تنسى تلك اللحظة أبدًا، ولن تنسى شعورها حينها؛ فلأول مرة تتعرض لموقف كهذا ولأول مرة تشعر بذلك الخجل وكأنها للتو صارت أنثى! "حياة هل نذهب للمشفى؟ نظرت حياة لوالدها وقالت: "لا داعي أبي، سيزول كما قال قاسم."

قالتها وهي تنظر إلى قاسم نظرة لم يفهمها ولكنها أثارت انتباه عنبر التي وقفت في الزاوية تتابع المشهد بقلب يتآكل من فرط الغيظ و…. والغيرة!! انسحب قاسم ودخل إلى الشرفة وعلى الفور أشعل سيجارة وقام بتدخينها بشرود. حينها قطع شروده دخول عمه الذي وقف بجواره قائلاً: "بارك الله في قلبك الطيب يا بني." نظر إليه قاسم باستفهام فأردف الآخر شارحًا:

"بالرغم من كل ما تلقيته من خذلان وصدمات موجعة من الجميع ولكنك لم تقوَ على الحقد والكره، لقد ورثت طيبة القلب واللين من والدك رحمه الله، كان يقف بجوار من يحتاجه ويساعده حتى لو كان بينهما ما صنع الحداد." ضحك قاسم بخفة وقال مربتًا على كتف عمه: "ما فعلته لا يستحق الثناء يا عمي، ثم إن حياة بريئة للغاية وبفطرتها كذلك، ولا ذنب لها فيما حدث أبدًا. وأنا أقدرها وأعتبرها مثل حنان تمامًا."

"وأنا ممتن لك للغاية يا بني، لم تخيب ظني بك يومًا وأثق أنك لن تفعل." قاطعتهما حياة عند دخلت إلى الشرفة وهي تقول: "أبي، عزيز يستأذن، يود المغادرة." اتجه والدها صوب عزيز بينما بقت هي واقفة بجوار قاسم الذي أمسك بكفها وهو يقول باهتمام: "هل لازال يؤلمك؟ احتقن وجهها بخجل وقالت وهي تسحب كفها منه ببطء: "لا، أصبحتُ أفضل." "الحمد لله. على ما يبدو أن عنبر لم تتمالك أعصابها، أو ربما كانت مشتتة." تنهدت حياة بضيق وقالت:

"عنبر تمر بحالة نفسية سيئة للغاية، على ما يبدو حياتها ليست مستقرة مع عبدالله والأمور ليست على ما يرام، لمتنهد بضيق بدوره وقال: "هل أخبرتكِ شيئًا؟ "لا، لم تخبرني، ولن تفعل، ولكني أشعر بها، منذ يومين لا يروقني حالها، حتى كريم أخبرني أنها أصبحت عصبية جدًا على غير العادة." استدار قاسم ونظر أمامه وهو لا يزال شارداً وها قد أشعل سيجارة أخرى ينفث دخانها بقوة وغل مكبوت. "قاسم." نادتهُ حياة فهمهم متسائلاً فقالت بتردد:

"لمَ تركت عنبر؟ توقف عن التنفس لبرهة وحبس أنفاسه متفاجئًا. بينما تسترسل هي وتقول: "كنت صغيرة أعلم، لكني كنت أعي وقتها أنكما كنتما تستعدان لزفافكما وكنت أعلم أيضًا أنكما تحبان بعضكما البعض. ما الذي حدث بعدها؟ تنهد بضيق وهم بالحديث الذي كانت تعرفه جيدًا لذا سبقته وقالت برجاء: "أرجوك قاسم، على الأقل لا تعاملني أنت أيضًا كطفلة صغيرة." ضعف عزمه أمام رجائها ونبرتها الحنونة التي أصبحت تحتل مكانة بقلبه وقال بإيجاز:

