الفصل 42 | من 51 فصل

رواية حب في الدقيقة 90 الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
20
كلمة
6,491
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوع.. كانت فريال تستعد للخروج من شقتها، حيث اتفقت مع فتون على الذهاب إلى أحد مراكز التجميل لإجراء جلسة شد تجاعيد حول العين، بعدما نجحت فتون أخيراً في إقناعها للقيام بهذه الخطوة. التقطت حقيبتها وخرجت وأوصدت الباب، وبينما كانت منشغلة بتفحص حقيبتها، اصطدمت فجأة بشخصٍ ما. فرفعت عينيها بتحفز لتتفاجئ بالدكتور ممدوح، الذي كان مبتسمًا ببشاشة وقال: _مرحبا فلة. كيف حالكِ عزيزتي؟

ارتبكت وتوترت، ابتلعت ريقها وهي تشعر بالدماء وقد فارت بعروقها، ثم رفعت يدها إلى جبهتها تلقائيًا وهي تنظر إليه بتوتر وقالت: _هل عدت؟ أومأ ضاحكًا وقال: _أجل. عدتُ للتو. واقترب منها خطوةً وأردف: _اشتقتكِ كثيرًا. اهتز بدنها وارتجف قلبها بشدة، ولكن غضبها وحقدها عليه كانا أكبر. فنظرت إليه مستجمعة كل قوتها وحنقها منه، وقالت بنبرة جامدة لا حياة فيها: _أراك وقد عدت بدون العروس؟! عساه خير؟! أومأ مؤكدًا

وقطب جبينه باستغراب وقال: _صحيح، ولمَ عليّ أن أصطحبها إلى هنا؟ رفعت حاجبها باستهجان وقالت: _ولمَ عليك أن تتركها هناك بمفردها؟ مط شفتيه بتعجب أكبر وقال: _ليست بمفردها، … وقبل أن يستكمل حديثه، ظهرت فتون التي كانت في كامل أناقتها، وما إن رأت الدكتور حتى ابتسمت بمجاملة وهي تحاول إخفاء ضيقها منه وقالت: _حمداً لله على سلامتك دكتور.. لقد أنرتَ العمارة. نظر إليها ممدوح مبتسمًا بدوره وقال وهو يصافحها بود:

_أشكرك سيدتي. على ما يبدو أنكما تستعدان للخروج، لذا لن أؤخركما.. عن إذنكما. انصرف ممدوح بعد أن اختلس نظرةً نحو فريال، التي أجفلت فور أن التقت أعينهما وأشاحت ببصرها بعيدًا متصنعةً تجاهله. ثم نزلت الدرج هي وفتون وهما تتحدثان سوياً، فقالت فتون: _يا إلهي، يبدو مرهقًا جدًا، وكأن الزواج لم يلائمه أبدًا. كانت تلك الكلمات كالوقود الذي ألهب نيران الأخرى، فأجابت بغضب أعمى وصوت حاد:

_ذلك لأنه تزوج في سنه هذا من فتاة في عمر ابنه. بالتأكيد لن يواتيه الزواج. _مسكين. ولكن أين هي زوجته؟ لدي فضول جامح حول رؤيتها. نظرت إليها فريال نظرة ألجمت لسانها، وفتحت باب السيارة بصمت واستقلت مقعدها خلف المقود، ثم ركبت فتون بجوارها وهي تقول:

_أنا لا أقصد مضايقتك فلة، على كل حال دعينا ننسى هذا الموضوع تمامًا. نحن الآن لدينا خطط كثيرة من شأنها أن تنسينا ما حدث منذ قليل، لدينا موعدٌ مع طبيب التجميل، وبعدها سنذهب للصالة الرياضية لكي نخرج كل طاقتنا ونحرق كل همومنا بشكل جيد، وبعدها سنذهب لنرفه عن أنفسنا قليلاً ونتناول مشروبًا باردًا. نحن على موعدٍ مع السعادة يا فتاة. ابتسمت الأخرى بتهكم وأجابت بإحباط صرف: _أخطأتِ يا فتون، من نكون نحن حتى نواعد السعادة؟

نحن لا نواعد سوى الأحزان والهموم فقط. ضربت الأخرى جبهتها بكفها بيأس وهي تردد: _يا إلهي، لقد عانيتُ حتى انتشلتها من حالة الاكتئاب التي غرقت بها لأسبوع كامل، وبالكاد كنا نسير نحو طريقٍ يبعث على التفاؤل؛ فجاء طبيب الغفلة هذا وظهر أمامها ليعيدنا عشرات الخطوات حيث كنا من جديد، ويضيع مجهودنا سدى. أشكو إليك قلة حيلتي يا الله. ***

كانت تقبع فوق فراشها باستسلام، شاخصةً ببصرها في الفراغ من حولها، ليس فراغًا ماديًا فحسب، بل فراغًا معنويًا كذلك. فغياب قاسم عنها كان بمثابة غياب الروح عن الجسد تمامًا. منذ ذلك اليوم الذي قرر أن يغيب عنها بمحض إرادته الحرة، وهي تعاني، تبكي كل ليلة في صمت وتذرف كل الدموع، حتى إذا ما أصبح صباح اليوم التالي، ارتدت قناع الصلابة والجمود.

وحدهُ والدها هو من كان يعرف أن ذلك التماسك ليس حقيقيًا، وإنما هو مجرد قناع مزيف تخفي خلفه انهيارها. أما والدتها فكانت تراقب ذبولها بصمت، ليس لأنها غير قادرة على عتابها ولومها والدخول معها في مشاحنات فارغة، ولكن لأنها تشفق على حالها أكثر من ذي قبل. وتلك الشفقة الجديدة على مشاعرها هي التي تمنعها من الخوض في تفاصيل ما حدث، على الأقل في الوقت الحالي. _حياة، ألن تتناولي فطورك حبيبتي؟ على الأقل من أجل طفلك.

