تحميل رواية حب غير حياتي بقلم مارينا عبود pdf
بقلم مارينا عبود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
شيرى بصراخ: قولتلك اطلع بره! تيم قرب، وفجأة وقعت على السرير. شيرى بدموع: ممكن تطلع بره أرجوك؟ متعملش كده. تيم قرب منها، وهي غمضت عيونها. وهو أخد المخدة من جنبها. تيم بحزن: شيرى، فتحي عيونك. أنا مستحيل أعمل حاجة تأذيكي. شيرى فتحت عينيها، لقت واقف قدامها وماسك المخدة. تيم بحزن: ممكن تطلعي تقعدي معايا بره؟ عايز أتكلم معاكي شوية. شيرى بخوف: تمام. تيم طلع، وشيرى طلعت وراه. وقعدوا في الريسبشن. تيم بحزن: ممكن أعرف بتخافي مني ليه؟ وما كنتيش ليه موافقة تتجوزيني؟ شيرى بعصبية ودموع: بجد مش عارف. لما هددت ب...
رواية حب غير حياتي الفصل الأول 1 - بقلم مارينا عبود
شيرى بصراخ: قولتلك اطلع بره!
تيم قرب، وفجأة وقعت على السرير.
شيرى بدموع: ممكن تطلع بره أرجوك؟ متعملش كده.
تيم قرب منها، وهي غمضت عيونها. وهو أخد المخدة من جنبها.
تيم بحزن: شيرى، فتحي عيونك. أنا مستحيل أعمل حاجة تأذيكي.
شيرى فتحت عينيها، لقت واقف قدامها وماسك المخدة.
تيم بحزن: ممكن تطلعي تقعدي معايا بره؟ عايز أتكلم معاكي شوية.
شيرى بخوف: تمام.
تيم طلع، وشيرى طلعت وراه. وقعدوا في الريسبشن.
تيم بحزن: ممكن أعرف بتخافي مني ليه؟ وما كنتيش ليه موافقة تتجوزيني؟
شيرى بعصبية ودموع: بجد مش عارف. لما هددت بابا إنك هتدخله السجن عشان يوافق، ورغم إني مش موافقة، برضه اتجوزتني بالتهديد والغصب. وتقولي ليه بخاف منك؟
تيم بهدوء: اممم، وإنتي مكنتيش موافقة إنك تتجوزيني ليه؟
شيرى: واحد ما عرفهوش، وسمعت عنه كلام يخوف. يبقى أوافق ليه؟
تيم بحزن: تعرفيني يا شيرى؟ تعرفيني كويس.
شيرى بعدم فهم: أعرفك منين؟
تيم: إنتي مش فاكرة الولد اللي كان جاركم في الشقة وكان يضايقك وإنتي صغيرة؟
شيرى بشرود: ااه، ابن طنط إيمان. الولد الرخم اللي كان طول الوقت يقولي هتجوزك. بس ده أهله مشوا من زمان. وبعدين إيه دخل ده في ده؟
تيم بضحك: امم، يعني مش بتشبهي عليه؟
شيرى ركزت في ملامحه شوية.
شيرى بصدمة: مش معقول تكون... إنت؟
تيم بابتسامة: أنا وعدتك إني هتجوزك، وأهو وفيت بوعدي.
شيرى بصدمة: طيب إزاي بس؟ إنت...
سكتت.
تيم بحزن: مدمن، مش كده؟
شيرى بصت في الأرض وسكتت.
تيم بحزن ووجع: الكل يعرف إني مدمن وقاسي. بس محدش يعرف أنا مريت بإيه. طفل عمره 9 سنين أهله انفصلوا، وباباه اتجوز وحدة غير أمه، وأمه كمان اتجوزت وشافت حياتها. وباباه أخده وخلاه يعيش مع مراته الجديدة اللي كانت طول الوقت بتضربه بأبشع الطرق، وذل وإهانة. ولما قرر يهرب من بيت أبوه ويروح لأمه، طردته من البيت وقالت: "أنا معنديش عيال". اضطر ينزل الشارع يدور على شغل عشان يقدر ياكل. كنت ببات في الشارع. وفي عز البرد، مرت سنين واشتغلت أكتر من حاجة عشان أقدر أكمل تعليمي وأصرف على نفسي، لحد ما ربنا كرمني ودخلت هندسة ولقيت وظيفة. وقتها كنت بشتغل ليل نهار لحد ما عملت شركة خاصة بيا وكبرتها. كنت براقبك من بعيد، عمري ما قدرت أنساكي. كل عريس كان بيتقدملك كنت بطرشه. وإني بقيت مدمن ده مش بسببى أنا. لما كبرت الشركة بقى ليا أعداء، منهم واحد صاحبي كانت بيحطلي المخدرات في القهوة لحد ما وصلت لمرحلة بقيت مدمن. وقدروا ياخدوا مني الشركة وكل تعبي راح. واتدمرت وتدريجياً مشيت في الطريق اللي ملهوش رجعة، وهو طريق الإدمان. لما عرفت إنه متقدملك عريس جديد اتجننت وقررت إنه مش هتكوني لحد غيري مهما حصل. وقررت اتجوزك حتى لو غصب عنك. أنا بحبك يا شيرى، وأنا مش شخص وحش. أنا اتعرضت للظلم والدنيا عمرها ما وقفت جنبي. اتدمرت، أقرب صاحب ليا طلع خاين، حتى الشركة اللي تعبت فيها أخدها مني.
تيم حط وشه بين كفوفه ودموعه نزلت.
شيرى مسحت دموعها وقامت قعدت جنبه وحطت إيدها على كتفه.
شيرى: مكانش لازم تستسلم. كان المفروض إنك تحاول تطلع من اللي إنت فيه وتتعالج.
تيم بدموع: الكلام ده لما يكون حد واقف جنبك. مش بتحارب لوحدك.
شيرى بابتسامة: ومين قال إنك لوحدك؟ أنا هساعدك. ومن بكرة هنتفق مع دكتور يتابع حالتك عشان نعرف نسبة المخدرات اللي في جسمك ده.
تيم بص لها كتير، وترمى في حضنها. وفضلت يبكي زي الطفل.
شيرى حضنته وفضلت تهديه لحد ما نام على رجليها.
شيرى: تيم. تيم.
تيم بنعاس: اممم.
شيرى: قوم يلاه عشان تنام في أوضتك.
تيم قام، وشيرى ساندته ودخلته الأوضة وخلته ينام على السرير. وجت تطلع، تيم مسك إيدها وشدها لحضنه وحاوطها بدراعه ونام.
شيرى حاولت تقوم بس معرفتش. استسلمت ونامت.
في الصباح.
شيرى قامت ملقتش تيم. طلعت، لقته واقف في المطبخ.
تيم بابتسامة: صباح الورد.
شيرى بنعاس: امم، صباح الفل. إنت بتعمل إيه؟
تيم: بجهز فطار يا أميرتي عشان نفطر. ويلاه أدخلي جهزي نفسك عشان أهلك جايين في الطريق عشان يباركولنا.
شيرى بفرحة: بجد؟ يعني إنت سمحت لأهلي إنهم ييجوا؟
تيم: ومين قال لك إني منعتهم إنهم ييجوا؟ يلاه ادخلي بقا غيري هدومك وتعالي.
شيرى: ماشي.
شيرى دخلت غيرت هدومها وطلعت، لقت تيم حاطط الأكل على السفرة وقاعد مستنيها.
شيرى راحت وقعدت جنبه، وبدأوا أكل. وبعد وقت خلصوا. وأهلها جوا وباركولهم. وأيان فضل يضحك ويهزر معاهم.
أهل شيرى مشيوا. وشيرى وتيم قعدوا يهزروا ويضحكوا مع بعض. وشيرى حبت شخصية تيم وبدأت تطمن تاني يوم راحوا للدكتور. والدكتور عمل تحليل لتيم وطلب من شيرى إنه يستحمله الفترة الجاية لأنها هتكون صعبة. طلعوا من عند الدكتور ورجعوا البيت. وتيم بدأ يحس بدوخة وصداع.
تيم بتعب: شيرى، ادخلي الأوضة دي واقفلي على نفسك، ومهما حصل متطلعيش.
شيرى: وده ليه؟
تيم بعصبية: شيررررى، اسمعي الكلام بدون أسئلة كتيرر و روحي يلاه.
شيرى: حاضر.
شيرى دخلت الأوضة، وتيم دخل أوضته وفضل يدور على كيس البودرة. يكسر في كل حاجة حواليه لحد ما لقى الكيس في أوضة شيرى.
كانت سامعة صوت التكسير وصراخ تيم وبتتجنن لأنها نفسها تساعده.
بعد دقايق، طلعت من الأوضة وراحت أوضة تيم. فتحت باب الأوضة واتصدمت لما شافت.
الفصل الثاني
صوت أذان الفجر كان بيشق سكون الليل، صوته ندي، قوي، وبيهز جدران السرايا.
عصام فتح عينيه بضيق، متعودش يصحى بدري كده، ولا متعود يسمع الصوت ده غير صدفة بس.
اتقلب في سريره الواسع في الجناح الفخم اللي جده خصهوله، وبص للسقف المزخرف وهو حاسس بغربة رهيبة. كل حاجة هنا بتفكروا إنه "غريب"، إنه ميعرفش حاجة عن جذوره.
في الأوضة اللي جنبه، كانت "جيسيكا" بتخبط على الباب بعصبية. قام عصام وهو بيمسح وشه بضيق وفتح الباب.
دخلت جيسيكا وهي بتنفخ، لابسة "هوت شورت" وبادي بحمالات رفيعة، وشعرها منكوش: "إيسام! إيه الصوت المزعج ده اللي صحاني من أحلى نومة؟ وبعدين إيه الحر ده؟ التكييف المركزي فين؟ أنا مش قادرة أتنفس!"
عصام اتنهد وهو بيحاول يستوعب عصبيتها على الصبح: "جيسي، إحنا في قرية في صعيد مصر، مش في بيفرلي هيلز! ده أذان الفجر، بيصلوا. استحملي شوية، أنا كمان مخنوق، بس الجد العجوز ده ماسك حنفية الفلوس، ولازم نلعب بقوانينه لحد ما ناخد اللي إحنا عاوزينه."
جيسيكا ربعت إيديها بدلع مستفز:"أوكي، بس أنا هنزل أفطر، أنا جعانة جداً ومحتاجة كوفي..؟"
الروايه.. بقلم نور محمد
عصام ضحك بسخرية: تعالي ننزل نشوف بيفطروا إيه هنا، بس يا ريت تلبسي حاجة أطول من كده، جدي مش بيهزر."
جيسيكا لوت بوزها: "أنا بلبس اللي يريحني، محدش له دعوة بيا!" وخرجت ترزع الباب وراها.
على سفرة الفطار..
السفرة الطويلة المصنوعة من خشب الأرو كانت مليانة بخيرات ربنا؛ قشطة، عسل، فطير مشلتت، وجبنة.
الحاج كامل قاعد على رأس السفرة، هيبته تملى المكان. وعلى يمينه قاعدة "شغف"، لابسة إسدال صلاة رقيق لونه أبيض، ملامحها هادية زي الملايكة، وبتقرأ في مصحف صغير في إيدها بصوت واطي لحد ما الكل يتجمع.
دخل عصام، لابس بنطلون جينز وتيشرت، وبص لشغف اللي بمجرد ما حست بخطواته، قفلت المصحف ورفعت عينيها للأرض، ومبصتلوش.
قلبه دق نفس الدقة الغريبة بتاعة امبارح.
قبل ما يقعد، دخلت جيسيكا بنفس اللبس المستفز بتاعها، بتتمشى بدلع وبتبص للسفرة بقرف.
الحاج كامل بمجرد ما لمحها، وشه جاب ألوان، وعروق رقبته برزت، خبط بعكازه على الأرض خبطة رعبت عصام وجيسيكا، وزعق بصوت جهوري: "إيه الفُجر اللي ماشي في بيتي ده؟! أنا مش قولت احترام البيت ده واجب؟ ولا الكلام مبيدخلش في روسكم؟"
عصام اتوتر، وكان لسه هيرد يدافع عنها، بس قبل ما ينطق، لقى شغف قامت بهدوء شديد من مكانها.
ملامحها مفيهاش غضب زي جدها، بس فيها حزم وقوة غريبة. راحت ناحية كرسي كان عليه شال عريض من الصوف الخفيف بتاعها، ومسكته، وقربت من جيسيكا.
