هبط الدرج متجهًا نحوهم بخطوات واسعة ووقف بجوارها قابضًا على معصم يد ذلك الشاب الذي يمسك بذراع حبيبته. سحب يده عن ذراعها وهو يعتصر معصمه جاعلًا من ملامحه تتألم دون أن يتحدث، فيما نظرت ندى إليه في دهشة. وقال الشاب بحنق: -أنت مين؟ وقف أمام ندى لتصبح خلفه وهو يحدق به بلمعة الغيرة الأتية من نار الجحيم وتساءل بصوت عنيف: -أنت اللي مين؟ -أنا صديق ندى وجيت أطمن عليها. اجحظت عيني رحيم يجز أضراسه بشدة قائلًا:
-أخرج من هنا وإياك تتكلم معاها تاني. وقفت ندى بينهم وأمسكت بيد رحيم وقالت بحدة: -رحيم سيبه. ابتسم بخفة وقال متعجبًا: -مين أنت علشان تمنعني أكلمها؟ وضعت يدها على وجهها فيما غضب رحيم من كلماته حقًا واشعلت الغيرة أضعافًا في قلبه. أخرجه من الفيلا وترك يده بعنف ثم رفع سبابته ينظر إليه بنظرة متوعدة وهو يتحدث بصوته الرجولي الحاد: -لو قربت من البيت دا تاني هتخرج على ضهرك. ارتفع حاجبي الشاب في دهشة غير مستوعب ما يحدث.
بينما دخل رحيم وأغلق الباب بعنف لتنظر ندى إليه بحدة واتجهت نحو الباب وكادت أن تفتح له ثانية لكنه منعها بالقبض على ذراعها واتجه نحو غرفتها ساحبًا إياها خلفه. وعند وصوله فتح الباب وأدخلها بعنف ثم دخل مغلقًا إياه خلفه فأبعدت شعرها عن عينيها واندفعت في وجهه بعصبية: -أنت ملكش حق تعمل كده.. وحبك دا حب مزيف. نظر إليها نظرة قاتلة مشيرًا إلى نفسه بعنف قائلًا: -علشان بغير عليكِ يبقى حبي مزيف؟ جزت أسنانها بغيظ وقالت بحدة بالغة:
-أيوه أنت قاسي ومتعرفش يعني أي حب.. شيل قناع الحب دا مش لايق عليكا. استفزته كثيرًا بحديثها لدرجة أنه خرج عن شعوره ووجد نفسه يصفعها بقوة على وجنتها جاعلًا من رأسها تستدير إلى الاتجاه الآخر. جحظت عيناها في صدمة ونظرت إليه نظرات عتاب بدموع تجمعت حول مقلتيها في لحظة فيما كان ينظر رحيم إلى يده بصدمة وصدره يعلو ويهبط ثم نظر إليها وعندما رأى دموعها التي هبطت على وجنتيها وجد نفسه يحتضنها.
وبعد لحظات استمع إلى صوت شهقاتها عقد بين حاجبيه بقوة قابضًا قبضة يده التي صفعتها عاصرًا إياها يعاتب نفسه حتى شعر بأنه يحتضر من كثرة الألم. حاولت أن تبتعد عنه لكنه منعها وأحكم قبضته عليها فقالت بصوت ضعيف: -ابعد عني وأخرج بره. -ندى.. قاطعته بهستيريا من الصراخ: -بقولك سبني.. أنا بكرهك. جحظت عيناه وصدم من كلمتها ولكن ليس أكثر من صدمتها فقد قذفت تلك الكلمة دون وعي أو تفكير منها.
ابتلع لعابه بهدوء ولم يهتم لتلك الكلمة واقنع نفسه أنها تقولها فقط لأنها غاضبة. رخى ذراعيه فابتعدت عنه فورًا مواليةً له ظهرها. تنهد بعمق ثم خرج مغلقًا الباب خلفه. بمجرد أن علمت بخروجه سقطت على الأرض تبكي بقهر واضعة يدها على مقدمة صدرها.
لم تفيق من نوبة البكاء إلا على صوت رسالة وصلت إلى هاتفها نهضت عن الأرض وأخذت الهاتف لتفحص رسالة صديقها الذي يسأل عن ذلك الغشيم فأرسلت له رسالة اعتذار ثم أغلقت الهاتف وألقت به على الفراش. ووضعت يدها على وجنتها التي تؤلمها أثر صفعته. تقدمت نحو المرآة ووقفت تنظر إلى وجنتها لتجدها تاركًا أثرًا لأصابع يديه بدأت بالبكاء ثانية ودلفت إلى المرحاض لتضع وجنتها أسفل الماء البارد لكي تهدأ قليلًا.