تحدثت صفية بتلك الكلمات للمرة التي لا تعرف عددها، في محاولة بائسة منها لإقناع ابنتها لكي تتناول فطورها الذي تحمله منذ ساعة تقريبًا، وعندما يئست من استجابة حياة، نهضت وهي تحمل الصينية وخرجت من الغرفة في اتجاه المطبخ. وضعت الصينية ثم اتجهت نحو غرفة صالح الذي كان يجلس مهمومًا كذلك، وقالت بغضب مكتوم: _هل هذا الحال يرضي الله ورسوله؟ ابنتك تموت بالبطيء يا رجل! إلى متى سننتظر؟! نظر إليها بقلة حيلة عاقدًا كفيه في تأمل،

ثم تنهد بضيق وقال: _استدعِ حنان.. وقبل أن يستطرد، قاطعته بحدة غاضبة وانفعال، فقالت: _لن أتصل، ولا أريد رؤية وجهها ولا وجه أخيها مدى الحياة، أساسًا هو سبب كل المصائب التي نزلت بابنتي. _لا حول ولا قوة إلا بالله.. عدنا لنفس النقطة.

_نعم سنعود سيد صالح، إن لم يفكر ابن أخيك بأنانية ورعونة وفعل ما فعله، لما وصلت ابنتي لتلك الحالة أبدًا. قم وانظر بنفسك. الفتاة تذبل أمام أعيننا يا صالح، تمتنع عن الأكل وأخذ أدويتها، لا شيء يجدي نفعًا معها، لا توسل ولا بكاء ولا استعطاف، حتى جنينها لم يعد فارقًا معها. قل لي يا صالح، ما ذنب ذلك الجنين الذي سيموت في أحشائها بسبب حالتها تلك!! نظر إليها محذرًا بغضب وقال:

_اصمتي يا صفية، اخفضي صوتك لكي لا تسمعك، ولا تلفظي ذلك اللفظ أبدًا مهما حدث. تهدل كتفاها بإحباط، ونظرت إليه بعجز، ثم انفجرت باكية فجأة وهي تردد: _ابنتنا مسكينة يا صالح، إن رأيتها ستشفق عليها وستلعن غباء الغبي ذاك وتهوره، هل أُخبرك؟ ستلعن نفسك أيضًا لأنك شجعته على قراره الملعون هذا. طأطأ رأسه أرضًا، وللحظة شعر بوخز الضمير، ورق قلبه من أجل صغيرته، ولكنه لم يكن لينالها مرادها أبدًا. فنظر إليها محتدًا وقال:

_لا، لن أندم أبدًا، ما فعله قاسم هو عين العقل، والمفترض أن تكون ابنتك أكثر صلابة وتحملًا لأنها تعرف منذ البداية ما كانت مقبلة عليه. خذيني إلى غرفتها حالًا. ساعدته حتى جلس على كرسيه المتنقل، ثم ذهب إلى غرفة حياة. دخل وعينه مثبتة عليها وهي ترقد على فراشها مغمضةً عينيها، فهمس إلى زوجته قائلًا: _إنها نائمة، لا داعي لإزعاجها. نظرت إليها صفية وقالت:

_لا، هناك داعٍ بالطبع، لا بد أن تتناول فطورها وأدويتها، علينا أن نجبرها إن لزم الأمر. سار حتى استقر بجوار الفراش وظل ينظر إليها بشفقة وحزن شديد. فقالت زوجته: _أرأيت؟ ابنتنا الزهرة الجميلة التي كان يقسم الجميع بجمالها، تحولت لشبح، لمجرد أنه غاب عنها لأسبوع تحولت لشبح، بالله عليك أخبرني كيف ستتحمل الستة أشهر الباقية حتى يخرج بسلامته من السجن؟ نظر إليها بتحذير مجددًا وقال:

_لا داعي لذكر تلك السيرة مرارًا وتكرارًا يا صفية، لديها ما يكفيها فلا تزيدي، هوني عليها إن استطعتِ، وإن لم تستطيعي فلا تزيدي همومها. ومد يده يربت بها فوق كفها الممدودة بجوارها وهو يقول بحنو: _حياة، حبيبتي.. لقد شعرتُ بالجوع وجئت لأتناول فطوري معكِ، حياة. لم تحرك حياة ساكنًا، وكأنها لم تشعر بيده الموضوعة فوق يدها وتهزها، فهزها مجددًا بقوة أكبر وهو يقول:

_ابنتي، لدي الكثير الذي أود الحديث معكِ حوله، وكما تعرفين، لا أحد يفهمني مثلك، هيا حياة دعينا نتكلم ونحن نتناول فطورنا بالشرفة كما كنا نفعل سابقًا وأنتِ طفلة.. حياة. لم تجب، فنظر إلى صفية مستفهمًا، فبادلته النظر بقلق واقتربت من حياة وهي تهزها وتقول بصوت عالٍ: _حياة، هيا حبيبتي.. حياة، ألا تسمعيننا؟ حياااااة… تحركت حياة كالخرقة البالية بيديها، فصرخت بفزع وهي تنادي باسمها وتقول: _حياة، ما بكِ حبيبتي؟ هل تسمعينني؟

هدر صوت صالح مفزوعًا: _أبلغي الطبيب حالًا.. أمسك بيدها وأخذ يربت عليها، بينما هرعت صفية نحو الخارج لكي تقوم بالاتصال بالطبيب الخاص بحياة وأبلغته بما حدث، ثم هرولت إلى الغرفة مجددًا وجلست بجوار حياة وهي تبكي وتقول: _حياة حبيبتي، ماذا بكِ يا أمي؟ صالح.. ماذا بها ابنتي؟ كان صالح يذرف الدموع وهو يمسح على شعرها وجسدها ويردد الرقية الشرعية بهمس من بين بكائه، بينما صوت بكاء صفية وانهيارها يعرقل انتباهه، فكانت تقول:

_هل أتصل بعزيز؟ هل أخبره لكي يطلب الإسعاف؟ أخشى أن يتأخر طبيبها. هل أعد لها الماء المحلى، أم أنه لا يلائم وضعها، أخبرني صالح لماذا أنت صامت؟ حياة حبيبتي.. أجيبيني حبيبتي رجاءً.

