في أحد المطاعم الشهيرة، كانت تجلس أمامه تبتسم برقة. شعرها الغامق بخصلاته الشقراء ينسدل بنعومة على جانبي وجهها. كانت ترتدي فستاناً حريرياً بنفسجياً طويلاً، ذا فتحة صدر واسعة تبرز منطقة نحرها بجاذبية خطيرة، وذا أكمام طويلة شفافة. إطلالتها كانت بسيطة لكنها فائقة الجاذبية مثلها تماماً. مكياجها الناعم ولون أحمر شفاهها المميز يجذبه نحوها برغبة مخيفة. ابتسمت وهي تقول بعدما ارتشفت القليل من عصيرها المفضل:
"ما سبب هذه الدعوة، وفي يوم كهذا؟! هتف يتصنع عدم المعرفة: "ما به هذا اليوم؟! ردت ضاحكة: "دعوتني إلى العشاء في يوم زفاف أخيك." قاطعها بجدية: "لا تبدئين الآن.. أنتِ تعرفين كل شيء، فلا داعي لكل هذه المراوغات." اكتفت بإبتسامة هادئة عندما حمل عصيره يتناوله بدوره، ثم قال بعدما أعاد وضعه على الطاولة: "إذاً سأتحدث الآن." "كلي آذان صاغية لك." قالتها بجدية. ليبتسم بهدوء قبل أن يقول:
"اليوم ليس يوماً عادياً يا شيرين. اليوم نفذت أهم قرارين في حياتي لهذه الفترة.. بالأحرى نفذت إحداهما وسأنفذ التالي الآن." "ما هذان القراران؟! " سألته بإهتمام. ليجيب بنفس الجدية: "أول قرار نفذته.. طلقت ليلى." لم تبدُ عليها الدهشة، حيث اكتفت برد مقتضب: "جيد." سألها متمعناً النظر في ملامحها التي سيطر عليها البرود: "ألن تقولي شيئاً عن هذا؟! ردت ببرود: "ماذا سأقول؟!
بالطبع لن أواسيك، لأن هذا آخر ما تحتاجه. وبالطبع لن أبارك لك، لأنك طلقت ليلى بعدما دمرت حياتها كلياً وسرقت سنوات عمرها." "يكفي." قالها بحنق قبل أن يضيف بضيق: "من الأفضل ألا تقولي شيئاً." سألته بدورها: "لماذا تزعجك الحقيقة إلى هذه الدرجة؟! لماذا لا تعترف بذنوبك؟! رد بهدوء: "من قال هذا؟!
على العكس تماماً.. أنا أعترف بجميع ذنوبي، وهذا الفرق بيني وبين البقية. أنا أعترف بذنوبي وجرائمي بحق الجميع، لكنني راضٍ عنها للغاية. أما الإنكار فليس طبعي، والدليل إنني لم أنكر يوماً أي شيء فعلته حتى الآن." "أنت تخيفني." قالتها مرغمة. ليبتسم وهو يردد: "لا يجب أن تخافي مني.. طلبي لا يناسبه الخوف أبداً." "أي طلب؟! " سألته بإستغراب. ليرد بإبتسامة: "أخبرتك إن هناك قرار ثانٍ اتخذته منذ مدة وسأنفذه حالاً."
تطلعت إليه بإهتمام، ليضيف بقوة وجدية: "أنا أريد الزواج منك يا شيرين." تجمدت ملامحها للحظات قبل أن يخف جمودها وهي تردد بعدم إستيعاب: "تريد الزواج مني؟! أومأ برأسه وهو يجيب بجدية وثقة: "نعم، أنا أعرض الزواج رسمياً عليك، وأريد موافقتك بشدة." سألته وهي لم تستوعب بعد ما سمعته: "لماذا؟! "هذا سؤال غير منطقي أبداً." "بل إنه السؤال الأكثر منطقية.. لماذا تعرض علي الزواج الآن يا عمار؟! ولماذا تريد الزواج مني أنا تحديدا؟!
" سألته بقوة. ليرد بهدوء: "اخترت هذا التوقيت، لأنني كنت أنتظر إتمام إجراءات الطلاق رسمياً قبل أن أعرض الزواج عليكِ. يعني أكون حراً من أي ارتباط قبل تقديم هذا العرض. ولماذا أريدك أنتِ تحديداً؟! لأنكِ المرأة الوحيدة التي وجدت بها الزوجة التي أريدها وأتمناها.. المرأة الوحيدة التي تصلح أن تكون زوجتي." "هذا هراء.. أنا وأنت مختلفان تماماً.. وأنت بالطبع لا تتوقع أن أقبل بك بعد كل أفعالك الحقيرة."
توقفت عن المزيد من الكلام عندما لاحظت جمود ملامحه. ولا تعلم لماذا شعرت بألم في قلبها وهي تتحدث بهذه القسوة؟! هل طبيعتها ولطفها الزائد عادةً جعلاها تستاء من نفسها، لأنها تفوهت بكلام قاسٍ كهذا، أم إنها تألمت لأجله؟! نفضت هذه الأفكار عن رأسها وهي تنهض من مكانها، تردد بجدية: "أنا وأنت لا نناسب بعضنا أبداً.. أنا لا يمكنني العيش معك بكل ما تحمله داخلك من ظلام وقسوة.. بكل ما تفعله من جرائم وآلام في حق الجميع."
همت بالتحرك، لكنه قبض على ذراعها يجذبها نحوه، لتتلاقى عيناها بعينيه بنظرة طويلة. فرأت بعينيه شيئاً غريباً صادماً.. شيئاً يشبه الرجاء. هل يرجوها بنظراته حقاً أم تتوهم؟! شعرت بقلبها يهوى أسفل قدميها من نظراته تلك، فهمست بتوسل: "عمار.. اتركني من فضلك." رد بقوة وإباء: "لن أتركك قبل أن تعترفي أمامي، وأنت تنظرين داخل عيني، إنك لا تشعرين بأي شيء نحوي ولا تحملين داخلك شيئاً لي." "ماذا تفعل أنت؟! ما هذا الطلب السخيف؟!
" همست بضعف وهي تحاول التحرر من قبضته، بينما عيناها تنظران إلى الناس حولها، تخشى أن ينتبه أحدهم لوضعهما، قبل أن تعاود النظر إليه فتضيف برجاء: "اتركني يا عمار.. الجميع سينظر إلينا.. أرجوك." حرر ذراعها، لِتندفع بسرعة خارج المكان. فيجري مندفعاً خلفها، عندما تبعها خارج المطعم، ينادي عليها بأعلى صوته. فتتوقف مكانها تلتقط أنفاسها بصعوبة، فتشعر به يقترب منها قبل أن يقبض على ذراعها، يديرها نحوه، يأمرها بقوة:
"أخبريني هيا.. قولي إنك لا تشعرين نحوي بشيء." "عمار.." قالتها بتوسل. ليهتف وهو ينحني نحوها أكثر، مقرباً وجهه من وجهها: "لن تستطيعي التأثير علي بما تفعلينه.. لن أتركك ولن أتراجع عن طلبي إلا عندما تخبريني بصدق، إنني لا أعني لك شيئاً." "ابتعد من فضلك." همستها بتوسل وهي تشعر بنبضات قلبها ترتفع بقوة. فيقرب وجهه من وجهها أكثر، يهمس بخفوت مغرٍ: "هيا قوليها.. ماذا تنتظرين؟! قوليها يا شيرين." صاحت بحرقة وهي تدفعه بقوة بعيداً
عنها: "نعم.. أنا أشعر بالكثير نحوك.. ما زلت تهمني وما زالت مشاعري القديمة موجودة.. لم يتغير شيء.. رغم كل شيء.. مشاعري ما زالت كما هي.. ربما خفت بمرور السنوات، لكنها ما زالت موجودة.. اللعنة عليك.. هل ارتحت الآن؟! "كثيراً." قالها مبتسماً قبل أن يجذبها نحوه بقبلة صادمة عنيفة. فتدفعه بعد لحظات بعيداً عنها، وهي تصفعه على وجهه بقوة، قبل أن ترفع إصبعها في وجهه وهي تردد بتهديد:
"إياك أن تكررها.. أنا لست واحدة من عاهراتك.. هل تفهم؟! تحركت مبتعدة، عندما سيطر هو على غضبه بصعوبة، وصاح بصوت عالٍ وصل إليها، وهي التي كانت على وشك ركوب سيارتها: "أنتِ لستِ كذلك ولن تكوني يوماً.. أنتِ ستصبحين زوجتي.. المرأة التي تحمل اسمي.. حلالي وإمرأتي.. فلا داعي لكل هذا.. أنا لم أنظر يوماً إليك بهذه الطريقة.. فكري بعرضي جيداً.. فأنا أنتظر قرارك النهائي بأسرع وقت." ***
دلفت إلى داخل الشقة التي اختارت أن تقضي ليلتهما الأولى فيها، بدلاً من الذهاب إلى فندق راقٍ كما اقترح عليها هو. أرادت أن تقضي ليلتهما الأولى في هذه الشقة لسبب غير محدد. ربما لأنها شعرت بالدفء يسيطر عليها في المرات القليلة التي جاءت بها إلى هنا. وربما لأنها تشعر إن هذا المكان كان يحمل بداية جديدة له. أو ربما لأنه عاش الفترة السابقة وحيداً هنا، فقررت أن تقضي معه الأربعة أيام المتبقية لهما هنا، تمحو أي ذكريات له تملؤها الوحدة، وتمنحه ذكريات خاصة بهما.
