مضت ثلاثة أيام لم يحدث شيئًا جديدًا. سوى التعامل مع أشرقت بكل هدوء وود. أما عن ريان فحاولت ندى معه كثيرًا ومازال لا يتقبلها. فهو يشبه أبيه لدرجة جعلت ندى تجن حقًا. حاولت أن تلفت نظره بالكثير من الأشياء والألعاب ولكن بلا جدوى. نجحت اليوم في أن تُخرج أشرقت من غرفتها وجلست معها على الأريكة الكبيرة التي تقع في بهو المنزل. وأخذت تكتب واجبها المدرسي بمساعدة ندى التي تمسح على شعرها بلطف.
وصل رحيم المنزل ودخل وهو يتحدث في الهاتف مع صديقه ويتحدث عن العمل. فنظرت ندى إليه تنصت لحديثه جيدًا حتى انتبهت لشيء ما في حديثه. فيما تفاجأ رحيم بأبنته خارج غرفتها اليوم ووقف ينظر إليها متعجبًا حتى أنهى المكالمة. فحرك مقلتيه تجاه ندى والتي نظرت إلى الاتجاه الآخر سريعًا بعيدًا عن نظراته. تنهد بعمق ثم التفت متجه نحو غرفة المكتب. لتنظر ندى إلى المكان الذي كان يحتله منذ لحظات بطرف عيناها لم تجده.
فنظرت بكلتا عينيها للحظات من التفكير ثم نظرت إلى أشرقت. ثم نهضت متجهة صوب غرفة المكتب. وقفت تدق الباب فآذن بالدخول دون أن ينظر إلى الباب. دخلت لتجده يدخن سيجارة واضعًا قدميه أعلى المكتب ناظرًا إلى الأعلى. وقفت هي أمام المكتب وتحدثت بحجة أن تتحدث معه ليس إلا. "سمعتك بتتكلم عن الازياء الجديدة.. أنت شغـ.." قاطع حديثها بصوته الرجولي. "أنا لا أفضل اللف والدوران.. اتكلمي على طول."
تعجبت من حديثه وانتبهت أنه يتحدث الفصحى في بعض كلماته. فميلت برأسها قليلاً وتساءلت بفضول. "ليه بتتكلم فصحى أحيانًا؟! وضع قدميه على الأرض وهو يزفر دخان السيجارة في الهواء وتحدث بكبرياء. "لأن ما يميز الرجال ذات طبع خاص هي اللغة العربية." جزت أسنانها هامسة. "متعجرف! انتبه لهمسها فقال بحده. "سمعيني قلتي إيه." حركت رأسها بالنفي عدة مرات ثم جلست على المقعد المجاور للمكتب وقالت بوضوح.
"مقلتش حاجة.. المهم كنت عايزة اعرف حاجة.. هو شغلك في التصميم؟ حرك رأسه بالإيجاب وهو يسحب دخان السيجارة إلى صدره ثم زفره بهدوء. فانتظرت للحظات على أمل أن يبادلها بالحديث ولكن لن يفعل. فتنهدت بسأم وتحدثت بترجي. "أرجوك حابة أشوف التصاميم الجديدة.. خليك لطيف معايا لو لمرة واحدة بس." أطفأ سيجارته في المطفأة وقد ارتفع حاجبيه ونهض يستدير حول المكتب وهو يقول بخبث. "واللطف بالنسبة لك هو إني آخدك للتصاميم الجديدة."
حركت رأسها وهي تتابعه بمقلتيها حتى وقف أمامها مستندًا بيده على ساعد المقعد والأخرى على المكتب. فتراجعت بظهرها إلى ظهر المقعد تنظر إليه في دهشة بفضل قربه منها هكذا للمرة الأولى. اخترقت رائحة عطره الرجولية أنفها عن قرب لتصيب قلبها مباشرةً والذي أخذ يدق برهبة شديد حتى بدأ صدرها يعلو ويهبط بوضوح. فيما لاحت ابتسامة جانبية على ثغره وتحدث بصوت منخفض. "أنا اللطف بالنسبة ليا.. هو القرب منك ولكن بلطف.. أتكلم معاكي بلطف.."
رفع يده التي كانت على المكتب وضعها على وجنتها الناعمة بلطف متابعًا. "ألمسك بلطف مثلًا.." جحظت عينيها وشعرت بقشعريرة في جسدها بأكمله وقالت باضطراب. "أنت؟! يعني تقصد إيه؟! أخذ نفسًا عميقًا جعله يندهش من رائحتها الأنثوية الرائعة وانكسر تعجرفه الآن. فاستقام مبتعدًا عنها والتفت ليوالييها ظهره وهو يزفر بهدوء. فنهضت على الفور قبل أن يقترب منها بهذا الشكل ثانية واستأذنت بنبرة متوترة واتجهت نحو الباب. فأوقفها بحده. "استني...