عندما استمعت لجرس الباب، كانت قد وصلت فورًا وفتحت الباب بلهفة، فأسرع الطبيب إلى الغرفة وبدأ بفحصها فورًا، بينما صفية تقف في الخلفية تردد على مسامعه آخر تطورات حالتها في الأيام القليلة الماضية وامتناعها عن تناول الطعام والأدوية. ولم تنسَ أن تخبره عن زوجها الفاشل عديم الإحساس بالمسؤولية الذي تخلى عنها في ظل ظروفها العسيرة تلك. وبينما هي تثرثر وتثرثر، كان الطبيب قد أخرج من حقيبته محلولًا وقام بحقنه في وريدها، ثم قال:

_الموضوع ليس خطيرًا الحمد لله، الإغماء بسبب نقص التغذية والامتناع عن الطعام وتناول الأدوية كما قلتِ، لذا قمت بإعطائها محلولًا مغذيًا عوضًا عن التغذية التي تحتاج إليها، بمجرد أن يستقر معدل السكر في الدم ستبدأ باستعادة وعيها. تمتم صالح يحمد الله، فقالت صفية: _هل حالتها تلك بسبب سوء التغذية فقط؟ أليس السبب هو الضغط النفسي الذي تعيشه. الطبيب شفتيه بعملية وقال:

_أكيد، حسب قولك فالضغوط النفسية والعصبية التي تعيشها شكلت عاملاً أساسيًا في الوصول لحالتها تلك. نظرت صفية إلى زوجها وقالت: _أرأيت، هذا يعني أنه السبب وليس غيره. هز صالح رأسه بيأس ونظر إلى الطبيب وقال: _وما العمل دكتور؟ بماذا تنصحنا حتى نستطيع انتشالها من تلك الحالة البائسة؟

_من الضروري أن تساعدونها على الاستجمام والاسترخاء والبعد عن البيئة المليئة بالتوتر والضغوطات لفترة لا بأس بها، ومن الضروري كذلك واللازم أن تلتزم بدوائها والتغذية السليمة حتى وإن اضطررتم إلى محايلتها كالأطفال. بدأت حياة تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا. فتحت عينيها، فهرولت نحوها أمها وجلست بجوارها وهي تقول: _حياة، هل أنتِ بخير الآن حبيبتي؟ أومأت حياة بهدوء، ونظرت إلى الطبيب الذي يجلس بالقرب منها بتعجب، وقطبت جبينها بتعب،

فقال: _حمداً لله على سلامتك حياة، لقد تعرضتِ للإغماء نتيجة لتعمدك الامتناع عن تناول الغذاء والدواء. للأمانة العلمية علي أن أخبرك أن سوء التغذية ليس مضرًا بصحة الحامل والجنين فقط، لا. إنه مضر بصحة الطفل فيما بعد كذلك، ومن الممكن أن يعاني الطفل فيما بعد من عدة اضطرابات منها فرط الحركة وتشتت الذهن. ودائمًا تذكري أن جنينك هذا أمانةٌ برقبتك. وعليكِ أن تصوني الأمانة.

ونهض بعد أن وصف لها عدة مقويات وعددًا من المحاليل المغذية كي تستطيع تخطي تلك الوعكة، وانصرف بعدما تمنى لها السلامة. *** كفاكِ حنان، منذ الصباح وأنتِ تبكين.. يا إلهي لم أكن أعلم أنكِ قد تعلقتِ به بهذا القدر! قالها عزيز وهو يحاول مواساة زوجته التي تبكي بحرقة بين ذراعيه كما لم تبكِ من قبل، ثم ربت على ظهرها وقال:

_حبيبتي حنونة، لا يزال لدينا كريم، أقصد أننا لن نكون وحيدين. وبالنسبة لصبر سأتحدث مع حسان وأخبره أن يحضره دوماً لزيارتنا، في النهاية الطفل يحبنا ويحب كريم كذلك ولن يطيق البعد عنا. أرجوكي كفى. _تعلقتُ به كثيرًا يا عزيز، لماذا يحدث معي كل هذا، هل أنا سيئة بهذا القدر؟ كلما أحببت شيئًا فقدته. ضمها إليه بقوة أكبر وقبّل أعلى رأسها وهو يقول:

_لا حبيبتي، أنتِ أجمل امرأة في الوجود، كل ما يحدث معنا ابتلاءات والله إذا أحب عبدًا ابتلاه. لا تحزني حنان سيعوضنا الله. هدأت قليلاً، كفكفت دموعها ومسحت آثار البكاء عن وجهها، ثم نظرت إليه وقالت: _إن شاء الله، علينا أن نجلس مع صبر الدقائق المتبقية قبل وصول حسان. هيا بنا. خرجا من غرفتهما واتجها نحو غرفة صبر ليستمعا إليه وهو يتحدث مع كريم بحماس ويقول:

_أنا سعيد للغاية يا صديقي، لا أتخيل أنني بعد دقائق سأرى أبي بعد كل هذا الغياب. نكس كريم رأسه أرضًا بحزن وقال: _أنت محظوظ يا صبر لأنك سترى والدك الذي عاد من السفر، أما أنا فوالدي لن يعود أبدًا. زم الطفل شفتيه بأسف طفولي وربت على كتفه بدعم وقال: _ولكن والدتك ستعود، أنت لازلت تملك أماً، نحن متعادلين يا صديقي. أنا فقدت أمي منذ الصغر ولكن والدي لا يزال معي، وأنت فقدت والدك ولكن والدتك موجودة. أرأيت كيف أننا متعادلين؟!