أشياء كثيرة أرادتها وحلمت بها وخططت لها، لكن كل شيء ذهب هباءً. سمعت صوت إغلاق الباب، فلم تشعر بالخوف الذي من المفترض أن تشعر به أي عروس، لأنها تدرك جيداً إنه لن يحدث أي شيء الليلة. هي لن تسمح أن يحدث أي شيء، وهو لن يرغمها بالطبع، فلا وجود للخوف. الشيء الوحيد الذي تشعر به حالياً هو الألم والحسرة، وربما الضياع. وهذا ما يجعلها ترغب بالانفراد مع نفسها قليلاً.
شعرت به يقترب منها، فظلت واقفة مكانها عندما وضع كفيه فوق كتفيها، فانتفضت مبتعدة بسرعة عنه، مستديرة نحوه بملامح عصبية. هتفت تسبقه بالحديث: "أين الغرفة الأخرى التي لا تمكث بها أنت؟! أريد تغيير ملابسي والنوم حالاً، لأنني متعبة." هتف بجدية: "حياة.. نحن يجب أن نتحدث." قالت بقوة: "بماذا سنتحدث؟! ماذا تريد أن تقول؟! رد بجدية: "تفسير.. أريد أن أمنحك تفسيراً لما رأيته.. اسمحي لي بذلك على الأقل." ردت بجفاء:
"صدقني مهما فسرت، فلن يغير حقيقة ما رأيت.. وأنت لن تستطيع أن تغير من حقيقة ما رأيته وشعرت به يا نديم.. لذا من الأفضل لك ولي أن نترك أي أحاديث لا معنى لها ولن تضيف لنا شيئاً. دلني على مكان الغرفة الثانية من فضلك، فطاقتي نفذت ولا يمكنني البقاء هكذا.. أحتاج إلى النوم حالاً أكثر من أي شيء." نعم.. هي تحتاج إلى النوم، بل بالأحرى إلى الهروب. حاول أن يتحدث محدثاً، لكنه تراجع، وهو يرى الإصرار بعينيها، فقال بجدية: "تفضلي."
سارت خلفه إلى الغرفة المجاورة لغرفته، لتدلف إلى الداخل، تتأمل الغرفة الأنيقة بصمت، قبل أن تلتفت نحوه، تجده يتأملها بهدوء، دون وجود تعبير محدد على ملامحه. "أحتاج حقيبتي." قالتها وهي تحاول الخروج من الغرفة. لكنه أوقفها قائلاً: "سأجلبها أنا." خرج وعاد بعد لحظات يحمل حقيبتها التي تحمل قليلاً من ملابسها وأغراضها. وضع الحقيبة على الأرضية وسألها بإهتمام: "ألا تحتاجين شيئاً آخر؟! ردت بجمود: "كلا.. شكراً لك." عاد يسألها:
"ألن تتناولي العشاء قبل النوم على الأقل؟! ردت بإقتضاب: "كلا.. لا شهية لدي." هز رأسه متفهماً، ثم منحها نظرة طويلة، وجدت بها شيئاً غريباً لم تفهمه، قبل أن يتحرك خارج الغرفة. فتندفع بسرعة نحو الباب وتغلقها بقوة، قبل أن تتجه نحو السرير، تجلس عليه، تسمح لدموعها لأول مرة أن تتساقط على وجهها بحرية.
مر بعض الوقت قضته تبكي بصمت.. تبكي دون أن تفعل شيئاً آخر. توقفت عن بكائها بعد مدة ليست قصيرة، لتنهض من مكانها، تجر قدميها نحو الحمام الملحق بالغرفة بتعب، بعدما خلعت حذائها. وقفت أمام المغسلة، حيث فتحت صنبور المياه، وبدأت تغسل وجهها بالماء البارد عدة مرات، قبل أن تجففه بقوة. اتجهت خارجاً وفتحت الحقيبة، تسحب منها بيجامة حريرية لها، قبل أن تقع عينيها على قميص النوم الكريمي الذي اشترته لأجل الليلة. فكتمت دموعها بصعوبة، وهي تحمله من مكانه، تتأمله للحظات، قبل أن ترميه بإهمال في الحقيبة مجدداً، وتتجه لخلع فستانها وارتداء البيجامة.
ارتدت بيجامتها، ثم فكت تسريحتها البسيطة، محررة شعرها القصير، لتتجه بسرعة نحو السرير، بعدما فتحت جهاز التكييف وأغلقت الضوء، حيث اندست بجسدها أسفل غطاء السرير، تغمض عينيها بقوة، تحاول ألا تفكر بشيء كي تنام بأسرع وقت. لكن رغماً عنها، عادت ذكريات الليلة تغزو عقلها، فبدأت دموعها تتساقط مجدداً، وشهقاتها تظهر هذه المرة. استمرت في بكائها أسفل الغطاء لوقت ليس بقليل، قبل أن تذهب في نوم عميق أثناء ذلك.
أما في الخارج، فوقف نديم في الشرفة يستنشق الهواء بقوة، محاولاً السيطرة على أعصابه الثائرة بعد كل ما حدث. لقد تدمرت هذه الليلة تماماً، وانتهت فرحته قبل أن تبدأ. لا يعلم بمَ عليه أن يفكر؟!
من جهة ليلى وما علمه منها وترك داخله أثراً عميقاً، ومن جهة حياة وما سببه لها من ألم، والنتيجة إن مشاعره اختلطت تماماً. لكن شعور واحد واضح داخله نحو الاثنتين.. هو يشعر بتأنيب ضمير شديد تجاه كلا من حياة وليلى، مثلما يشعر إنه خذل الاثنتين. وهذا يجعله يرغب بالاختفاء من على وجه الأرض.
كان يتمنى حقاً أن يتخطى حديثه مع ليلى بوجود حياة، وقد استعاد ثباته واصراره، وظن إن وجود حياة سيساعده كثيراً، فهي تستطيع أن تؤثر عليه بقوة وتبعد كل الأفكار المؤلمة من قلبه وروحه. وجودها كالبلسم لجراحه. لكن ما حدث قلب كل الموازين.. فحياة هي الأخرى تخلت عنه بعدما تألمت منه. هجرته في أول ليلة لهما كزوجين. سرقت منه كل شيء أراده وخطط له. وها هو يقف وحيداً في شرفة شقته، يدخن سيجارته بصمت، وعقله يكاد ينفجر من التفكير، وقلبه يتألم لأسباب كثيرة.
ظل مستيقظاً حتى الصباح، وقد فشل في الحصول ولو على ساعات قليلة من النوم. اتجه نحو غرفته، حيث خلع ملابسه وأخذ حماماً سريعاً، قبل أن يخرج وهو يجفف شعره بالمنشفة، مرتدياً ملابس بيتية مريحة. وقف يتأمل نفسه في المرآة للحظات، قبل أن يعقد العزم على الدخول إلى المطبخ وتجهيز الفطور لهما.
بالفعل بدأ يجهز الفطور، حيث أعد البيض، وأخرج أنواعاً مختلفة من الأجبان والقشطة والعسل وغيرها من الأشياء. وبعدما أعد الشاي الذي تفضله هي على الفطور، اتجه لإيقاظها. عندما فتحت له الباب بعد لحظات بملامح ناعسة، فتأمل بيجامتها الرقيقة وملامحها المحببة وشعرها المبعثر قليلاً. ابتسم رغماً عنه، مردداً: "صباح الخير." ردت ببرود: "صباح النور.. ماذا هناك؟! تجاهل برودها يجيب بإبتسامة متحفظة: "الفطور جاهز." همت بالرفض، لكنه سبقها،
وقد شعر برفضها: "لقد أعددت الفطور بنفسي، وأنتِ لم تتناولي شيئاً منذ صباح البارحة، وبالتأكيد جائعة للغاية، وأنا مثلك تماماً، لذا ضعي خلافاتنا جانباً وتفضلي معي لتناول الفطور." شعرت بالجوع يسيطر عليها بالفعل، فهزت رأسها تهمس: "دقائق وأتبعك."
