الفصل 1 | من 50 فصل

رواية حب رحيم الفصل الأول 1 - بقلم سمر عمر

المشاهدات
113
كلمة
2,122
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

“صدفة..” ” عارف أنت أجمل إنسان شوفته في حياتي..” قالت هذه الجملة سرًا.. وهي مستندة بوجنتها على قبضة يدها، وباليد الأخرى تقلب فنجان المشروب الساخن.. ومقلتيها البندقية تنظر إلى ذلك الرجل الجالس أمام طاولة تقع على الجانب الآخر منها. مرتديًا بدلة سوداء أنيقة أسفلها قميص ناصع البياض، تاركًا أزراره الأولى مفتوحة لتظهر بعض علامات عضلات صدره البارزة. كان يقلب في الهاتف النقال، وباليد الأخرى حاملًا فنجان القهوة السادة.

أخذت تتأمله وهو لم يراها، بل لم ينظر حوله قط.. فهو يجلس بشموخ، حتى طريقة مسكته لفنجان القهوة مميزة. رجل يبدو عليه الجدية والاعتزاز بالنفس. ترك الهاتف أعلى المنضدة وأشار بيده إلى النادل ليأتي إليه فورًا، وأعطاه حق القهوة ومال آخر له. ثم نهض ليغادر. وهي ما زالت تحدق في المكان الذي كان يحتله منذ لحظات، حتى فاقت من شرودها أخيرًا. تركت الملعقة وتناولت القلم الذي كانت تكتب به قبل أن يأتي ذلك الوسيم.

ثم وضعت القلم أسفل قدمها اليسرى وهي تنظر حولها خوفًا من أن يراها أحد. ثم اعتدلت في جلستها. وبعد لحظات دفعت القلم ليتدحرج وهي تتابعه بطرف عينيها وتتناول من المشروب. حتى استقر القلم عند الطاولة التي كان يحتلها ذلك الرجل. نهضت من مكانها متجه نحو الطاولة. وكلما اقتربت منها كلما استنشقت رائحة عطره الرجولية التي حركت مشاعرها وهزت قلبها.

فهذه ليست المرة الأولى التي ترى فيها ذلك الرجل هنا، بل هذه ثالث مرة. وتأتي يوميًا في نفس الميعاد كي تراه. وقفت أمام الطاولة تستنشق عطره الساحر بعمق لتشعر بنشوة في صدرها. تحسست الطاولة، فلفت انتباهها قلم أسود اللون يبدو عليه باهظ الثمن، فعلمت أنه نسي القلم. فمدت يدها لتأخذه والتفتت مسرعة لتصطدم في جسد صخري وانسكب مشروبها على بدلته وقميصه. لم تعلم أنه خلفها أو أنه سيعود من أجل ذلك القلم.

رفعت رأسها ببطء وعندما تقابلت عيناهما، جحظت عيناها في توتر وخجل، والكثير من المشاعر الممزوجة في بعضها البعض. بينما جز أضراسه بشدة حتى تحرك صدغاه، قابضًا قبضة يده بقوة حتى ابيضت أنامله. تحدثت بتلعثم: ” آسـ فـ ” تحدث ببحة صوته الرجولية من بين أسنانه ناظرًا إليها بنظرات جامدة: ” نضفي.. حالًا ” ابتلعت لعابها بصوت مسموع وصل إلى مسامع أذنيه. ولم تجد حلًا آخر سوى أنها كررت له اعتذارها، ولكنه لم يقبله. وتحدث من

بين أسنانه بعصبية مفرطة: ” مين سمحلك تقربي من مكاني؟ أخذ القلم من يدها بعنف فتأوهت بخفة وشفتيها ترتعش. فتابع بحدة: ” مفيش حد تجرأ قبل كده ولمس حاجتي الخاصة ” اتسعت عيناها بحدة، فأمسكت بحافة الطاولة بقوة وأخذ صدرها يعلو ويهبط في توتر كاد أن يخطف أنفاسها. فيما تركها ذلك الرجل المتعجرف وخرج من المطعم وهو يمسح معطفه بمنديل ويبدو عليه الغضب.

فتح السائق الخاص به الباب الخلفي للسيارة ليجلس على الأريكة وهو يزفر بنفاذ صبر. فقد بدأ يومه بشجار بينه وبين فتاة حمقاء حقًا. ثم جلس السائق أمام المقود وغادر إلى وجهته. أما في الداخل، ما زالت هي واقفة تحدق في المكان الذي كان يحتله أمامها، وحبات العرق الباردة انتشرت على جبهتها. وجدت نفسها تجلس على مقعده عندما شعرت بثقل في قدميها.