شغف بصت لجيسيكا، وبصوت هادي جداً، وبإنجليزي بلكنة أمريكية بيرفكت، صدمت عصام شخصياً، قالت:
* "Good morning, Jessica. In our culture and in this house, modesty is highly respected. It’s for your own comfort and to respect my grandfather's rules. Please, put this on."
(صباح الخير يا جيسيكا. في ثقافتنا وفي البيت ده، الحشمة شيء محترم جداً. ده عشان راحتك وعشان تحترمي قواعد جدي. لو سمحتي، البسي ده.)
ولفت الشال على كتاف جيسيكا وغطت جسمها بحركة سريعة وحاسمة مادتش لجيسيكا فرصة ترفض.
جيسيكا اتصدمت من لغة شغف ومن تصرفها، ووقفت مبلمة. وعصام.. عصام كان واقف باصص لشغف ومبهور! البنت اللي افتكرها رجعية، جاهلة، ومقيمة في الصعيد متعرفش حاجة عن الدنيا، بتتكلم إنجليزي أحسن منه، وعندها ثبات انفعالي يدرس.
الحاج كامل هدي شوية لما شاف تصرف حفيدته، وقال بصرامة:"اقعدوا اطفحوا.. والمنظر ده ميتكررش تاني."
عصام قعد، وهو طول الفطار عينه بتسرق نظرات لشغف. كانت بتاكل بهدوء، بتسمي الله، وبتاكل من قدامها بس.
حاسس إن في فجوة زمنية وثقافية بينه وبينها، بس الفجوة دي بتشده، مش بتبعده.
بعد الضهر.. في مكتبة السرايا
عصام كان حاسس بملل قاتل، ساب جيسيكا بتتخانق في التليفون مع حد من صحابها، وقرر يستكشف السرايا.
لقى باب خشب ضخم، فتحه لقى نفسه في مكتبة عملاقة، ريحة الورق القديم والخشب معبية المكان.
بص في آخر المكتبة، لقى شغف قاعدة على مكتب، قدامها لاب توب حديث جداً، ومجموعة كتب كبيرة، ولابسة نضارة قراية مدياها طابع جدي وساحر في نفس الوقت.
قرر يقرب. الخطوات بتاعته خلتها ترفع راسها. بمجرد ما شافته، ملامحها اتشدت شوية بس حافظت على هدوءها.
عصام بابتسامة فيها شوية غرور: "مكتبة مبهرة.. مكنتش أتوقع إن في حد هنا بيقرأ غير جرانين الصبح."
شغف قفلت اللاب توب بهدوء، ومبصتلوش في عينه مباشرة وقالت: "أول آية نزلت في ديننا كانت (اقرأ).. القراءة عندنا مش رفاهية يا ابن عمي، دي عقيدة."
عصام قعد على كرسي قصادها، وحط رجل على رجل وقال بتحدي:"ديننا؟ إنتي ليه دايماً بتتكلمي كأنك حامية حمى الدين؟ وليه دايماً محسساني إني شيطان رجيم؟ موقفك النهارده على الفطار مع جيسيكا كان محرج جداً ليها."
روايه حب غير حياتي
شغف رفعت عينيها أخيراً، بصتله بثقة وقوة: "أنا محرجتهاش.. أنا سترتها. الإحراج الحقيقي هو إن الإنسان يمشي يعرض نفسه كأنه سلعة رخيـ'ـصة للفرجة. جدي راجل كبير، ومقام البيت ده ليه احترامه. لو هي متعرفش، كان دورك أنت إنك تفهمها.. بس واضح إنك أنت كمان محتاج اللي يفهمك."
عصام حس بدمه بيغلي من ردها القاطع، وقال بحدة:"أنتي فاكرة إن الخمار واللبس الواسع ده هو اللي بيعمل قيمة للإنسان؟ دي حرية شخصية! إحنا في أمريكا بنقيم الإنسان بعقله ونجاحه، مش بحتة قماشة لاففها على جسمه! أنتي حابسة نفسك في قفص ومسمياه دين."
شغف ابتسمت ابتسامة خفيفة، هادية، استفزته أكتر، وقالت بصوت مليان يقين:"أنت فاهم الحرية غلط خالص يا عصام. الحرية مش إنك تمشي ورا شهو*اتك وتبقى عبد لمزاجك، ولنظرات الناس ليك. الحرية الحقيقية هي إني أتحرر من إني أكون مجرد (شكل) أو (جسم) بيعجب الناس. أنا بلبسي ده بكبرك إنك تتعامل مع عقلي، مع روحي، مع إنسانيتي، مش مع تضا*ريس جسمي. أنا غالية أوي، وربنا كرمني وأمرني أحافظ على الغلاوة دي في صندوق مقفول، ميتفتحش غير للي يستحقه في الحلال."
عصام سكت. الكلمات نزلت على دماغه زي الماية الساقعة. لأول مرة في حياته حد يكلمه بالمنطق ده.
دايماً كان بيشوف المحجبات والمحتشمات إنهم مقهورين، مضطهدين. بس شغف قدامه دلوقتي بتمثل قمة القوة والاعتزاز بالنفس. هي مش مجبورة.. هي ملكة حاطة قوانينها الخاصة اللي مستمدة من خالقها.
شغف كملت كلامها وهي بتقوم من مكانها عشان تمشي:"أنت اللي محبوس يا ابن عمي. محبوس في دنيا مادية، ومحبوس في قشرة خارجية نسيتك روحك ونسيتك أصلك. راجع نفسك.. الفلوس اللي أنت جاي تجري وراها مش هتنفعك لو خسرت نفسك."
سابت له المكتبة وخرجت. سابت وراها ريحة مسك هادية، وعاصفة من الأسئلة في عقل عصام.
في الليل..
عصام واقف في بلكونة جناحه، باصص للقمر اللي منور السرايا والجنينة، وماسك في إيده السيجار بس من غير ما يولعه.
كلام شغف بيرن في ودانه جملة جملة. (أنا غالية أوي... أنت اللي محبوس).
خرجت جيسيكا من الحمام، لفت دراعها حوالين وسطه من ورا وبدلع همست:"إيسام.. أنا زهقت. خلينا نضغط على العجوز ده ناخد أي دفعة من الفلوس ونسافر بكرة. المكان ده بيخنقني، والناس هنا كئيبة ومعقدة، خصوصاً بنت عمك المغرورة دي."
عصام، ولأول مرة، حس بقبضة في قلبه من لمستها. حس إن في حاجة غلط. فك إيديها من حوالين وسطه بهدوء ولف بصلها.
كان بيبصلها وهو بيقارن من غير ما يقصد.. بيقارن بين رخص العرض، وغلاوة الستر. بين السطحية والفراغ اللي في عيون جيسيكا، وبين العمق والنور اللي في عيون شغف.
عصام بجمود:"إحنا مش هنسافر يا جيسيكا. أنا هفضل هنا لحد ما أخلص كل حاجة قانوني. ولو أنتي زهقانة، تقدري تحجزي تذكرة وترجعي أمريكا من بكرة الصبح."
جيسيكا برقت عينيها بصدمة: "أنت بتقول إيه؟ أنت بتطردني عشان خاطرهم؟"
عصام أداها ضهره ورجع يبص للقمر وقال بصوت واطي بس حاسم: "أنا مبطردكيش.. أنا بس قررت إني محتاج أفهم حاجات كتير أوي في المكان ده.. وفي نفسي."
رواية حب غير حياتي الفصل الثالث 3 - بقلم مارينا عبود
في صباح اليوم التالي..
صوت سحاب الشنط كان عالي ومزعج جداً.
“جيسيكا” كانت بتلم هدومها بعصبية ووشها أحمر من الغضب.
عصام كان قاعد على الكرسي في الجناح، ساند راسه لورا ومغمض عينيه، كأنه بيستمتع بالهدوء اللي هيحل بعد العاصفة.
جيسيكا وقفت قدامه وزعقت:”أنت أكيد اتجننت! بتسيبني أمشي عشان شوية الفلاحين دول؟ أنت فاكر نفسك هتقدر تعيش في الخرابة دي يومين على بعض؟ دي مش حياتك يا إيسام، أنت مكانك في نيويورك، مش في وسط التراب والتخلف ده!”
عصام فتح عينيه وبصلها ببرود، لأول مرة يشوفها على حقيقتها، مجرد قشرة فاضية بتجري ورا الفلوس والمظاهر:”يمكن يكون مكاني هناك فعلاً.. بس أنا محتاج أعرف مكاني هنا الأول. أنا قولتلك خدي الكريديت كارد، احجزي أول طيارة، ولما أرجع هنبقى نصفي حساباتنا. طريقك زراعي يا جيسيكا.”
خرجت جيسيكا ورزعت الباب وراها بكل قوتها. وفي اللحظة اللي الباب اتقفل فيها، عصام أخد نفس عميق، وحس إن في حمل تقيل انزاح من على صدره. مكانش زعلان، بالعكس، كان حاسس بـ “نضافة” غريبة في الجو من حواليه.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
في مكتب الحاج كامل..
بعد ما جيسيكا مشيت، الحاج كامل طلب عصام في مكتبه. المكتب كان عبارة عن متحف؛ سيوف قديمة، بنادق صيد، ومكتب خشب ضخم.
الحاج كامل كان قاعد بيشرب قهوته، وبص لعصام بنظرة ثاقبة: “صاحبتك مشيت.. عين العقل إنها تغور من هنا، البيت ده طاهر وميدخلوش غير الطاهرين.”
عصام قعد بضيق: “جدي، خلينا في الشغل. أنا قعدت أهو ومسافرتش، إيه المطلوب مني عشان نخلص ورق الورث؟”
الحاج كامل اتنهد وسند على مكتبه: “أبوك سابلك ديون في بلاد بره، بس هنا سابلك أرض وعز. نصيب أبوك في الأراضي والمصانع مش هيتكتب باسمك إلا بشرط واحد.. تنزل الأرض، وتفهم شغل العيلة، وتعرف عرق الفلاحين اللي بيجيبلك القرش. غير كده، أنا ممكن أبيع نصيب أبوك وأسدد ديونك وأرميلك الباقي وتغور، بس ساعتها مش هتبقى من عيلة الكيلاني.”
عصام فكر ثواني.. التحدي استفزه، وهو بطبعه بيكره الخسارة.
“موافق.. هنزل الأرض. بس أنا معرفش حاجة عن الحسابات دي ولا عن نظامكم.”
ابتسم الحاج كامل بخبث:”متقلقش.. اللي هتعلمك وتراجع معاك الدفاتر، هي أكتر حد بيفهم في شغل السرايا والأراضي.. بنت عمك شغف.”
عصام قلبه دق خبطة قوية في صدره. “شغف؟” الاسم لوحده خلاه يتوتر ويفرح في نفس الوقت بحاجة هو مش فاهمها.
دخل عصام الأوضة المخصصة لإدارة حسابات الأراضي. كانت شغف قاعدة على مكتبها، لابسة عباية سودا شيك جداً وواسعة، وعليها خمار بلون الكشمير بيعكس نور الشمس اللي داخل من الشباك على وشها الصافي.
بمجرد ما دخل، شغف رفعت عينيها من الدفاتر، وقالت بنبرة عملية ورسمية: “اتفضل يا ابن عمي.. جدي بلغني إنك هتبدأ تتابع معايا. دي دفاتر السنة اللي فاتت، ودي ديون الفلاحين.”
عصام قعد على الكرسي اللي قدامها، وحاول يكون عملي زيها. مسك الدفتر بتاع “ديون الفلاحين” وبدأ يقلب فيه. عينه وسعت لما شاف الأرقام، وقال بعقلية رجل اعمال: “إيه كل ده؟ ديون متأخرة بقالها سنين؟ الناس دي ليه مابتسددش؟ إحنا لازم نبعت لهم إنذارات، واللي ميدفعش نصادر أرضه أو محصوله فوراً. ده تسيب بيخسرنا ملايين!”
شغف سابت القلم من إيدها، وبصتله بنظرة فيها مزيج من العتاب والشفقة، وقالت بهدوء: “الناس دي مش أرقام في بورصة يا عصام. الناس دي لحمنا ودمنا. ده عم إبراهيم اللي محصوله اتحر*ق السنة اللي فاتت، وده الأسطى حسن اللي بنته عملت عملية قلب مفتوح وقسمت وسطه. إحنا عيلة الكيلاني، كبار البلد.. والكبير بيكبر برحمته مش ببطشه.”
