الفصل 4 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع 4 - بقلم سارة علي

المشاهدات
48
كلمة
5,132
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي… عاد إلى منزله منهكًا، يشعر بأثقال الدنيا كلها محمولة فوق جسده. دلف إلى الداخل بعدما فتحت له الخادمة الباب، ترحب به بينما هو لا ينظر إليها حتى. سار بخطواته نحو غرفته في الطابق العلوي، تتبعه الخادمة حيث سارعت لإخبار والدته عن عودة ابنها بعد غياب ليلتين كاملتين.

دلف إلى غرفته وأغلق الباب خلفه، ثم سارع في خلع سترته ورميها أرضًا. اتجه نحو الحمام الملحق بالغرفة، حيث وقف أمام المرآة من جديد يتأمل ذاته. يرى في نفسه شخصًا آخر، لا يشبه الشخص الذي كان عليه إطلاقًا.

أغمض عينيه مستندًا على حافة المغسلة، لتزوره ذكرى ما حدث البارحة بسرعة. فيفتح عينيه بنفس السرعة وهو يشعر بشيء ما ثقيل يجثم على صدره. عيناه الزرقاوان احمرتا بقوة، وذكرى ليلة البارحة تقتحم فكره تدريجيًا منذ استسلامه المخزي ونومه مع تلك العاهرة. لأي مستوى منحط هبط هو، وأي مستنقع قذر أغرق نفسه فيه؟ كان الذنب يقيد روحه بقسوة، يفاقمه حقيقة أنه استسلم لرغبته فيها بكامل وعيه وإرادته. ماذا كان ينتظر مما فعله؟ الشعور بالراحة؟

الشعور بالسعادة؟ لا يعلم لمَ فعل هذا وكيف انحدرت تصرفاته على هذا النحو، لكنه يعلم إن خطيئته كبيرة، وإن الأخلاقيات التي تربى عليها ذهبت سدى. لقد كان أضعف من أن يقاوم شيطانه ويسيطر على انفعالاته ورغباته. فتح صنبور المياه وبدأ يغسل وجهه عدة مرات بقوة، حتى أغلق الصنبور وحمل المنشفة يجففه، عندما سمع صوت والدته وهي تقتحم الغرفة بلهفة. أعاد المنشفة إلى مكانها وخرج إليها بملامح ذابلة. لتقترب منه بسرعة وتسأله بلهفة

وعيناها تتفحصانه بقلق: "هل أنت بخير يا نديم؟ أين ذهبت يا بني؟ كدت أموت من خوفي عليك." كان ينظر إليها بضعف شديد وملامح تملؤها الهزيمة، فهتفت بسرعة وقد شعرت بمدى ما يعتمل داخله من عذاب: "ماذا حدث يا بني؟ ما بالك تبدو هكذا؟ أخبرني يا نديم، بمَ تشعر يا بني وماذا يحدث معك؟ أنا أمك وأكثر من يفهمك." "أريد الموت." شهقت بعنف، ثم جذبته نحو أحضانها تهتف بترجّي:

"بعيد الشرك عنك، لا تقل هذا يا بني، لا تفعل بي هذا يا نديم، أرجوك يا بني." ابتعد عنها وجلس على السرير بوهن مرددًا: "لم يعد لدي رغبة بأي شيء يا أمي، لقد فقدت كل شيء، تدمرت حياتي وانتهى مستقبلي." أردف بصوت ضائع: "كل شيء من حولي يخنقني، لا أستطيع التعامل مع كل شيء، ليتني بقيت في سجني، كان سيكون أفضل من وضعي وما أشعر به الآن." "لماذا تشعر هكذا يا بني؟ أعلم إن خسارتك كبيرة ولكن عليك تجاوزها، نحن جميعنا حولك ومعك."