ولكن سرعان ما نهضت عندما تذكرت حديثه الحاد هذا وتناولت القلم من أسفل الطاولة وعادت إلى طاولتها، ثم طلبت عصير الليمون لتهدأ نفسها به. ” هذه الفتاة تدعى ندى الشاذلي، من عائلة ثرية ولكن تفضل العمل بعيدًا عن والدها. تخرجت من كلية الآداب قسم اللغة العربية. تمتلك بشرة بيضاء تميل إلى اللون القمحي وعينين واسعتين باللون البني الذي يشبه لون البندق، وشعر بني كثيف يصل إلى كتفيها.”

تناولت المشروب على مرة واحدة ثم تنهدت بعمق ووضعت المال أسفل الكوب، ثم لملمت أغراضها وخرجت مسرعة كي لا تتأخر على العمل الجديد. استقلت سيارتها ذاهبة إلى عنوان العمل وهي متحمسة للغاية ويبدو عليها النشاط والحيوية. عند وصولها أوقفت السيارة أمام بوابة كبيرة وضخمة وأخذت تضغط على البوق. فتح موظف الأمن بابًا صغيرًا مجاورًا للبوابة واقترب منها حتى وقف أمام النافذة ينظر إليها متسائلًا: ” مين حضرتك؟ أجابت بتلقائية:

” أنا ندى، البيبي سيتر ” تذكر موظف الأمن وقام بفتح البوابة الكبيرة لتدخل بالسيارة ببطء. لتنظر إلى أشجار الزينة بإعجاب شديد والتي تحمل ورود باللون الوردي البراق في كلا الاتجاهين. حتى وصلت إلى الفيلا وترجلت من السيارة تنظر إلى المبنى لتراه أسود فيخطف قلبها لكونها تعشق ذلك اللون. صعدت أربعة درجات حتى وصلت إلى الباب الكبير ودقت الجرس.

فُتح الباب بواسطة خادمة أجنبية فتبادل الاثنان الحديث باللغة الإنجليزية وأدخلت ندى وبقيت معها حتى جلست على أقرب أريكة ثم ذهبت الخادمة. أخذت تنظر حولها لترى اللون الأسود والأبيض فقط ممزوجان في كل شيء هنا، واندشت من كثرة الأشياء المرتبة بطريقة مميزة والمنزل هادئ بالرغم من وجود طفلين هنا. جاءت سيدة تدعى وفيه، يبدو عليها في بداية الخمسينات وتعمل خادمة هنا منذ سنوات. صافحت ندى مرحبة بها ثم جلست إلى جوارها وقالت:

” أستاذة ندى، حضرتك طبعًا عارفة إنك جاية تراعي طفلين توأم ” أومأت بالإيجاب عدة مرات فتابعت السيدة وفيه: ” الولد اسمه ريان والبنت أشرقت، وأنتِ سادس بيبي سيتر. أتمنى إنك تقدري تحببيهم فيكِ ” بللت شفتيها بلسانها وعلمت أن التعامل مع هذان الطفلان يبدو صعبًا. وبرغم القلق الذي شعرت به من هذان الطفلان ابتسمت وقالت بهدوء: ” بإذن الله أنا قدها.. ياما اتعاملت مع أطفال ”

رفعت يدها نحو كتفها تربت عليه ثم نهضت وطلبت منها أن تأتي معها. فنهضت ندى وأخذتها السيدة وفيه إلى الطابق العلوي. ثم وقفت أمام غرفتين، واحدة مكتوب عليها اسم ريان والأخرى أشرقت. ثم ربتت على كتفها ثانية وقالت بتمني: ” حظ موفق يا بنتي ” ثم تركتها وذهبت فاستدارت ندى بكليتها تنظر إلى تلك السيدة في تعجب حتى اختفت عن عينيها. فرفعت كتفيها وقالت في حيرة ولكن بصوت منخفض: ” ليه محسساني إني داخلة على حرب؟

ثم استدارت إلى الغرف ثانية وأخذت تحرك مقلتيها بين الأبواب حتى استقرت عيناها على غرفة الفتاة. فدقت الباب وانتظرت الإذن بالدخول ولكن لم يأتي أي رد. فاضطرت أن تفتح الباب ببطء وأدخلت رأسها فقط تنظر حولها حتى رأت فتاة صغيرة جالسة على مكتب صغير منشغلة في الرسم. استقام ظهرها ودخلت مغلقة الباب خلفها ووقفت رافعة يدها بابتسامة قائلة: ” صباح الخير يا أشرقت ”