عصام كشر وقال بحدة: “رحمة إيه؟ ده بيزنس! في البيزنس مفيش مشاعر، في مكسب وخسارة. لو مشينا ورا العواطف هنشحت!”
شغف ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وفتحت المصحف اللي كان دايماً جنبها على المكتب، وقالت بصوت خاشع ومؤثر هز قلب عصام:”﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾… ده دستورنا يا عصام. ربنا أمرنا نصبر على المديون المتعسر، بل وقالنا لو سامحناه وتصدقنا بالدين ده، فهو خير لينا. الفلوس اللي بتيجي بكسرة نفس فقير مفيهاش (بركة)، واللي بيعامل ربنا بالرحمة، ربنا بيعوضه أضعاف.”
عصام سكت تماماً. الكلمات دخلت قلبه زي السهم. حس بضآلة نفسه قدام تفكيرها. هو بيفكر إزاي يعصر الناس عشان يجيب الفلوس، وهي بتفكر إزاي تتاجر مع ربنا عشان تجيب البركة.
“يعني إيه بركة؟” سألها عصام بصوت واطي، كأنه طفل بيسأل عن حاجة أول مرة يسمع عنها.
شغف عينيها لمعت بحماس وهي بتشرح:”البركة دي هي الجندي الخفي بتاع ربنا. ممكن تكسب ألف جنيه بس ربنا يباركلك فيهم فيكفوك ويفرحوك ويشفوك من مرض، وممكن تكسب مليون جنيه من حرام أو ظلم، وتلاقيهم طاروا في مصايب وهم وغم وميكفوش. البركة هي الرضا والنور اللي بيملى حياتك لما تمشي على مراد الله.”
عصام فضل باصص لعينيها، مش قادر ينزل عينه. شاف فيهم صدق ويقين عمره ما شافه في حياة الغرب الزايفة. ولأول مرة، يتمنى لو عنده ذرة من السلام الداخلي اللي هي عايشة فيه.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
العصر أذن، وعصام قرر ينزل يتمشى في الأراضي اللي جده قاله عليها. كان لابس بنطلون قماش مريح وقميص مفتوح نصه، بس الهوا النضيف وريحة الزرع بدأت تنضف رئتيه من ريحة العوادم والزيف.
من بعيد، لمح شغف واقفة وسط مجموعة من الستات الفلاحات. قرب بهدوء من غير ما يحسسهم بوجوده.
كانت ست عجوزة بتبكي وبتمسك إيد شغف عشان تبوسها، بس شغف سحبت إيدها بسرعة وبادتها الحضن، وقالتلها وهي بتمسح دموعها: “يا حاجة أم السعد، إحنا اللي خدامينكم، ده حقك وحق أيتامك، الفلوس دي من مال الله، والله ما طلعت من جيبي، ده حق ربنا في مالنا.”
الست فضلت تدعيلها وتدعي لجدها. شغف كانت بتبتسم ووشها منور زي البدر. عصام كان واقف متسمر في مكانه.
قلبه كان بيدق بعنف، عينيه رغرغت بدموع محبوسة مش عارف سببها. إيه الجمال ده؟ إيه النقاء ده؟ إزاي في إنسانة تقدر تكون قوية، وذكية، وعملية، وفي نفس الوقت في قمة الحنية والتواضع ده؟
شغف لفت عشان ترجع السرايا، واتفاجأت بعصام واقف على بعد خطوات، باصص لها بنظرة غريبة جداً.. نظرة فيها انكسار، إعجاب، وحاجة تانية عميقة.
ارتبكت ثانية، بس كالعادة استعادت ثباتها وغضت بصرها: “أنت هنا من إمتى يا ابن عمي؟”
عصام قرب خطوتين، صوته كان مهزوز لأول مرة:”شغف… أنا تايه.”
الكلمة طلعت منه بتلقائية، كأنه طفل لقى أمه في زحمة. شغف وقفت مكانها، قلبها اتنفض من نبرة صوته الحزينة، بس حافظت على المسافة اللي بينهم وقالت بهدوء شديد: “كلنا
بنتوه يا عصام.. بس المهم نلاقي البوصلة.”
عصام اتنهد، وبص لقرص الشمس اللي بينزل ورا الزرع، وقال بوجع:”أنا عشت عمري كله فاكر إني ملك الدنيا. كان معايا فلوس، بنات، عربيات، وشهادات. بس لما جيت هنا، ولما شفتك… حسيت إني أفقر إنسان على وش الأرض. أنا فاضي من جوه يا شغف.. فاضي ومضلم. أنتي إزاي كده؟ إيه اللي مخليكي مليانة بالنور ده كله؟”
شغف بصت للأرض، وبعدين رفعت عينيها للسما وقالت بصوت دافي مليان إيمان: “النور ده مش بتاعي يا عصام، ده نور ربنا. لما تملى قلبك بحب اللي خلقك، وتعيش عشان ترضيه، بيملى حياتك نور ويسد أي فراغ جواك. أنت مشكلتك إنك كنت بتدور على الشبع في الحاجات الغلط.”
عصام بصلها بعيون بتترجاها، وقالها بصوت أقرب للهمس:”علميني.. علميني أبقى زيك. علميني عن ربنا اللي خلاكي بالجمال والنقاء ده. أنا معرفش حاجة عن ديني غير إني مسلم في البطاقه. أنا عاوز أبدأ من جديد.”
شغف قلبها دق بفرحة عظيمة، فرحة إنسان بيشوف روح بترجع لخالقها. ابتسمت ابتسامة واسعة، بريئة، ووشها نور أكتر، وقالت بثقة:”البداية مش من عندي يا عصام.. البداية من هناك.”
وشاورت بإيدها على مأذنة المسجد الصغير اللي في أول العزبة، واللي كان بيبدأ يرفع أذان المغرب.
“روح اتوضى واغسل قلبك مع وشك.. وادخل لربنا، هو مستنيك تفضفضله أحسن مني.”
ساد الصمت بينهم لثواني، كان صوت الأذان هو الحاجة الوحيدة اللي بتتردد في المكان. عصام بصلها بامتنان عميق، وحس إن دي أول مرة في حياته يشوف طريق واضح قدامه. طريق بدايته المأذنة، وفي نوره بتمشي “شغف”.
رواية حب غير حياتي الفصل الرابع 4 - بقلم مارينا عبود
في ساحة المسجد الصغير..
وقف عصام قدام باب المسجد، متردد، خايف، وحاسس برهبة عمره ما حسها في حياته.
ريحة المسك اللي طالعة من جوه، وصوت الإمام اللي بيقرأ قرآن بصوت خاشع، كانوا بيشدوه زي المغناطيس، بس خطوته كانت تقيلة. “أنا هقف إزاي قدام ربنا بعد كل اللي عملته؟” السؤال ده كان بياكل في عقله.
دخل بخطوات بطيئة.. راح على مكان الوضوء زي ما شغف قالتله. كان بيحاول يفتكر حركات الوضوء اللي أبوه عملها قدامه مرة واحدة بس وهو طفل صغير.
فضل يغسل وشه، ومع كل قطرة ماية بتنزل، كان بيحس كأن هموم الدنيا وذنوب السنين بتنزل معاها.
دخل يصلي مع الناس في الركعة التانية.. مكنش حافظ غير “الفاتحة” بالعافية وبلكنة مكسرة، بس قلبه كان بيقرأ اللي لسانه مش قادر ينطقه.
ولما الإمام قال “الله أكبر” ونزلوا للسجود.. عصام حط جبهته على الأرض لأول مرة في حياته.
في اللحظة دي.. انهار.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
سد السنين اللي كان بانيه حوالين قلبه اتكسر. دموعه نزلت بغزارة بللت سجادة الصلاة. مكنش عارف يقول إيه، مفيش دعاء حافظه، فبدأ يكلم ربنا بقلبه:”يا رب.. أنا ضايع.. أنا وحش أوي.. بس أنا جيتلك، اقبلني.. اغسلني من جوه.. أنا مش عاوز أرجع للضلمة تاني.”
طول في السجود لدرجة إن الإمام سلم والناس خلصت وهو لسه ساجد بيبكي زي الطفل.
حس بإيد دافية بتطبطب على كتفه، رفع راسه لقى راجل عجوز وشه منور بيبتسم له وبيقوله: “متقلقش يا ابني.. دموع التوبة دي بتغسل القلب، ربنا يفرحك بقبوله.”
عصام قام، حاسس إن في جبل انزاح من على صدره. حس بسلام داخلي عجيب، هدوء عمره ما شتراه بكل فلوس الدنيا.
صباح اليوم التالي.. في السرايا
نزل عصام على الفطار، بس المرة دي مكنش لابس الجينز المقطع والتيشرتات الغريبة. كان لابس قميص أبيض مريح وبنطلون قماش، وشعره متسرح بهدوء من غير الجيل والمبالغة بتاعته.
الحاج كامل كان قاعد، وبمجرد ما عينه وقعت على عصام، لاحظ التغيير. وشه رايق، ملامحه هادية، ونظرة التمرد والتعالي اللي في عينه اختفت.
شغف كانت قاعدة كالعادة، رفعت عينيها بالصدفة، ولما شافت وشه، قلبها دق بفرحة مكتومة.
النور اللي في وشه كان أكبر دليل على إن قلبه داق حلاوة القرب من ربنا. غضت بصرها بسرعة وابتسمت ابتسامة خفيفة جداً محدش لاحظها غير جدها اللي كان بيراقبهم في صمت وعيونه بتلمع برضا.
عصام قعد، وبص لجده وقال بصوت هادي:”صباح الخير يا جدي.. أنا جاهز أنزل الأرض النهاردة، وأشوف الشغل على أرض الواقع.”
الحاج كامل ابتسم بفخر:”على بركة الله يا ولدي. رضوان وكيل الأرض هيكون في انتظارك، بس خلي بالك، عينك في راسك، الفلاحين دول أمانة في رقبتنا قبل ما يكونوا شغالين عندنا.”
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
في الأراضي الزراعية..
عصام كان بيلف في الأرض مع “رضوان”، وكيل الأعمال اللي باين عليه القسوة والجشع. رضوان كان بيحاول يثبت لعصام إنه مسيطر، فكان بيعامل الفلاحين بتعالي وصوت عالي.
وصلوا عند أرض فلاح بسيط اسمه “عم صابر”. الراجل كان قاعد على الأرض مهموم، ورضوان بيزعق فيه: “بقولك إيه يا صابر! المحصول قل السنة دي، والديون اللي عليك كترت. لو مسددتش اللي عليك لغاية آخر الأسبوع، إحنا هناخد البهيمة بتاعتك نبيعها وناخد حقنا، ونطردك من الأرض!”
عم صابر قام بكسرة نفس، وعينيه مليانة دموع، وبص لعصام وقال: “يا بيه، الدودة كلت نص المحصول، والبت عيانة وبتتعالج، ارحموا عزيز قوم ذل.”
رضوان رفع صوته أكتر: “مفيش رحمة في أكل العيش…”
“اسكت يا رضوان!”الكلمة طلعت من عصام حاسمة، قاطعة، ومرعبة في نفس الوقت. رضوان سكت وبص لعصام بصدمة.
عصام قرب من عم صابر، افتكر كلام شغف امبارح..(الناس دي مش أرقام.. الكيلاني بيكبر برحمته). افتكر الآية اللي قرأتها (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة).
عصام حط إيده على كتف عم صابر وابتسم له ابتسامة طمنت قلبه، وقال بصوت عالي عشان كل الفلاحين يسمعوا: “يا عم صابر، أرضك هتفضل بتاعتك، والبهيمة في حوشك. والديون اللي عليك السنة دي.. عيلة الكيلاني مسامحة فيها اعتبرها طلعت لله، واللي محتاجه لعلاج بنتك ابعت خده من السرايا بعد العصر.”
الذهول سيطر على المكان. رضوان فتح بقه مش مصدق، وعم صابر رمى نفسه على إيد عصام يبوسها وهو بيبكي ويدعي له.
عصام سحب إيده بسرعة وباس هو راس الراجل العجوز وقال: “مرفوع الراس يا عم صابر، إحنا اللي بناخد منكم البركة.”
من بعيد، كانت عربية السرايا واقفة، وشغف كانت جواها بتتابع الموقف بالصدفة وهي في طريقها للمستوصف الخيري.