ثم عادت إلى الفراش دثرت نفسها به والدموع تهبط من عينيها بهدوء خارجي ولكن بألم داخلي يؤلمها حقًا. *** في الصباح لاتزال حبيسة غرفتها حتى إنها لم ترَ الأطفال اليوم ولم تتناول الطعام. دقت الساعة الحادية عشرة فنظرت إلى هاتفها لتجد الكثير من الرسائل. زفرت بسأم وكادت أن تفتح الرسائل لكن منعتها دقات الباب الثقيلة لتعلم أنه رحيم وضعت الهاتف جانبًا وأذنت بالدخول بعد أن نهضت عن الفراش.
فتح الباب ودخل مغلقًا إياه خلفه ووقف ينظر إليها ليلفت نظره وجنتها التي لاتزال حمراء أثر صفعته لها. كانت تنظر إلى الأرض وتلهث بصوت مسموع منتظرة حديثه لكنه لم يتحدث فتساءلت بحنق: -نعم؟ .. جاي ليه؟ تقدم نحوها يمد يديه إليها يكاد أن يمسك بذراعيها لكنها تراجعت للخلف وهي تقول من بين أسنانها: -متحاولش تقرب مني.. ويا ريت تبعد عني. حرك رأسه بخفة وقال بنبرة ندم: -ندى أنا أسـ..
توقف عن الحديث ناظرًا إلى هاتفها الذي وصلت له رسائل متتالية فعاد بالنظر إليها بحدة وتساءل بعنف: -أنتِ كلمتيه تاني؟ أخذت نفسًا عميقًا وزفرته دفعه واحدة ثم نظرت إليه نظرة تحدي ممزوجة بالغضب قائلة: -ملكش دعوة.. أكلمه مكلموش شيء ميخصكش. نجحت في استفزازه حقًا مبللًا شفتيه بلسانه بعنف ثم قبض على ذراعيها بقوة فتألمت ملامح وجهها قبل أن تتأوه وهو يناظرها بحدة الغيرة القاتلة مع لمعة عيناه المميزة عندما يغار وقال وهو يلهث:
-يخصني يا ندى أكتر ما تتصوري.. وليا فيكِ أكتر من نفسك.. وعايزك تفهمي أنكِ اتخلقتي علشاني. حدقت به وهي تحرك رأسها بخفة وبعد لحظات تركها ليأخذ هاتفها وطلب منها أن تفتحه لتنظر إلى الهاتف تومئ بالنفي.
جز على أسنانه طالبًا منها أن تفتح الهاتف فأغمضت عيناها لتهبط دموعها الساخنة على وجنتيها ببطء ثم فتحتهما وقامت بفتح الهاتف ليدير شاشته إليه وفتح تطبيق ”واتس اب” وتفقد رسائل ذلك الشاب حتى رأى اعتذار ندى له عم ما بدر منه ليلة أمس. أدار الشاشة إليها لترى رسالتها وهي تلهث بصوت مسموع وهو يقول بعنف: -بتعتذري.. يهمك أوي هو صح؟ ابتلعت لعابها ورفعت مقلتيها إليه وهي تقول بعناد: -أه يهمني.
حرك رأسه عدة مرات ضاغطًا على الهاتف بكل قوته ثم ألقى به في الحائط فشهقت ندى بصدمة ونظرت إلى هاتفها الذي سقط على الأرض فيما خرج رحيم مغلقًا الباب خلفه عنوة جاعلًا من قلبها ينتفض قبل جسدها. تقدمت نحو الهاتف وانحنت بجذعها لتأخذه وحاولت فتحه لترى الشاشة نصفها أحترق والنصف الآخر لونه أصفر.
وضعت يدها على فاها تبكي وجلست على حافة الفراش وشعرت بالألم لتقم بحذف تطبيق واتس اب بفضل أنه في المنتصف الذي يعمل ثم ألقت برأسها على الوسادة. *** “بعد مرور ثلاثة أيام..” حافظت ندى فيهما ألا تتحدث معه أو تراه ونجحت في ذلك. بالرغم من أنها اشتاقت إليه كثيرًا وكلما استمعت إلى نبرة صوته ترغب باحتضانه لتخبره بأنها اشتاقت إليه كثيرًا لكنها سيطرت على قلبها وعقلها سيطرة كاملة.