أومأ كريم بموافقة وقال بأسف صادق وتأثر حقيقي: _ولكني سأصبح وحيدًا بدونك. ابتسم صبر وقال: _لن أغيب، ستجدني موجودًا هنا باستمرار وأنت أيضًا ستأتي إلى بيتي، لا بد أن أعرفك بأبي، ستحبه كثيرًا. نظر كلا من حنان وعزيز إلى بعضهما البعض بابتسامة، وصدح صوت عزيز قائلًا: _هل حزمت أمتعتك يا فتى؟ أراك وقد جمعت أغراضك كلها. على الأقل دع لنا شيئًا كتذكار منك أيها النذل. ابتسم صبر ابتسامة عريضة وقال بحماس:

_لن أغيب طويلاً، لذا لا داعي للتذكار لأنكم لن تحتاجون إليه. ضحكت حنان واقتربت منه ثم عانقته وقالت: _سأشتاقك كثيرًا يا صبر. نظر إليها الطفل مبتسمًا وقال: _وأنا لن أشتاقك. نظرت إليه بصدمة فقال: _والسبب أنني كل يوم سأنظر إلى صورتك تلك. وأخرج إطارًا خشبيًا صغيرًا يضم صورة حنان وطفلتها "أسيل" وقال:

_أنا آسف، لقد أخذت الصورة بدون استئذان، ولكني كنتُ أعرف أنكِ لن تمانعي، سأتأمل صورتك أنتِ وابنتكِ الجميلة كل يوم قبل النوم. وسوف أدعو الله أن تنجبي طفلة جميلة مثلها مجددًا لكي أتزوجها عندما أصبح شابًا. ضحك عزيز ملء فمه وعبث بمقدمة شعره، بينما ضمته حنان إليها وانفجرت باكية وقد حرك الساكن بأعماق قلبها. ارتفع رنين جرس الباب، فقفز صبر من بين ذراعي حنان وقال بفرحة عارمة: _إنه أبي.

ركض مسرعًا نحو الباب وفتحهُ، وما إن رأى والده أمامه حتى قفز فوقه وهو يصرخ بحماس ويقول: _وأخيرًا أبي، اشتقتك كثيرًا. ضمه حسان وأطبق ذراعيه حوله وهو ينتحب بصمت، وكلما حاول التكلم خنقتهُ العبرات، فالتزم الصمت من جديد.. كان يضمه بين ذراعيه ويبكي ملتاعًا، لم يتخيل أن يكون اللقاء قريبًا بهذا الشكل، لقد كان مستسلمًا للأمر الواقع، مسلمًا بحقيقة سجنه لثلاث سنوات، ولم يتخيل أن يستجيب الله لدعواته ويفك أسره بهذه السرعة.

_أبي، هل ستغيب مجددًا؟ هل ستتركني وتسافر ثانيةً؟ هز حسان رأسه بالنفي وقال وهو يحاول كي يبرز صوته هادئًا متزنًا: _لا، لن أتركك مجددًا أبدًا حبيبي. _هل تعدني بذلك؟ _أجل، أعدك. عانقه صبر بقوة أكبر وهتف بحماس مشتعل: _يعيش بابا حسان، يعيــش. كان الجميع يراقبون هذا اللقاء بفرحة، حتى وإن اختلط بها الحزن والدموع، ولكنها تبقى فرحة صادقة من القلب. فرحة بجمع شملهما وفرحة من أجل فرحة الصغير.

تقدم عزيز من حسان وعانقه بحب أخوي لم يفتر، فلقد كان كلا من قاسم وحسان وعزيز أضلاعًا ثلاثة لمثلث طالما عُرِف بمثلث الرعب. كانوا مشهورين بصداقتهم وحبهم لبعض البعض قبل أن تنقلب حياتهم رأسًا على عقب بفِعل شيطانٍ حاقد. حقد على أخوتهم وصداقتهم ودس سمه بحياتهم وهدم الأضلاع الثلاثة لتبخر أسطورة مثلث الرعب تمامًا، وتحل محلها أسطورة أخرى، أسطورة شيطان الحدادين.

بعد دقائق من الترحيب والضيافة، قرر حسان أن يستأذن هو وولده على وعد باللقاء مجددًا في أقرب وقت. ودعت حنان صبر بالدموع وأخذت منه ميثاقًا بالعودة سريعًا، بعدما أعطته وعدًا بأنها ستنجب له عروسًا في أقرب فرصة، كما أخبرها قائلًا:

_لقد أحببتك كثيرًا خالتي حنونة، شعرتُ أنكِ أمي وأنكِ تحبيننا كأنكِ أمنا فعلاً. وعرفت من خلال حديثي مع كريم أن ابنتكِ الجميلة هذه توفت، لذا عديني إن أنجبتِ فتاة جميلة مثلها سأتزوجها أنا، وبتلك الطريقة سنصبح أنسباء ولن أبتعد عنكِ أبدًا. حينها عانقته حنان ووعدته، وهي تدعو الله بسرها أن تتحقق أمنية ذلك الصغير وأن يمن الله عليها بطفل يعوضها غياب طفلتها أسيل. وفي الختام عانق صبر عزيز وودعهُ قائلًا:

_أراك قريبًا حمايا العزيز، اعتني بحماتي جيدًا. أوصد عزيز الباب وهو لازال يضحك من تصرفات الطفل وحديثه الذي يبدو أكبر من سنه للغاية، ووضع ذراعه على كتف كريم متنهدًا ثم قال: _وأنت يا كريم، ألا تريد أن تتزوج من ابنتي المستقبلية ونصير أنسباء؟ نظر إليه كريم بعينين متحمستين وكأن الفكرة قد راقته وقال: _بالطبع أريد، ولكن في هذه الحالة عليك أن تنجب فتاتين كي يتزوج صبر إحداهما وأتزوج أنا الأخرى.