"كيف سأتجاوزها وأنا أعلم جيدا إنني لن أستطيع العمل في مجال دراستي الذي أحببته كثيرًا إلى الأبد؟ وماذا عن نظرات الناس التي ستتوجه نحوي بكل تأكيد؟ كيف سأتجاوز نظراتهم الموجهة نحوي والمليئة بالإزدراء؟ وكيف سأتجاوز حقيقة إنني سجنت بقضية مخجلة لن يتقبلها الناس؟ جلست بجانبه تربت على كفه وهي تقول محاولة التهوين عليه: "لست أول من يسجن ظلماً يا نديم ولن تكون الأخير. هل جميع من حدث معهم ما حدث معك سيفعلون مثلك؟

سيفكرون بالاختفاء أو يتمنون الموت؟ لا يا نديم، أنت رجل تجاوزت الثلاثين من عمرك، رجل يستطيع الاعتماد على نفسه وتجاوز عقباته. الحياة ما زالت طويلة وأنت عليك أن تحارب نفسك قبل أي شيء كي تتجاوز مشاعرك هذه وماضيك الذي لم يكن لك ذنب فيه." نظر إليها بعينين موجوعتين، لتكمل بتعقل: "أعلم إن طريقك ليس سهلًا على الإطلاق وإنه ينتظرك الكثير من الصعاب، لكن أعلم أيضًا إنك قوي وستهزم كل ما يقابلك من عقبات." وعندما لم تجد ردًا

هتفت بجدية: "اجلس قليلًا مع نفسك يا نديم وفكر جديًا في الطريقة التي ستهزم خلالها ضعفك هذا. حاول أن تفكر فيما ستفعله لإحياء ذاتك من جديد يا بني. فكر في عمل مستقل، فكر بما ينتظرك وكيف ستنظم حياتك من جديد. اسمع كلامي يا بني، أعطِ لنفسك فرصة كي تتجاوز كل ما مررت به." وبعد لحظات من الصمت، هز رأسه بصمت لتبتسم والدته بحنو وهو يربت على كتفه بدعم. ***

كان ممددًا على سريره بعينين مفتوحتين تتطلعان إلى السقف بشرود تام. عقله مليء بالأفكار التي لا تنتهي ومشاعره مبعثرة هنا وهناك. لا يدري ماذا يفعل وكلمات والدته تتردد داخل أذنه. هل ينهض بنفسه من جديد وهل يوجد أمل لذلك؟ هل يستطيع الحياة من جديد في وسط مجتمعه الراقي وهل سيستطيع تجاهلهم تمامًا؟ الأمر شاق للغاية عليه، وهو الذي اعتاد أن يجذب أنظار الجميع دوماً بالاهتمام والإعجاب. كيف يتعامل مع وضعه الجديد وكيف يتقبله؟

عاد يفكر بليلى ووجودها مع عمار في نفس المكان بمشاعر ثائرة. وجوده في الفيلا معهم يصعب الأمر عليه ويزيد من همومه أضعافًا. كيف يتقبل وجودها مع أخيه أمام عينيه؟ هذا الأمر بالذات لا يستطيع التعامل معه، إنه لمن المستحيل تقبله والاعتياد عليه.

عند هذه النقطة ومع ذلك الشعور الحارق الذي اقتحمه، أخذ قراره بالرحيل. سيغادر الفيلا ويذهب إلى مكان آخر يبقى فيه. لن يبقى معهم في مكان واحد مهما حدث، لن يتحمل قلبه ولا وضعه المتأزم شيئًا كهذا. نهض من مكانه مقررًا جمع بعضًا من ملابسه وأغراضه مبدئيًا كي يغادر حالًا. هو غير مستعد لرؤيتها أو رؤيتهما سويًا أبدًا، ولن يتحمل ذلك الشعور الذي شعر به عندما رآهما لأول مرة قبل يومين.

أخذ يرمي بعضًا من ملابسه بعشوائية في الحقيبة. كان يلملم ما يحتاجه بسرعة حينما سمع طرقات خفيفة على الباب. ترك ما بيده واتجه نحو الباب وفتحها لينصدم بها أمامه تنظر إليه بملامح يملؤها الشوق. شوق لا يخطئه أحد. شعر بالضعف يجتاحه لا إراديًا وشوقه يعصف به يأمره باحتضانها وتفريغ شوقه ذلك. سيطر على مشاعره وملامحه التي رقت قليلًا بقوة، بينما همست هي بصوتها الرقيق: "كيف حالك يا نديم؟

سألها باقتضاب يحاول السيطرة على مشاعره الثائرة المشتاقة لها والغاضبة منها في نفس الوقت: "لماذا جئتِ؟ ضغطت على شفتيها للحظات وعيناها لمعتا بقوة لترد بعد لحظات بصعوبة: "جئت لأقول الحمد لله على سلامتك و... "هل زوجك يعلم بمجيئك إلي؟ خرج سؤاله باردًا رغم هدوئه المصطنع، لتشعر بصفعة قوية تعيدها إلى وعيها وإدراكها حقيقة إنه تغير نحوها، وهذا ما كانت تتوقعه، لكن أن يحدث أمر واقع شيء آخر. ترقرقت الدموع داخل عينيها