اتجهت بعدها نحو الحمام، تغسل وجهها جيداً، قبل أن تقف أمام المرآة، ترفع شعرها بكعكة بسيطة، قبل أن تخرج له. تأملها بطلتها البسيطة، وهي ما زالت ترتدي بيجامتها الحريرية، ورغماً عنه شعر بالإنجذاب نحوها، وشعور إنه أصبحت زوجته منحه شعوراً قوياً يجمع بين الطاقة الإيجابية والسعادة.
جلست أمامه وبدأت تتناول طعامها بصمت، دون أن ترفع عينيها لحظة واحدة وتنظر في وجهه، بينما كان هو يتأملها بإهتمام، دون أن يرفع نظراته لحظة واحدة عنها. شعرت بنظراته مسلطة عليها، فتعمدت عدم النظر له والإنشغال بتناول طعامها، قبل أن تنهي فطورها بسرعة وتنهض من مكانها، متجهة إلى غرفتها مجدداً، حيث أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم اتجهت تستلقي فوق سريرها بتعب شديد، وتغمض عينيها لتذهب في النوم مجدداً بعد دقائق. ***
تعمدت الخروج من المنزل باكراً، قبل أن تلتقي بوالدتها وأختها. لقد قضت الليلة كاملة تنازع أرقها، حتى غلبها النعاس أخيراً في ساعات الفجر الأولى، فلم تنم سوى أقل من ثلاث ساعات، كانت مليئة بالكوابيس المرعبة.
ركبت سيارتها وقادتها بمزاج سيء جداً. مهما تظاهرت بالقوة، فهناك شيء داخلها انكسر. حب حياتها تزوج، ورغماً عنها تتألم. هذا هو الحب، وهذا واقعه. في النهاية، هي إنسانة لديها طاقة تحمل.. لديها مشاعر وأحاسيس، ولا يمكنها أن تسيطر على شعورها المؤلم باستمرار. يشهد الله عليها إنها تقاوم مشاعرها.. تحاربها بشراسة وتحاول أن تخفيها عن نفسها قبل الجميع، لكن المشاعر داخلها ما زالت موجودة، تظهر بين الحين والآخر رغماً عنها، وهذا ما يحدث معها اليوم تحديداً.
أوقفت سيارتها في كراج الشركة، ثم خرجت منها ودلفت إلى الشركة بملامح جامدة، تحاول من خلالها إخفاء ألمها. ركبت المصعد واتجهت إلى مكتبها، حيث وجدت السكرتيرة تستقبلها بترحيب، فهمست لها بخفوت: "لا أريد أي مقابلات أو أي شيء يخص العمل، حتى أخبرك بذلك." ثم دلفت إلى المكتب، تغلق بابه خلفها، وتتجه على الكرسي المجاور للمكتب، تجلس عليه، تتراجع برأسها إلى الخلف، مغمضة عينيها، محاولة طرد تلك الأفكار عنها.
مرت حوالي نصف ساعة وهي على هذه الحال، عندما سمعت صوت الباب يفتح، فقالت وهي تفتح عينيها بسرعة: "ألم أخبرك ألا تدخلي مكتبي قبل أن أطلب منك ذلك؟! توقفت عن حديثها، وهي تراه أمامها.. الرجل الذي دمر حياتها بالكامل وسرق سعادتها. تابعته وهو يغلق الباب بقوة، ثم يتقدم نحوها، مردداً ببرود: "صباح الخير يا ليلى.. أم أقول صباح الخير يا زوجتي السابقة.. أو طليقتي.. لا فرق بينهما." سألته بحدة، متجاهلة حديثه:
"ماذا تفعل هنا منذ الصباح؟! رد ببرود، وهو يتجه ويجلس على الكرسي الرئيسي للمكتب: "جئت لكي نتحدث بشأن العمل.. لا تنسي إن هناك الكثير من الاتفاقيات بيننا، إضافة إلى الشيكات." قاطعته بضيق: "لا يمكنني العمل الآن.. أنا مرهقة و.." قاطعه ببرود: "أنتِ المديرة العامة للشركة.. ألم تستوعبي مكانتك بعد وأهمية منصبك الجديد؟!
كونك مديرة، فلا يوجد شيء اسمه مرهقة أو متعبة أو مزاجي ليس جيداً. توقفي عن البكاء على أطلال من باعك، وفكري بما ينتظرك.. توقفي عن الجري وراء مشاعرك الغبية، لأن هناك أشياء أهم تنتظرك." نظرت إليه بحقد، فشلت في إخفائه. ليقول بجدية، متجاهلاً حقدها الظاهر عليها ناحيته:
"قاعدة أساسية يجب أن تعملي بها، كي تكوني سيدة أعمال ناجحة.. العمل والعواطف لا يجتمعان سوياً يا ليلى. عندما تدخلين إلى الشركة، عليك أن تضعي كل مشاكلك الشخصية والعاطفية ومشاعرك جانباً. أنتِ هنا ليلى سليمان.. مديرة الشركة.. هنا في هذا المكان، لا تستعملي سوى عقلك، أما أي شيء آخر، فاتركيه خارج هذا المكان.. هناك منزل يمكنك أن تنهاري به كما تشائين." نهضت من مكانها، وهي ما زالت ترميه بنظرات نارية، قبل أن تهتف بقوة:
"شكراً على نصائحك، لكنني لا أحتاجها.. أنا أعرف كيف أدير شركتي بنفسي.. اسمح لي، فأنا سأغادر الآن، لأن الجو بوجودك أصبح لا يطاق." ثم اندفعت خارج المكان، متجهة خارج الشركة بأكملها. اتجهت إلى الكراج وركبت سيارتها، قبل أن تنهار باكية، وقد فقدت كافة محاولاتها للسيطرة على نفسها. استمرت في بكائها، قبل أن تمسح دموعها وتقود سيارتها، وهي تحاول ألا تبكي. حيث قررت التوجه إلى أحد المقاهي الهادئة للانفراد بنفسها قليلاً.
توقفت أمام أحد المقاهي الهادئة المعزولة. جلست على إحدى الطاولات المعزولة قليلاً، وطلبت مشروباً دافئاً. بعد مدة قصيرة، جاء النادل يحمل لها طلبها. أخذت ترتشف القليل من مشروبها الدافئ بشرود. رغم إن الصيف ما زال في منتصفه، ورغم حرارة الجو في الخارج، لكنها شعرت بالحاجة لمشروب دافئ جداً في هذه اللحظة. مشروب يمنحها الدفء الذي تفتقده منذ مدة طويلة. نوبة البكاء التي أتتها قبل قليل ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، لكنها ستتجاوزها بالتأكيد. ستتخطاها كما تخطت الكثير قبلها.
ارتشفت قليلاً من مشروبها، قبل أن ترفع عينيها الحمراوين، وآثار البكاء ما زال يحتلها تماماً، لتتأمل ذلك الذي دلَف إلى المقهى بخطوات واثقة ونظرات حازمة. وقد تذكرته فوراً. اللعنة.. إنه ذلك الشاب الذي صدمت سيارته قبل أيام. ما الذي أتى به هنا؟! انتبهت لا إرادياً إلى النادل الذي تقدم يحييه بإهتمام لا يحظى به سواه، قبل أن تتفاجأ بنظراته تتجه نحوها، فخفضت وجهها بسرعة، مفكرة إنه بالتأكيد لم ينتبه لوجودها، وإن نظرته كانت عفوية.
لحظات قليلة شعرت بظل يتشكل فوقها، فرفعت وجهها لتنصدم بعينيه الباردتين تنظر مباشرة إلى عينيها، قبل أن يهتف بصوت هادئ، لكنه بارد: "هل يمكنكِ تغيير طاولتك إذا سمحتِ؟! "عفوا؟! " رددتها بعدم فهم. ليضيف موضحاً: "أنا معتاد على ارتياد هذا المقهى بصورة مستمرة، وهذه طاولتي الدائمة هنا. من فضلك اختاري أي طاولة أخرى." قاطعته بحدة وصوت ارتفع قليلاً: "أنا أتيت قبلك وجلست عليها قبلك، وبالتالي لا يحق أن تطلب مني شيئاً كهذا."