أعجزه رده عن الكلام ونظر إلى حنان التي كانت تبكي، وفجأة تحول نحيبها إلى ضحكات عالية وهي ترى الاندهاش بادياً في عين زوجها وهو يقول: _يا إلهي، إما أنهما ليسا طفلين، أو أنا من لم أكن طفلاً. ***

كان قاسم يجلس بزنزانته يسبّح كما اعتاد منذ اليوم الأول الذي دخل فيه السجن، كما كان يفعل تماماً في المرة الماضية. ولكن الفرق بين المرتين فرق شاسع، في المرة السابقة كان مظلومًا، كان يواجه قسوة السجن ومرارة الظلم، لذا كانت الأيام تزحف زحفًا مميتًا، أما الآن فهو على اقتناع تام أنه يستحق ما هو عليه الآن، يستحق أن يواجه مرارة البعد عن زوجته وطفله، لذا قرر أن تكون تلك الستة أشهر فترة تقويم لأخلاقه، تقويم لنفسه التي اتبعت

هواها وحادت به عن الطريق المستقيم. وقرر أن يجعل له وردًا يوميًا من التسبيح والاستغفار وقراءة القرآن، واثقًا وموقنًا أنه الآن يضع قدمه على أعتاب الفلاح، وأنه سيبدل الدرب المأهول بالأشواك الذي اختاره بإرادته سابقًا إلى درب مكلل بالنجاحات، درب تفوح منه رائحة الحب والخير.

انفرج الباب الحديدي محدثًا صريرًا عاليًا ودخل حارس الزنزانة الذي نادى باسمه وقال: _قاسم الحداد، زيارة بمكتب المأمور. أدرك قاسم أنه المحامي أو السيد أكثم، لم يتوقع زيارة حياة بالرغم من أن قلبه كان يتمناها بشدة، ولكنه يعرفها. يعرف حبيبته العنيدة جيدًا. كما وعدته ستفي بوعدها. *** استرجاع زمني

وقف مكتوف الأيدي، ينظر إليها بعد أن سقطت مغشيًا عليها بدون استيعاب، وكأنه لم يعِ ما حدث للتو ولم يره. التفوا حولها جميعًا وهم يحاولون إفاقتها، ولم يتحرك إلا عندما صرخت به شقيقته لكي يقترب؛ فاقترب مسرعًا وكأنه تحرر من غفلته للتو. جثا على ركبتيه أمامها وأخذ يربت على خدها برفق وهو يقول: _حياة، أفيقي حبيبتي.. فليساعدنا أحدكم.

صرخ بالأخيرة بفزع وهو يضمها إلى صدره بخوف لم يسبق له مثيل، فشعر بها وهي تحرك رأسها بين ذراعيه، فنظر إليها متلهفًا وقال: _كيف تشعرين، هل أنتِ بخير الآن؟ أخبريني بماذا تشعرين؟ تفاجأ بنظرتها الغاضبة، نظرة يفوح منها اللوم الصارم، ودفعته بيدها بعيدًا عنها بقوةٍ واهية وقالت: _لا تسأل، ليس من شأنك، طالما أنك تخليت عني بهذا الشكل وفكرت بأنانية، فليس لك الحق أن تسأل عما أشعر به. نظر إليها متعجبًا وقال:

_أنا آسف حياتي، أعرف أن تلك الخطوة ليست في الوقت المناسب لنا، ولكنها في صالحنا تأكدي. _في صالح من؟ في صالحك أنت فقط يا قاسم المثالي، لا تتكلم عني مجددًا لأنك لم تفكر بي وأنت تقرر قرارك هذا. حاول تهدئتها فأحاط وجهها بكفيه، فأبعدت يديه عنها وصرخت به بجنون:

_لا تلمسني مجددًا، إياك.. أنت إنسان أناني ولم تفكر سوى بنفسك وبما سيجعلك راضيًا وسعيدًا، لم تفكر بنا أنا وطفلك وكيف أننا بحاجتك هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، أنت انتهيت من حياتنا يا قاسم. طالما أنك لم تجعلنا على رأس قائمة أولوياتك، فنحن لن نجعلك جزءًا من حياتنا أبدًا.