وهي تجيب بصوت مبحوح: "كلا، لا يعلم." ثم أكملت وهي تسيطر على دموعها تحصرها داخل عينيها بقوة: "لا أظن إنه توجد مشكلة في رؤية ابنة خالتي والاطمئنان عليه بعد خروجه من السجن الذي بقى به لعدة أعوام." كان يقسو على نفسه بشدة كي يظهر بهذا البرود والثبات. في داخله شعوران متناقضان، أحدهما يتمنى أن يحتضنها ويقبلها ويطفئ شوقه نحوها، وشعور آخر يتمنى أن يعاتبها، يصرخ بها ويفعل أي شيء ليجعلها تشعر بكل ما عاناه بسببها.

"أتمنى ألا ينزعج زوجك حقًا من وجودك هنا، فلا أظن إن هناك رجل عاقل يسمح لزوجته بزيارة خطيبها السابق حتى لو كان ابن خالتها يا مدام ليلى."

نظرت إليه بعينين دامعتين معاتبتين تتمنى لو بإمكانها الصياح عليه بألا يتعامل معها هكذا، ألا يعاملها كغريبة بعدما كانت أقرب الناس إليه. تطلع إليها بضيق من تلك النظرات التي ترمقها بها، بينما أخذت هي نفسها مقررة الرحيل، فوجودها هنا كان خطأ، خاصة وهي تقف أمامه لا تجد ردًا مناسبًا على حديثه ولا تستطيع أن تقول أي شيء يناسب هذه اللحظة. هتفت أخيرًا بصوت خافت متردد: "أنا جئت فقط لهذا السبب وسأرحل الآن."

ثم تحركت بخطوات آلية بعيدًا عن المكان، تتابعها عيناه بملامح فارغة حتى اختفت من أمامه. *** أكمل إعداد حقيبته وأغلقها بإحكام، فسمع صوت طرقات على بابه من جديد يتبعها دخول غالية عليه وهي تهتف بسعادة: "وأخيرًا عدت يا نديم." ابتسم لا إراديًا عندما اندفعت نحوه تضمه، فيضمها بدوره. ابتعدت عنه بعد لحظات تهتف بسعادة: "كيف تتركنا ليومين وأنا لم أشبع منك ومن وجودك بعد؟ أكملت بجدية:

"والدتي كانت ستموت من القلق عليك يا نديم، لا تفعل هذا بها مرة أخرى أرجوك." أضافت برجاء: "نحن لا نقوى على الحياة بدونك يا أخي." ابتسم بخفة ثم قال بشعور نابع من أعماق قلبه: "اشتقت إليك كثيرًا يا غالية." "وأنا أكثر يا نديم." قالها بفرحة وهي ترمي نفسها داخل أحضانه تحيط جسده بذراعيه بعفوية تامة. طبع قبلة على قمة رأسها، بينما انتبهت وهي داخل أحضانه إلى تلك الحقيبة، فابتعدت فورًا متجهة نحوها تشير إليها وتسأله:

"ما هذه الحقيبة يا نديم؟ صمت للحظات ثم أجاب بثبات: "سأترك الفيلا يا غالية." صاحت بلا وعي: "ماذا تقول أنت؟ ستترك الفيلا يا نديم؟ ستترك منزلك وتتركنا نحن أيضًا؟ لم يجب عليها، فأضافت بصوت متشنج: "لماذا تفعل هذا بنا يا نديم؟ لماذا تؤلمنا بهذا الشكل؟ "افهميني يا غالية أرجوك، أنتِ بالذات يجب أن تفهميني، أنا لا أستطيع البقاء معها في مكان واحد، لا أستطيع تقبل هذا، الأمر أصعب مما تتصورين بكثير."

كانت تعلم إن هذا سيحدث وإن أخيها لن يتقبل أبدًا وجوده مع عمار وليلى في مكان واحد، لكنها حقًا لا تريده أن يرحل. طوال السنين السابقة كانت تنتظره مع والدتها وتعدان الأيام سويًا وهما تنتظران عودته إليهما سالمًا. "ولكن نحتاجك يا نديم." تكلم محاولًا تهوين الأمر عليها: "وأنا سأكون دائمًا معكما يا غالية، ستجداني وقتما تحتاجاني عندكما، أنا فقط لا أستطيع، افهميني من فضلك ولا تضاعفي من همومي أكثر."