حاول هو أن يتحدث معها ولكن لم يستطيع فكانت تحبس نفسها في غرفتها معظم الوقت وتوهم الجميع بأنها متعبة ولهذا لم يزعجها أحد. كان يكتفي بالوقوف أمام باب غرفتها ليلًا لوقت ليس بالقليل يتحسس الباب ويمسك بالمقبض بعد لمساتها له واضعًا أذنه على الباب لعله يستمع إلى صوت أنفاسها.
ذات مساء ارتدت فستان طويل يصل إلى رسغيها بنصف كم لونه أخضر داكن ثم خرجت لتطمئن على الطفلين لتجد ريان يلعب بألعاب الفيديو وأشرقت تلعب مع العرائس بمرح داخل غرفتها. ابتسمت ندى ووقفت تنظر إليها بإعجاب فهي تذكرها بنفسها كثيرًا عندما كانت بعمرها ثم أغلقت الباب بهدوء وهبطت إلى الطابق السفلي واضعة يدها على رأسها التي تؤلمها ثم اتجهت نحو المطبخ وهي تتوعد لرأسها بعمل فنجان قهوة لعل الألم يهدأ.
دخلت لتنظر السيدة وفيه إليها وقالت فورًا: -رحيم طلب أقولك تعملي له قهوة. انتفض قلبها بمجرد أن سمعت أسمه وتنهدت بعمق متأوهة بخفة كم هي اشتاقت إليه. ثم شردت به تساءلت وفيه: -أنا ملاحظة إنكم مبتتكلموش.. في حاجة؟! لتفيق ندى من شرودها ناظرة إليها بابتسامة هادئة وقالت: -لاء خالص عادي.. هعمله قهوة حاضر. -طيب يا حبيبتي هو في مكتبه. أما هو فكان بالمكتب واقفًا أمام النافذة يدخن سيجارته وينفث دخانها في الهواء.
جاء له اتصال فالتفت إلى المكتب ليأخذ الهاتف وأجاب على المتصل والذي كان صديقًا له من روسيا يحدثه بلهجته واستمع فقط إلى حديثه دون أن يتفوه بكلمة حتى أنهى سيجارته وأطفأها في المطفأة الخاصة بها ثم تنحنح بخفة وتحدث باللهجة الروسية بصوت مبحوح: -حسنًا.. هذا يكفي بل وأكثر.. شكرًا لك صديقي العزيز. ثم أنهى معه المكالمة وتنهد بعمق مستشعرًا بالسعادة واتجه نحو الأريكة وجلس أمام الحاسوب يتابع عمله.
بعد دقائق قليلة دقت باب الغرفة ودخلت لتجده يجلس على الأريكة أمام الحاسوب اقتربت لتضع فنجان القهوة أعلى المنضدة دون أن تنظر إليه عن قصد. نعم اشتاقت إليه لكن ما فعله أغضبها حقًا. كادت أن تذهب إلا أنه قبض على معصمها أدارت رأسها إليه بحزن وهو يقول: -ندى لازم نتكلم. أجلسها على الأريكة وعندما تذكرت صفعته لها تجمعت الدموع حول مقلتيها ناظرة إلى الأمام في صمت.
وبمجرد أن أمسك بيدها سحبتها فورًا فأغمض عيناه تاركًا العنان للألم يشق طريقه داخل قلبه لينقسم إلى نصفين ثم فتحهما وقال بنبرة ثقيلة: -ندى.. وحشتي قلبي. جزت على أسنانها وقالت بحنق ممزوج بنبرة البكاء: -أنا مليش نفس أتكلم. ثم نهضت متجهة نحو الباب فأسرع بالنهوض ليتخطى خطواتها الصغيرة بخطواته الواسعة وأغلق الباب وباليد الأخرى أمسك بذراعها ليديرها إليه ضربته على صدره بغيظ محاولة أن تحرر يدها ولكن لم تستطع.