شافت عصام وهو بيرد للراجل كرامته، شافت النبل اللي جواه وهو بيطلع للنور. حطت إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف، وهمست لنفسها: “اللهم ثبته.. اللهم اهدِ قلبه.” ولأول مرة، تحس إن عصام مابقاش مجرد “ابن عمها الأجنبي”، بل بقى راجل تعتمد عليه بجد.
في حديقة السرايا..
بالليل، عصام كان قاعد في الجنينة، ماسك في إيده سبحة خشب صغيرة جده إداهاله الصبح.
كان بيسبح ومغمض عينه، بيستمتع بالهوا النضيف.
سمع صوت خطوات هادية. فتح عينه لقى شغف ماشية في الممر، معاها صينية صغيرة عليها كوباية شاي بالنعناع، وكانت رايحة توديها لجدها في المكتب.
عصام قام وقف لا إرادياً، وقال بصوت هادي:”شغف.”
وقفت مكانها، ومرفعتش عينيها، بس استنت يسمع هيقول إيه.
عصام قرب مسافة محترمة، وقال بنبرة مليانة صدق ورقة:”أنا بس كنت عاوز أشكرك.”
شغف بصوتها الناعم الهادي: “على إيه يا ابن عمي؟ أنا معملتش حاجة.”
عصام اتنهد وقال:”على كل حاجة. على إنك شفتي فيا حاجة كويسة وقت ما أنا نفسي كنت شايفني شيطان. على إنك مديتيلي إيدك من غير ما تلمسيني، ونورتيلي طريقي من غير ما تجرحيني. أنا النهارده في الأرض حسيت لأول مرة يعني إيه أكون إنسان.”
شغف ابتسمت ابتسامة صافية، ورفعت عينيها في عينيه للحظة واحدة بس، بس كانت كفيلة إنها تقلب كيانه، وقالت: “الخير كان جواك يا عصام، كان بس متغطي بتراب الغربة والبعد عن ربنا. أنت النهارده معملتش بس خير في عم صابر، أنت عملت صدقة جارية في صحيفة والدك الله يرحمه.”
الكلمة دي هزت عصام جداً. عينه رغرغت بالدموع:”أبويا؟ تفتكري ربنا هيغفرله؟ ده مات وهو بعيد أوي.”
شغف بحنية بالغة: “أكيد.. (ولد صالح يدعو له). طول ما أنت بتمشي في طريق ربنا، وبتعمل الخير بنيته، ربنا كريم ورحمته وسعت كل شيء. استمر يا عصام، الطريق لسه في بدايته، بس أنت ماشي صح.”
كانت لسه هتتحرك، بس عصام قال جملة وقفتها مكانها: “أنا اتولدت من جديد هنا يا شغف.. وأنتي كنتي السبب. أنا عمري ما هنسالك إنك غيرتي
حياتي.”
شغف وشها احمر، قلبها كان بيرجف، حست بصدق مشاعره اللي بدأت تتجاوز مجرد الامتنان. بس التزمت بحيائها وقالت بصوت مرتبك شوية:”ربنا يثبتك.. عن إذنك.”
ومشيت بسرعة وسابته واقف بيبص لطيفها، وهو متأكد للمرة المليون، إن قلبه خلاص دق.. ومش أي دقة، دي دقة حب حلال، حب اتولد في محراب الطاعة والنقاء.
عصام رجع جناحه وهو حاسس إنه أسعد إنسان في الدنيا. طلع تليفونه اللي كان قفله طول اليوم، ولما فتحه لقى عشرات المكالمات الفائتة، كلها من رقم دولي في أمريكا.
رقم المحامي بتاعه “مايك”.
عصام عقد حواجبه باستغراب، واتصل بيه.”ألو؟ مايك؟ في إيه؟ أنا مش قولتلك إننا هنأجل كل حاجة لحد ما أخلص ورق الورث هنا؟”
صوت مايك كان مرعوب وبيترعش على الناحية التانية:”عصام! إنت لازم ترجع أمريكا فوراً.. أو تستخبى في أبعد مكان ممكن! الديون اللي على والدك مش للبنوك بس زي ما كنا فاكرين!”
عصام قلبه اتقبض: “قصدك إيه؟”
“قاعد براجع الدفاتر السرية في مكتب والدك. والدك كان متورط مع عصابة غسـ’ـيل أموال خطيرة جداً، وواخد منهم مبلغ ضخم. والنهارده الصبح اقتحموا شقتك في نيويورك ودمروا كل حاجة.”
عصام بلع ريقه بصعوبة: “طيب وهما عرفوا مكاني؟”
رد مايك بصوت يائس:”أيوة يا عصام.. جيسيكا رجعت النهارده، وراحت الشقة تاخد حاجتها، وهما مسكوها هناك.. وهي، من خوفها، اعترفتلهم بمكانك في مصر وعنوان السرايا بالتفصيل! هما في طريقهم ليك يا عصام.. الناس دي مابتهزرش، دول هيقتـ’ـلوك!”
التليفون وقع من إيد عصام على الأرض. صدى الكلمات بيتردد في ودانه. في اللحظة اللي لقى فيها نفسه، ولقى فيها دينه، ولقى فيها الحب الحقيقي.. الماضي الأسود لأبوه رجع عشان يدمر كل حاجة، ويهدد السرايا، ويهدد شغف!
رواية حب غير حياتي الفصل الخامس 5 - بقلم مارينا عبود
التليفون وقع من إيد عصام على الأرض، والشاشة بتاعته اتكسرت ميت حتة، زي بالظبط ما حس إن روحه بتتكسر من تاني.
الدنيا لفت بيه، الرؤية زغلت قدام عينيه، وصوت المحامي “مايك” وهو بيقول “دول هيقتـ’ـلوك” عمال يتردد في ودانه زي ناقوس الخطر.
قعد على حرف السرير وحط راسه بين إيديه.
المرة دي الخوف مكنش على نفسه.. الخوف كان على المكان اللي آواه، على الجد اللي فتحله حضنه، والأهم.. الخوف كان على “شغف”. البنت اللي نورت عتمة قلبه، الملاك اللي مستحيل يسمح إن شعرة منها تتدس أو تتأذي بسببه وبسبب ماضي أبوه الأسود.
قام بسرعة زي الملسوع، سحب شنطته من الدولاب وبدأ يرمي فيها هدومه بعشوائية وتوتر.
مفيش وقت للتفكير، مفيش وقت للوداع، لازم يختفي من هنا فوراً. لو العصابة دي وصلت السرايا، بحر د*م هيتفتح وهو مش مستعد يشيل ذنب حد في رقبته.
سحب الشنطة، وفتح باب الجناح براحة جداً عشان ميطلعش صوت. الساعة كانت حوالي 2 بالليل، السرايا كلها غرقانة في السكون، مفيش غير صوت وهوا الصعيد البارد.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
نزل السلالم على طراطيف صوابعه، وصل للبهو الرئيسي، وكان خلاص خطوتين ويوصل للباب الخارجي.. وفجأة، نور خافت ظهر من ناحية مصلى السرايا الصغير اللي في الدور الأرضي.
عصام وقف مكانه، لمح خيال حد قاعد على سجادة الصلاة، ولما ركز، لقاها هي.. “شغف”.
كانت لابسة إسدالها الأبيض، ورافعة إيديها للسما بتدعي بصوت واطي ومتهدج، دموعها بتنزل بخضوع وتضرع لخالقها في قيام الليل.
المنظر لوحده خلى قلب عصام يعتصر من الألم، إزاي هيسيب النور ده ويرجع للضلمة؟
وهو سرحان فيها، الشنطة خبطت في ترابيزة صغيرة جنب الباب ووقعت فازة نحاس بصوت رن في المكان كله!
شغف التفتت بسرعة، وبمجرد ما شافت عصام والشنطة في إيده، عقدت حواجبها باستغراب شديد، وقامت بهدوء وقربت منه مسافة آمنة.
“عصام؟ أنت رايح فين في وقت زي ده؟ وليه معاك شنطة؟” سألته بصوت واطي بس فيه حزم.
عصام ارتبك، مكنش عامل حساب المواجهة دي أبداً، حاول يرسم الجمود على وشه وقال بصوت مهزوز:”أنا.. أنا مسافر يا شغف. راجع أمريكا.”
شغف عينيها وسعت بصدمة، النبض في قلبها زاد، بس حافظت على ثباتها الظاهري:”مسافر؟ دلوقتي؟ من غير ما تبلغ جدي؟ إيه اللي حصل؟ من كام ساعة بس كنت بتقول إنك اتولدت من جديد هنا، إيه اللي خلاك عاوز تهرب؟”
عصام مقدرش يبصلها في عينيها، بص للأرض وقال بعصبية مصطنعة: “اكتشفت إني مش هقدر أعيش هنا.. الجو ده مش بتاعي، أنا حاولت بس مقدرتش، أنا برجع لحياتي الطبيعية.”
شغف قربت خطوة كمان، عينيها بتفحصه بدقة، وقالت بنبرة مليانة يقين: “أنت كداب يا عصام.”
عصام رفع عينه بذهول، فشغف كملت كلامها وهي باصة في عينيه مباشرة:”اللي شفته في عينيك النهارده وأنت بتساعد عم صابر مكنش تمثيل. وانت في السجود بتاعك في المسجد مكنش مجرد محاولة. أنت بتهرب من حاجة تانية.. أو بتهرب من حد. قولي الحقيقة، إيه اللي مخوفك؟”
عصام انهار. مقدرش يمثل قدام عينيها اللي بتكشف أعماقه. رمى الشنطة من إيده، ودموعه لمعت في عينه وهو بيقول بوجع: “عشان خايف عليكي! خايف عليكم كلكم! أبويا ماسابليش ديون عادية، أبويا اتورط مع عصابة خطيرة، وهما عرفوا مكاني وجايين في الطريق لهنا. الناس دي مبتر*حمش يا شغف، لو وصلوا السرايا هيحر*قوها باللي فيها. أنا لازم أمشي، أنا قذ*ارة الماضي بتطاردني ومش هسمح إنها تدنس طهارتكم.. أنا مقدرش أعيش لو اتخدشتي خدش واحد بسببي!”
الكلمات طلعت منه زي الرصاص، اعتراف صريح بخوفه عليها، واعتراف مبطن بمكانتها العظيمة في قلبه.
شغف قلبها اتنفض من كلماته. حست بمدى رجولته وخوفه عليها، ورغم رعب الموقف، حسّت باحترام كبير ليه. أخدت نفس عميق، ملامحها مرجفتش، وقالت بصوت قوي وثابت أدهش عصام:”وهو إحنا من امتى بنسيب ضيفنا يواجه الموت لوحده عشان نحمي نفسنا؟ فما بالك لما يكون الضيف ده ابن السرايا ومن لحمنا ودمنا؟”
عصام بصلها بصدمة: “أنتي مش فاهمة، دول قتا*لين قتلا!”
شغف رفعت راسها بشموخ وقالت:”وأنت مش فاهم أنت فين! أنت في سرايا الكيلاني في قلب الصعيد. وهنا، الراجل مابيهربش من د*مه. وبعدين، أنت نسيت ربنا ولا إيه؟ ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.. سيب الشنطة دي، وتعالى معايا لجدي فوراً.”
في مكتب الحاج كامل..
الحاج كامل كان قاعد على كرسيه، حاطط إيده على عكازه، وبيسمع عصام اللي حكى له كل تفصيلة والمحامي قاله إيه، وعصام واقف قدامه زي المتهم اللي مستني حكم الإعدام.
بعد ما عصام خلص كلامه، ساد صمت مرعب في المكتب. عصام كان مستني جده يضربه بالعكاز، أو يطرده شر طردة لحماية عيلته.
لكن اللي حصل كان العكس تماماً.
الحاج كامل ابتسم ابتسامة خفيفة، وبعدين ضحك بصوت عالي هز أركان المكتب. خبط بعكازه على الأرض بقوة، وقام وقف بشموخ، بص لعصام وقال:”يا ولد عامر.. أنت فاكر إنك قاعد في خرابة؟ دي سرايا الكيلاني يا ولدي! عصابة إيه اللي تيجي الصعيد وتاخد راجل من وسط أهله وعزوته؟ ده أنا أدفنهم مكانهم وأخلي الغربان تاكل جثثهم قبل ما يلمسوا شعرة منك.”
عصام كان مذهول: “يا جدي، دول معاهم سلا*ح، ومبيخافوش من حاجة!”