"حسناً اهدئي، لا داعي لكل هذه العصبية." قالها بقليل من التهكم. لتنظر له بنظرات مشتعلة، فيضيف ببرود ساخر: "ليس ذنبي أن ألتقيك صدفة للمرة الثانية، وأنتِ تعانين من أزمة ما.. المرة السابقة فرغت حزنك وغضبك في سيارتي، والآن تريدين تفريغ آلامك بي أنا." انتفضت من مكانها تهتف، وهي ترفع إصبعها في وجهه بقوة: "أنت من تظن نفسك كي تتحدث معي هكذا؟! رد بنفس البرود المغيظ، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
"لا تنسي إنني تنازلت عن البلاغ ذلك اليوم، وإلا كنتِ ستخسرين رخصة قيادتك لمدة غير معلومة." "وأنا لم أطلب منك ذلك.. أنت من تبرعت وتنازلت." قاطعه بجدية: "لأنك فتاة.. ومن الواضح إنكِ كنتِ تعانين وتبكين، ففعلت هذا مراعاة لظروفك النفسية." ردت بتهكم: "يا لك من كائن حساس ورقيق." هتف ببرود: "على العكس تماماً.. أنا كائن بارد لا يُطاق، والآن من فضلك تفضلي من هنا." هتفت بعناد، وهي تعاود الجلوس على كرسيها:
"لن أغير طاولتي.. وأنت افعل ما بوسعك، إذا كان بوسعك شيء من الأساس." تأملها وهي ترتشف من كوبها بلا مبالاة، فشعر بغيظ يملأه منها. لحظات ووضع تلك الحقيبة العملية السوداء على الطاولة، وسحب الكرسي المقابل لها، لتتسائل بدهشة: "ماذا تفعل؟! أجاب بغلظة، وهو يفتح حقيبته ويخرج حاسوبه: "بما إنك لا تريدين تغيير الطاولة، سأشاركك بها." هتفت بحنق: "ومن قال إنني أقبل بذلك؟! هناك عشرات الطاولات الفارغة."
ادعى عدم سماع حديثها، وهو يشير إلى النادل بكفه، ليهز النادل رأسه بطاعة. تأملته وهو يفتح حاسوبه ويبدأ في التعامل معه، عندما بدت نظراتها شديدة الحنق في تلك اللحظة. لحظات وجاء النادل يحمل فنجاناً من القهوة مع قدح من الماء وبعض البسكويت، ليسأله بإهتمام شديد، إذا ما كان يريد شيئاً آخر، فيهز رأسه بنفي.
هم النادل بالتحرك، لكنها أوقفته، وهي تتحدث معه وتشير بكفها نحو أثير، الذي ما زال يضع أنظاره على الحاسوب، بدا غير مهتم بما تقوله، بل لم يرفع نظره حتى من فوق حاسوبه: "من فضلك.. حضرته جلس على طاولتي دون موافقتي.. أخبره أن ينهض من طاولتي ويتجه إلى طاولة أخرى." تنحنح النادل، مردداً بتردد: "في الحقيقة.. هذا الطاولة خاصة بأثير بك.. هو زبون دائم لدينا، وهذه طاولته." قاطعته تتسائل بغضب: "هل سجلتم الطاولة باسمه؟!
رد النادل بحرج: "يا هانم.. أنا لا أرى مشكلة أن تشاركي أثير بك طاولتك.. يعني هو مشغول بعمله، وأنت ترتشفين مشروبك.. كونى أكثر هدوءاً يا هانم، ولا داعي لإثارة مشاكل من اللا شيء." تأملته وهو يبتعد عنها بعدم تصديق، لتعاود النظر إلى أثير بحقد، فترى فمه يلتوي بإبتسامة خبيثة، وهو ما زال مسلطاً عينيه فوق حاسوبه. فتتراجع إلى الخلف بأعصاب مشدودة، بعدما عقدت ذراعيها أمام صوتها بقوة، فيهمس بينه وبين نفسه:
"ويلومونني لإنني لا أحب الشقراوات." "ماذا قلت؟! " سألته بحزم، وقد شعرت إنه يتحدث مع نفسه عنها. فرد ببرود، دون أن يرفع وجهه عن حاسوبه، ويضع عينيه في عينيها: "أتحدث مع نفسي بأمر خاص بي تماماً.. لا تتدخلي أنتِ." أكمل بعدما رفع عينيه نحوها أخيراً: "برأيي إن مكياجك بحاجة إلى التعديل.. آثار البكاء خربته قليلاً، خاصة كحل عينيكِ."
اتسعت عيناها بعدم تصديق مما تسمعه.. فهو تجاهل كل شيء وغضبها الحارق منه، وتحدث عن كحل عينيها ومكياجها.!! همست بإنفعال مكتوم: "أنت حقاً مستفز." رد بإبتسامة متكفلة: "وأنت جميلة." تجمدت ملامحها، ليضيف شارحاً:
"لا تفهميني بشكل خاطئ، ولا تشكي بنواياي من فضلك.. أنا أساساً لا أحب الشقراوات، ولكنني أعترف بالجمال وأقدره.. أنتِ رغم كون وجهك الكئيب ورغم شخصيتك النكدية، جميلة حقاً.. حتى إن جمالك يذكرني بأميرات ديزني.. سندريلا مثلا." "وجهي الكئيب وشخصيتي النكدية." رددتها بعدم استيعاب. ليهتف: "الآن تركتِ كل ما ذكرته عن جمالك وتشبيهك بسندريلا، وركزتِ مع هاتين الكلمتين." "هل أخبرك أحدهم من قبل إنك شخص فظ لا تجيد التحدث بلياقة؟!
" سألته من بين أسنانها. ليرد بتكلف: "إذا كنت تعتبرين صراحتي فظاظة، فأنت حرة." هتفت بحنق: "هذه وقاحة وليست صراحة." ابتسم لها بخفة، وهو يحمل كوبه يرتشف منه مجدداً، لتشعر برغبة شديدة بتفريغ كل آلامها وغضبها اليوم فوق رأسه. تأملت رنين هاتفها، فحملته وهي تجد رقماً غريباً يتصل بها. ردت تتسائل: "تفضل.. من معي؟! جاءها صوته الرجولي الرخيم: "أنا زاهر يا ليلى." قالت بإرتباك غريب: "آه زاهر.. أهلاً وسهلاً."
جاءها صوته الهادئ يرد تحيتها، ثم يتسائل: "في الحقيقة.. وددت أن أسألك.. هل يمكنني رؤيتك اليوم؟! ردت رغم ترددها: "نعم.. يمكن." قال بسرعة: "إذا ما رأيك أن نلتقي على العشاء في أحد المطاعم؟ أرادت أن ترفض، فلا مزاج لديها حقاً للخروج، لكنها شعرت بالخجل، خاصة وهو يضيف: "سنقضي وقتاً ممتعاً، وأيضاً هناك الكثير مما أريد التحدث معك بشأنه." قالت مرغمة: "حسناً.. كما تريد." قال بسرعة:
"سأمر عليكِ في الفيلا في تمام الساعة التاسعة مساءً." "سأنتظرك." قالتها بجدية، قبل أن تغلق الهاتف، تتأمل ذلك الذي يجلس أمامها يعمل على حاسوبه بتركيز شديد، فعادت تشعر بالغيظ منه، لكنها تجاهلت ذلك مرغمة.
كان يجلس في مكتبه يتحدث مع جيلان، يطمئن على أحوالها، فتخبره إنها بخير، والجميع يعتني بها منذ وصولها إلى قصر العائلة البارحة. أنهى اتصاله معها، واسترخى في جلسته قليلاً، متذكراً حديثه مع ليلى، التي لا تكف عن تصرفاتها تلك. فها هي تنهار مجدداً بسبب مشاعرها الغبية، متناسية إن هناك شركة ضخمة تنهار تدريجياً وبحاجة لإنقاذ سريع منها، رغم وثوقه إنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فمهما حاولت، ستنهار الشركة لا محالة.
انتبه على طرقات على باب مكتبه، يتبعها دخول السكرتيرة، التي تنحنحت قائلة: "مريم سليمان في الخارج.. تريد مقابلتك." تغضن جبينه بإستغراب من قدومها اليوم تحديداً، رغم إنه كان ينتظر قدومها، بل واثقاً منه، لكنه لم يتوقع أن تأتي بهذه السرعة. "عشر دقائق وتدخل.. لدي اتصالات مهمة أريد إنهائها أولاً." قالها بصرامة، لتهز السكرتيرة رأسها برسمية وتخرج، فيعاود الاسترخاء في جلسته، مردداً بإبتسامة متلذذة:
"وها قد بدأنا أول خطوة رسمياً في المشوار يا مريوم.. اليوم أتيتِ بنفسك، كما كنت واثقاً، لكنكِ أتيتِ مبكراً عما توقعت." تنفس بقوة، ثم قال وهو يبتسم بإنتصار: "كل شيء يسير كما أخطط له منذ أول يوم.. ولم يتبقَ سوى القليل.. القليل جداً وينتهي كل شيء، وأنال ما أريده كاملاً."
