حملت ياسمين أحد طفليها ثم وضعت الرضاعة بفمه لتطعمه، بينما لين تنظر إليه بذهول كأنها ترى رضيعًا للمرة الأولى. ضحكت ياسمين منها قائلة: -في إيه؟ أول مرة تشوفي بيبي؟ أجابتها لين بتوتر كأنه طفلها لا طفل ياسمين: -هو ماله صغنون أوي كدا لية؟ أجابتها ياسمين قائلة: -هم بيتولدوا كدا. ما كادت أن تنهي جملتها عندما قاطعتها لين بحماس قائلة: -هو أنا ممكن أرضع التاني؟
أومأت لها ياسمين إيجابًا بابتسامة، فحملته لين بحذر شديد ووضعت رضاعته بفمه ليبدأ الطفل بالرضاعة بسكون. سألت وعيناها معلقتان به بهيام: -هو دا مين فيهم؟ -إللي معاكي قسور. خرجت لين عن هيامها بالطفل ناظرة إلى ياسمين وهي تقول بتعجب: -هو إية الأسامي دي؟ إيه قسور وغضنفر دول؟ -دي أسامي أسود... ضرغام من زمان وهو عايز يسميهم على أسامي الأسود. قالت لين بعدم اقتناع: -أيوة كان ممكن يسميهم حمزة وأسامة عادي يعني.
-هو حابب الأسامي دي. رفعت لين أحد حاجبيها قائلة: -طب وإنتي؟ أجابتها ياسمين ببساطة: -عادي يعني معنديش اعتراض. ثم أكملت قائلة وهي تبتسم باتساع: -بس هو وعدني إن أنا إللي هسمي البنوتة لما تيجي إن شاء الله. ابتسمت لين ابتسامة بدت متألمة رغمًا عنها. أخذت تقارن حالها بحال ياسمين دون شعور منها.
لقد أنجبت ياسمين طفلين وتأمل لإنجاب الثالث دون اعتراض من ضرغام، بينما هي زوجها يمنعها من إنجاب طفل واحد حتى. والأسوأ أنه لا يريد إعلامها بالسبب على الأقل. لم تخفَ على ياسمين نظرات لين الشاردة كما لم يخفَ عليها ما تفكر به. كبحت لين جماح تلك الدموع التي كادت تتكون بعينيها بسهولة كالعادة، قائلة بصوت مرتجف: -هو أنا ممكن أوريه لحسان؟
ورغم أنها تعلم أن لين تريد استمالته برؤية الطفل، إلا أنها وافقت. لعل المحاولة تريحها، أو لعلها تأتي بثمارها فحسان صعب توقع أفعاله. حدثت لين الطفل بعد أن أنهى وجبته كأنه يفهمها: -تعالى ألفك سندوتش يا صغنن. أحاطت الصغير بالغطاء المخصص له جيدًا قبل أن تحمله بحذر مجددًا خارجة إلى الحديقة. كان حسان يتابع عمله عندما رآها تخرج من الفيلا حاملة الطفل تستدعيه بنظراتها. تحرك تجاهها ناظرًا إليها بتساؤل، فقالت بصوت رقيق: -بص...
شوف حلو إزاي. نظر إلى الطفل الساكن بأحضانها دون أن يبدو عليه التأثر، على عكس تلك الجلبة التي أحدثتها بداخله بفعلتها تلك. نظر إليها ثانية فوجد عيناها تكاد تفيض دمعًا بسبب عدم إحرازها شيئًا مما تفعله... لماذا هو كالحجارة إلى هذا الحد؟ -مش عايز تشيله؟ سألته باستعطاف كمحاولة أخيرة، فأجابها قائلاً: -لا دا صغير أوي... ممكن يقع مني. نفت بحركة من رأسها قائلة: -متخافش مش هيقع.