أغمضت عيناها عنوة قابضة قبضتها والتفتت بهدوء تبتلع لعابها. فنظر إليها بطرف عيناه قاطبًا حاجبيه كعادته وقال بصوته الرجولي المميز. "اجهزي عشان تيجي معايا." تنهدت بهدوء وارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها وأخذت تشكره كثيرًا تضرب الأرض بقدميها كالطفلة ثم ركضت إلى الخارج تستدير حول نفسها بسعادة. فلاحت ابتسامة جانبية خفيفة على ثغره حتى يبدو أنها ليست واضحة. فلأول مرة يشعر أنه تسبب في سعادة أحدهم ولكن لم تستمر ابتسامته طويلًا.
فاختفت عندما تذكر رائحة عطرها التي أصابت قلبه. وجز أسنانه بغيظ وقام بإغلاق باب الغرفة وعاد إلى مكتبه ليجلس على مقعده الخاص به يدخن سيجارة بعصبية وهو يفحص الأوراق. يفعل أي شيء لتخرج تلك الفتاة من رأسه هي وعطرها المميز هذا. أما في الخارج فجلست ندى مع أشرقت واعطت لها كيس من الحلوى واخبرتها أنها لن تتأخر عليها قط.
ثم عادت إلى غرفتها لتبدل ثيابها المكونة من سروال أسود من القماش وسترة من لونين أسود من عند الصدر وأبيض من الأسفل. ثم رفعت شعرها كذيل حصان صغير والكحل حول مقلتيها جعلها أكثر جمالًا. ثم ارتدت الحذاء الأبيض الرياضي. وارتدت حقيبة على كتفها وخرجت واضعة يديها في جيبي سروالها وانتظرت للحظات حتى خرج رحيم من مكتبه متجه نحو الخارج محافظًا ألا ينظر إليها قط ونجح في ذلك.
خرجت خلفه بخطوات سريعة واستقلت سيارته ولكن بجوار السائق الخاص به وهو يجلس على المقعد الخلفي. قاد السائق متجهًا إلى الشركة. فنبظت ندى حولها بسعادة وجاءت عيناها على المرآة الجانبية لترى رحيم ينظر إليها. ولكن نظر إلى الاتجاه الآخر سريعًا وهي الأخيرة فعلت مثلما فعل. وبطرف عيناها نظرت إلى المرآة ثانية لترى وهو لم يراها هذه المرة. فتحدثت سرًا وهي لن تستطيع ألا تنظر إليه. "مش عارفة ليه كل يوم بحبك أكتر."
استند السائق بمرفقه إلى ساعد المقعد ليشعر بشيء ما. فنظر إليه ليجد حقيبتها فأمسك بها وقال بلطف. "يا حلوة شنطتك." نظر رحيم إلى السائق بلهفة وحدة مضيقًا عيناه قليلًا دون وعي منه. فيما نظرت ندى إليه بابتسامة واسعة وأخذت الحقيبة متمتمة بالشكر. فانتبه إلى الطريق وهو يقول بود. "مقعتش جنبي بنت جميلة قبل كده." قالت بلطف وهي ترتدي الحقيبة. "شكرًا لذوقك." جحظت عيناه ولامعت بضيق وغضب من حديثهم المتبادل هذا.
لم يعلم سبب ذلك الشعور السيء الذي سيطر على قلبه بل عضلاته بأكملها قابضًا قبضته بقوة وتحدث بصوت عنيف. "ركز في الطريق." حرك رأسه بالإيجاب فيما جحظت عينا ندى ونظرت خلفها بمقلتيها فقط. فصوته هذا دائمًا يشعرها بالخوف منه. التصقت بظهرها إلى المقعد وقد ابتلعت لعابها بصوت مسموع. عند وصوله صف السيارة في مكانها الخاص بمستر رحيم وترجل السائق ليفتح له الباب.
فهبط منها وهو ينظر له بحده ثم أغلق الباب واتجه إلى الباب الثاني ورحيم يتابعه بنظرة حادة قاطبًا حاجبيه. قام بفتح الباب لها وانتظرت للحظات كانت تتحدث في الهاتف وبمجرد أن أنهت المكالمة ترجلت وهي تشكره مجددًا. فوجد نفسه يضرب على السيارة بكف يده لينتبه الاثنان إليه ثم طلب منها بعنف أن تأتي معه. دخل إلى الشركة وخاصة المكان الخاص بالتصاميم الجديدة.