رفعت عيناها الزرقاء إليها للحظات ثم عادت بالنظر إلى الرسم واكملت التلوين. ” أشرقت في الخامسة من عمرها، تمتلك بشرة بيضاء وشعر كثيف مجعد أسود براق وعينين زرقاء صافية تخطف الأنظار.” اختفت ابتسامتها تدريجيًا ووضعت يدها إلى جوارها. وقفت للحظات تفكر كيف تتعامل معها ثم تقدمت نحوها بخطوات بطيئة ووقفت خلف المكتب الصغير وجلست على ركبتيها لتكون في نفس مستواها وأخذت تتابعها وهي تلون سمكة الرسوم المتحركة الشهيرة "نيمو" ولكن

بشكل غير منظم فقالت بلطف: ” خليني أساعدك في التلوين ” ثم أمسكت طرف الدفتر محاولة استدارته إليها ولكن أمسكت أشرقت الدفتر بكلت يديها وتجز أسنانها عنوة وبرزت عظام يدها بفضل تعصبها. تفاجأت ندى من ردة فعلها وتركت لها الدفتر على الفور لتعود تلك الصغيرة إلى طبيعتها وتتابع التلوين بهدوء.

وقفت ندى وهي تخرج تهنيدة قوية من صدرها وبكل هدوء التفتت متجهة نحو الباب وهي تفكر كيف تتعامل معها وهي في تلك الحالة. لتتذكر شقيقها ريان يبدو أنه مثلها وأكثر. حركت رأسها في كلا الاتجاهين لتخرج تلك الأفكار من رأسها ثم خرجت من الغرفة. ولم ترَ من الذي اقترب منها من الخلف واستدارت لتنصدم رأسها في جسد صخري فتأوهت بخفة واضعة يدها على جبينها تحكه ثم رفعت عيناها إلى ذلك الرجل وتفاجأت به.

إنه نفس الرجل الذي تفكر به وتراه يوميًا. نظر إليها بجمود وحده ولم يندهش من وجودها هنا، فبمجرد أن رآها علم أنها الفتاة التي جاءت لتعني بالأطفال. ولكن لم يخيل له أبدًا أن تكون تلك الفتاة الحمقاء التي تشاجر معها. ” رحيم في بداية الثلاثينات، جاد في عمله وحاد الطباع. لديه عينين سوداء جذابة وشعر كثيف أسود يصل إلى نهاية عنقه ولحية تزين وجهه القمحي الرجولي ودائمًا ما يعقد حاجبيه.”

قبض على مرفقها الأيسر بخفة وازاحها جانبًا ثم تابع السير دون أن يتفوه بكلمة. مما أثار دهشة ندى من معاملته هذه والتفتت لتنظر إليه في ذهول ثم ارتسمت ابتسامة على ثغرها وتنهدت بحب قائلة: ” حمش.. أحب الحمش ” ثم عادت إلى غرفة ريان وقرعت الباب ثم دخلت. رأته جالسًا أمام مكتبه يكتب واجباته المدرسية. ويشبه رحيم لدرجة كبيرة من لون عيناه وشعره الكثيف وأيضًا لون بشرته.

جلست على ركبتيها أمام المكتب تتابعه وهو يحل مسائل الرياضيات لتجد الكثير من الأخطاء. فقالت بلطف دون أن تلمس الدفتر: ” خليني أساعدك وأعلمك تحل صح ” رفع سوداويته إليها بغضب ثم عاد بالنظر إلى الواجب وأخذ يحل بطريقة عشوائية ليكثر من أخطائه وقال بصوت طفولي غاضب: ” أنتِ المربية الجديدة ” شعرت بالسعادة فور سماعها لصوته وأومأت بالإيجاب بكل حماس. فقال بنفس الغضب: ” مش عايز بيبي سيتر.. مش عايز بيبي سيتر.. مش عايز بيبي سيتر.. ”

أخذ يكرر تلك الجملة وهو يحرك رأسه في كلا الاتجاهين. فاختفت ابتسامتها وتساءلت باهتمام: ” طيب عايز إيه وأنا أعملهولك؟ لم يجيب عليها وأخذ يكرر جملته فتنهدت بسأم ثم نهضت متجهة صوب الباب وخرجت ولكن لم تغلق الباب ووقفت تنصت له حتى توقف عن تكرار تلك الجملة. وأغلقت الباب وهبطت إلى الطابق السفلي تنظر حولها حتى خرجت السيدة وفيه من المطبخ ووقفت أمامها تسأل عن الأطفال. فقالت بأسف:

” أنا.. جيت بس علشان أتعرف عليهم.. ومن بكرة هبدأ معاهم ” ” طيب يا بنتي أوضتك موجودة ” تعجبت قائلة: ” أوضتي؟ .. آه تقصدي إني هقعد هنا ” حركت رأسها بالإيجاب فأخذت تفكر للحظات ثم قالت: ” همشي دلوقتي وهكون هنا من بدري ومعايا حاجتي ”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...