عاد برأسه إلى الخلف، مغمضاً عينيه. عندما فتحها بعد دقائق، عندما سمع صوت الباب يفتح، يتبعه دخول مريم بملامح جامدة. أغلقت الباب وتقدمت نحوه، ترتدي ملابس رسمية قليلاً، لا تشبه ملابسها الشبابية المعتادة، حيث بنطال جينز أزرق طويل، فوقه سترة سوداء، أسفلها قميص من الشيفون الأبيض. شعرها الأشقر الطويل منسدل على جانبي وجهها، الذي تزينه مستحضرات التجميل بعناية. رائحة عطرها القوية اقتحمت أنفه لا إرادياً، فارتفعت نسبة الأدرينالين داخل جسده بقوة. تأملها بتفحص، وهي تسير نحوه بخطوات مترفعة، قبل أن تلقي التحية بخفوت، ثم تجلس على الكرسي المقابل له، واضعة قدماً فوق الأخرى، بعدما وضعت حقيبتها السوداء الصغيرة على الطاولة أمامها.
"زيارة مفاجئة إذا." قالها بهدوء لا يخلو من السخرية. لترد وهي ما زالت ترتدي قناع الجمود: "هناك حديث بيننا لم ننتهِ منه على ما أظن." رد ببديهية: "أنا قلت ما عندي.. القادم يخصك." أضاف موضحاً: "القرار لكِ." "أنت تطلب مني شيئاً تعجيزياً." قالتها بجدية، وقد بدأ الجمود يختفي من فوق ملامحها، والغضب ملأ عينيها. رد بهدوء ولا مبالاة: "أين التعجيز فيما أطلبه؟! هل الزواج مني أصبح طلباً تعجيزياً؟! ردت بحنق:
"لا تتغابى الآن.. أنت تدرك جيداً ما أعنيه." همس بحزم، وقد بدت ملامحه صارمة بشكل مخيف: "اضبطي لسانك يا مريم، ولا تتجاوزي حدودك معي." قالت بصوت قوي، متجاهلة نبرته المغلفة بالقسوة وتهديده: "أنت طليق أختي.. كيف سأتزوجك؟! ماذا سيقول الناس عني؟! وماذا سيقولون أنت عنك أيضاً؟! أضافت بجدية: "الناس لن يرحمونا.. لا أحد سيرحمنا، وأنا لن أتحمل نظراتهم وأحاديثهم واتهاماتهم."
"وأنا لا يهمني الناس بكل أحاديثهم ونظراتهم واتهاماتهم." قالها بعدم إهتمام. لتصيح بحنق: "لكنني أهتم وأبالي بكل هذا.. يهمني منظري أمام الجميع، ومنظر عائلتي أيضاً؟! ماذا سيكون موقف عائلتي عندما أتزوج بطليق أختي؟! ماذا سيكون موقف ليلى مثلا؟! كيف سنبرر للناس..؟! أنا وليلى لسنا مثلك أنت ونديم، كي يستوعب الناس كيفية زواجك من خطيبة أخيك، فالجميع يعلم بعداوتكما وخلافاتكما، بل قطيعتكما، ومع هذا تحدثوا وكثيراً أيضاً."
"إذاً.. أنتِ ترفضين طلبي لهذا السبب؟! بسبب كلام الناس وما سيقولونه عنك، وموقف عائلتك ومظهرهم الاجتماعي؟! " سألها فجأة بهدوء. لترد وهي تبتلع ريقها: "بالطبع." "وأنا لدي الحل المناسب لهذا." قالها وهو يبتسم ببرود. لتسأله بإضطراب: "حل..؟! أي حل؟! أجاب وإبتسامته تتسع ببطء: "نتزوج سراً." صاحت بعدم استيعاب: "ماذا تقول أنت؟! رد موضحاً: "اهدئي أولاً.. زواج سري، لكن شرعي وفي المحكمة." "ومالذي يجعلني أقبل بوضع كهذا؟!
" سألته بحنق. ليرد ببرود: "موقف أختك الخالي ودخولها السجن لا محالة، إذا لم تتزوجِ بي." "أنت أكثر شخص استغلالي رأيته في حياتي.. كيف يمكنك أن تبتزني بهذه الطريقة؟! ضحك مرغماً، ثم قال: "أنتِ تتحدثين مع عمار الخولي يا مريوم.. ألم تستوعبي بعد من هو عمار الخولي؟! هتفت من بين أسنانها: "بلى.. استوعبت.. للأسف.. استوعبت منذ مدة طويلة.. استوعبت إنني وقعت بين براثن ذئب حقير.. مسخ بشع لا يطاق."
ضرب بكفيه على سطح مكتبه بقوة، صائحاً بتحذير عصبي: "الزمي حدودك يا مريم، ولا تتجاوزيها.. لا تجعليني أتصرف معكِ بطريقة لا تعجبكِ.. ما زلت مراعياً لوضعكِ وما تمرين به." "يا لك من شخص مراعٍ حقاً." رددتها بتهكم، قبل أن تضيف بجدية: "ما تطلبه مستحيل يا عمار.. أنا لا يمكنني الزواج سراً منك.. أنا ابنة عائلة محترمة و.." قاطعه بضيق:
"هذا ما يناسب وضعك.. أنت لا تريدين أن تتأثري أو يتأثر أي من أفراد عائلتك بزيجتنا، لذا دعينا نتزوج سراً ونحافظ على مظهر عائلتك المصون، كما تريدين." قالت بغضب: "هل تظن إن الأمر يتوقف هنا حقاً؟! ماذا عني؟! ماذا عن مشاعري؟! أنت تعلم إنني لا أحبك.. بل أكرهك.. أنت لو تعلم كيف أراك بعيني، ما كنت لتطلب شيئاً كهذا." رد بقوة، وهو ينظر مباشرة داخل عينيها:
"لا يهمني كيف تريني يا مريم.. لا يهمني كل هذا.. أما مشاعرك، فأنا أعلم جيداً كيف أجعلكِ تعشقينني حد الموت، ولا ترين سواي." "أنت مجنون.. لو كنت آخر رجل في هذا الكون، فلا يمكنني أن أحبك أو أتقبلك حتى." قالتها وهي تنهض من مكانها، تناظره بتحدٍ. ليرد بتحدٍ أكبر: "هل تراهنين؟! تأملت ملامحه الباردة المستفزة، لتهمس بغضب مكتوم: "ألم أقل إنك مجنون.. بل مريض أيضاً."
حملت حقيبتها واندفعت خارج المكان بغضب، تاركة إياه يضحك بقوة، مردداً مع نفسه: "سنرى يا مريم.. كم سوف تستمرين في مقاومتك الغبية لي." *** كانت تتحدث مع إحدى الموظفات بشأن إحدى التقنيات الجديدة التي ستتبعها في نظام الشركة، عندما سمعت طرقات على باب غرفتها، يتبعها دخوله بملامح، رغم هدوئها، تحمل نوعاً من الغضب، خاصة داخل عينيه البنيتين. أشارت إلى الموظفة بجدية: "اذهبي أنتِ الآن يا سمر.. سنكمل حديثنا فيما بعد."
هزت الموظفة رأسها بتفهم وخرجت، بينما عقدت هي ذراعيها أمام صدرها، تسأله بغضب مكتوم: "كيف تدخل إلى مكتبي دون إستئذان؟! أساساً.. كيف تجاوزت سكرتيرتي ودخلت؟! رد ببرود: "ربما.. لأن سكرتيرتك ليست موجودة أساساً." أضاف وهو يتأملها عن كثب: "مرت عدة أيام إلى آخر لقاء جمعنا.. نحن بحاجة أن نتحدث سوياً." أضاف بهيمنة: "سنذهب إلى أحد المطاعم القريبة، فهنا المكان غير مناسب لتبادل الأحاديث."
أكمل بصوت آمر، وهو يتحرك أمامها نحو الباب مجدداً: "اتبعيني." "توقف لحظة." التفت لها بنظرات متسائلة، لتجيبه بثبات: "أنا لا أحب هذه الطريقة." أضافت، تحرك يدها أمامه: "طريقة إلقاء الأوامر." أكملت ببرود: "أنا لم أتلقَ الأوامر يوماً من أحد، وأنت لن تكون استثناءً لذلك بالطبع." "المعنى..؟! " سألها بغضب مكتوم. لتجيب بترفع:
"المعنى هو، إما أن تطلب مني بكل لياقة أن أرافقك، وحينها سأفكر إذا سأقبل طلبك أو أرفضه، أو تتفضل وتغادر المكان فوراً، لأن بطريقتك هذه لن أتحرك معك خطوة واحدة." كز على أسنانه بغيظ، وطريقتها وعجرفتها التي ظهرت بقوة استنزفته. حاول أن يسيطر على غضبه، الذي لا يجب أن يظهر أمامها الآن، فينفرها منه. أخذ نفساً عميقاً، ثم قال من بين أسنانه مرغماً: "هل يمكنكِ أن ترافقيني إلى أحد المطاعم القريبة لنتحدث سوياً..؟! هتفت ببرود:
"هذه الطريقة المناسبة يا فراس بك.. أنت تحتاج أن تتعلم كيف تتحدث مع النساء عموماً، وخاصة النساء أمثالي." رمقها بنظرات حانقة، جاهد لإخفائها، وهو يسأل مجدداً: "إذاً.. ما جوابك؟! ردت وهي تتجه نحو المكتب، تحمل حقيبتها: "سآتي معك.. نحن بالفعل نحتاج إلى التحدث."