شعرت غالية بالضيق من نفسها، فهي لم تفكر بوضعه هو ومشاعره، بينما أرادت بأنانية أن يبقى بجانبها. تعلم إن معه كل الحق، فهو من الصعب عليه أن يتقبل كل هذا. كما إنها في داخلها تعلم إنه بحاجة إلى الابتعاد قليلًا، الانفراد بنفسه وتنظيم أفكاره، لعله يستعيد القليل من نفسه الضائعة. "أعتذر يا نديم، لم أكن أقصد الضغط عليك، أنا فقط... قاطعها بجدية: "لا تعتذري يا غالية، أتفهمك جيدًا." أكمل بعدما أطلق تنهيدة متعبة:

"اعذريني أنتِ أيضًا يا غالية، اعذريني لإنني أتصرف على هذا النحو." ابتسمت مرددة بصدق: "أرجوك لا تفعل، أنت أخي وأبي وصديقي يا نديم، أنت آخر شخص يمكن أن أتضايق منه." ابتسم رغم ألمه، ليسمعها تردف: "لكن ماذا عن والدتي؟ ستحزن بالتأكيد." نظرت إلى تعبه الذي يظهر على ملامحه بوضوح، فأكملت بسرعة: "سأتحدث أنا معها وأقنعها، لا تقلق من هذه الناحية." أومأ برأسه متفهمًا، ثم منحها ابتسامة محبة وهو يخبرها: "أشكركِ يا غالية." أسترسل

وهو يتجه نحو حقيبته: "أنا سآخذ حمامًا سريعًا ثم أذهب لتوديع والدتي وآخذ منها مفتاح شقتها." "ستذهب إلى شقة والدتي إذا." هز رأسه وهو يقول: "نعم، سأبقى هناك." "جيد، وأنا سأذهب لأخبر والدتي بقرارك وأقنعها بضرورة ذهابك إلى هناك." خرجت غالية بعدها خارج الغرفة متجهة إلى والدتها، بينما اتجه نديم نحو الحمام ليأخذ حمامًا سريعًا ثم يغير ملابسه ويودع بعدها والدته ويرحل. *** فتح عينيه سامعًا صوتها وهي توقظه برفق:

"استيقظ يا عمار، ستتأخر على موعدك." اعتدل في جلسته بسرعة بعدما استعاد وعيه كاملًا ليجدها تقف أمامه بقميص نومها القصير تهتف به: "الحمام جاهز وينتظرك." نهض من فوق سريره فيظهر جذعه العالي عاريًا وبنطاله البيتي. سار بخطوات متكاسلة نحو الحمام، بينما أخذت هي تعدل الفراش. وقفت بعدها أمام المرآة تتأمل قميص نومها المثير والأنيق في نفس الوقت، وملامح وجهها الجميلة، والتي زاد من جمالها تزيينها بمستحضرات التجميل بعناية.

التقطت روبها القصير فوق قميص نومها وأغلقته بخفة، ثم خرجت من الغرفة كي تعد له إفطاره المكون من قهوته الخالية من التحلية وقطعتين من التوست السادة. خرج بعد مدة وهو يعدل من هندامه لتخبره وهي تبتسم له: "قهوتك جاهزة." سار نحوها حيث جلس أمامها حاملاً قهوته المرة يرتشف القليل منها، ثم يقضم من قطعة التوست بعدها. "هل ستعود مساءً هنا؟ سألتها بإهتمام ليرد عليها باقتضاب: "لا أعلم." تبرمت وهي تهتف به:

"أصبحت لا تأتي هنا إلا قليلًا، هل ستأخذك زوجتك مني؟ التوى فمه بتهكم مرددًا ببرود: "تتحدثين وكأنني أطيق البقاء معها ثانية واحدة." "لماذا تزوجتها إذا طالما إنك لا تطيقها إلى هذا الحد؟ سألتها وهي تنظر إليه، بينما ارتشف هو المزيد من قهوته ورد بعدها: "ألم أخبرك مسبقًا يا بوسي؟ زواجي لغرض محدد لا غير." أكمل وهو ينظر إلى كوب قهوته بشرود:

"ليلى كانت هدفي منذ زمن، منذ أن أدركت حقيقة مشاعره نحوها، كانت هي الفريسة التي بإصطيادها سأحقق الجزء الكبير والأهم مما أتمناه." "هل تخبرني إنك كنت تخطط لهذا منذ أعوام؟