مدت الطفل إليه ليحمله بحذر وقلبه تسارعت دقاته. لماذا يشعر بكل ذلك الحنان تجاه هذا الصغير؟ رغم أن قلبه قطعة من صفوان حتى أنه لم يحب لين إلى الآن، إلا أنه أحب ذلك الطفل. نظر إلى لين التي تحاول كبح دموعها وهي تنظر إليه برجاء، قائلاً: -لو خلفنا يا لين... إنسي حاجة اسمها طلاق. كانت مخاوفه دائمًا تتلخص بطفله المشرد. كان يخشى ألا تتحمل لين طباعه القاسية نوعًا ما رغم حبها له وتطلب الطلاق. ماذا إن كان لديهما ابن أو ابنة؟
إما سيعيش الطفل دون أب أو دون أم، أو لربما سيصبح مشردًا بين النزاعات. كانت تنظر إليه بذهول عندما أجاب تساؤلاتها غير المنطوقة قائلاً: -لو عارفة إنك هتتحمليني وهتتحملي طباعي يبقى نخلف مفيش مشكلة. ثم أكمل محذرًا: -بس لو شاكة إن ممكن صبرك ينفد بلاش أحسن نجيب طفل نظلمه مابينا. -إنت عارف إني بحبك. أجابها برد قاطع: -الحب ميغنيش عن المودة والاحترام يا لين... العلاقات بتنجح بالمودة والاحترام مش بالحب...
عشان كدا جواز الصالونات ناجح أكتر من الجواز عن حب... ولو إحنا علاقتنا نجحت هيكون بسبب المودة والاحترام. الفتايات عاطفيات بطبعهن وهي كذلك. اقتربت منه قائلة بحب خالص: -حتى لو كانت طباعك صعبة أنا مستعدة أتحملها عشانك وعشان إبننا... مفيش حد معندوش عيوب. -وأنا معنديش مشكلة إننا نخلف. ابتسمت باتساع واندفعت مقبلة وجنته، فنهرها بخشونة قائلاً: -لين. وضعت يدها على فمها بصدمة مما فعلته توًا على الملأ قائلة: -آسفة.
أخذت الطفل دالفة إلى الداخل مجددًا بخجل، بينما هو تلفت حوله خشية أن يكون رآه أحد من رجاله بهذا الوضع. كان جميع رجاله منشغلين بعملهم، ولكن لسوء حظه كان سليم يتقدم منه بنظرات عابثة قائلاً: -والعة معاك إنت يا عم. ثم أكمل قائلاً وهو يربت على ذراعه بعبث أكبر: -وأنت عامل فيها تقيل وبتاع. لم يجبه حسان فقد كانت عيناه معلقة بشيء ما بعيدًا. التفت سليم ليتحقق من ذلك الشيء لتتسع عينيه بخوف من تقدم الأسد منهما، ليندفع راكضًا.
أسرع بتسلق إحدى الأشجار الكبيرة ووقف على أحد فروعها، بينما هو يتمسك بالشجرة جيدًا كي لا يسقط. نظر إليه الأسد وهو يزأر، فهروبه أثار غريزة الصيد لديه، ولكن ليس جائعًا. صاح سليم بخوف قائلاً: -حسان... تعالى خد البتاع دا من هنا. تقدم حسان من الشجرة ببطء ثم أخذ يداعب الأسد دون أن يبعده عن الشجرة، فقال سليم يستعطفه: -إنت شايل مني يا حسان؟ مكانوش كلمتين قولتهم يعني... طب خلاص أنا آسف.
صرخ فجأة عندما حاول الأسد تسلق الشجرة، ثم نطق الشهادتين قبل أن يقول: -حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ضرغام... عشان مفيش حد بيربي أسد في بيته. -إنت فكرك إنه ميقدرش يطلعلك؟ سأله حسان بسخرية، فأجابه سليم: -عارف إنه يقدر بس الأسود مش بتحب تطلع على الشجر. ثم أكمل قائلاً برجاء: -بالله عليك يا حسان خده من هنا... آخر مرة ضرغام خلاني ألعب معاه عورني جامد في وشي.
ابتسم حسان بسخرية، بينما زأر الأسد وهو ينظر إلى سليم، فصاح به قائلاً: -ولا... متنساش نفسك ياض... دا إنت في الآخر قطة. أشار إلى ضرغام سريعًا ما إن التقطت عيناه اقترابه منهما، قائلاً: -ضرغام... تعالى خد البتاع دا من هنا. -طلعته من القفص ليه يا حسان؟ سأل ضرغام، فأجابه: -واحد من الرجالة طلعه يتمشى شوية. -دخله دلوقتي عشان في ناس جاية. بعد مرور ثلاثة أعوام. -أنا عندي حُصانة... جميلة وقرشانة.