ذُهل قاسم من ردة فعلها وحديثها الذي يشبه الخناجر المسمومة التي تقذفها بوجهه. هم بالحديث، ولكن العسكري أمره بالذهاب معه فورًا. حاول إقناعه أن يمهله بعض الوقت ولكنه رفض، وأخرج الأصفاد وقام بوضعها بيده. حينها نظر قاسم إلى حياة وهو يتحرك قسرًا برفقة العسكري وقال: _حياة، عديني أن تعتني بنفسك وأن تسامحيني.. عديني حياة. نظرت إليه وهو يبتعد عنها ورأسه للخلف ونظره مثبت عليها، وقالت بصوت عالٍ حاد كي يصله بوضوح:

_أعدك بألا أرى وجهك مجددًا يا قاسم. *** عودة خرج مع حارس الزنزانة إلى مكتب المأمور. دخل وكان الزائر كما توقع، سيد أكثم. صافحا بعضهما البعض بحرارة وجلسا، فترك المأمور لهما مساحة لبعض الوقت كي يجلسان بمفردهما. _كيف حالك قاسم؟ _بخير سيد أكثم، لمَ أرهقت نفسك؟ _لا عليك، جئت لأطمئن عليك وأرى إذا ما كنت بحاجة لشيء. _أشكرك كثيرًا، أنا بخير، هل تعرف شيئًا عن أهلي؟ هل لديك أخبارًا عنهم؟

_لا تقلق الجميع بخير، لقد اتصلت بعزيز وأخبرني أن كل شيء على ما يرام، زوجتك تبقى ببيت والدها وشقيقتك تذهب لزيارتها من حين لآخر، وفي الزيارة الشهرية سيكون عزيز وشقيقتك موجودين لرؤيتك. أومأ بحزن ظهر جليًا على قسماته، فقال أكثم: _قاسم، جلسة الحكم على عنبر كانت بالأمس، في الحقيقة لم أود إخبار عمك وزوجته لأني أعرف حالة عمك الصحية وخشيت أن يتأثر أو ينتكس، ولكنني أخبرت عزيز. أومأ قاسم مترقبًا ودق قلبه بتوتر بالغ،

فقال أكثم بأسف: _المحامي الذي وكلته لها أمها لم يستطع الحصول على حكم مخفف للأسف، لقد تم الحكم عليها بالسجن المشدد لمدة خمسة وعشرين عامًا. أغمض قاسم عينيه بألم وكأنه تلقى صفعةً مدويةً آلَمتْه، وتمتم بقلة حيلة: _لا حول ولا قوة إلا بالله. _برأيك هل أخبر والديها؟ فكر قاسم للحظات ثم تنهد وقال:

_من المؤكد أنهما ينتظران الحكم، في المقابل أنا أعرف أن عمي يتوقع ذلك الحكم؛ لذا أرى أنه من اللازم أن يكونوا جميعًا على علم بما حدث، في النهاية لن يخفى عنهما الأمر طويلًا. أومأ أكثم موافقًا وقال: _أنت محق، سأتحدث مع عزيز حول هذا الأمر ونرى ما يمكننا فعله. لدي خبر سار أيضًا، لقد خرج حسان من السجن اليوم. تنهد قاسم بارتياح وأومأ ثم قال: _الحمد لله، لا بد أن صبر سعيد للغاية.

_أكيد، وأنت أيضًا ستقضي محكوميتك سريعًا وتخرج لتفرح بمولودك وتستقبله على يديك، لا تحمل همًا. أومأ قاسم مؤكدًا بشبح ابتسامة لاحت على شفتيه، ثم قال: _كيف حال سيد حبيب؟ هل علم بأني عدت إلى أرض الملاعب من جديد؟ ضحك أكثم قائلًا:

_لقد أخبرته بما جرى معك، وهو يشجعك ويحييك على تلك الخطوة الشجاعة، ويقول لك "طالما أنك راضٍ الآن وتستطيع النوم باطمئنان، فتأكد أن ما فعلته هو الصواب، فلا تجعل نفسك الأمارة بالسوء تلومك، وتذكر دومًا أن الحق أحق أن يتبع". *** في اليوم التالي. خرجت سارة من شقتها ونزلت الدرج متجهة إلى الخارج، فتفاجئت بقصي الذي يقف ساندًا ظهره على الجدار ويحمل بيديه وردةً حمراء يشم رائحتها. وما إن رآها حتى وقف أمامها منحنيًا

في حركة مسرحية وقال: _صباحًا شريفًا مولاتي. ومد يده إليها بالوردة، فالتقطتها وهي تضحك بتفاجؤ وقالت: _يا إلهي، ما هذا؟ نظر إليها مبتسمًا واقترب خطوةً وهو ينظر بساعة يده وقال: _انتظرك منذ أربعين دقيقة، لماذا تأخرتِ؟ ألم تخبريني أن لديكِ موعدًا في العاشرة؟ أومأت بتوتر وقالت: _صحيح، لقد تأخرت لظروف خاصة، علي أن أتحرك حالًا. همت بالتحرك، فأمسك بمعصمها وقال: _انتظري، سأقلك بسيارتي، هيا. _لا.. قالتها

على الفور وتابعت بتوتر: أقصد لا داعي، السائق سيقلني. عن إذنك. _توقفي سارة، لم العجلة؟ ثم أنكِ لم تخبريني ما رأيك في هذه المفاجأة! هزت رأسها باستفهام وقالت: _أي مفاجأة؟ نظر إليها بإحباط وقال: _أقول لكِ أني انتظرتكِ لوقت طويل، بالرغم من أن أصدقائي في انتظاري ولكني تجاهلتهم من أجلك، ووقفت على باب العمارة كبائع الحليب منذ الصباح الباكر وقطفت لكِ تلك الوردة ودسست لكِ بداخلها شيئًا هامًا.