سارت أمامه بخطواتها الأنثوية الأنيقة، يتبعها، وفي داخله غضب متفاقم، قرر السيطرة عليه الآن، فهو يريد أن ينالها بأي شكل، وعليه يجب أن يتحكم بأعصابه جيداً، كي لا يتسبب بأي شيء يبعدها عنه. بعد مدة، جلسا على إحدى الطاولات في أحد المطاعم، عندما تقدم النادل يضع أمامهما الماء البارد. هتف بعدما ابتعد النادل: "مبارك زواج أخيكِ." أضاف بإبتسامة لم تصل إلى عينيه: "مع إنني كنت أنتظر دعوة منك لحفل الزفاف."
ردت متجاهلة جملته الثانية: "شكراً.. العقبى لك." صحح لها عن قصد: "العقبى لنا." أضاف، يدعي التساؤل: "أليس من المفترض بعد زواج أخيكِ، أن يأتي دورنا..؟! ردت بجمود: "لا تكن واثقاً إلى هذا الحد يا فراس.. أنا لم أوافق بعد أساساً." "أيام طويلة وأنا أنتظر موافقتك يا غالية، ولا أفهم حتى الآن متى ستمنحيني تلك الموافقة..؟! " ظهر القليل من الغضب في نبرته. فردت بنفس البرود: "لو فقط تكف قليلاً عن ثقتك المفرطة، إنني سأوافق."
"ولمَ سترفضين؟! " قالها بسرعة. لتسأله بحنق: "ماذا يعني هذا؟! من الطبيعي أن أرفض، مثلما من الطبيعي أن أقبل." رد بجدية: "لكل شيء سبب محدد.. وبرأيي لا يوجد سبب يجعلك ترفضين.. لمَ ترفضين إذا؟! سألته بدورها، وهي تجاهد للحفاظ على برودها: "ولم سأوافق برأيك؟! ما السبب الذي يجعلني أقبل بك..؟! أكملت عن قصد: "يكفي وجود ابنك.. وجوده فقط أكبر سبب يدفعني للرفض." هتف بتحذير: "ابني بالذات.. لا تتحدثي عنه بهذا الشكل يا غالية."
ردت بقوة: "لم أقل شيئاً خاطئاً.. لكنني لا يمكنني أن أوافق على هذه الزيجة بوجود ابنك معنا، بعد تصرفاته الأخيرة.. ليست هذه الحياة التي أريدها وأسعى إليها." "اخرجي تميم من الموضوع نهائياً.. تميم مسؤولية والدتي أساساً ومسؤوليتي، وأنتِ لن يكون لكِ علاقة به، فلا تخلقي حججاً لا أساس لها، كي ترفضي." قاطعته بجدية: "أنا لا أخلق حججاً يا فراس.. أنا أتحدث بواقعية.. لماذا لا يعيش الطفل مع أمه، ونحن نعيش بهدوء..؟!
"أخبرتك إن هذا الأمر منتهي بالنسبة لي." قالها بقوة. لتضيف: "ولكن هذا الأفضل لنا جميعاً.. أفضل لتميم نفسه." "اسمعيني يا غالية.. لا تدخلي تميم بيننا.. وإذا كان وجوده يزعجك، فنحن سوف نسكن في فيلا مجاورة لفيلا عائلتي، وهو سيظل مع والدتي." "يا له من حل مثالي.. سنحرم الطفل من والدته ووالده أيضاً." قالتها بتهكم. ليرد بجمود: "أنا لن أحرم ابني مني.. أنا أحاول الوصول لحل يناسبك.. وفي نفس الوقت أكون متواجداً دائماً بجانب ولدي."
"ألهذه الدرجة تريد موافقتي يا فراس..؟! " سألته وهي تضحك بعدم تصديق. ليهتف بجدية، وعيناه الحادتان تتأملان وجهها بعزيمة: "أريد موافقتك كثيراً يا غالية.. بل إنها كل ما أسعى إليه في الوقت الحالي." كان حصار عينيه والإصرار داخلها مسبباً لشعور غريب بالخوف داخلها، فمنحته إبتسامة جامدة لم تصل إلى عينيها، قبل أن يتقدم النادل ليدون طلباتهما، فتجدها فرصة لإنهاء الحوار الذي شعرت به غريباً وغير مريح لها أبداً. ***
كان يقف مستنداً على سيارته المركونة في الشارع الأمامي للفندق الذي تمكث به، يجري اتصالاً بها. عندما سمع صوتها الناعس يأتيه بعد لحظات: "صباح الخير." رد وهو ينظر إلى ساعة يده، التي تجاوزت الثانية عشر ظهراً: "قولي مساء الخير يا نانسي.. انظري إلى الساعة.. لقد تجاوزت الثانية عشر ظهراً." ردت بصوت ما زال ناعساً: "لم أنتبه على الوقت.. ماذا هناك؟! هل حدث شيء مهم لتتصل بي؟! أجاب بسرعة:
"أنا أقف أمام الفندق بجانب سيارتي.. أنتظرك." سألت بتعجب: "لماذا تنتظرني؟! رد بسخرية: "لكي أتأمل واجهة الفندق الجميلة.. بالطبع.. لأتحدث معك.. هيا أمامك عشر دقائق وتكونين عندي.. أنا على الشارع المقابل لواجهة الفندق." "حسناً.. سآتي." قالتها بتذمر خفي، وهي تشعر برغبة شديدة في العودة إلى النوم. ليهمس بجدية: "لا تتأخري يا نانسي من فضلك." ردت بخفوت: "لن أتأخر.. لا تقلق."
وقف ينتظرها، فمرت العشر دقائق دون أن تظهر. انتظر خمس دقائق أخرى، ولم تظهر نانسي، فاتصل بها ليجدها ترفض المكالمة. تأفف بحنق، يتأمل الساعة، وقد مرت خمسة وعشرون دقيقة على مكالمتهما، ولم تنزل بعد.
بعد مرور ثلاثين دقيقة، واتصالات متكررة قوبلت بالرفض، جلس داخل سيارته حانقاً غاضباً، بعدما صعقته الشمس بشدة. نظر إلى الساعة، التي تجاوزت الأربعين دقيقة بعد المكالمة، عندما لمحها تخرج من بوابة الفندق الأمامية، بطلتها الأنيقة كالعادة، تتهادى بمشيتها نحو الجهة الأخرى من الشارع. حيث فتح النافذة وأشار لها بيده، وهو يلعن برودها ولا مبالاتها.
حيته بكفها، وهي تتقدم نحوه بخطوات بطيئة مثيرة للننق، عندما اتجهت نحو الجهة الأخرى من السيارة وركبت جانبه، ليهتف بحنق: "أربعون دقيقة يا نانسي.. على أساس اتفقنا على عشر دقائق." "مساء الخير." قالتها بهدوء، قبل أن تضيف: "أساساً.. بالكاد استطعت تجهيز نفسي خلال هذه الأربعين دقيقة.. ما بين شاور سريع وتغيير ملابسي وتحفيف شعري والمكياج." "وما ذنبي أنا يا نانسي..؟! ما ذنبي أنا، لتتركيني أربعين دقيقة تنتظريني هنا؟!
" قالها بغضب مكتوم. لترد وهي تمط شفتيها بعفوية: "كان عليك أن تخبرني قبل مجيئك، لا أن تتصل بي وتطلب مني الهبوط إليك بعد وصولك." ردد من بين أسنانه: "نعم.. أنا المخطئ بالفعل." شغل سيارته وحرك المقود، متجهاً إلى أحد المقاهي القريبة، عندما سألته بإهتمام: "إلى أين سنذهب؟! وعيناه مسلطتان على الطريق: "سنذهب إلى مكان مناسب لنتحدث قليلاً."
التزمت الصمت، عندما وجدته يركن سيارته أمام أحد المقاهي الشهيرة في المنطقة بعد دقائق. هبطا من السيارة واتجها إلى داخل المقهى، حيث جلسا على إحدى الطاولات المعزولة، قبل أن يشير صلاح إلى النادل، الذي جاء يدون طلباتهما. بعدما دون طلباتهما النادل وغادر، هتف صلاح بجدية، وهو ينظر إليها: "كان يجب أن نلتقي اليوم.. هناك حديث مهم بيننا." قاطعته تتسائل: "أي حديث بالضبط؟!