وبمجرد أن دخلت اتسع فاها وأخذت تلتفت حولها منبهرة بالفساتين وألوانها الفاتحة المميزة. تركها رحيم تأخذ جولة بينما هو جلس مع بعض العاملين حول طاولة دائرية كبيرة يتحدث معهم في أمور كثيرة عن العمل. لفت نظرها فستان أسود قصير لديه ذيل طويل من خامة الشيفون. تناولته لتنظر إليه عن قرب. فجاء أحدهم واقترب منها وأخذ ينظر إلى الفستان مبتسمًا ثم نظر إليها بإعجاب قائلًا. "هيبقى جنان عليك." نظرت إليه بلهفة ثم ابتسمت متمتمة بالشكر.
فطلب منها أن تأخذ معه جولة ليريها الفساتين فذهبت معه بعد أن وضعت الفستان الذي اختارته مكانه. ما أن أنهى رحيم الاجتماع نهض يبحث عن ندى ولكن لم تكن أمامه. فزفر بسأم وبدأ يسير في الأروقة بحثًا عنها حتى وجدها أخيرًا مع ذلك الشاب الذي يعمل في الشركة ويريها الفساتين. لم يستطع أن يتحكم في أعصابه حقا واتجه نحوها بخطوات سريعة كالبنزين المعلق به النيران لينفجر في ذلك الشاب.
عند قربه منها مد يده التي برزت أوردته بها ممسكًا بمرفقها بقوة وادارها إليه بعنف حتى تطاير شعرها على وجهها ونظرت إليه متأوهة. فجحظت عيناه وهو يتحدث بعنف. "أنتِ هنا وبدور عليكِ في كل مكان." حدقت به متأوهة بخفة محاولة سحب مرفقها من قبضته القوية تلك. فقال الشاب محاولًا التخفيف عنها. "مستر رحيم أنا كنتـ.." أشار بسبابته إليه مقاطعًا لحديثه بحده ومازال ينظر لندى بنظرات كادت أن تقتلها. "أنت تسكت ومتدخلش."
ثم التفت ليسير ساحبًا إياها خلفه فتعثرت عدة مرات بفضل سيره السريع وحاولت أن تسحب يدها ولكن لم يتركها وشدد عليها حتى وصل إلى سيارته. ففتح السائق الباب له. فترك يدها لتضع يدها على مرفقها الذي يؤلمها وتلألأت الدموع داخل مقلتيها حتى أصبحت حمراء. واتجهت نحو الباب الأمامي فأوقفها بصوته الخشن. "اركبى ورا." نظرت إليه بذلك الحزن الطفولي والتي جعل انفها لونه أحمر.
فرخى أعصابه فور رؤيته لدموعها التي جعلت قلبه ينتفض وينبض أول نبضة حب وحزن وأشاح بوجهه بعيدًا متجاهلًا نظرتها تلك وقلبه يعتصر ألمًا وكأن أحدهم ضربه ضربًا مبرحًا. جلست على المقعد الخلفي تنظر إلى الأمام في صمت ومازالت تمسك بمرفقها. فجلس إلى جوارها وجلس السائق أمام المقود عائدًا بهم إلى المنزل. نظر إليها قاطبًا حاجبيه وليس هذه المرة بحدة ولكن بتأثر. نظرت إلى الشوارع بواسطة نافذة السيارة وهي تمسح على عيناها.
وأخذت تفكر لماذا هو يعاملها بهذه الحدة. وأخذت عهدًا على نفسها ألا تتحمل أسلوبه هذا ثانيةً وستترك العمل معه فورًا. عند وصوله صف السيارة أمام الباب فترجلت من السيارة دون أن تتفوه بكلمة ووقفت تدق جرس الباب. فيما نظر رحيم إلى المكان الذي كانت تحتله منذ لحظات حتى لم ينتبه من سائقه الذي فتح له الباب منتظرًا خروجه.
ولم يفيق من شروده إلا على صوت السائق فترجل من السيارة بعدها ليرى ندى تدخل المنزل فدخل هو الأخير وأغلقت سيدة وفيه الباب. فيما دخلت ندى إلى غرفتها مغلقةً الباب خلفها بقوة. تبادلت نظرات وفيه بينه وبين غرفة ندى متسائلة. "حصل حاجة يا بني؟ جز أضراسه بشدة حتى تحرك صدغاه قاطبًا حاجبيه وقال بحده. "لأ محصلش حاجة." كانت تفتح أشرقت كيس الحلوى الكبير بعد أن أنهت واجبها المدرسي والرسم.