الحاج كامل قرب منه، وحط إيده القوية على كتف عصام، وقال بنبرة مليانة عزة: “وهما ميعرفوش سلا*حنا ولا عزوتنا. أنت في حمايتي، وفي حماية رجالة الكيلاني. اسمعني زين، أنت دلوقتي مش بس ابن عامر الغايب، أنت كبير من كبارات العيلة، ووقفتك في الأرض النهارده مع الفلاحين أثبتتلي إن معدنك أصيل وإنك تستاهل تشيل الاسم. مفيش رجوع لأمريكا، ومفيش هروب. هنواجههم، وهنعرفهم مقامهم.”
التفت الحاج كامل ورفع سماعة التليفون الأرضي القديم اللي على مكتبه، وطلب رقم، وقال كلمة واحدة بس: “يا متولي.. صحي الرجالة كلها، وطلعوا السلا*ح من المخازن.. السرايا بتستعد لضيف تقيل.”
دقائق قبل الفجر..
السرايا اتقلبت خلية نحل. حوالي خمسين حارس من رجالة الكيلاني، مسلحين بالبنادق، انتشروا فوق الأسطح، وعلى البوابات، وفي الجنينة.
المكان اتحول لتجهيز حرب عسكر*ية في لمح البصر.
عصام كان واقف مذهول من قوة وعزوة العيلة اللي كان بيجهلها. جده اداله طبنـ”ـجة وقاله: “خلي دي معاك، الراجل سلا*حه عزته.” مسكها عصام وهو حاسس إن روحه القديمة بتموت، وبيتولد راجل جديد، مستعد يفدي أهله بد*مه.
شغف كانت في الدور التاني، واقفة ورا شباك أوضتها المتداري، بتبص على عصام وهو واقف وسط الرجالة بصلابة.
كانت بتدعي من قلبها إن ربنا يحفظه ويحفظ السرايا، قلبها كان متعلق بيه بطريقة هي نفسها مكنتش متخيلاها، بقت بتخاف عليه كأنه حتة منها.
فجأة..
في عز السكون ده،
كلاب الحراسة بدأت تنبح بطريقة هيستيرية مرعبة.
صوت مواتير عربيات ضخمة بيقرب بسرعة جنونية من طريق السرايا الزراعي. كشافات عالية جداً اخترقت الضلمة وضربت في بوابة السرايا الحديد.
ثلاث عربيات دفع رباعي سودا، نزل منهم مجموعة من الرجالة الأجانب والمصريين، ملامحهم قاسية، ومسلـ*ـحين بأحدث الأسلـ*ـحة.
واحد منهم، شكله الزعيم، نزل من العربية وضرب رصاصتين في الهوا كإنذار، وزعق بصوت عالي: “عصااام الكيلاني!! سلم نفسك بالذوق أحسن ما نهد القصر ده على دماغ اللي فيه!”
الكل شد أجزاء سلا*حه في السرايا، وعصام وقف في الصف الأول جنب جده، عينه بتطق شرار، ومستعد للمعركة اللي هتحدد مصيره. النور بدأ يشق السما مع أذان الفجر، بس السرايا كانت على موعد مع نار مش هتنطفي بسهولة.
الحلقه القادمه الحرب هتبدأ وعصام هيثبت نفسه قدام العيله كلها واولهم شغف بس ياترى لما يطلب ايدها من جده هيحصل ايه ورد الجد الغير متوقع هيكون ايه مهر بنتنا شغف غير أي مهر عادي وده اللي هيصدمكم بجد 🥹❤
رواية حب غير حياتي الفصل السادس 6 - بقلم مارينا عبود
صوت الرصاصتين اللي انضربوا في الهوا شقوا سكون الفجر، وخلوا الطيور اللي نايمة في شجر السرايا تطير برعب.
زعيم العصابة كان واقف ساند على عربيته، ماسك سلا*حه بتبجح، ومبتسم ابتسامة صفرا وهو فاكر إنه بكام عربية وشوية أجانب هيقدر يقتحم سرايا الكيلاني.
الحاج كامل خطى خطوتين لقدام، وبكل ثبات وبرود صعيدي أصيل، خبط عكازه في الأرض وقال بصوت جهوري مرعب:”تنزل سلاحك يا حشرة أنت وهو، وتقروا الفاتحة على أرو*احكم.. لأنكم وقفتم على أرض مش أرضكم، ونويتم الشر للي في حمانا!”
زعيم العصابة ضحك باستهزاء ورد بلكنة مكسرة: “أنت فاكر نفسك فين يا عجوز؟ إحنا مش بنهزر، لو مسلمتوش عصام دلوقتي، هنمسح القصر ده باللي فيه. دي فلوس مافيا، مش لعب عيال!”
في اللحظة دي، الحاج كامل رفع إيده اليمين في الهوا بحركة بسيطة جداً.
وفي ثانية واحدة.. كشافات السرايا كلها نورت زي شمس الظهر. صوت سحب أجزاء السلا*ح رن في المكان كله من كل اتجاه.
زعيم العصابة رفع عينه للأسطح، لقى أكتر من خمسين قنا*ص من رجالة الكيلاني، كل واحد فيهم مصوب سلا*حه على راس واحد من العصابة. ومن ورا الشجر، ومن يمين وشمال البوابة، خرج رجالة زي الجبال، محاوطين العربيات التلاتة بالكامل.
الابتسامة اختفت من على وش الزعيم، ووشه جاب ألوان. الكفة اتقلبت في ثانية، وعرف إنه دخل عرين الأسد برجله.
الحاج كامل بابتسامة نصر:”الظاهر إنك متعرفش الصعيد يا خواجة. أنت هنا في مقبر*تك. ارموا سلا*حكم أحسن ما أخلي رجالتي تخليكم مصفى!”
الرجالة اللي مع الزعيم بدأوا يترددوا، وبدأوا ينزلوا أسلحتهم واحد ورا التاني لما لقوا المو*ت محاوطهم من كل حتة. بس الزعيم، في لحظة غدر ويأس، لمح عصام واقف جنب جده، فرفع مسد*سه بسرعة البرق ووجهه ناحية عصام!
عصام لمح الحركة دي، بس عينه جات على جده اللي كان في مرمى الرصاصة العشوائية. وبدون تفكير، وبغريزة حماية اتولدت جواه في اللحظة دي، عصام رمى نفسه على الحاج كامل عشان يفديه ويزقه بعيد.
صوت رصاصة طلعت من مسد*س الزعيم قبل ما رجالة الكيلاني ينقضوا عليه زي الصقور، يضربوه ويوقعوه على الأرض ويكتفوه هو ورجالته كلهم في أقل من دقيقة.
الصوت كان مرعب، بس المرعب أكتر كان صرخة “شغف” اللي طلعت من قلبها وهي واقفة ورا شباك أوضتها، صرخة مكتومة حطت إيدها على بقها عشان تكتمها، ودموعها نزلت شلال لما شافت عصام بيقع على الأرض ماسك كتفه والدم بيبدأ يبقع قميصه الأبيض.
“عصااام!” الحاج كامل نزل على ركبه جنب حفيده، صوته كان بيترعش لأول مرة.
عصام كان بيتنفس بسرعة، ماسك كتفه، بس رفع وشه لجده وابتسم ابتسامة باهتة وقال:”أنا كويس يا جدي.. مجرد خدش. المهم إنك بخير.”
الحاج كامل عينه دمعت، مسك إيد عصام وباسها قدام كل الرجالة وقال:”فديتني بروحك يا ولد عامر؟ د*مك اللي سال ده غسل كل ذنب لأبوك في حقي. شيلوه دخلوه السرايا بسرعة، واطلبوا الحكيم فوراً! والكلاب دول يتسلموا لمديرية الأمن، أنا مكلم اللواء صاحبنا وهو مستنيهم بتهمة الشروع في قتل واقتحام أملاك.”
داخل السرايا.. بعد مرور ساعه
الدكتور خلص تضميد جرح عصام. الرصاصة كانت سطحية في الكتف، مجرد جرح طولي احتاج كام غرزة، بس النز*يف كان مخليه دايخ شوية.
الحاج كامل اطمن عليه، وراح يتابع تسليم العصابة للشرطة ويقفل الصفحة السودا دي للأبد.
عصام كان قاعد على السرير في جناحه، ساند ضهره، وعينه متعلقة بالباب. كان مستنيها. كان متأكد إنها هتيجي.
الباب خبط بخفة، ودخلت “شغف”.
كانت لابسة خمارها، بس عينيها كانت حمرا جداً من العياط، ووشها مخطوف فيه لون الخوف.
وقفت على مسافة بعيدة، ماسكة صينية صغيرة عليها كوباية عصير فريش، وإيديها بتترعش خفيف.
عصام بمجرد ما شافها، حس إن الوجع كله اختفى. اتعدل في قعدته بصعوبة وابتسم: “كنت عارف إنك هتيجي.”
شغف حطت الصينية على الترابيزة من غير ما تبصله، وقالت بصوت متهدج، بتحاول تسيطر على دموعها: “ألف سلامة عليك يا ابن عمي.. ربنا نجاك بلطفه. الجرح واجعك؟”
عصام فضل باصصلها، مش قادر ينزل عينه من عليها. الضعف اللي هو فيه خلاه أجرأ في التعبير عن مشاعره:”الوجع الحقيقي مكنش في الرصا*صة يا شغف. الوجع الحقيقي كان لما تخيلت إني ممكن أمشي وأسيب السرايا.. وأسيبك. أنا رميت نفسي قدام جدي وأنا عارف إني ممكن أمو*ت، بس في اللحظة دي حسيت بسلام غريب. حسيت إن لو دي نهايتي، فهي أحسن نهاية لراجل عاش عمره كله ميت.”
شغف مقدرتش تمسك نفسها أكتر من كده، دمعة هربت من عينيها ونزلت على خدها، وقالت بعتاب رقيق هز أوتار قلبه:”ليه عملت كده؟ ليه كنت عاوز تمشي؟ أنت مفكرتش فينا؟ مفكرتش إن روحك دي غالية علينا كلنا؟”
عصام اتنهد وقال بصدق: “عشان غاليين عليا كنت عاوز أمشي. أنتي متعرفيش أنا كنت مر*عوب إزاي لما تخيلت إن حد منهم ممكن يلمس شعرة منك أو يخو*فك. أنا حياتي كلها متسواش ضحكة رضا من جدي، ولا تسوى نظرة أمان من عينيكي.”
شغف وشها احمر جداً من صراحة كلماته. دي أول مرة يصرح بمشاعره بالشكل المباشر ده. قلبها كان بيرفرف زي الطير، بس حياؤها ودينها كانوا دايماً بوصلتها. غضت بصرها وأخدت خطوة لورا وقالت بصوت واطي:”أنت عملت عمل بطولي يا عصام.. وربنا جبر بخاطرك ونصرك لأن نيتك كانت سليمة وطاهرة. اشرب العصير عشان ترتاح، أنا لازم أنزل.”
كانت لسه هتلف عشان تخرج، بس عصام نادى عليها بصوت فيه رجاء:”شغف.. استني.”
وقفت مكانها.
عصام كمل كلامه وعينه بتلمع بالأمل: “أنا قررت أستقر هنا نهائي. مفيش رجوع لأمريكا، ومفيش ماضي أسود تاني. أنا هبدأ أتعلم كل حاجة عن الأراضي، والأهم.. أنا هبدأ أتعلم عن ديني صح. مش مجرد وضوء وصلاة، أنا عاوز أفهم القرآن اللي بتقرأيه، عاوز أعرف ربنا زي ما أنتي عارفاه. تفتكري أنا ممكن في يوم من الأيام أكون راجل يستاهل.. يستاهل يطلب إيد واحدة زيك؟”
السؤال نزل على شغف زي السحر. دموع الفرحة اتجمعت في عينيها. ده اللي كانت بتدعي بيه في قيام الليل؛ إن ربنا يهديه ويثبته ويكون من نصيبها في الحلال.
مبصتلوش، بس ابتسمت ابتسامة منورة ظهرت من تحت الخمار، وقالت بصوت رقيق جداً بس واثق: “الراجل اللي يفدي أهله بروحه، ويختار طريق ربنا وهو في عز شبابه وقوته.. يستاهل يتشال على الراس يا عصام. ربنا يكمل شفاك على خير، ويثبت خطاك.”