سألته بتعجب وإهتمام شديد، فهذه المرة الأولى التي تحصل منها على معلومات بشأن زيجته وأسبابها، رغم إنها تعلم بالسبب الأساسي لهذه الزيجة وهو الإنتقام من أخيه، لكنها لا تعلم بالتفاصيل مما جعلها تشك أحيانًا بحبه لزوجته وإنكاره لذلك ليس سوى رغبة في الحفاظ على كبريائه، إلا إن ما تسمعه الآن وتراه من جدية على ملامح وجهه يؤكد صدق ما يقوله. "منذ أعوام طويلة يا بوسي، منذ أن كبرت قليلًا واستوعبت كل شيء."

عاد ينظر إليها وهو يهتف ساخرًا: "هل لديك سؤال آخر يا بوسي؟ هزت رأسها وهي تسأله: "ألا تنوي تطليقها؟ قست ملامحه وهو يجيب بهدوء مخيف: "مستحيل، ليلى لن تتحرر مني إلا في حالة واحدة وهي موتها." شعرت بالرهبة للحظة من تلك القسوة التي كست ملامحه التي أصبحت جامدة كالرخام وعينيه اللتين أصبحتا قاتمتين سوداوين متخليتين عن لونيها الأخضر الجذاب. سيطرت على شعورها هذا وهي تهم بسؤاله ليقاطعها ببرود:

"يكفي إلى هنا، لا مزاج لدي بسماع المزيد." ثم حمل هاتفه من فوق الطاولة وخرج من الشقة تاركًا إياها تتابعه بملامح منزعجة. *** خرجت نانسي من غرفتها وهي تعدل من هندامها الأنيق قبل أن تهبط درجات السلم متجهة خارج منزلها. "إلى أين؟ صدح صوت أختها متسائلًا فاستدارت نحوها تجيب بإيجاز: "سأخرج مع أصدقائي." تقدمت أختها نحوها تهتف بنبرة جدية: "أنت تخرجين يوميًا منذ الصباح الباكر ولا تعودين حتى المساء!! أضافت تسألها بارتياب:

"أين تقضين كل هذا الوقت يا نانسي؟ احتدت ملامح نانسي وهي تصيح بها: "ماذا تقصدين يا هايدي؟ انتبهي على حديثك من فضلك، أخبرتك إنني أذهب مع صديقاتي، لماذا لا تفهمين؟ ردت هايدي بغضب: "وأنتِ لا ترفعي صوتك علي، أنا خائفة عليكِ، لماذا لا تفهميني أنتِ أيضًا؟ جاءت والدتهما على صوت صياح ابنتيها تسألهما بقلق: "ماذا حدث؟ لماذا تتشاجران؟ نظرت نانسي إلى والدتها تخبرها بعصبية:

"ابنتك تحقق معي يا ماما، إنها تتحدث معي بنبرة غريبة وكأنها تشكك بي." "أنا خائفة عليكِ لا أكثر، لماذا لا تفهميني؟ أردفت تخبر والدتها: "إنها لا تتواجد في المنزل سوى وقت النوم، أين تذهب كل هذه المدة ومع من؟ وقبل أن تصيح نانسي بها من جديد كانت والدتها تهتف مؤيدة أختها: "أختك معها حق يا هايدي، أصبحتِ لا تتواجدين في المنزل إلا نادرًا، أين تذهبين؟ أكملت وهي تقترب من ابنتها بملامحها التي تجهمت: "أين تذهبين يا نانسي؟

أخبريني وإلا منعتك من الخروج." صدح صوت نانسي حادًا عاليًا: "تمنعيني؟ هل تمزحين يا ماما؟ هل أنا طفلة صغيرة حتى تمنعيني من الخروج؟ "كلا لستِ صغيرة ولكنكِ تتصرفين كذلك، من حقي أن أعرف أماكن خروجك." قاطعتها نانسي بتأفف: "أخبرتكِ إنني أخرج مع أصدقائي، لماذا لا تصدقوني؟ سألتها والدتها بنبرة ذات مغزى: "حقًا؟ ألا يوجد شيء آخر تخرجين لأجله؟ أكملت وهي تلاحظ توتر ملامح ابنتها: "بالتأكيد علمتِ بأمر خروجه!! "عمن تتحدثين؟