ثم أعادها إلى الأريكة وجلس بجوارها رافعًا أحد قدميه على الأريكة. فيما تركت ندى العنان لدموعها التي تقتل قلبها تهبط على وجنتيها وانفجرت بحديثها: -أنت ازاي بتحبني وبتعاملني بالقسوة دي.. رحيم أنا بجد مش حمل كده. وضعت ظهر يدها على أنفها تبكي ثم ابتلعت لعابها الممزوج بالدموع وأكملت بضيق: -أنا ما صدقت لقيت حد حنين عليا.. تيجي أنت تعاملني بالطريقة دي. ثم نظرت إليه بتلك العينين الممتلئتين بالدموع وتابعت بألم كالأسهم
الحادة تخترق صدرها: -دا صديق ليا يا رحيم ومفيش حاجة بينا رسمي علشان أقوله متكلمنيش علشان رحيم بيغير عليا لكن احترامًا ليك مسحت الواتس دا خالص علشان ميكلمنيش تاني.. لاء وتيجي تاني يوم تاخد تليفوني علشان تشوف إذا كنت كلمته ولا لاء ولما شفت اعتذاري له بعد اللي عملته معاه كسرت التليفون. كان قلبه يعتصر ألمًا واحتضن وجهها بكفيه يمسح دموعها بإبهاميه ثم استند بجبينه على جبينها وقال وهو يلهث بصوت مسموع وبنبرة ضيق:
-أعمل أي فغيرتي عليكِ يا ندى؟ .. دي حاجة مش بأيدي.. بحبك.. بحبك.. بحبك.. بحبك وبتخنق لو حد بس فكر يبصلك يا ندى. ترك وجهها ليمسك بيدها منحنيًا برأسه وأطبق شفتيه على راحة يدها الناعمة ثم رفع رأسه لينظر إليها بندم واضح على ما فعله معها وقال بنبرة مهلكة: -أنتِ فعلًا رقيقة وجميلة وحساسة يا ندى.. تستهلي واحد زيك بالظبط ميتعصبش عليكِ. ابتلعت كلماته بكف يدها التي وضعها على شفتيه ثم سحبتها وأطرقت عينيها تومئ بالنفي
وهي تقول بنبرة بكاء طفولي: -لا مش عايزة حد غيرك. قطب جبينه بابتسامة عيناه التي تجعله جذابًا أكثر ولكن سرعان ما اختفت وقال بنبرة ثقيلة مرهقة: -حبي جحيم يا ندى.. غيرتي بركان.. ومش يتتحملي عصبيتي. حركت رأسها بالنفي ثانية ثم اقتربت منه أكثر لتحتضنه بكلتي يديها ومسحت على شعره وهي تقول ببكاء:
-إذا كان حبك جحيم أنا راضية بيه.. وإذا كانت غيرتك بركان فأنا بحبها.. وعصبيتك بزعل منها بس لما تيجي تصالحني بحنيتك ورقتك دي بالدنيا كلها. احتضنها بشدة بكلتي يديه دافنًا وجهه بين ثنايا عنقها مستنشقًا عطرها الأنثوي الذي يشعره بالهدوء والسكينة ثم قبلها على أذنها برقة وهمس بحب منبعث من القلب مباشرةً: -كلامك سحرني يا ندى.. بحبك.. بحبك يا أغلى ما أملك.. أسف يا حبيبة قلبي.
ثم ابتعد عنها وقبلها على جبينها بحنان فأغمضت عينيها لتشعر بحنيته وكأنها داخل حلم رائع لا تريد أن تستيقظ منه قط. ثم هبط بقبلته بين عينيها بعد ذلك نهض متجهًا نحو المكتب فتحت عينيها لتنظر إليه وهي تمسح على وجنتيها. فتح درج المكتب وأخذ صندوقًا أسودًا وعاد إليها ليجلس أمامها وقام بفتح العلبة لتنظر إليها وهو ينظر إلى ندى بعينين مبتسمتين.
رأت ورقة بيضاء فأخذتها لترى أسفلها علبة هاتف جديد ومن أحدث أنواع الـ”آيفون” وجدت نفسها تبتسم ثم فتحت الورقة أولًا وقرأت بعينيها:
”لقد بحثت كثيرًا وكثيرًا بين الورود كي أجد كلمات تناسبك لم أجد ..فبحثت بين أمواج البحار لم أجد أيضًا ..لأذهب بين الطرقات وأشق بلاد لكن بلا جدوى فلم أجد كلمات تناسبك ..فبحثت بين كل شيء جميل عيناكِ تراه لم أجد سوى نظراتك تأسرني ..بحثت داخلي لأجد قلبي ينبض بشدة ومع كل نبضه يخرج حرف مميز بلغة مميزة وقمت بترتيب تلك الحروف لأجد أخيرًا كلمات تناسبك ..تعلمين لماذا وجدتها في قلبي وليس في شيء آخر؟!