وسابته وخرجت بسرعة قبل ما قلبها يفضحها أكتر من كده.
في صباح اليوم التالي..
عصام نزل من جناحه ودرعه متعلق في حمالة طبية. السرايا كلها كانت بتبصله بنظرة فخر واحترام. الخدم، الفلاحين اللي سمعوا باللي حصل، وحتى الحراس، الكل كان بيتعامل معاه على إنه “بطل السرايا”
الجديد.
راح على مكتب جده. الحاج كامل كان قاعد بيقرأ في المصحف، ولما شافه صدق وقفل المصحف وابتسم:”بطل الكيلاني.. إيه اللي نزلك من فرشتك يا ولدي؟ الدكتور قال ترتاح.”
عصام قعد قدامه، ملامحه كانت جدية جداً وفيها حسم: “أنا مرتاح يا جدي، بس في موضوع مهم مقدرتش أستنى عليه أكتر من كده.”
الحاج كامل عقد حواجبه باهتمام: “خير يا عصام؟”
عصام أخد نفس عميق، ورفع عينه في عين جده وقال بكل ثقة:”يا جدي، أنا عرفت طريقي، وعرفت مكاني. أنا طالب القرب منك.. أنا بطلب إيد بنت عمي شغف على سنة الله ورسوله.”
الحاج كامل سكت لثواني، عينه كانت بتفحص عصام. هو كان متوقع ده، وكان بيتمناه من جواه، بس شغف دي غالية، غالية أوي، ومينفعش تطلع بسهولة.
الحاج كامل رجع ضهره لورا، وحط إيده على عكازه وقال بصوت هادي ووقور:”شغف مش أي بنت يا عصام. شغف دي جوهرة السرايا، نور البيت ده. اللي ياخدها لازم يكون حافظ لكتاب ربنا، وصاين لفرضه، وقادر يكون لها سند في الدين قبل الدنيا.”
عصام رد بسرعة ولهفة: “وأنا مستعد يا جدي! أنا هتعلم وهحفظ وهكون الراجل اللي يستاهل ثقتها وثقتك.”
الحاج كامل ابتسم بخبث صعيدي محبب وقال: “وأنا موافق مبدئياً.. بس الجوازة دي مش هتتم بالسهولة دي. عندي شرطين؛ الأول إني أسألها وأسمع موافقتها بنفسي. والتاني.. مهر شغف مش فلوس ولا أراضي.”
عصام باستغراب: “أومال إيه يا جدي؟ أطلب أي حاجة.”
الحاج كامل بصله بحدة وقال: “مهر شغف، إنك تقعد في المسجد مع إمام الجامع تلات شهور، متفوتش فرض في جماعة، وتحفظ جزء عمّ كامل وتسمعهولي أنا وشغف في نفس المكتب ده. لو عملت كده.. يومها بس هقولك مبروك يا عريس. ها.. قولت إيه؟”
عصام ابتسم ابتسامة واسعة، ووشه نور بالفرحة، وقال بثقة وثبات:”موافق يا جدي.. وربنا يقدرني وأكون قد التحدي.”
كان عصام بيعتبر التحدي ده أجمل حاجةحصلتله
رواية حب غير حياتي الفصل السابع 7 - بقلم مارينا عبود
مرور شهرين..
الأيام كانت بتجري في سرايا الكيلاني، بس بالنسبة لعصام، كل يوم كان بيمر كأنه عمر جديد بيتكتبله. التحدي اللي جده حطهوله مكنش مجرد حفظ كام سورة من القرآن، ده كان إعادة صياغة لروحه من أول وجديد.
كل يوم قبل الفجر بساعة، عصام كان بيصحى. مابقاش محتاج منبه، قلبه هو اللي كان بيصحيه.
ينزل يتوضى في هدوء، ويمشي للمسجد الصغير اللي في العزبة. هناك، كان بيقعد مع الشيخ “محمود”، إمام المسجد، راجل بشوش ووشه سمح.
عصام كان بيعاني في البداية. لسانه اللي اتعود على الإنجليزي سنين طويلة كان تقيل جداً في نطق مخارج الحروف العربية، وخصوصاً أحكام التجويد.
كان بيتلعثم، وبيعيد الآية عشر مرات عشان ينطقها صح، وساعات كان بيحس بالإحباط، بس كل ما يفتكر نظرة الفخر في عين جده، وكل ما يفتكر ملامح “شغف” الهادية ونورها اللي خطف قلبه، كان بيعافر من تاني.
في يوم، كان قاعد في مكتبة السرايا بيراجع سورة “النبأ”، وكان بيتلخبط في النطق ومش عارف يظبط الغُنة. فجأة، لقى على طرف الترابيزة كشكول صغير متغلف بقطيفة لونها كشمير.. نفس لون خمارها المفضل.
فتح الكشكول بفضول، لقى مكتوب بخط رقعة جميل جداً ومنسق:”إلى من يبحث عن النور.. قراءة القرآن مش مجرد نطق، دي إحساس. متستعجلش على نفسك، (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران). دي شوية ملاحظات بسيطة ومبسطة لأحكام التجويد، يمكن تساعدك في طريقك.”
عصام ابتسم ابتسامة واسعة نورت وشه. مسك الكشكول وقربه من صدره كأنه حتة منها.
قعد يقرأ الملاحظات اللي كانت مكتوبة بطريقة سلسة جداً، كأنها بتكلمه، وبدأ يطبقها، وحس إن لسانه اتفك كأن سحر وتلاشى.
كانت بتراقبه من بعيد، بتسنده في رحلته من غير ما تكسر حواجز الحياء اللي بينهم، وده كان بيزود غلاوتها في قلبه أضعاف.
في الأراضي الزراعية.. ”
في الوقت اللي عصام كان بيبني فيه نفسه، كان في حد تاني بيبني له فخ. “رضوان”، وكيل الأعمال الجشع اللي عصام وقفه عند حده ومنعه من ظلم الفلاحين، كان قلبه مليان غل وحقد.
عصام سحب البساط من تحت رجله، وبدأ يراجع الدفاتر ويكتشف السرقات القديمة اللي رضوان كان بيعملها من ورا الحاج كامل.
رضوان كان قاعد في بيته بليل، بيشرب الشيشة وعينه بتطق شرار. مكنش هيسيب الشاب اللي جي من أمريكا ده يهد مملكته.
بدأ يدور ورا عصام، شغل ناس تبحث في ماضيه على الإنترنت، لحد ما وقع على كنز.. أو بالأصح، شيطانة من ماضي عصام.
“سالي”.. بنت مصرية أمريكية، كانت صاحبة عصام في فترة طيشه في أمريكا. بنت مادية، متحررة بزيادة، ومرتبطة بعصام عشان فلوس والده. لما عصام ساب أمريكا فجأة وحصلت أزمة ابوه، سالي سابته فورا بدون تردد.
رضوان قدر يوصلها، وحكالها إن عصام بقى كبير عيلة غنية جداً في الصعيد، وداخل على جوازة هتخليه يملك كل حاجة. الطمع عمى سالي، واتفقت مع رضوان إنها تنزل مصر وتدمر له الليلة دي، مقابل مبلغ محترم من رضوان، غير اللي هتبتز بيه عصام.
عدت التلات شهور. السرايا كلها كانت حاسة بإن في حدث مهم النهارده. عصام نزل من جناحه، لابس جلباب أبيض صعيدي فخم جداً، ومسرح شعره وراسم دقنه الخفيفة اللي زادته وسامة ووقار. ملامح وشه اختلفت تماماً، النور والسكينة بقوا ماليين وشه، البرود اللي كان في عينه اتبدل بدفا وتواضع.
دخل المكتب، لقى الحاج كامل قاعد على كرسيه، وعلى يمينه قاعدة “شغف”، لابسة فستان أبيض رقيق جداً وعليه خمار بدرجة الأوف وايت، باصة للأرض كالعادة، بس قلبها كان بيدق بسرعة لدرجة إنها حاسة إن صوته مسموع. وجنبهم كان قاعد الشيخ محمود.
الحاج كامل بابتسامة فخر: “جاهز يا ولدي؟”
عصام حط إيده على صدره بثقة وابتسم: “بأمر الله يا جدي.. توكلنا على الله.”
بدأ الشيخ محمود يسأله في أجزاء عشوائية من “جزء عمّ”. عصام أخد نفس عميق، وبدأ يقرأ.
صوته مكانش مجرد تلاوة عادية، صوته كان طالع من قلبه، مليان شجن وخشوع. كان بيقرأ بأحكام تجويد سليمة، كأنه متربي في الأزهر مش في أمريكا.
لما وصل لسورة “الضحى” وقرأ قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، صوته اتهز، ودمعة لمعت في عينه، لأنه حس إن الآية دي نزلت بتوصفه هو.. هو اللي كان ضال وتايه في دنيا الغفلة، وربنا هداه ورده إليه رداً جميلاً.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
شغف مقدرتش تمسك دموعها، دمعة نزلت من عينيها استخبت في خمارها. قلبها كان طاير من الفرحة، الراجل اللي اختارته بقلبها، أثبت إنه يستاهل يكون نصها التاني في الدنيا والآخرة.
الشيخ محمود صدّق وابتسم: “فتح الله عليك يا بني.. قراءة متقنة وروح خاشعة، ربنا يثبتك.”
الحاج كامل قام وقف، وعكازه خبط في الأرض بفرحة، وفتح دراعاته لعصام. عصام جرى على جده وباس إيده وراسه، والجد خده في حضنه جامد وقال بصوت عالي: “مبروك يا عريس.. مبروك يا كبير عيلة الكيلاني. شرفتني ونورت قلبي يا عصام.”
وبعدين بص لشغف اللي كانت وشها في الأرض ومكسوفة جداً، وقال بحنية: “وأنتي يا بنتي.. إيه رأيك في العريس؟ موافقة على ابن عمك يكون سكنك وسندك؟”
شغف وشها جاب ألوان، وبصوت واطي جداً، يكاد يكون همس، بس سمعه عصام بوضوح: “اللي تشوفه يا جدي.. أنا ماليش بركة غيرك.”
عصام حس إن الدنيا كلها مش سايعاه من الفرحة. أخيراً، الحلم بقى حقيقة. النور اللي شافه أول ما خبط فيها في الممر، بقى من نصيبه.
الحاج كامل بضحكة عالية: “على خيرة الله.. نقرأ الفاتحة، وبكرة نعلق الزينة، خطوبة وكتب كتاب في يوم واحد، وهعزم كبارات الصعيد كلهم يشوفوا فرحة الكيلاني!”
في اليوم التالي..
السرايا كانت متزينة بالأنوار المبهجة. الطباخين بيجهزوا الذبائح، والرجالة بيرصوا الكراسي والأنوار في الجنينة الكبيرة.
الفرحة كانت مالية قلوب الكل، وعصام كان طاير من السعادة، واقف بيشرف على التجهيزات وهو لابس بدلة كلاسيكية راقية جداً زادته هيبة.
شغف كانت فوق في أوضتها، بتجهز، لابسة فستان كتب الكتاب الرقيق، وبتبص لنفسها في المراية وهي بتدعي ربنا يتمملها على خير ويبعد عنهم أي شر.
وفي عز الضحك والفرحة دي..
عربية سودا فخمة جداً وقفت قدام بوابة السرايا.
نزل منها “رضوان” وعلى وشه ابتسامة خبيثة، وفتح الباب الخلفي للعربية.
نزلت من العربية بنت، لبسها ملفت جداً، حاطة ميك أب صارخ، ولابسة نضارة شمس كبيرة رفعتها فوق شعرها المصبوغ. مسكت شنطتها بثقة، وفي إيدها التانية ظرف بني كبير مقفول.
الحراس وقفوا رضوان والبنت دي على الباب.
“رايح فين يا رضوان؟ ومين دي؟” سأل كبير الحرس.
رضوان ببرود: “دي ضيفة جاية مخصوص من أمريكا عشان تبارك لعصام بيه.. دي من ريحة الماضي بتاعه، ومينفعش نردها في
يوم زي ده.”
عصام كان واقف بعيد، لمح الحركة على الباب، فقرب عشان يشوف في إيه. بمجرد ما عينه وقعت على البنت دي، الابتسامة اختفت من على وشه تماماً، ووشه بهت كأنه شاف عفريت. قلبه وقع في رجليه، والدم هرب من عروقه.
“سالي؟!!” همس عصام بصدمة.
