الفصل 54 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم سارة علي

المشاهدات
23
كلمة
4,559
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

تزوجت بسرعة فاقت استيعابها.. صارت زوجة عمار الخولي.. تزوجته دون تردد، لم تأخذ فرصتها للتفكير حتى.. كانت تريد أن تثبت له شيئاً، بل لنفسها أيضاً.. امسكت عقد الزواج بيديها تنظر إلى اسمه الذي يجاور اسمها.. ورغماً عنها تذكرت آخر كان من المفترض أن يكون مكانه.. آخر تركها دون أن يمنحها فرصة للتبرير، بل دون أن يخبرها حتى عن سبب تركه.. آخر لفظها من حياته في غمضة عين.. هي تنتقم منه هو الآخر..

تنتقم منه بعدما رأت القهر في عينيه.. قهر عاشق خذلته هي دون أن تعلم، واليوم خذلته مجدداً وهي تعلم، بل هي من سعت لذلك.. شعرت به خلفها.. أنفاسه تجتاح رقبتها.. توترت قليلاً لكنها أخفت ذلك بمهارة وهي تستدير بشجاعة نحوه.. شجاعة تحتاجها مع رجل مثله.. قبض على خصرها وهو يميل بوجهه نحوها.. يلثم خدها بقبلة دافئة ثم شفتيها.. قبلة تجاوبت هي معها مجبرة، تمنحه استجابة مقصودة..

ابتعد عنها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بعدما غرق في قبلته معها.. ركن جبينه فوق جبينها يخبرها بتمهل: "أعلم إنك تخططين لشيء ما، ولكن لا يهمني.. ما يهمني إنك أصبحت ملكي بعد سنوات من الانتظار.." سألته وهما ما زالا بنفس الوضعية: "كيف تفكر أنت..؟! أنت تشك بنواياي اتجاهك ومع هذا لا تهتم.." ابتعد عنها ينظر إلى ملامح وجهها التي يعشقها بشوق جارف تمكن منه.. شوق نحا جانباً وهو يخبرها مجدداً:

"لأنني أحبك.. ولأنني لا أهتم بما ينتظرني.." سألته بقوة: "ما الذي لا يهمك..؟! هزيمتك مثلا.." ابتسم بطريقة غريبة.. طريقة أرهبتها رغماً عنها.. ابتسامة تبعها يردد بصوت ثابت لا جدال فيه: "عليك أن تعلمي إن الهزيمة كثيراً ما تحمل خلفها انتصاراً غير مسبق.. هزيمتي حتى لو حدثت.. ستكون هزيمة مؤقتة.. وما يليها هو الانتصار الأعظم.." كلماته كانت تحمل شيئاً جاداً مخيفاً.. كيف يفكر هذا الرجل ومالذي ينويه..؟ تمتمت تسأل عن قصد:

"وماذا عن شيرين..؟! منحها تنهيدة طويلة وهو يهتف: "شيرين.. آه يا شيرين.." سألته ببرود: "هل تحبها..؟! تأملها ملياً يفتش عن أي لمحة للغيرة في عينيها لكنه لم يحصل على شيء.. أجاب بصدق غلف ملامحه: "شيرين أنقى بكثير من أن يحبها شيطان مثلي.." تجهمت ملامحها وهي تهتف: "هذا يعني إنني.." جذبها نحوه بسرعة يخبرها وعيناه تلتهمان تفاصيل وجهها من جديد: "أنت شيطانة صغيرة أسرت قلبي كله دون أن تمنحني أي فرصة للهرب من قيد عشقها الأبدي.."

كانت تجلس على طاولة الطعام بشرود قطعته والدتها وهي تنادي عليها.. فنظرت لها ليلى تتساءل عما كانت تقوله.. وضعت فاتن كفها فوق كف ابنتها تخبرها بجدية: "حبيبتي.. أنت منذ يومين على هذه الحالة.." سحبت كفها لتجذب قدح عصيرها ترتشف منه القليل عندما أضافت فاتن بتردد: "أنا قلقة عليك يا ليلى.." قاطعتها ليلى بجمود: "لا تقلقي.. أنا بخير.." أضافت وهي تنظر إلى عيني والدتها القلقتين بوضوح:

"ليست المرة الأولى وعلى ما يبدو لن تكون الأخيرة.." أضافت وهي تضع كفها فوق كف والدتها: "لكن كما أخبرتك لا تقلقي.. لقد اعتدت على هذا وأصبحت أجيد تقبله بسهولة.." كلماتها تلك أقلقت والدتها أكثر دون أن تدري.. والدتها التي لاحظت تبدلها المريب في اليومين السابقين.. طردها لمريم ثم ما تبعه من مواجهتها لكنان.. كانت فاتن تنتظر انهياراً بين أحضانها بعد صدمتها الكبيرة في شقيقتها.. لكن صدمتها ردة فعل ليلى بعد مغادرة كنان المكان..

جمود غلفها كلياً منذ تلك الليلة.. جمود يخيفها أكثر.. ابنتها تلقت صدمة شديدة ومختلفة هذه المرة.. صدمة أخيرة بعد سلسلة صدمات حاولت تجاوزها ولم تستطع.. عادت تتأملها وهي تتناول طعامها بنفس الجمود.. ملامحها الرقيقة بدت صلبة وعينيها متحجرتين بشكل يثير القلق.. أرادت فاتن أن تقول شيئاً ما.. أي شيء.. لكنها لم تستطع.. نظرت إلى ليلى التي أنهت طعامها ونهضت بعدها تستأذن المغادرة إلى غرفتها..