فلم تفتحه جيدًا وسقطت حبات الحلوى على الأرض تتدحرج في كل مكان. فنظر الاثنان إليها ليزفر رحيم بنفاذ صبر غاضبًا. فهو يفضل كل شيء يكون منظم أمامه ولا يفضل شيء كهذا أبدًا. تقدمت سيدة وفيه نحوها بخطوات سريعة وأخذت تتحدث معها بلطف. بينما أقترب رحيم منها وأمسك بذراع طفلته بحده قائلًا. "مش تاخدي بالك وتفتحي الكيس كويس." حاولت وفيه أن تهدئه ولكن طلب منها ألا تدخل بينه وبين ابنته.
لتخرج ندى من الغرفة على صوتهم العالي واقتربت منهم بخطوات بطيئة. لتجده يعامل أبنته بقسوة ويأمرها أن تنظف الأرض من تلك الحلوى. فبدأت أشرقت بالبكاء الذي يحرق القلب وهي تعتذر بقلب ممزق. لتجد ندى نفسها تبكي من أجلها وقلبها ينبض بألم. ثم ركضت إليها وابعدت رحيم عنها. فنظر إليها بلهفة متسع العينين. ثم جلست على ركبتيها تضمها إلى صدرها وتمسح على شعرها بحنان وهي تقول ببكاء. "أنا.. هنضف الأرض." تحدث بصوت خشن محذرًا إياها.
"لأخر مرة تدخلي بيني وبين بنتي." ثم تركهم وصعد إلى الطابق العلوي ومن ثم دخل إلى غرفته. فربتت وفيه على كتف ندى بلطف تعتذر لها بدلًا من رحيم وتهدئها. فنظرت إليها وهي تحرك رأسها بخفة ثم أخذت أشرقت إلى الغرفة وحاولت تهدئتها بشتى الطرق. وفي الأخير وضعت أرنب في يدها وأخذت تحركه وتتحدث بصوت رفيع كأنها تقلد الأرانب. لتضحك أخيرًا فابتسمت ندى بحزن. ثم اقتربت منها تقبلها على رأسها ووضعت الغطاء عليها ثم اتجهت صوب الباب.
فقالت بصوتها الطفولي. "ممكن تيجي تقعدي جنبي بليل لحد ما أنام." ممسكت بمقبض الباب ونظرت إليها وهي تقول بمرح. "طبعًا حبيبتي.. هجيلك ونقرأ القصص مع بعض." ثم أرسلت لها قبلة عبر الهواء وخرجت مغلقة الباب خلفها. ألقت نظرة سريعة على غرفة رحيم بحزن ثم أطرقت رأسها وسارت إلى الدرج وهبطت إلى الطابق السفلي لتجد رحيم يجلس على الأريكة يتناول القهوة. فنظرت إلى الأرض لتجد الحلوى كما هي. فقال ببرود دون أن ينظر إليها.
"نزلت لقيت سيدة وفيه بتنضفها منعتها وقلت لازم اللي أصر على تنضيفها هو اللي ينضف." أطرقت عيناها بحزن ثم مسحت على وجهها تتنهد بهدوء واتجهت صوب المطبخ دون أن تتفوه بكلمة برغم الحديث الكثير الذي تحمله داخل قلبها. ثم عادت ومعها أدوات التنظيف ووقفت تلملم الحلوى وهو يتفحصها بعينيه من أعلى لأسفل بإعجاب. حتى انتهت واعادت كل شيء كما كان ثم دخلت غرفتها مغلقةً الباب خلفها.
وضع فنجان القهوة أعلى المنضدة المقابلة له فيما خرجت سيدة وفيه ووقفت بجوار الأريكة وهي تقول بحزن. "رحيم بيه أول مرة تتعصب على بنتك بالطريقة دي.. ليه عملت كده؟ عصر جبينه بأنامله وشعر بالندم حقًا على ما فعله اليوم مع ندى وصغيرته. وما يشعر به الآن لا يستطيع أحد أن يفهمه فماذا يفعل الآن. رفع رأسه إليها بحزن واضح وهو يومئ بالنفي وتنهد ليشعر بضيق في صدره. ثم نهض عن الأريكة وهو يقول بهدوء. "كنت معصب."
اقتربت منه أكثر ومسحت على ذراعه بلطف وهي تقول بابتسامة بسيطة. "يبقى لازم تصالح أشرقت أنا عارفه إن روحك فيها.. وكمان تعتذر لندى." ثم أردفت بصدق. "بنت جدعة وطيبة وبتعامل ولادك بود وحب.. تقريبًا لو كانت جيجي هانم موجودة معانا مكنتش هتعاملهم كده." نظر إليها قاطبًا جبينه يداعب لسانه داخل فاه يفكر في حديثها بعمق ثم تنهد وتحدث تأكيدًا على حديثها كاسرًا الكبرياء الذي بداخله. "عندك حق.. لازم أصالح أشرقت واعتذر لندى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!