سألتها نانسي بإرتباك، بينما تكلمت هايدي بعدم تصديق: "من تقصدين يا ماما؟ نديم الخولي، أليس كذلك؟ أردفت وهي تنظر إلى أختها: "ألم ننتهِ من نديم هذا؟ ألم تنسيه بعد؟ صرخت نانسي وقد فقدت سيطرتها على أعصابها: "كلا لم أنسه ولن أفعل، أنا أحبه، لماذا لا تفهمان؟ جذبتها والدتها من ذراعها تخبرها بشدة: "إياكِ أن تنطقيها مرة أخرى، هل فهمت؟ ألم أخبرك مسبقًا وأحذرك من العودة إلى هذا الموضوع؟ حررت ذراعها من قبضة والدتها تصيح بنزق:

"نعم حذرتني ولم أفعل، ماذا ستفعلين؟ كيف ستجبريني على التخلي عنه؟ "أنا لا أفهم حقًا، ما الذي يعجبك بخريج السجون هذا؟ نظرت نانسي إليها وقالت بنبرة مستفزة متعددة: "يعجبني كله، هل ارتحتِ؟ "لقد فقدت ابنتك عقلها تمامًا يا ماما." قالتها هايدي بعصبية، بينما رددت نانسي بلا مبالاة: "أنا حرة في حياتي وحرة فيمن أحب وأريد، هل فهمتما؟ اندفعت خارج المنزل بعدم اهتمام، تاركة الاثنتين تنظران إلى بعضهما بقلق، لتنفجر هايدي:

"ابنتك ستفضحنا، إنها تلتصق كالعلكة به وهو بالتأكيد لن يرفضها هذه المرة كما فعل مسبقًا، كيف يرفضها من الأساس وهي أصبحت الوحيدة من ترضى به بعدما حدث معه؟ أكملت وهي تلوي فمها بتهكم: "بالطبع سيقبل، من سترضى بخريج سجون مثله؟ لن يجد فرصة كهذه أبدًا." رمقتها والدتها بنظرات مستاءة، ثم تحركت بإنزعاج بعيدًا عنها وعقلها مشوش بابنتها وجنونها بذلك الرجل. ***

خرج من الفيلا بعدما ودع والدته وأخته يجر حقيبته خلفه، يلقي نظرة أخيرة على منزله قبل أن يتفاجأ بها تخرج من الفيلا خلفه. تأملها وهي تسير نحوه ثم تقف أمامه تسأله بضعف: "ستترك الفيلا حقًا؟ نظر إلى الحقيبة للحظة ثم عاد ينظر إليها وهو يهتف ساخرًا: "ماذا ترين؟ "لماذا يا نديم؟ لماذا تترك منزلك؟ سألته بصوت شجن، ليأخذ نفسًا عميقًا ثم يزفره ببطء ويقول بعدها:

"مغادرتي الفيلا يجب أن تحصل لا محالة، وجودي هنا معكما في مكان واحد أمر غير مقبول بالنسبة لي." قاطعته بجدية: "أنا لم أكن أرغب في السكن هنا لكن عمار من أصر." التوى فمه بابتسامة جانبية وهو يردد: "أعلم ذلك، تصرف متوقع منه." "إذا كانت المشكلة تكمن بي فأعدك إنني لن أخرج من غرفتي أبدًا طوال اليوم، فقط ابقَ هنا يا نديم، ارجوك." كانت ترجوه بصوتها الرقيق والذي ما زال يترك أثرًا به رغم كل شيء. سألها بصوت باهت:

"لماذا تطلبين مني البقاء يا ليلى؟ ما غرضك من كل هذا؟ ردت بعينين ولهتين وصوت حنون: "ألم تفهم بعد يا نديم؟ ألم تفهم إنني لا أريد أن أكون سببًا في إيذائك بأي شكلٍ؟ لا أريد أن تخرج من منزلك الذي ولدت وكبرت فيه بسببي." "ألم تفعلي يا ليلى؟ ألم تكوني سببًا في إيذائي؟ خرجت نبرته حارة معاتبة تحمل الكثير من مشاعر الوجع الذي تسببت هي به دونًا عن الجميع. ترقرقت الدموع الحارة داخل عينيها عندما مدت كفها تلتقط كفه تخبره بعينيها