"نعم ما قلتِه صحيح، ولكن حدث ما حدث ودخلت السجن وتقدم عبدالله حينها للزواج من عنبر. هذا كل شيء." تسائلت بفضول لم تنجح في كبحه: "وما الذي حدث حتى دخلت السجن؟ تأفف بضيق قائلاً: "أستغفر الله العظيم، حياة، لا أطيق اللحوحات أبدًا." هم بالانصراف ولكنها أمسكت بذراعه فأفلت يده من قبضتها سريعا فقالت: "مهما كان ما فعلته لن تسقط من نظري أبدًا، أعدك بذلك." ابتسم بامتنان حقيقي وقال رابتا على رأسها بلطف:

"وأنا أعدكِ أنني سأخبركِ بالحقيقة يومًا ما، ولكن عندما يحين الوقت المناسب. اتفقنا؟ أومأت بابتسامة رضا وقالت: "حسنًا." دخل قاسم وودع شقيقته بحرارة وطلب منها الاعتناء بنفسها، متجاهلاً عزيز الذي كان يتحدث مع شقيقه عبدالله بهمس ويقول: "أرأيت الذي فعله عمك بنا؟ أحضرنا إلى هنا كي يقص علينا منامه المزعوم ووصية جدك الأكبر بجمع شتات العائلة، هه، يا له من كاذب! حك عبدالله زاوية فمه بإبهامه بضيق وتسلط وقال:

"نعم، رأيت. لقد اختلق كل تلك الأكاذيب كي يدس ذلك المجرم بيننا عنوةً. ولكن أقسم أنني لن أدعه يتجول هكذا كفرد من العائلة." قاطع حديثهما صالح عندما قال: "لقد طلبت سيارة أجرة يا عزيز تنتظركما بالأسفل، وعبدالله سيساعدك في نزول الدرج.. شرفتنا يا بني." ابتسم عزيز بتكلف قائلاً: "أشكرك على تلك العزيمة الرائعة يا عمي. إن شاء الله في المرة القادمة نجتمع على شرف زفاف حياة."

استمعت حياة لتلك الكلمات وهي تقف بالشرفة ووجدت قلبها قد انقبض فجأة وأخذت تفكر، هل هي فعلاً مستعدة لتلك الخطوة؟ أم أن أمراً جديداً قد طرأ ؟! *** كانت سارة تقود السيارة حسب توجيهات جهاز التعقب بالسيارة بعدما أرسل لها الشخص المنتظر الموقع الذي سيتواجد به. بعد دقائق أشار الجهاز إلى أنها قد وصلت للموقع المطلوب. حينها اتصلت بالرقم وقالت: "أين أنت؟ نعم أراها. حسنًا انتظرني."

ترجلت من السيارة واتجهت نحو تلك الصيدلية التي أخبرها عنها ودخلت وهي تتطلع حولها بخوف وتوتر. ثم تقدمت منه وهي تقول: "لمَ أحضرتني إلى هنا؟ لمَ لم تأتي أنت إلي ككل مرة؟ أخرج من جيبه تلك الأقراص وأعطاها إياها خلسةً. وهو يقول: "لست متفرغًا لآتي إليكِ. أين النقود؟ دست يدها بحقيبتها وألقت الأقراص بداخلها وهي تقول: "هل سيكفي هذا؟ لقد طلب مني رفاقي أن أحضر لهم أيضًا! لا أظنه كافيًا." ناولته حزمة من فئة المائتين جنيه أخذها

منها ودسها بجيبه وقال: "ربع قرص كافٍ جدًا يوميًا. أي جرعة زائدة ستؤدي لنتيجة عكسية." "حسنًا، أود في المرة المقبلة أن تضاعف الكمية لأنني لنأتمكن من المجيء إليك لفترة طويلة." "حسنًا، وكما قلتُ لكِ.. فقط ربع قرص يكفي." أومأت بموافقة، ثم خرجت مسرعة لدرجة أنها لم تنتبه فاصطدمت بأخرى واعتذرت لها سريعاً، ثم استقلت سيارتها وانصرفت. دخلت حياة ليتفاجأ بها خالد وسرعان ما ابتسم قائلاً: "مرحبا حبيبتي." "مرحبا." طالعته بشك وقالت:

"ما بها؟ "تقصدين من؟ أشارت برأسها تجاه الباب وقالت: "هذه الشقراء التي اصطدمت بها وكدتُ أتعثر، كان باديًا عليها التوتر." قطب جبينه متصنعًا التعجب وقال: "عزيزتي أنا طبيب صيدلي ولستُ طبيبا نفسيا حتى أراقب خلجاتها وانفعالاتها." أومأت باقتضاب فقال بابتسامته المنمقة المعهودة: "لمَ لم تخبريني أنكِ ستأتين؟

"لم أكن أنوي المجيء حقيقةً، ولكني كنتُ أشتري بعض الأغراض الخاصة بالرسم من المكتبة المجاورة وجئتُ لأراك بما أنني لم أرَكَ منذ أسبوعين تقريبًا." أمسك كفها وهمّ بتقبيلها وهو يقول: "أعتذر منكِ حلوتي تعرفين…." وتوقف عن الحديث فجأة عندما رأى ذلك الحرق بيدها فطالعها مشمئزًا وهو يقول بنفور: "حياة، ماذا حدث ليدكِ؟ سحبت كفها منه على الفور ولم ترُقها نظرة النفور بعينيه فقالت باختصار: "حادث بسيط." "ولمَ لم تنتبهي أكثر؟

على كل حال سأعطيكِ مزيلاً لآثار الحروق ويجب أن تستعمليه بانتظام." وبالفعل أعطاها مرهماً مزيلاً لآثار الحروق فأخذته منه وانصرفت. وفور أن خرجت ألقت به في أول ملقى نفايات رأتهُ وهي تتمتم: "فلتذهبا للجحيم معًا." *** دخلت عنبر إلى شقتها وعلى الفور أسرعت لتنعم بحمامٍ باردٍ علّه يطفئ لهيب قلبها المستعر.

وقفت أسفل سيل الماء البارد مغمضةً عينيها وهي تتذكر ما حدث، عندما أمسك قاسم بكف حياة ووضع المرهم فوقه وأخذ ينفخ عليه بقلق حقيقي، ذلك المشهد لم يمر عليها مرور الكرام أبدًا. وفجأة وجدت نفسها تبكي بحرقة وهي تغمغم بقهر: "يا إلهي أعنّي، قلبي يحترق! استمعت لطرقات على باب الحمام وبزغ صوت زوجها يقول: "عنبر هل نمتِ بالداخل؟ أوصدت المياه سريعا وارتدت مئزرها وخرجت وهي تتلاشى النظر إلى عينيه المتفرستين بها وقالت:

"أردت أن أنال بعضًا من الوقت لنفسي." طالعها ناقمًا وقال بسخرية: "وكنتِ ستنالين ذلك الوقت بالحمام؟ نظرت إلى انعكاس صورته بالمرآة وهو يقف خلفها فقالت: "وكأنني أستطيع الحصول عليه بمكان آخر." قطب جبينه مضيقًا ما بين حاجبيه وهو يقترب منها بخطوات متمهلة باتت تعرفها جيدًا ووقف خلفها وهو يمسك بشعرها وبالمشط في يده ويقوم بتصفيفه وهو يقول: "ما بالكِ أصبحتِ عصبية وتثورين سريعا؟ ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: "يُخيّل لك. أنا بخير."

مط شفتيه باستهجان وقال: "الواضح لي عكس ذلك تمامًا، على ما يبدو أن…." وتوقف عن الحديث متعمدًا كي يضطرها للالتفات إليه ولكنها لم تفعل فجذب شعرها للأسفل بقوة في حركة مباغتة آلمتها صرخت على إثرها بألم وقالت: "ما بك عبدالله؟ هل جننت؟ لمع بريق الشر بعينيه وقال وهو يقترب منها ويهمس بخبث: "ليس بعد، ولكن أعدك زوجتي العزيزة في حال خذلتيني أو خيبتِ ظني بكِ سأريكِ من الجنون ألوانًا."

رفرفت بأهدابها بخوف؛ فهي تعرفه عندما يتوعد بشيء، وتعرف أيضًا كيف يكون عقابه؛ عقاباً مظلماً يبتلعها بداخله ويعيدها لنقطة الصفر من جديد!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...