لأنكِ خلقتِ لي ولروحي ولقلبي فقط ..فإذا كنتِ وجدتِ الكلمات بين الورود أو الأمواج أو بين البلاد لكنتِ شعرتِ بالغيرة ودمرتِ الورود ودمرتِ الأمواج ونسفتِ البلاد ودمرتِ كل ما هو جميل حتى لا تري غيري.. فكلماتكِ الخاصة داخلي أنا.. ندى أحبك كثيراً وأغار أكثر ..آسف حبيبتي ..بحبك وهل يوجد حب بعد حبي لكِ ؟! ..هلا نظرتِ إلى عيني الآن وقلتِ بحبك.. رفعت عيناها عن الورقة ونظرت إليه تدريجياً حتى تقابلت عيناهما كما
طلب منها وقالت بنبرة خجل: -بـ بحبك. ثم احتضنته لتختبئ من نظراته فضحك ضحكة خفيفة خطفت أنفاسها ثم شاركها بالعناق هامساً بالقرب من أذنها: -بحبك. ابتعد عنها وأعطى لها الهاتف طالبًا منها أن تفتحه لتنفذ رغبته وأخذت تفحصه لتجده بثلاث كاميرات من الخلف فضمت شفتيها بإعجاب شديد قائلة: -واو.. كان نفسي فيه جدًا. أحاط وجنتها بيده ينظر إلى عيناها بعتاب واضح فنظرت إليه بابتسامة لكن سرعان ما اختفت عندما رأت نظرة العتاب
تلك وبعد لحظات قال بجدية: -متقوليش كلمة بكرهك تاني مهما يحصل بينا.
أطرقت برأسها بحزن وهي تومئ موافقة فمسح بإبهامه على شفتيها ثم انحنى برأسه وأطبق شفتيه بالقرب من شفتيها للحظات مغمض العينين ثم ابتعد عنها قليلاً يتأمل عيناها بحب اصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل ودقات قلبها تدق في صدرها لتشعر أيضاً بالتوتر بفضل قربه منها لهذه الدرجة ..هبط بمقلتيه إلى شفتيها ثم أطبق شفتيه عليهما فلم يستطع أن يقاوم طعمهما بعد أن تذوقهما من قبل كما أنه لم يستطع مقاومة جمالها أيضاً ..كان سيكتفي بتلك القبلة
السطحية لكن شيء ما منعه من الابتعاد ليقبلها بعمق واضعاً يده خلف عنقها يقربها منه أكثر حتى التصق أنفها بأنفه ..على الرغم من أنها لم تبادله فاكتفت فقط باتساع عيناها تتنهد باضطراب شديد وصل إلى مسامع أذنيه ليفلت شفتيها فوراً ونظر إليها ليجدها كالصنم لا تستطيع أن تتحرك وأنفاسها ثقيلة فقال متعجباً:
-ندى في أيه؟ لم تتحمل جسدها الثقيل هذا فسقطت رأسها على صدره رفع حاجبيه في تعجب شديد ثم ابتسم قائلاً: -لاء أنتِ بجد صعب.. فتح زجاجة المياه وأخذ القليل على يده ليمسح بهما على وجنتها فتحت عيناها بفزع ورفعت رأسها عن صدره تلتقط أنفاسها بهدوء ..ضحك ضحكة خفيفة استفزتها وقال بمكر: -يعني أنا اتجوزك إزاي دلوقت ..أنتِ بتنهاري من بوسه. جزت على أسنانها بغيظ وضربته على كتفه وقالت بحدة: -أنت وقحا.
فنفر ضاحكاً فنظرت إليه باستفزاز ثم أخذت أغراضها وغادرت الغرفة ولا تزال تستمع إلى ضحكاته.. اختبأت داخل غرفتها ثم جلست على الفراش تضع أغراضها عليه برفق لترفع يديها تضعهما أعلى صدرها الذي يعلو ويهبط وعند تذكرها لحديثه الأخير وجدت نفسها تبتسم بتعجب قائلة: -الوقح ..الوقح.
مساء اليوم التالي في الحديقة كانت تجلس مع الطفلين وارتدت في يديها أرنب وأرنبه وبدأت تحركهما بأصابع يديها وتتحدث بصوت رفيع كالأرانب وتمثل لهم مسرحية وهما يضحكان ..وبعد دقائق ليست قليلة من المرح اقتربت بيديها إلى كل من ريان وأشرقت وتحدثت بصوت خشن: -يلا يا لوزة كلي أشرقت وأنا هاكل ريان.. ثم دغدغت الإثنين ليضحكا بصوت عالي وهي متابعة: -هم ..هم ممم لذيذ يا لوزة ..هم ..و أشرقت لذيذة أوي يا لوز ..هم ..هم.