الباكيتين ونبرتها الصادقة: "لم أرغب بأن أكون سببًا في ذلك أبدًا، أنت تعلم يا نديم، تعلم ما أنت بالنسبة لي، وما أشعره نحوك." قبض على كفها الممسك بكفه ضاغطًا عليها بقوة هاتفا بقسوة تشبه قسوة قبضته: "ربما لم تستوعبِ بعد مع من أنتِ تتحدثين يا مدام ليلى، أنتِ تتحدثين مع أخ زوجك، أخ زوجك يا مدام، كيف تفعلين هذا وكيف تتجاوزين حدودك إلى هذا الحد؟ أكمل وهو يردد بتهكم مرير: "كيف تخبريني عن شعورك نحوي؟

هل تظنين إن الذي يقف أمامك الآن هو نديم؟ خطيبك وحبيبك؟ أفيقي يا ليلى، أنا لم أعد نديم الذي كنتِ تعرفينه، وأنتِ لم تعودي ليلى حب عمري ورفيقة الدرب، أنا لم أعد خطيبك وحب عمرك!! أنا أخ زوجك، فقط لا غير." كان يتحدث وهو يقبض على كتفيها يهزها بعنف وكلماته تقتلها بلا رحمة حتى وجدها تهبط على ركبتيها تصرخ بانهيار: "يكفي، يكفي أرجوك، لا أستطيع التحمل بعد، لم يعد لدي القدرة على تحمل المزيد."

ابتعد عنها قليلًا يناظر انهيارها بقلب منهك، بينما رفعت هي وجهها نحوه أخيرًا تصيح به بوجع: "ارحل، ارحل يا نديم، ارحل أرجوك." *** حل المساء وهو يسير على البحر يتأمل أمواجه الهادئة هذا اليوم بملامح شاردة هادئة. كان قد قضى اليوم بكامله نائمًا في الشقة بعدما وصل إليها، ليستيقظ بعد العصر وهو يشعر بالجوع فخرج ليتناول شيئًا من أحد المطاعم، ثم قرر الذهاب إلى البحر والمشي هناك قليلًا.

توقف بعد لحظات بجانب إحدى المسطبات ينظر أمامه وعقله تراوده الكثير من الأفكار. لا يستطيع أن يقول إنه شعر بالراحة بعد خروجه من الفيلا، لكنه على الأقل لا يشعر بنفس الضيق والاختناق. تنهد بصمت وهو يفكر فيما سيفعل بعد الآن وماذا سيعمل؟ نعم، عليه أن يعمل في أقرب وقت، فهو بالتأكيد لن يظل يطلب الأموال من والدته. لم يفعلها وهو في سن أصغر وبالتأكيد لن يفعلها بعد الآن.

فجأة صدح صوت صراخ فتاة، فالتفت نحو الخلف ليجدها تصرخ في شابين يحاولان التحرش بها. سارع في الذهاب نحوها مبعدًا الشابين عنها، واللذان هربا فورًا ما إن هم بضرب أحدهما. هبطت الفتاة نحو الأسفل تجذب حقيبتها الملقاة إلى الأرض، ثم رفعت جسدها نحو الأعلى ونظرت إلى الشاب الذي أنقذها لتتسع عيناها بعدم تصديق. لقد كان هو، بشحمه ولحمه، من سيطر على أفكارها طوال الأيام السابقة وزارها في حلمها أيضًا. سألها نديم غير منتبه لنظراتها

غير المصدقة وجودها أمامه: "هل أنتِ بخير يا آنسة؟ بينما هتفت هي بلا وعي: "نديم!! سيطرت الدهشة على ملامحه من معرفتها اسمه وهو لا يتذكر إنه رآها من قبل، بينما أدركت هي ما تفوهت به لتعض على شفتها السفلى بقوة. "عفوًا، هل تعرفيني؟ سألها بإستغراب ليجدها تتحرك بسرعة وهي تردد: "كلا، لا أعرفك."