نظرت إلى الوردة بيدها وقطبت جبينها وهي تكتشف لأول مرة تلك العلبة الصغيرة بلونها الأحمر. دق قلبها وقد أخبرها حدسها عما بداخلها، فمدت يدها لتفتحتها وهي تنظر إليه وتراه ينظر إليها مبتسمًا وعيناه مثبتتان على خاصتها. فتحت سارة العلبة فأصابها الذهول عندما رأت خاتم زواج بداخلها، ونظرت إلى قصي الذي لازال متمسكًا بابتسامته وقالت: _ما هذا؟! _هل تتزوجيني؟

طفقت الدموع تسيل من عينيها وهي تختبر شعورًا غريبًا عليها لأول مرة، شعورًا له مذاق حلو للغاية. ثم نظرت إليه وقالت: _لكن.. قاطعها قائلًا: _أعرف ما ستقولينه، أعرف أنكِ لا تزالين صغيرة جدًا، سنقيم حفل خطوبة صغير، وبعد أن تبلغي السن القانوني نتزوج. ما رأيك؟ نظرت إليه بتيه وقالت بتخبط وتلعثم: _ليس هذا كل شيء، لدي ظروف خاصة أنت لا تعلم عنها شيئًا. _أي ظروف هذه؟

بالنسبة لوالدك سأتحدث معه بالتأكيد، وإن لزم الأمر يمكنني أنا أسافر إليه كندا وأطلب يدك منه. سالت دمعاتها مجددًا بقلة حيلة وعجز، ثم أعطتهُ الخاتم والوردة وهي تفر هاربةً من أمامه وتقول: _أنا آسفة، لن أستطيع. وتركته يقف هائمًا على وجهه، ثم استقلت سيارتها فانطلق السائق فورًا. حينها كان قصي يقف مذهولًا من ردة فعلها الغير مفهومة!

لقد ظن أنها تبادله نفس المشاعر بما أنهما يتراسلان منذ أسبوع تقريبًا بصفة يومية وقام بالتلميح لها لأكثر من مرة ولم يجد منها الصد، فظن أنه قبول. لذا تجرأ وأقدم على تلك الخطوة لأنه لا يحب الطرق الملتوية أبدًا، فقرر عرض الزواج عليها، ولكن ردة فعلها تلك صدمته. فوقف يطالع الخاتم والوردة بتحسر، ثم ابتسم ابتسامة متهكمة وسار نحو سيارته، ثم ألقى الخاتم والوردة على المقعد بإهمال وانطلق في طريقه وهو يفكر ويحاول تخمين السبب في حالتها وتصرفها ذلك.

*** كان حبيب يجلس في الانتظار، على أهبة الاستعداد وهو يخمن من سيأتي لزيارته اليوم، زوجته أم ابنته أم كلاهما معًا. ليتفاجأ بسارة التي دخلت إلى قاعة الزيارة وهي يبدو عليها آثار البكاء واضحة، وفجأة ارتمت بأحضانه وانفجرت في البكاء بشدة وهي تقول: _أحتاجك بشدة أبي. ربت حبيب على ظهرها بحنان وقال: _ماذا بكِ حبيبتي؟ ما الخطب؟! جلس وأجلسها بجواره وهو يضمها إليه ويمسح على شعرها، ثم قال: _أخبريني سارة، ماذا بكِ؟ ماذا حدث؟ نظرت

إليه وهي تبكي بهدوء وقالت: _أنا لست ابنة جيدة أبدًا أبي، أنا سيئة جدًا. _لا، أنتِ لستِ كذلك حبيبتي، أخبريني ماذا حدث معك؟ صمتت قليلاً تحاول البحث عن كلمة افتتاحية تبدأ بها مأساتها، ولكنها لم تجد، وكأن الكلمات غابت عنها في تلك اللحظة، فأجهشت بالبكاء وهي تقول: _ليتك جواري، أنت غائب وقاسم أيضًا دخل السجن، وأمي حزينة بما يكفي. لا أعرف إلى من سألجأ. أمسك بذقنها وأرغمها على النظر إليه فقال:

_حبيبتي، أنا موجود دائمًا، المسافات لم ولن تكون حائلًا بيننا، يمكنك التكلم معي. نظرت إليه مبتسمة بانكسار، ثم مالت نحوه وقبلت خده وقالت: _أنت أعظم أب في الكون، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. _وأنتِ أعظم ابنة في الوجود سارة، أرجوكي لا تترددي في إخباري بما يشغلك. _لا تقلق أبي، أنا بخير، أحيانًا ينتابني شعورٌ بالانهيار مثلما حدث الآن، ولكنني أعود إلى رشدي سريعًا. _من رشدي؟!

قالها متصنعًا التعجب، فنظرت إليه بصدمة وسرعان ما ارتفعت ضحكاتها، فضحك بدوره وربت على رأسها بحنان وقال: _أتمنى أن يرزقني الله العمر المديد لكي أكون السبب في ضحكاتك الجميلة هذه مثلما كنت دوماً السبب في بكاءك. آلمتها كلماته فنظرت إليه وابتسمت ابتسامة حنونة وقالت: _وجودك بحياتي يكفي، مجرد حملي لاسمك خلف اسمي يشعرني بالأمان بابا. امتلأت عينيه بالدموع واختنق صوته، فحاول أن يخلق جوًا لذيذًا بعيدًا عن البكاء والحزن فقال:

_لقد ورثتِ أمك يا لصّة يا ماكرة، أمكِ كانت دائمًا تستطيع الإيقاع بي في شباكها بكلماتها المعسولة، وها أنا أرى فتون الصغيرة أمامي. ابتسمت فابتسم ونزلت دموعاته رغماً عنه، وأخذ يمسح على شعرها وهو يقول: _أتمنى أن يرزقك الله حظاً أوفر من حظ أمك، ألا يتعلق قلبكِ بحبيب وينكوي بفقده، أرجو من الله أن يهبك السعادة التي لا يتخللها حزنًا ولا ينزعها فراقًا أبدًا، وأن يهبك قلبًا محبًا صادقًا يكتفي بكِ ولا يكتفي من حبك أبدًا.