سالي قربت منه، وبابتسامة ماكرة، مستفزة قالت بصوت عالي عشان اللي واقفين يسمعوا:”إيه يا عصام؟ مبروك يا عريس! معقولة تتجوز وتستقر من غير ما تعزم أقرب حد ليك؟ ولا فاكر إنك لما تلبسلي الجلابية وتعملي فيها شيخ، هنسى ليالينا في مريكا، وهنسى وعودك ليا؟”
الصمت ساد المكان، كلامها كان زي السم اللي بيترمي في مية صافية.
عصام زعق بعصبية ورعب من إن حد يسمعها: “أنتي إيه اللي جابك هنا؟! وإيه التخاريف اللي بتقوليها دي، أنا ماليش علاقة بيكي من زمان!”
سالي رفعت الظرف البني اللي في إيدها، وهزته قدام وشه بانتصار وقالت بخبث:”تخاريف؟ الظاهر إن الصعيد نساك الذاكرة. بس متقلقش، أنا جايبة معايا اللي يفكرك.. ويفكر عروستك وجدك المحترم، حقيقة الشاب التقي اللي هما مخدوعين فيه. صور، وفيديوهات، وبلاوي لو شافوها.. مش بعيد يرموك للكلاب اللي بره دي.”
في اللحظة دي.. صوت خبطة عكاز قوية رنت من ورا عصام.
الحاج كامل كان واقف على السلم، ملامح وشه مرعبة، وعينه بتطلع نار، ووراه بشوية كانت “شغف” واقفة على السلم، سمعت كل كلمة، ووشها كان شاحب زي الموتى، وعينيها مليانة بصدمة وكسرة كسرت قلب عصام ميت حتة قبل ما ينطق بكلمة.
الحاج كامل بصوت هز السرايا:”إيه اللي بيحصل هنا ده؟ ومين الجربوعة دي يا عصام؟ وإيه الظرف اللي في إيدها ده؟!!”
عصام بلع ريقه، وحس إن الأرض بتتشق وتبلعه.
الماضي البشع رجع مش عشان يهدده في حياته، رجع عشان يهدد أغلى حاجة كسبها.. دينه، وثقة أهله، وحب شغف اللي لسه بيبدأ يفتح.
تفتكروا إيه اللي في الظرف ده؟ وهل سالي هتقدر تفضح عصام وتدمر صورته قدام جده؟ والأهم.. شغف اللي حبت عصام التقي النقي، هيكون إيه رد فعلها لما تشوف ماضيه الأسود بيتجسد قدامها؟ وهل هتصدق توبته ولا الماضي هيهد كل اللي اتبنى؟
رواية حب غير حياتي الفصل الثامن 8 - بقلم مارينا عبود
الصمت اللي سيطر على بهو السرايا كان مرعب، كأنه هدوء ما قبل العاصفة اللي هتدمر كل حاجة.
“سالي” واقفة بابتسامة خبيثة، رافعة الظرف البني في إيدها كأنه سيف هتقطع بيه رقبة عصام.
ورضوان واقف وراها، بيفرك إيده بشماتة ومستني اللحظة اللي الحاج كامل يطرد فيها عصام من السرايا.
عصام كان حاسس إن روحه بتنسحب منه. مش خايف من الفضيحة عشان نفسه، هو خايف على الكسرة اللي شافها في عين جده، وخايف أكتر من النظرة اللي شافها في عين “شغف” وهي واقفة على السلم، وشها شاحب ودموعها متجمدة في عينيها.
الحاج كامل نزل السلالم بخطوات بطيئة، بس هيبته كانت بتزلزل الأرض. عكازه بيخبط بانتظام لحد ما وقف قدام سالي مباشرة.
بص لها من فوق لتحت بنظرة احتقار، وبعدين مد إيده وقال بصوت صارم:”هاتي الزفت اللي في إيدك ده.”
سالي ابتسمت بانتصار، وادتله الظرف وهي بتقول بدلع مستفز:”اتفضل يا حاج.. شوف حفيدك المصون كان بيعمل إيه في أمريكا، شوف سهراته وبلاويه اللي متتعدش.”
الحاج كامل مسك الظرف، وفتحه ببطء. طلع منه مجموعة صور، وبدأ يقلب فيهم. ملامح وشه كانت جامدة، مفيهاش أي تعبير. لا غضب، ولا صدمة، ولا أي حاجة.
عصام نزل راسه في الأرض، دموعه لمعت في عينه، مقدرش يكدب أو ينكر. رفع صوته اللي كان بيترعش من القهرة وقال:”يا جدي.. أنا..”
“اسكت يا عصام!” الحاج كامل قاطعه بصوت حاسم من غير ما يرفع عينه من على الصور.
رضوان قرب خطوة وقال بخبث: “يا حاج كامل، إحنا خايفين على اسم العيلة، وعلى ست البنات شغف. الواد ده ضحك علينا كلنا وعامل فيها شيخ وهو صايع وبتاع كاس ونسوان!”
الحاج كامل رفع عينه أخيراً، بص لرضوان، وبعدين بص لعصام اللي كان واقف منكسر.
وفجأة.. الحاج كامل عمل حاجة صدمت الكل.
لم الصور كلها في إيده، وقطعها نصين، وبعدين قطعها كمان مرة لحد ما بقت حتت صغيرة جداً، ورماها على الأرض تحت جزمته.
بص لسالي ورضوان بابتسامة مرعبة وقال بصوت هز جدران السرايا:”التوبة بتجُب ما قبلها.. والإسلام بيهدم اللي كان قبله. أنا مابحاسبش راجل على ماضيه في بلاد الكفر وهو غافل وتايه. أنا بحاسب الراجل اللي وقف قدامي وفدى روحي بدمه. بحاسب الراجل اللي قعد في بيت ربنا تلات شهور وحفظ كتاب الله. عصام اللي في الصور دي مات واندفن في أمريكا.. واللي واقف قدامي ده عصام الكيلاني، كبير العيلة، وحفيدي اللي بفتخر بيه.”
عصام رفع راسه بذهول، دموعه نزلت غصب عنه. جده مصغروش، جده ستره وحماه من ماضيه ووقف في ضهره كأنه جبل.
الحاج كامل لف لرضوان، ومسك عكازه ورفعه في وشه وقال بغضب أعمى: “أنت فاكرني نايم على وداني يا رضوان؟ فاكرني مش عارف إنك بتسرق من مخازن الأرض بقالك سنين؟ أنا كنت سايبك بمزاجي لحد ما أشوف أخرك. ودلوقتي جبتلي حتة بت رخيصة عشان تكسر فرحتنا؟”
زعق الحاج كامل للحرس: “يا متولي!! خدوا الكلب ده والبت اللي معاه، ارموهم بره البوابة، ورضوان يتسلم للشرطة بملف السرقات اللي متجهزله في درج مكتبي من شهر!”
الحراس هجموا على رضوان وسالي اللي بدأت تصرخ وتشتم، وسحبوهم بره السرايا في مشهد خلى الكل يقف مذهول من حكمة وقوة كبير الكيلاني.
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
بعد ما العاصفة هديت، عصام بص ناحية السلم.. بس “شغف” مكنتش موجودة. كانت جريت على أوضتها من وقت ما جده مسك الصور.
قلبه اتقبض، جده سامحه، بس هل الملاك الطاهر اللي حبها هتقدر تتقبل إن جوزها كان غارق في الوحل ده؟
بص لجده بعيون بتترجاه، الحاج كامل ربت على كتفه بحنية وقال: “اطلع لعروستك يا ولدي.. طمن قلبها، البنات قلوبهم رقيقة وبيخافوا.”
عصام طار على السلم، وصل قدام باب أوضتها، وقف ثواني ياخد نفسه، وبعدين خبط بهدوء.
“شغف.. ممكن أدخل؟”
مفيش رد، بس سمع صوت عياط مكتوم. فتح الباب براحة، لقاها قاعدة على كرسي في ركن الأوضة، دافنة وشها بين إيديها وبتبكي.
عصام دخل، بس حافظ على مسافة بينه وبينها. صوته كان مليان وجع وهو بيقول:”أنا آسف.. آسف إنك اضطريتي تشوفي القذ*ارة دي في يوم زي ده. أنا مش هنكر يا شغف.. أنا كنت الشخص ده. كنت تايه، كنت عايش زي الأنعام مبفكرش غير في شهو*اتي. بس والله العظيم، والله العظيم الراجل ده مات. مات في اللحظة اللي عينيا جات في عينيكي، ومات أكتر لما سجدت لربنا لأول مرة. لو أنتي حاسة إنك قرفانة مني، أو مش قادرة تكملي.. أنا هعذرك، وهنزل أقول لجدي يفركش كل حاجة، ومش هخلي حد يلومك.”
شغف رفعت راسها.. عينيها كانت حمرا، بس النظرة اللي فيها مكنتش قرف ولا احتقار.. كانت عتاب وحنية غريبة.
قامت وقفت، ومسحت دموعها بمنديل، وقالت بصوت مهزوز بس مليان صدق:”أنت فاكرني بعيط عشان ماضيك؟ أنا عارفة إنك كنت عايش في مجتمع مختلف، وعارفة إن التوبة بتمسح كل ده. ربنا الغفور الرحيم غفرلك، أنا العبدة الضعيفة اللي هحاسبك؟”
عصام بصلها بذهول: “أومال بتعيطي ليه؟”
شغف اتنهدت، وصوتها طلع فيه رعشة خوف:”عشان خفت.. خفت الماضي ده يشدك تاني. خفت تكون السرايا، والقرآن، وحتى أنا.. مجرد مرحلة وهتمل منها وترجع لحياتك القديمة. أنا قلبي اتعلق بيك يا عصام، ومش هقدر أستحمل إنك في يوم تسيبني وترجع للضلمة.”
عصام حس إن روحه رجعتله. البنت دي مش بس متدينة، دي عقلها يوزن بلد.
ابتسم بدموع، وحط إيده على قلبه وقال بعهد صادق:”الضلمة مبترجعش لقلب داق حلاوة النور يا شغف. وأنتي النور اللي ربنا بعتهولي. أنا مستحيل أفرط فيكي، ولا في ديني، ولا في السرايا. أنتي بقيتي دنيتي اللي بتمناها في الحلال.”
شغف ابتسمت من تحت دموعها، ووشها نور بخجلها المعتاد، وغضت بصرها وقالت بصوت رقيق:”المأذون تحت بقاله ربع ساعة.. وجدي زمانه بيزعق. يلا ننزل يا ابن عمي.”
الليل نزل على السرايا، بس الجنينة كانت منورة كأنها نهار. الزينة، الأنوار، كبارات البلد كلهم متجمعين. المأذون قاعد في النص، وعصام جنبه، والحاج كامل وكيل العروسة.
“بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.”
الجملة دي رنت في السرايا كلها مع انطلاق الزغاريد وضرب النار في الهوا فرحة بكبير العيلة الجديد.
عصام قام وقف، حاسس إنه ملك الدنيا كلها. راح ناحية المكان المخصص للستات، شغف كانت واقفة وسط قرايبها، زي القمر في ليلة تمامه.
الفستان الأبيض الخفيف، والخمار اللي مزينها ومزودها حشمة وجمال.
الكل وسع لعصام، قرب منها، ولأول مرة.. لأول مرة من يوم ما شافها، يمد إيده ويمسك إيدها.
الإيد اللي سحبتها منه زمان بقوة عشان حرام، دلوقتي محاوطاها بحلال ربنا.
باس جبينها برقة بالغة، وهمس لها: “بقيتي حلالي.. وبقيتي
دنيتي. بحبك يا شغف.”
شغف وشها بقى أحمر زي الفراولة، وابتسمت وهي بتبصله في عينيه وقالت: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.”
كانوا عايشين أسعد لحظات حياتهم، كأن الدنيا أخيراً صالحتهم.
لكن..
في عز الضحك، وفي اللحظة اللي عصام كان بيقعد فيها جنب شغف في الكوشة..
شموا ريحة شياط قوية جداً مغطية على ريحة البخور.
الريحة بدأت تزيد، والسما من ورا السرايا بدأت تتلون بلون برتقالي مرعب.
فجأة، واحد من الغفر دخل الجنينة بيجري كأنه مجنون، هدومه مهلهلة ووشه مليان هباب أسود، وبيصرخ بأعلى صوته: “يا حاج كامل!!! الحقنا يا بيه!! مخازن المحصول الكبيرة والاسطبلات بتولع!! الحريقة هتمسك في العزبة كلها!!”