ثم توقفت وقبلت كل منهما على وجنته وخلعت الأرانب وضعتهما جانباً ثم أفرغت كيس المكعبات الكثير وقالت: -يلا اشتغلوا شوية عم اشرب واجيلكم. بدأ الإثنان يلعبان بالمكعبات ونهضت هي متجهة نحو الداخل بمرح ثم اتجهت نحو المطبخ وتوقفت عند الباب بمجرد أن سمعت تأوه السيدة وفيه.. فاستدارت في اتجاه الصوت لتجدها واقفة أمام الدرج واضعة يدها على ركبتها ..أسرعت إليها ووقفت بجوارها تمسك بمرفقها متسائلة: -مالك يا طنط ؟! أجابت بألم:
-رجلي بتوجعني شوية يا بنتي. -طيب ارتاحي وأنا هجبلك اللي أنتِ عايزاه. ربتت على يدها الممسكة بمرفقها وقالت: -كتر خيرك يا بنتي ..أنا كنت طالعه اجيب الغسيل اللي في حمام رحيم.
أومأت بالفهم وصعدت الدرج ثم دلفت إلى الغرفة.. من ثم دلفت إلى المرحاض وأضأت المصباح تبحث بعينيها عن سلة الغسيل حتى وجدتها بجوار رخامة الحوض فاقتربت منها وانحنت بجذعها لتحملها.. وهي ترفع ظهرها لفت نظرها كارت متوسط الحجم على الرخامة تركت السلة مكانها وأخذت الكارت لتقرأ ما يحمله من كلمات ” هذا القلم هدية خاصة لك ..لك أنت فقط ..بحبك رحيم ..امضاء زوجتك ” طبقت الكارت في يدها وهي تجز على أسنانها بغيرة واضحة ثم وضعت الكارت في
جيب سروالها وحملت سلة الغسيل لتعود إلى السيدة وفيه وأدخلت السلة إلى الغرفة الخاصة بغسل الملابس لتشكرها وفيه كثيراً ثم خرجت ندى متجهة نحو غرفة المكتب بخطوات سريعة.. عند وصولها اقتحمت الغرفة مغلقة الباب خلفها عنوة ..كان يجلس على المكتب موالياً ظهره للباب يدخن سيجارته ويعبث في هاتفه وبمجرد أن استمع إغلاق الباب التفت برأسه إليها ثم عاد بالنظر إلى الهاتف وهو يسحب دخان السيجارة إلى صدره ثم زفره في الهواء.. اقتربت نحوه
ووقفت أمامه تنظر إليه بحدة وصدرها يعلو ويهبط ثم أخرجت الورقة
ومدت يدها بها متسائلة: -عندك بتعمل أي دي ؟! رفع عينيه عن الهاتف لينظر إلى الورقة ثم أغلق هاتفه ليضعه جانباً ونظر إليها ببرود مستمتعاً بنظرات الغيرة الموجه له وهو يسحب دخان السيجارة ويزفره ثانية دون أن يجيب عليها استفزها حقاً وقالت بعصبية: -أنت مش بترد ليه ..بسألك. نفث آخر ما في السيجارة رافعاً قدمه اليمنى عن الأرض ليضعها على المقعد وهو يطفئ السيجارة ثم استند بمرفقه على قدمه التي قد رفعها وتساءل بمكر: -غيرانة ؟!
اتسعت عيناها قليلاً لتقرع دقات قلبها كالطبول وقالت بتوتر: -أ أ لاء طبعاً ..بسأل عادي. احتلت ابتسامة خبيثة على شفتيه وقال بقصد مضايقتها: -اتكلم براحتي بقى طالما مش غيرانة ..هي كانت جيبالي قلم هدية والكارت محتفظ بيه ..وجبتلي جاكيت كمان جميل جدًا محافظ عليه لدرجة اني مبلبسوش ..وقميص كحلي اللي بلبسه على طول ده. ابتلعت لعابها بصوت مسموع وتذكرت ذاك القلم في أول مقابلة بينهما وتساءلت من بين أسنانها وهي تلهث بصوت مسموع:
-القلم دا اللي نسيته في الكافيه ورجعت علشانه ؟! ليتذكر ذلك الموقف فأومأ بتأكيد والتقط هذا القلم من أعلى المكتب ليريها إياه ثم وضعه على أنفه يستنشق عطره ..فأخذت القلم وقذفت به جانباً ليقع في النافذة ولأنه ثقيل كسر قطعة من الزجاج ..نظر إلى النافذة في دهشة فيما هي كانت تتطلع إليه بحدة ثم نظر إليها ثانية وابتسم بذات الدهشة قائلاً: -واضح إنك مش غيرانة..
ألقت بالكارت على المكتب بعنف وكادت أن تسير إلا إنه أحاط خصرها وباليد الأخرى مسك بذقنها ينظر إليها وهو يتساءل بمكر: -كنتِ بتعملي أيه في حمامي ؟ قالت بتأفف: -مش هقولك غير لما تجاوب على سؤالي. رفع حاجبيه وقال هو الأخير بعناد: -وأنا مش هجاوب غير لما تعترفي بغرتك.