أظن إن هناك موضوع واحد يجمعنا، ولا أظن إنك اتخذت قرارك فيه، خلال أقل من يومين." "ولكنني فعلت." قالها بجدية. لتتوتر ملامحها، فيضيف بقوة: "سأتزوجك يا نانسي.. سوف أصحح خطئي." قاطعته بصدق: "أنت لست مجبراً يا صلاح.. الخطأ كان خطئي أيضاً." رد بسرعة: "خطأنا نحن الاثنان.. أنا أتحمل جزءاً من مسؤولية ما حدث، مثلك تماماً.. بل ربما أتحمل الجزء الأكبر.. ما حدث بيننا أمر واقع، لا مفر منه." أخذ نفساً عميقاً، ثم أضاف:
"انظري.. أنا شاب عابث.. متعدد العلاقات، وأعرف الكثير من الفتيات.. أنتِ مختلفة.. رغم كل شيء، أعلم إنكِ لست من هذا النوع." ترقرت الدموع داخل عينيها، ليضيف: "أنتِ لستِ كذلك، لذا لا يمكنني تجاهل ما حدث والتعامل معه كأمر طبيعي.. نحن سنتزوج.. لفترة محددة، وبعدها ننفصل، وحينها ستعيشين حياتك كما تريدين، ولن يكون هناك أي مشكلة لديك، وربما بعدها تجدين الرجل المناسب الذي يحبك وتحبينه." همست بدموع حبيسة وصوت متحشرج:
"أنا حقاً لا أعرف ما يجب أن أقوله لك.. أنا أشكرك حقاً.. صلاح.. أنت.." قاطعه بجدية: "أنا تصرفت بما تمليه علي رجولتي يا نانسي.. أنا لا يمكنني ترككِ هكذا.. هذا ليس من شيمي أبداً." أضاف وهو يمد أحد المناديل لها: "امسحي دموعك من فضلك." مسحت دموعها بطرف المنديل، عندما أكمل بجدية: "برأيي أن نتزوج في أقرب وقت.. يعني لننهي الموضوع بسرعة." وضعت المنديل جانباً، وسألته بعدما أخذت نفساً عميقاً: "متى يعني..؟! رد بجدية:
"أعطني مدة أسبوعين، أكون خلالها مهدت الموضوع لعائلتي." سألته بقلق: "هل يمكن أن يرفضونني؟! قاطعه بسرعة: "كلا يا نانسي.. الأمر ليس كذلك، ولا يتعلق بك إطلاقاً.. لكن والدتي وأخي، بل الجميع يعرفون إنني ضد مبدأ الزواج، ولا أحب القيود، لذا لا يمكنني أن أخبرهم فوراً، إنني سأتزوج.. يجب أن أخبرهم بقراري بطريقة مناسبة ومقنعة، كي لا يشكوا بشيء." هزت رأسها بتفهم، ثم قالت بصوت مبحوح:
"وأنا يجب أن أفعل نفس الشيء، مع إنني لا أريد العودة إلى المنزل." قال بجدية: "يجب أن تعودي يا نانسي.. أنا سأتقدم لخطبتك، ومن البديهي أن أخطبك من والدتك وعمك في منزلك." "أشعر بالإختناق.. من مجرد فكرة العودة." همست بها بخفوت. ليهتف بجدية: "حسناً أتفهمك.. لا تعودي الآن.. يمكنك العودة قبل يومين ثلاثة، لكن يجب أن تخبريهم بالأمر قبل ذلك، كي لا تصيبهم الدهشة." أومأت برأسها موافقة، فأضاف بجدية:
"ومن رأيي أن تتركي الفندق يا نانسي.. اذهبي إلى منزل عمك على الأقل.. سيكون ذلك أفضل من بقائك في الفندق." "لا أريد.. إذا سأخرج من الفندق، فسأعود إلى منزل والدي.. أساساً ماما أعادت تشغيل بطاقتي المصرفية."
هز رأسه رغم عدم اقتناعه بما تفعله، لكنها تبدو مصرة على بقائها في هذا الفندق. تقدم النادل نحوهما، يضع طلباتهما أمامهما، ثم ابتعد، ليسحب صلاح فنجان قهوته ويرتشف منه، مفكراً لا إرادياً بالطريقة المناسبة، التي سيخبر بها والدته وأخيه بقرار زواجه المفاجئ، بل الصادم لكليهما. ***
دلفت إلى داخل الشقة، لتجده جالساً أمام التلفاز، يتابع إحدى المباريات بإهتمام. تقدمت نحوه، ليتأملها بطلتها الأنثوية شديدة الأناقة، وشعرها المصفف بعناية، فيسألها، وهو يفسح المجال لها لتجلس جانبه: "أين كنتِ؟! ردت وهي تخلع حذائها ذو الكعب العالي وترميه فوق أرضية المكان بإهمال: "كنت في صالون التجميل." أضافت، وهي ترفع قدميها على الكنبة وتمرر أناملها بين خصلات شعرها بقصته المختلفة قليلاً: "هل أعجبتك تسريحة شعري الجديدة؟!
رد بجدية: "جميلة." عاد يتأمل المباراة بإهتمام، لتسأله: "هل سنبقى اليوم في الشقة؟! سألها بدوره، دون أن يرفع عينيه من فوق التلفاز: "وهل من المفترض أن نفعل شيئاً آخر؟! أجابت وهي تحتضن ذراعه بذراعها: "كنت أخطط لسهرة في الخارج.. في أحد النوادي الليلية الراقية." رد بجدية: "لا مزاج لدي يا تقى.. أجلي تلك السهرة فيما بعد." سألته بقلق: "ماذا هناك؟! مزاجك يبدو متعكراً اليوم." رد بسرعة: "لا شيء مهم." أضاف، وهو يلتفت نحوها:
"فقط هناك بعض التغييرات التي ستطرأ على حياتي، بعدما حدث." "ماذا تقصد؟! أي تغييرات تلك؟! " سألته بإستنفار. ليرد موضحاً: "جيلان علمت بأمر الزيجة، وبالتالي سنعلن خبر زواجنا للعائلة في أقرب وقت، وفي نفس الوقت سأضطر إلى التواجد في القصر بكثرة، فهي بعدما علمت بزواجها، باتت مسؤولة مني أنا أكثر من أي أحد." سألته بإنفعال خفيف: "يعني ستتركني وتبقى معها؟! أجاب بهدوء: "لم أقل هذا.. لكنني لن أتواجد دائماً هنا." صاحت بحنق:
"على أساس إنه زواج على الورق؟! "وهو كذلك بالفعل." قالها ببديهية. لتهمس بتجهم: "طالما مجرد زيجة على الورق، فما الداعي لوجودك هناك معها؟! هتف بجدية: "لأن لا أحد يعلم بهذا الأمر سواي أنا وأخيها وراغب، وهي بالطبع." ضحكت مرغمة، وهي تردد: "بالله عليك.. هل أنت مقتنع بما تتفوه به؟! ماذا يعني زواج على الورق بعلمك أنت وثلاثة آخرين فقط؟! ثانياً.. أنا لا أفهم.. كيف ستشرحون فكرة زواجك من ابنة عمك القاصر أمام أفراد العائلة؟!
كيف سيقتنعون بهذا القرار؟! رد ببرود: "هذه مسؤولية راغب، وليست مسؤوليتي." قالت بضيق: "أنت يجب أن تفهم ما يحدث بالضبط يا مهند.. ليس كل شيء راغب.. لماذا تثق براغب لهذه الدرجة؟! ألا تخشى أن يكون هناك ملعوب خلف هذا، أو مخطط ما..؟! قال بضجر: "يكفي.. مالذي تقولينه؟! أخي لن يفعل بي شيئاً كهذا..؟! هذا أخي، ولا تنسي ذلك، ومهما حدث بيننا، نظل أخوة."