صوت صراخ المعازيم بدأ يعلى، والأنوار اللي كانت منورة الفرح بقت بهتانه قدام نور النار اللي بدأت تلتهم شقى السنين.
رضوان مخرجش بالساهل، وضربته كانت في مقتل!
عصام ساب إيد شغف بسرعة البرق، ووشه اتحول لغضب أعمى، وبص لجده اللي كان بيسند على عكازه بصدمة، وصرخ في الرجالة: “المية بسرعة! طلعوا الرجالة كلها! محدش يسيب النار توصل للبيوت!!”
وجري عصام ناحية الاسطبل اللي بيولع ووو
رواية حب غير حياتي الفصل التاسع 9 - بقلم مارينا عبود
رواية حب غير حياتي الفصل التاسع والاخير
الجنينة اللي كانت من دقايق بتشهد أجمل لحظة في حياة عصام وشغف، اتحولت لساحة من الرعب.
المعازيم بيجروا في كل اتجاه، الستات بتصرخ، والسما اللي كانت صافية اتغطت بسحابة سودا كتمت الأنفاس.
المخازن الكبيرة اللي فيها محصول السنة كلها، والاسطبلات اللي بتضم خيل عيلة الكيلاني الأصيل، كانت بتاكلها النار بشراهة مرعبة.
عصام مقفش ثانية يفكر. رمى چاكت البدلة على الأرض، وفك زراير قميصه وهو بيجري بأقصى سرعة ناحية النار، وصوته بيشق الليل: "خرطوم الماية اللي في الجنينة يتوصل فوراً! رجالة العزبة كلها تجيب جراكن ورمل! بسرعة!!"
وصل عصام قدام الاسطبلات، كانت النار بدأت تمسك في السقف الخشب. الخيل جوه بيصهل بصوت يقطع القلب من الرعب، وعمال العزبة واقفين بره مش قادرين يقربوا من صهد النار.
الحاج كامل وصل وراه، بيسند على عكازه بالعافية، وصرخ: "يا عصام! متقربش يا ولدي، النار هتاكلك! الخيل فداك وفدا خطوتك، ارجع!"
لكن عصام، اللي اتولد من جديد، مكنش ممكن يقف يتفرج على روح بتتحرق وهو يقدر ينقذها. بص لجده وقال بعزم ويقين: "ربنا اللي نجاني من الرصا*صة، هينجيني من النا*ر يا جدي!"
روايه حب غير حياتي بقلمي نور محمد
وبدون أي تردد، أخد جردل ماية كان في إيد واحد من الغفر، دلقه على نفسه كله عشان يبلل هدومه، واقتحم باب الاسطبل اللي كان بيولع!
صرخة طلعت من قلب "شغف" اللي كانت واقفة بعيد بتترعش، حطت إيديها على وشها ووقعت على ركبها في الأرض تبكي وتدعي بصوت متقطع: "يا رب.. يا رب احفظهولي.. يا منجّي إبراهيم من النار، نجّي جوزي وقرة عيني."
جوه الاسطبل، الدخان كان بيعمي العيون وبيخنق. عصام كان بيكح بشدة، بس فضل يعافر، فتح أقفال البوكسات واحد ورا التاني، وبدأ يضرب الخيل عشان تخرج وتجري لبره.
حرارة المكان كانت بتسـ"ـلخ الجـ"ـلد، وفجأة، لمح عم "صابر" – الفلاح العجوز اللي عصام سامحه في ديونه – واقع على الأرض في آخر الاسطبل، خشبة من السقف وقعت على رجله ومش قادر يتحرك، والنار بتقر*ب منه.
عصام جرى عليه متجاهل كل الخطر، رفع الخشبة اللي كانت بتو*لع بإيديه العا*رية، وصرخ من الوجع بس ماسابهاش لحد ما عم صابر سحب رجله.
سنده عصام على كتفه، وبدأ يخرج بيه بصعوبة، وفوقيهم السقف بدأ ينهار.
بره، الكل كان حاطط إيده على قلبه. ثواني مرت كأنها سنين، لحد ما ظهر عصام من وسط الدخان، شايل عم صابر، والخيل كلها وراه.
بمجرد ما طلعوا، السقف بتاع الاسطبل انهار بالكامل بصوت مرعب.
عصام وقع على الأرض بره، بياخد نفسه بصعوبة بالغة، ووشه كله أسود من الهباب، وإيديه الاتنين فيهم حرو*ق شديدة من الخشبة اللي رفعها.
الرجالة جريت عليه، والحاج كامل نزل على الأرض خده في حضنه وهو بيبكي:"بطل يا ولدي.. راجل من ضهر راجل."
في اللحظة اللي الإسعاف والمطافي كانوا بيوصلوا، ظهر "متولي" كبير الحرس، ومعاه تلاتة من الرجالة، ساحبين "رضوان" من هدومه، ورامينه تحت رجلين الحاج كامل وعصام.
متولي كان بينهج وقال:"مسكناه يا حاج كامل وهو بيحاول يهرب من الطريق الزراعي من ورا السرايا، وكان معاه جراكن البنز*ين الفاضية."
رضوان كان وشه أصفر من الرعب، بس حاول يبجح: "أنا ماليش دعوة! دي تهمة متلفقة!"
عصام قام وقف بصعوبة، ساند على ذراعه المحر*وق، وقرب من رضوان. رضوان انكمش في نفسه وهو متخيل إن عصام هيضر*به أو يقتـ"ـله مكانه.
لكن عصام بصله بنظرة شفقة حقيقية، نظرة إنسان عارف ربنا لإنسان أعمى الطمع قلبه، وقال بصوت هادي رغم الألم: "أنت فاكر إنك لما تحر*ق المخزن هتحر*قنا؟ المحصول اللي اتحر*ق ده رزق، ورزقنا مكتوب في السما مش في الأرض. أنت محرقتش فلوسنا يا رضوان.. أنت حر*قت آخرتك، وحر*قت دنيتك. الفلوس بتتعوض، بس السواد اللي في قلبك ده هو اللي هياكلك في السجن."
وبص عصام لمتولي وقال بصرامة:"سلموه للشرطة مع سالي.. خليهم يدوقوا جزاء أعمالهم بالقانون."
في جناح عصام، بعد ما الدكتور مشي وعالجه ولف إيديه بالشاش واداله مسكنات وحقن، عصام كان نايم على السرير، صدره بيعلى ويهبط ببطء، حاسس بإرهاق السنين كله متجمع في جسمه.
الباب اتفتح بهدوء شديد، ودخلت "شغف".
كانت لسه بفستان كتب الكتاب، بس طرفه كان متوسخ بالتراب من وقعتها على الأرض، وعينيها متورمة من البكا. في إيدها كوباية لبن دافي، قفلت الباب وراها وقربت من السرير بخطوات بطيئة.
عصام فتح عينيه لما حس بريحة المسك الهادية بتاعتها اللي دايماً بتطمنه. ابتسم بتعب وقال بصوت مبحوح:"العروسة اللي بوظتلها ليلة فرحها.. حقك عليا."
شغف مقدرتش تمسك دموعها أكتر من كده، حطت الكوباية على الترابيزة، وقعدت على حرف السرير، ومسكت طرف إيده السليمة، وباستها بدموع وقالت بصوت بيترعش:"فرح إيه اللي بتتكلم عنه؟ فرحي الحقيقي إنك فتحت عينيك وبتتكلم معايا. أنت متعرفش أنا مت إزاي لما دخلت وسط النار. كنت حاسة إن روحي بتتسحب مني. لو كان جرالك حاجة يا عصام أنا مكنتش هعيش بعدك."
عصام بص في عينيها الغرقانة في الدموع، وشاف فيها حب نقي، حب ميتوصفش بكلمات. رفع إيده المتلفة بالشاش بصعوبة ومسح دموعها، وقال بنبرة دافية جداً:"وأنا مكنش ينفع أموت قبل ما أعيش معاكي الحلال اللي حلمت بيه. النار اللي جوه مكنتش تخوف.. النار الحقيقية كانت هتكون لو شفتك خايفة أو مجر*وحة."
شغف ابتسمت بخجل وسط دموعها، وعدلتله المخدة براحة وقالت:"الدكتور قال لازم ترتاح تماماً. المخازن فداك، وجدي قال ولا تفرق معاه أي فلوس طول ما أنت بخير."
عصام اتنهد براحة: "ربنا يعوضنا خير. الأهم إن ربنا رضى عني، ونجاني، ورزقني بيكي. أنتي أعظم رزق حصلي في حياتي يا شغف."
شغف نزلت عينيها بكسوفها المعتاد، وقالت بصوت رقيق: "وأنت السند اللي كنت بدعي بيه في كل سجدة."
بعد مرور عام كامل..
السرايا كانت متزينة من تاني، بس المرة دي زينة من نوع خاص. الجنينة كانت مليانة بورد أبيض، وصوت ضحكات عمال العزبة والفلاحين مالية المكان.
المخازن اتبنت من جديد على أحدث طراز، والاسطبلات رجعت أحسن من الأول بمجهود عصام اللي مبطلش شغل لحظة.
الفلوس اللي ضاعت، ربنا عوضها أضعاف بالبركة والرضا.
عصام كان واقف وسط الأرض، لابس جلبابه الصعيدي وعمامته، وشه منور بوقار ورجولة، بيسلم على الفلاحين وبيوزع عليهم أرباح المحصول الجديد اللي كان خيره أضعاف السنة اللي فاتت.
"ربنا يوسع رزقك يا كبيرنا، ويفرح قلبك بولي العهد!" قالها عم صابر وهو بيبوس راس عصام.
عصام ابتسم وربت على كتفه: "الخير ده خيركم وعرقكم يا عم صابر، ادعيلنا بس بالبركة."
خلص عصام شغله، ومشى ناحية السرايا. قلبه كان طاير من الفرحة، النهارده عيد جوازهم الأول.
دخل الجنينة، لمحها قاعدة على المرجيحة الخشب القديمة. "شغف".. الملاك اللي نور حياته.
كانت لابسة دريس واسع باللون اللبني الفاتح، والخمار الأبيض بيطير مع الهوا، وإيدها ساندة على بطنها المنتفخة بشكل واضح في شهور حملها الأخيرة. كانت بتقرأ في مصحفها كالعادة، ووشها بيشع نور وهدوء.
عصام قرب منها بهدوء عشان ميخضهاش، وباس راسها برقة.
شغف رفعت عينيها، وابتسامتها المشرقة ظهرت بمجرد ما شافته، وقفلت المصحف.
"تقبل الله يا كبير العيلة.. تعبت النهارده؟"
عصام قعد جنبها، ومسك إيدها بحنية، وقال وهو بيبص في عينيها:"التعب كله بيروح بمجرد ما بشوف وشك. تخيلي يا شغف.. عدت سنة. سنة واحدة كانت كفيلة تمحي سنين من الضياع والضلمة. كل حاجة اتغيرت.. البلد، الشغل، ديني، وحتى روحي من جوه."
شغف ابتسمت وسندت راسها على كتفه بخجل وقالت:"﴿إِنَّ يعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾.. ربنا شاف في قلبك خير يا عصام، فهداك، وعوضك، وبنا لك مقام كبير في قلوب الناس، وفي قلبي أنا كمان."
عصام حط إيده التانية على بطنها، وحس بحركة الجنين الصغير، فضحك بفرحة حقيقية طالعة من أعماق قلبه: "ابننا ده هيطلع في نور، هيتولد في بيت بيعمر بذكر الله، وبأم مفيش في طهارتها وعقلها اتنين.. أنا لو عشت عمري كله أسجد شكر لربنا إنه جابني مصر وإني خبطت فيكي في الممر داك اليوم، مش هوفي نعمة واحدة من نعمه عليا."
رفعت شغف عينيها ليه، والنظرة دي كانت كفيلة تختصر كل معاني العشق الحلال، وقالت بهمس رقيق: "أنت اللي اخترت النور يا عصام.. وأنت اللي أثبت إن الحب الحقيقي، هو اللي بياخد الإيد للجنة."
عصام ضم إيديها بين إيديه، وبص للسما الصافية، وافتكر أول يوم نزل فيه السرايا وهو كاره كل حاجة، وبص لحياته دلوقتي اللي بقت مليانة بالرضا والحب والسلام، وهمس بابتسامة طالعة من الروح: "فعلاً.. أنتي حب.. غير حياتي."