ثم رفع رأسها إليه لتنظر إلى عيناه التي تنظر إليها بابتسامة جذابة ..أطرقت عيناها بخجل واضح تفرك في أصابع يديها وهي تومئ برأسها على أنها تغار ..مسح بإبهامه على شفتيها وقال بنبرته الرجولية: -عايز أسمع. تقول بتلعثم: -أيوه ..بـ بغير عليك. ترك ذقنها ليمسح بظهر يده على وجنتها حتى وصل إلى أذنها ليضع شعرها خلفها ثم تنحنح بخفة وقال:
-الكارت ده لقيته في الدولاب بالصدفة حطيته في جيبي على أساس ارمي لما أخرج بس نسيت ..لما دخلت استحمى لقيته في جيبي فحطيته لحد ما استحميت ونسيته.. ثم تابع بالهمس: -علشان أنتِ تشوفي وأشوف الغيرة الحلوة دي. رفعت عيناها إليه في لحظة وأطرقتها ثانية متسائلة: -طيب والجاكيت والقميص ؟! ضحك ضحكة خفيفة ثم قبلها على جبينها بحنان وقال وهو يحتضن وجنتيها براحتي يديه: -لاء مفيش ولا جاكيت ولا قميص ..كنت بضايقك.
تنهدت بعمق وتساءلت بتوجس: -أنت لسه بتحبها ؟! قطب جبينه متعجباً من سؤالها وأجاب بجدية: -ندى أنا محبتهاش أكتر ما أنا حبيتك ..ولو كنت لسه بحبها مكنتش حبيتك. -أمال ليه محتفظ بالقلم بتاعها؟ -عشانه القلم خطه عجبني جدًا ..صدقيني محتفظ بيه علشان كده وبس.. وهي كانت جيباه من بره مش فاكر منين.. أومأت بالفهم فأشار إلى النافذة وقال مداعباً: -يلا صلحي الزجاج. لتنظر إلى النافذة ثم ابتسمت هامسة: -تستاهل. -مجنونة.
قاطع تلك اللحظة رنة هاتفها الجديد فأخذته من جيب سروالها لتنظر إلى شاشته التي تضيء باسم والدها مما رآه رحيم فاستند براحتي يديه على المكتب من خلفه ليرفع صدره الصلب للأعلى قليلاً ويطقطق ظهره.. فيما أجابت ندى ليخبرها بأنه مريض ويود رؤيتها الآن فأنهت معه المكالمة بعد أن أخبرته أنها قادمة إليه.. أعتدل رحيم في جلسته وتساءل بلؤم: -والدك ماله ؟! لتنظر إليه وقالت بهدوء: -تعبان شوية ..هروح أشوفه ساعة وهكون هنا.
أومأ بالموافقة فتركته وذهبت سريعاً ليشعل سيجارة أخرى ونفث دخانها في الهواء وتحدث ساخراً: -ألف سلامة على بابا. بعد مدة من الزمن.. وصلت إلى المنزل وترجلت من السيارة ثم دخلت تسأل عنه لتخبرها الخادمة الأجنبية أنه في الحديقة ..فخرجت ندى وجلست بجواره على الأريكة تنظر إليه بحزن نظر إليها بإرهاق واضح وبعد تبادل السلام بينهما ..مسحت على ذراعه برفق وتساءلت: -أيه اللي حصل يا بابا ؟ أغمض عينيه بقوة ثم فتحهما وقال بصوت ضعيف:
-خسرت خمسة وعشرين مليون جنيه يا ندى. صعقت من الرقم واضعة يدها على فاها وتساءلت في دهشة: -إزاي ده حصل ؟! -شحنة الزجاج وصلت روسيا متكسرة كلها.. ضرب على ركبته بقبضة يده وهو يزفر وقال بألم يكاد أن ينهار: -خمسة وعشرين مليون جنيه خسرتهم في غمضة عين ..بس عارف مين اللي عمل كده. أمسكت ندى بيده وقالت بحزن: -بابا صدقني الفلوس بتروح وتيجي واللي راح فداك ..المهم صحتك. قال بنبرة الجبروت والطمع:
-متقلقيش هما يومين بس وهرجع أقوى من الأول ..وهعرف أخد حقي كويس أوي. تنهدت بنفاذ صبر وقالت سراً: -مفيش فايدة فيك يا بابا ..ربنا يهديك. الفيلا.. دق علاء باب المكتب المفتوح ودخل فرفع رحيم عينيه إليه ثم عاد بالنظر إلى الحاسوب ..جلس بجواره على الأريكة مستنداً بمرفقيه على فخذيه مشبكاً يديه في بعضها البعض وقال دون مقدمات: -ندى إنسانة بسيطة ورقيقة جدًا ..فبلاش تخدعها. أغلق شاشة الحاسوب وأدار رأسه إليه وقال بحدة:
-ومين قالك إني هخدعها. نظر إليه قاطباً جبينه وقال بتأكيد: -أنا عرفت اسم ندى بالكامل من مدام وفيه لما سألتها عنها ..وعارف ومتأكد قد أيه أنت كنت بتحب بابا الله يرحمه.. تعمق رحيم بالنظر إليه فتابع بتيقن: -ومستحيل تحط إيدك في إيد اللي اتسبب في موت بابا وتتجوز بنته. تنهد بعمق ونظر إلى الأمام بعينين حادتين كالصقر وقال بعنف: -متدخلش في حياتي يا علاء.