كانت كلماته بمثابة بلسم لجروحها، دواءً لقلبها المتألم، دليلاً لعقلها المشتت التائه. كانت هذه هي الزيارة المثلى في الوقت الأمثل. *** في المساء. كانت فريال تجلس بالشرفة تتأمل المنظر من حولها، وكلما قفزت صوره إلى رأسها نفضت رأسها برفض وكأنها تطرده بعيدًا. في تلك اللحظة ارتفع رنين هاتفها، فنظرت به فإذا بها تجده هو من يتصل بها، فتجاهلت الاتصال وأخفضت مستوى الصوت وعادت لحالة الشرود التي كانت عليها مجددًا.

وبعد مرور خمس دقائق تقريبًا، وبعد أن قام الدكتور بالاتصال بها مرات عديدة، استمعت إلى صوت جرس الباب، فنهضت لتفتح وهي تقول: _بالتأكيد هذه هي فتون. فتحت الباب بحماس لتجده يقف أمامها وعلى وجهه أمارات التعب والإرهاق، فقالت بتعجب: _أنت؟ ماذا تفعل على باب بيتي في هذه الساعة المتأخرة؟ نظر إليها متعجبًا وقال: _أعتذر، ولكنني قمت بالاتصال بكِ مرات عديدة قبل أن آتي إلى بيتك في هذه الساعة المتأخرة ولكنكِ تجاهلتِ مكالماتي.

نظرت إليه بشوق ممزوج بالغضب وقالت بصوت حاد: _ماذا تريد مني يا دكتور ممدوح؟ وما سبب كل تلك المكالمات التي تجاهلتها أنا؟ _ما خطبكِ يا فلة؟ ما سر تلك المعاملة؟ _اسمي مدام فريال، لا تتعدى حدودك أبدًا. رفع حاجبيه متعجبًا، وابتلع المسافة بينهما ووقف أمامها مباشرةً وهو ينظر إليها بشوق، فكانت تنظر إليه بشوق مماثل وتتفحص ملامحه عن قرب مهلك وهي تستمع إليه وهو يقول: _اشتقتكِ كثيرًا جدًا، أقسم أني اشتقتك بصدق.

ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: _من فضلك ابتعد، وجودك هنا لا يصح أبدًا، أنت مجرد جار ليس أكثر. _حسنًا. سأصبح أكثر من جار، والآن. هل تتزوجيني يا فلة؟! نظرت إليه بصدمة كبيرة وأخذت الكثير من الوقت لاستيعابها، ثم نظرت إليه بضيق وقالت بحدة: _بالطبع لن أقبل، كيف تجرؤ أن تعرض علي عرضًا كهذا؟ نظر إليها مصدومًا وقال بغضب: _وما الذي يمنع؟ _زواجك. زواجك هو ما يمنع. أنا لن أصبح زوجةً ثانيةً أبدًا. طالعها باستغراب وقال: _زواجي؟

عن أي زواج تتحدثين؟! _أرجوك لا تتصنع البلاهة يا دكتور، هيا اذهب صاحبتك السلامة. _لحظة يا فلة، أنا لا أفهم شيئًا، على ما يبدو أن هناك سوء فهم علي تصحيحه. نظرت إليه بغضب أكبر وقالت: _وكيف ستصححه؟ هل ستطلقها؟! _أطلق من؟ ما هذه الحماقات التي تتفوهين بها؟ _ليست حماقات يا دكتور، الحماقة فعلًا هي وجودك هنا على بابي وعرضك الزواج علي وأنت متزوج منذ أسبوعين من فتاة أصغر وأجمل مني. _ماذا ؟؟؟ ماذا تقولين؟

وفجأة قهقه عالياً، فازدادت وسامته وجاذبيته، فقالت باستياء: _ما الذي يضحكك بهذا الشكل؟ من فضلك اذهب من هنا حالًا. نظر إليها نظرة متلاعبة، وكلما اقترب منها خطوة رجعت إلى الخلف خطوتين، وقالت: _هل جننت، ما هذه التصرفات الصبيانية؟ شمل ملامحها المحببة بنظرة سريعة وقال: _ألهذا السبب كنتِ تأخذين موقفًا؟ لأنك ظننتِ أنني تزوجت! ازدردت لعابها بتوتر وقالت بعدم فهم: _ظننت؟ ماذا تعني بظننت؟ ألم تتزوج فعلاً؟!

هز رأسه أن لا وهو لا يزال يحاصرها بعينيه ويربكها كما لو أنها فتاة في العشرين من عمرها، فقالت: _كيف لا؟ أنت بنفسك أخبرتني أنك ستسافر من أجل حفل زفاف.. قاطعها وقال: _ولم أقل أنه حفل زفافي، أنتِ من أسأتِ الفهم. _ولكني رأيتك تقف بجوار العروس ملتصقين كهذا بكل حميمية والحب يشع من عينيكما إشعاعًا.. أومأ وهو يضحك وقال: _بالتأكيد سيشع إشعاعًا لأنها ابنة أخي وأنا بمقام والدها وأنا من ربيتها كذلك.

نظرت إليه بصدمة وعينين متسعتين، فأومأ مؤكدًا ما قاله وأضاف: _نعم فلتي، هذه العروس ابنة أخي وليست عروستي، يا إلهي ما هذا العبث! _حقًا؟ أليست عروستك؟ _لا، أنتِ من ستكونين عروستي يا فلة. أتم جملته ليتفاجأ بها وقد طوقت عنقه بذراعيها بفرحة وحماس وقالت: _يا إلهي أشكرك، أنا أحبك كثيرًا ممدوح، أحبك كثيرًا جدًا. ضمها إليه بقوة وأردف:

_وأنا أحبك فلة، سأعتبر هذا العناق الحار إجابة منكِ على سؤالي وأذهب الآن إلى المأذون لتحديد موعد عقد القران.. لا بد أن نتزوج في أسرع وقت يا ذات رائحة الفل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...