"لا يوجد منطق كهذا.. راغب يفعل أي شيء لتفريقنا.. هو فقط يريد إبعادك عني بأي طريقة." قالتها بعصبية. ليهتف بضيق شديد: "حسناً.. يكفي.. أنتِ تتوهمين الكثير من الأشياء." "إذاً.. هل يمكن أن تفسر لي سبب عودتك إلى الإقامة في القصر..؟! اقتراح من هذا..؟! وما الداعي لهذا الاقتراح أساساً..؟! " سألته بقوة. ليرد بنفاذ صبر:
"افهمي مرة واحدة ما يحدث، ولا تفسري كل شيء على مزاجك.. أنا زوج جيلان رسمياً وأمام الجميع، وبالتالي وجودي خارج القصر دائماً، سيكون غير منطقي ومحل للشبهات أمام الجميع، وأولهم والدتي وأختي." أكمل: "تلك الفتاة.. بطريقة أو بأخرى.. مسؤولة مني." قالها بقوة، وهو يضيف: "ولا تنسي إنها ابنة عمي.. ولا داعي أن أخبرك عن قيمة بنات العائلة لدينا جميعاً، وليس لدى راغب فقط أو أبي." صاحت بحنق:
"يكفي.. لا داعي أن تذكرني كل دقيقة بهذا.. فهمت إنها أصبحت مسؤوليتك.. وتحت رعايتك، واللعنة.. زوجتك أيضاً." "يكفي يا تقى.. أقسم بالله لم أعد أتحمل ما تفعلينه." قالها بنفاذ صبر، وهو يفكك أزرار قميصه، بعدما نهض من مكانه. لتتقدم نحوه، تصرخ بعصبية: "لم تعد تتحمل، أليس كذلك؟! ها قد بدئت يا مهند.. بدأ يحدث ما كنت أخشاه.. بعد فترة ستقول إنك مللت، وتنسحب تدريجياً، ثم تتركني بعد كل ما حدث بيننا." صاح بغضب مخيف،
وهو يقف في وجهها: "يكفي.. لا يمكنني تحمل هذا الجنون بعد الآن.. أنتِ من تجبريني على التفوه بأشياء لا أرغب بقولها.. تصرفاتك تجبرني على ذلك.. أنا مللت يا تقى.. مللت من كل شيء." جذبته من قميصه، تقبله على شفتيه بقوة، قبل أن تبتعد عنه، مرددة بقوة: "أنت لن تمل مني مهما حدث يا مهند.. أنت تحبني.. لا بل.. تعشقني.. لا يمكن أن تمل مني يوماً." مسح شفتيه بأطراف أنامله، وهو يردد بضيق:
"كل شيء وله نهاية.. حتى العشق ينتهي يوماً، إذا كان عشقاً كالذي بيننا." "ماذا تقصد؟! " سألته بصوت مرتجف. ليرد بلا مبالاة: "قصدي واضحاً.. أنا لن أتحمل طريقتك هذه أكثر.. إما أن تتغيري.. أو.." توقف عن حديثه، لتصرخ بعصبية: "أو تتركني، أليس كذلك؟! لماذا لا تقولها؟! الآن أصبحت تهدد بتركي، وهذا ما كنت أخشاه.. أنت تغيرت منذ أن تزوجت بتلك اللعينة." "ماذا جرى لك..؟!
أخبرتك إن ما تفكرين به لن يحدث.. تلك الفتاة مجرد زوجة مؤقتة.. لماذا لا تفهمين..؟! "أنت كاذب.. اللعنة عليك." قالتها بنبرة مجنونة، قبل أن تضيف، وهي تواجهه بقوة: "تلك الفتاة ستخرج من حياتك فوراً.. ستطلقها.. لا أريدها بيننا بعد الآن.. لا أريدها مهما حدث.. ستطلقها، حتى لو بقينا على وضعنا هذا دون دعم أخيك." "هل جننت..؟! هل تظنين الأمر بهذه السهولة..؟! أتزوجها وأطلقها متى ما أردت."
"نعم.. ستفعل.. وإن لم تطلقها.. سأتركك." قالتها ببرود. ليهتف بجمود: "أعيدي ما قلتِه..؟! ردت بإصرار: "الآن عليك أن تختار.. إما أنا.. أو ابنة عمك تلك." لحظات قليلة، وانطلقت ضحكاته عالية، لتنظر إليه بملامح متحفزة مجنونة. توقف عن ضحكاته أخيراً، لتظهر اللمحة الشيطانية بقوة على ملامحه: "مهند الهاشمي لا يُخير يا تقى.. وأنتِ تدركين ذلك جيداً.. للأسف.. تعجلتِ بتصرفاتك.. وكتبتِ سطور نهايتك بيدك." "ماذا تعني..؟!
" سألته بصوت مرتجف. ليتقدم نحوها، يقبض على ذراعها بقسوة، مردداً بحدة وعينين مشتعلتين: "هل تظنين إنني سأهتم بتهديداتك السخيفة..؟! أو ربما تعتقدين أن أتوسلك كي لا تتركني..؟! أو أتراجع عن الكلمة التي منحتها لأخي، وأنهي زواجي من ابنة عمي لأجلك..؟!
أفيقي يا تقى.. أنتِ تعلمين من أنا، وتدركين طبيعتي جيداً، وإنني وقت الجد، لا يهمني أي أحد.. لذا أنا لن أختار أساساً، لإنني آخر شخص يقبل أن يوضع بين خيارين.. طالما الحياة الجديدة لا تعجبك، فلتذهبي إلى الجحيم." دفعها بقسوة، لتسقط على الكنبة بإنهيار، فيضيف ببرود: "ابقي هنا في شقتي، حتى تجدي مكاناً آخر تعيشين به.. إياكِ أن تعبثي بأغراضي يا تقى."
ثم اندفع خارج الشقة، بعدما حمل هاتفه ومفاتيح سيارته، لتبكي منهارة، بسبب تصرفاتها الحمقاء وتخليه عنها بهذه السهولة، رغم إنها تدرك إنها أخطأت بتصرفها، فهي أكثر من يعرف مهند الهاشمي وغروره واعتداده بنفسه، لذا لم يكن عليها أن تتحدث هكذا أبداً. ***
كانت تجلس داخل جناحها، ترسم بإهتمام وتدقيق، وكل حواسها ترتكز في تلك اللحظة على تلك الرسمة. منذ أن عادت إلى القصر البارحة، وهناك شعور غريب تولد داخلها.. شعور يجمع بين الأمل والقليل من الفرح. لقد استقبلها الجميع بحفاوة. شعرت بأمومة زهرة وحنان همسة. اهتمام أبناء عمها، راغب وراجي، واللذين شعرت بهما أخوين لها، إلى جانب عمار. استقبال فيصل المذهل، والمفاجأة التي أعدها لها، حيث جهز لها صالة الاستقبال، يملؤها بالزهور التي تحبها، والبالونات، وتوليب، التي عانقتها بأخوة شديدة، وقد شاركت فيصل في تجهيزاته.
الجميع جلب الهدايا لها، حتى سيف ونزار اشتريا لها دمية جميلة، أحبتها كثيراً، واحتفظت بجميع الهدايا في خزانتها، وتحديداً في ذلك الصندوق الضخم، الذي يحوي أشياء مهمة بالنسبة لها. وتلك الهدايا منحتها شعوراً قيّماً لا يضاهيه شعور. توقفت عما تفعله، وهي تنتبه إلى تلك الطرقات على باب جناحها، فنهضت من مكانها، بعدما ارتدت خفها البيتي، فوجدت السيدة حليمة، مدبرة المنزل، تبتسم لها بحنو، تخبرها عن موعد العشاء، بعد ربع ساعة من الآن.
عادت إلى الداخل، وقررت تغيير بيجامتها إلى فستان صيفي قصير يصل إلى ركبتها، بسيط يناسب عمرها، وارتدت حذاءً مسطحاً بنفس لون الفستان. رفعت شعرها من أحد الجوانب، ثم وضعت عطرها برائحة الفراولة. ثم خرجت من جناحها، وهبطت إلى الطابق السفلي، لتجد كلا من راجي وتوليب هناك، وعمها عابد يترأس الطاولة، بينما البقية لم يأتوا بعد. جلست على مقعدها بجانب توليب، وهي تبتسم بهدوء، بعدما ألقت التحية.
لحظات، ودلفت زهرة تلقي التحية، تتبعها همسة، حيث سألها عابد بإهتمام: "أين الأولاد يا همسة؟! ألن يتناولا الطعام معنا؟! ردت وهي تجلس في مقعدها المخصص لها: "ناما مبكراً اليوم، بعدما عادا من درس السباحة.. كانا مجهدين وبحاجة إلى النوم." هز عابد رأسه بتفهم، ثم عاد يسألها: "وأين زوجك؟! همت بالرد، لكن صوت راغب قاطعها، وهو يتقدم إلى الداخل، مردداً: "ها قد أتيت يا أبي.. كنت أنهي بعض المكالمات في المكتب."
جلس في مقعده بجانب والده على اليمين، وجانبه كلا من همسة، ثم راجي، بينما على الجهة المقابلة تجلس زهرة، وجانبها كلا من توليب ابنتها وجيلان. "أين فيصل..؟! ألن يأتي على العشاء؟! " سأل راجي بإهتمام. ليرد راغب بجدية: "لا أعلم.. ربما سيتناول طعامه خارجاً." تنحنت زهرة قائلة: "لقد اتصل بي وأخبرني إنه سيتناول العشاء مع أصدقائه في الخارج." تبادل راغب وراجي النظرات بينهما، قبل أن يرمقا والدتهما بنظرات ذات مغزى،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!