-أنا عمري ما أدخلت في حياتك ..بس لما أشوفك بتعمل حاجة غلط لازم أمنعك أو على الأقل أفوقك.. ثم أردف: -ندى ملهاش ذنب باللي عمله والدها.. نظر إليه نظرة ساخرة ليفهم علاء معناها جيداً وقال بجدية: -أنا مستهتر وبتاع بنات ..لكن ندى مش زي أي بنت ..هتخسر كتير أوي لو ضيعتها من إيدك.
ثم ربت على كتفه ونهض ليغادر الغرفة تحت أنظار رحيم حتى اختفى من أمام عينيه ..وضع رأسه بين يديه يضغط عليهما بقوة ثم زفر بسأم وأخرج أي أفكار مزعجة من رأسه ونهض ووقف أمام المكتب يبحث عن مستند ما.. بعد دقائق قليلة وصلت ندى ودخلت بعد أن فتحت الخادمة الأجنبية لها ويبدو عليها الحزن من أجل والدها ..وقفت أمام باب غرفة المكتب تنظر إلى رحيم الذي يواليها ظهره للحظات من الصمت ..رن جرس الباب فنظرت إليه وكادت أن تتجه نحوه إلا أن الخادمة خرجت من المطبخ وفتحت الباب لتجد ندى امرأة بيضاء ذات عينين بنيتين داكنة وشعر ناعم منسدل على كتفها اليمنى بلون عينيها..
تساءلت على رحيم لتخبرها بأنه داخل غرفة المكتب. دخلت وقذفت ندى بنظرة اشمئزاز لتستعجب ندى من نظرتها. ثم دخلت الغرفة ببطء شديد تحت أنظار ندى حتى احتضنت رحيم من الخلف. فشهقت ندى بخفة واتسعت عيناها. بينما تفاجأ رحيم ونظر إلى تلك اليدين التي تحيط به فقالت بابتسامة واسعة: -وحشتني أوي يا رحيم بجد أوي. التفت إليها بحدة، نظرت هي إليه بحب وهو مندهش من هيئتها. فهي ترتدي سروال مجسم وكنزة حمراء قصيرة ذات أكمام عريضة.
ثم مسك بخصل شعرها وقال ساخرًا: -دا حجاب جديد؟! لوت ثغرها ثم أحاطت عنقه بذراعيها وقبلته على وجنته وقالت: -بقولك وحشتني. أزاح ذراعيها عن عنقه وقال بعصبية مفرطة: -أنتِ أي اللي جابك هنا.. اطلعي بره. حدقت به ثم قالت بحنق: -أنا جيت علشان أشوفك وأشوف أولادي. ثم تساءلت بهدوء: -أنا موحشتكش؟! ضربها بأنامله على جانب رأسها بعنف متسائلًا: -أنتِ فاقدة الذاكرة ولا إيه؟! ثم أردف بحدة: -أنا طلقتك.. ومش طايق أشوف وشك. رفعت
أحد حاجبيها وقالت بعناد: -دا بيتي ورجعت تاني. ثم استدارت برأسها لتنظر إلى ندى بحدة متابعة: -وهنضفه من أي حد قذر هنا. نظر إلى ما تنظر إليه ليرى ندى والتي اتجهت نحو غرفتها. فقبض على عنقها بقوة فجحظت عيناها وأصبح وجهها أحمر داكن وهو يقول بعنف: -لو جبتي سيرتها هطلع روحك. ثم تركها بعنف لتضع يديها على عنقها تسعل بشدة وتلتقط أنفاسها بصوت مسموع. ثم نظرت إليه بحدة وقالت: -ماشي أنا بقى عايزة ولادي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!