كانت ياسمين تدندن بتلك الكلمات وهي تمشط شعر الفرسة وتزينه كما تزين الفتيات شعرهن. -إسمها فرسة يا ياسمين... مفيش حاجة اسمها حُصانة. أجابته بنبرة شديدة الرقة: -أنا بحب أقول عليها حُصانة. تنهد بصمت، فحملها هذه المرة جعلها حساسة وتميل إلى أكل الشوكولاتة والفراولة، كما أنها أصبحت لا تطيق القهوة وتتقيأ من رائحتها. -حُصانة حُصانة حُصانة... جميلة وقرشانة. قال ضرغام بانزعاج: -ياسمين... صوتك وحش.
تقوس فمها إلى الأسفل كحركة قديمة لها. تقدم منها سريعًا قبل أن تبدأ في بكاء يدوم لساعات طويلة قائلاً: -طب إنتي زعلتي ليه دلوقتي؟ -أنا عارفة إن صوتي وحش بس مبحبش حد يقولي كدا. نست حزنها فجأة وقالت سريعًا: -أنا محتارة أسمي بنوتي إيه؟ تعجب من حالها، لكنه قال: -أسميها أنا؟ قالت رافضة سريعًا: -لأ... أنا إللي هسميها إنت وعدتني. خرجت من الإسطبل ودلفت إلى الفيلا بسرعة، تعجب منها ضرغام.
ذهب سريعًا إلى الفيلا خشية أن تكون ليست بخير، ليتفاجأ بها تغمس الفراولة بالشوكولاتة الذائبة ثم تأكلها بتلذذ. ألهذا السبب ركضت إلى الفيلا فجأة؟! في صباح اليوم التالي. كانت ياسمين تبكي بعنف وهي تمسك بذراع ضرغام الذي يوشك على الانفجار من شدة غيظه، وهي تصيح: -أنا عايزة قطة كيوت. مسح على وجهه بعنف قائلاً: -ممكن تسبيني أروح الشغل؟ -لا مش هسيبك غير لما تجيبلي قطة.
تناول الشوكولاتة الذائبة ليطعمها إياها دون اعتراض منها قائلاً: -حبيبتي تصبر شوية بس وأنا هجيبلها قطط كتير. اتسعت عينيها قائلة: -بجد؟ أومأ إليها قائلاً: -أيوة بجد... اللبؤة قربت تولد وهتجيب قطط كتير تلعبي بيهم براحتك. -بس دي هتجيب أسود صغيرة... خلاص مش مهم هم بيكونوا شبه القطط أوي. أزال دموعها قائلاً: -كفاية عياط بقى... دا إنتي على ما تولدي هتكون المية إللي في جسمك خلصت. كاد أن يذهب إلى عمله عندما تشبثت بذراعه،
فقال بسأم: -إيه تاني؟ نظرت إليه بعيني الجرو قائلة: -أنا مش عايزة أقعد لوحدي... اتصلت بريم عشان تيجي قالتلي أحمد خطيبها جاي إنهردة ومش هينفع تيجي... والولاد في الحضانة ولسة قدامهم كتير... خدني معاك. تنهد قائلاً: -ماشي يا ياسمين. قبل حسان جبين لين قبل أن يذهب إلى عمله كما يفعل يوميًا، بل ويحافظ على هذه العادة جيدًا لأنها تديم المودة. جلست إلى جوار طفلها النائم بينما هي غارقة بتفكيرها.
لقد كانت تنتظر أن يحبها حسان على أحر من الجمر، ولكن خابت آمالها عندما لم تستشعر منه الحب مطلقًا. كان دائمًا يكتفي بالمودة، يكتفي بما هو كافٍ بالفعل. لقد صدمت عندما علمت كيف تم زواج ياسمين من ضرغام. لطالما تساءلت كيف نجحت علاقتهما بينما ياسمين كانت نافرة منه، إلى أن أجابتها أن ذلك بفعل المودة. كانت تحسب الحب ضروريًا بالعلاقات الزوجية، ولكنها أدركت أن ذلك غير صحيح، وإنما المودة والاحترام هما الضروريان فعلًا.
ربما يقوي الحب من الترابط أو يضيف بعضًا من التضحية، ولكنها عادة ما يسبب الآلام. محظوظ من لا يحب... لن يتألم عبثًا. من اكتفى بالمودة فهو آمن من تلك الآلام الموجعة. لقد خُطبت ريم إلى أحمد وستتزوجه دون حب، ولكنها لم تتعجب فقد تعلمت الدرس جيدًا. العلاقات تنجح بالمودة... لا دخل للحب في ذلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!