نظر إليها غير مستوعبًا ما تفعله، فمنذ لحظة ذكرت اسمه ويبدو إنها تعرفه جيدًا، وفجأة تحركت مقررة الرحيل وهي تنكر معرفته. وجدها تقدمت خطوات قليلة ثم توقفت في مكانها وهي توليه ظهرها. رفع حاجبه محاولًا فهم تصرفاتها الغريبة تلك، ليجدها تلتفت نحوه وهي تهتف بإستيحاء وتلعثم: "أنا أعتذر.. يعني أنا أعرفك ولكن... صمتت تحاول صياغة حديثها، بينما سألها هو بفضول: "من أنتِ ومن أين تعرفيني؟

قضمت شفتها السفلى قليلًا قبل أن تسيطر على توترها الذي تسبب به صدمة رؤيته أمامها بصدفة لا تحدث سوى في الأفلام. أجابت أخيرًا بهدوء وهي ترسم الثبات على ملامحها: "أنا حياة، حياة ابنة فاضل حارس الفيلا يا بك." *** دلف إلى الداخل ليجدها تجلس على السرير وهي تبدأ في كفكفة دموعها. نظر إليها مرددًا بضيق: "كالعادة لا تفعلين شيئًا سوى البكاء، أقسم لكِ إنني مللت بل قرفت منكِ أيضًا." اندفعت تنهض من فوق مكانها تصرخ بإنفعال:

"أنت قرفت إذا، قرفت يا عمار باشا أليس كذلك؟ وماذا عني أنا؟ هل أخبرك بشعوري نحوك ونحو حياتي معك؟ أنا مللت ونفرت وكرهت وقرفت واشمأزيت منك ومن وجودي معك." قبض على شعرها بقسوة يهتف بحدة مخيفة: "تتجاوزين حدودكِ كثيرًا يا فتاة، أصبحت بحاجة إلى التأديب." حرر شعرها وقبض على وجنتيها بأنامله يكمل وعيناه تحومان حول وجهها بتوعد: "هل ترغبين بتأديبك على طريقتي الخاصة؟ هل تودين ذلك؟ دفعته وهي تصيح متسائلة بإنهمار:

"لماذا تفعل بي هذا؟ ما الذي تريده مني؟ لماذا لا تتركني؟ ألم تحقق انتقامك بعد؟ ألم يكفيك ما فعلته بي حتى الآن؟ أكملت منتحبة: "لفقت له تهمة لم يفعلها وسجنته لأعوام، أنهيت مستقبله ووصمته بذنبٍ لم يرتكبه سيوصم بعاره حتى الأبد، سرقتني منه وتزوجتني إجبارًا وعذبتني معك لسنوات، ما الذي تريده بعد؟ أخبرني." اشتعلت نظراته بحقد دفين، بينما لسانه يخبرها بلهجة مخيفة: "أريد الكثير، الكثير يا ليلى."

"طلقني، طلقني، لا أريد البقاء معك." قالتها بعدما حملت المزهرية الموضوعة على المنضدة ورمتها أرضًا، ليرد مستهزئًا بها: "لن أطلقك يا ليلى، تريدين الطلاق كي تعودين إليه، أليس كذلك؟ نظرت إليه بعينين متوسلتين بصمت، يقابلها هو بنظراته الباردة ويفكر داخله إن تلك الغبية لم ولن تفهم إنها انتقامه الأكبر الذي لن يتخلى عنه مهما حدث. عندما لم تجد سوى الجمود منه، قالت ببكاء: "لماذا تفعل بي هذا؟

أنا لم أفعل بك شيئًا، لم أؤذك يومًا، ما ذنبي لتفعل بي كل هذا؟ "ذنبك هو.. هو ذنبك يا ليلى." قالها بإعصاب هائجة، ثم أكمل بإبتسامة شامتة: "ألم تتزوجي بي لأجله؟ ألم تضحي بنفسك لأجل حمايته؟ تحملي نتيجة تضحيتك يا عزيزتي." مسحت دموعها بأناملها، ثم تحدثت بصوتها المبحوح: "وماذا إن رفعت قضية طلاق؟ قاطعها بقوة: "سأطلقك حينها لكنني لن أتردد لحظة واحدة في قتله بعدها."

ذبلت عيناها وقد سمعت ما كانت تنتظره منه، تهديداته التي لا تنتهي والتي تعلم جيدًا إنه يستطيع تنفيذها بسهولة، فهو فقد قلبه منذ زمن ولا أمل فيه. أخفضت وجهها بيأس ليبتسم وهو يعلم إنها تستسلم من جديد. تقدم نحوها يقبض على ذقنها يرفع وجهها نحوه، فتنظر إليه بملامح منهكة، لتسمعه يهمس وهو يميل نحوها: "اشتقت إليك يا زوجتي العزيزة." ابتعدت عنه وهي تنكمش على نفسها: "لا أريد، إياك أن تقترب مني."

انقض عليها قابضًا على رسغيها بكل قوته، بينما عيناه لمعتا ببريق مخيف أنبأها بما ينتظرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...