تابعته بعينيها مستوعبة أنها طوال اليومين السابقين لم تترك غرفتها إلا نادراً.. اختارت الانعزال في غرفتها عن الجميع.. لم تتحرك خطوة خارج الفيلا حتى لم تذهب في موعد زيارتها اليومية لوالدها.. بل حتى لم تسألها هي عن وضعه الصحي.. تنهدت بألم وهي تفكر في ابنتها الأخرى.. تلك التي تتجاهل اتصالاتها تماماً ولا تعرف أين هي الآن وماذا تفعل.. لا تنكر أنها غاضبة منها وبشدة.. تنتظر ظهورها كي تحاسبها على ما فعلته..

وهي التي تسأل نفسها يومياً عن السبب الذي جعل مريم تتصرف هكذا.. تتساءل إذا ما قصرت في تربيتها لتفعل كل هذا.. تلوم نفسها بشدة رغم أنها لا تتذكر أنها قصرت معها يوماً أو أهملتها يوماً.. لقد كرست حياتها كلياً لابنتيها وسعت إلى تربيتهما بأفضل شكل ممكن.. لكن رغم هذا لا يمكنها إلا تلوم نفسها.. ربما هي قصرت في شيء.. بالتأكيد.. وإلا ما كانت مريم ستتصرف بهذه الطريقة.. نهضت من فوق الطاولة وهي التي لم تتناول شيئاً من الأساس..

تحركت بآلية متجهة إلى غرفتها بعدما أخبرت الخادمة أن تنظف الطاولة.. أما ليلى فدخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف.. اتجهت نحو سريرها وألقت بجسدها عليه.. أغمضت عينيها وهي تكتم دموع القهر فيهما.. لا تريد أن تبكي.. لا تريد أن تضعف.. جميع ما حدث معها نتاج ضعفها وغبائها.. لماذا حدث هذا معها..؟! هي لا تستحق هذا أم هي تستحق ما يحدث معها..؟! هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض بها لخيبة.. ولكن المرة هذه مختلفة..

خيبتها في شقيقتها لا تساويها خيبة.. شقيقتها التي تعلم جيداً أن وراء اختفائها هذا مصيبة ما.. ورغم خوفها وقلقها عليها اختارت أن تقسو وتتجاهل.. عليها أن تتعلم القسوة كي تستطيع أن تحيا في هذا العالم المليء بالصدمات والخيبات.. اعتدلت في جلستها تكتم دموعها في عينيها.. نظرت إلى انعكاسها في المرآة فوجدت نفسها تحمل مظهر امرأة ضعيفة.. تائهة ومحطمة..

لم يعجبها ما رأته.. استفزها ذلك الضعف الظاهر عليها والألم المرتسم على ملامحها.. انتفضت من مكانها تتقدم نحو المرآة.. تقف مواجهة لها تتأمل ملامح وجهها المعذبة بتساؤل صدح بنبرة منخفضة بائسة: "من أنتِ..؟ هل أنتِ ليلى ذات السبعة وعشرين عاماً..؟! لماذا تبدين وكأن عمركِ ازداد عشرين عاماً..؟! لماذا يبدو الألم محفوراً على ملامحك..؟! لماذا تحملين كل هذا الضعف واليأس في عينيك..؟! من أنت حقاً..؟! من أنت يا ليلى..؟!

بالتأكيد لست ليلى القديمة.. المشرقة القوية.. الجميلة الجذابة.. ليلى التي تملك العالم بين يديها.. أين ذهبت ليلى القديمة..؟! هل ماتت..؟! ومن تسبب بموتها..؟! نديم..؟! عمار الخولي..؟! أحمد سليمان..؟! مريم سليمان…؟؟ كنان نعمان..؟! أم جميعهم تكاتفوا وشاركوا في قتلك..؟! تراجعت إلى الخلف بجزع.. الخوف غزا روحها.. أرادت أن تهرب بسرعة.. تهرب من صورتها بالمرآة.. تحركت تغادر غرفتها هاربة من مجهول.. مجهول لا تدركه ولكنها تخشاه..

توقفت خارج غرفتها وهي لا تدرك أين يمكنها أن تذهب..؟؟ أين تهرب من واقعها..؟؟ من قدرها المظلم..؟! ثم اندفعت بسرعة نحو غرفة أخيها.. فتحت الباب ودلفت إلى الغرفة لتتوقف في منتصفها وهي تتأمل عبد الرحمن الذي يلعب في المكعبات بشغف كعادته.. رفع الصغير وجهه نحوها وهو يبتسم لها بإشراق.. تقدمت نحوه وحملته متجاهلة حديثه معها.. جلست على سريره الصغيرة وهي تعانقه.. تضمه داخل أحضانها أو ربما تضم هي نفسها داخل أحضانه..

تحتمي به من عالم قاسٍ لا يناسبها.. عالم لا يصلح أمثالها للعيش فيه.. شددت من عناقه وهي ترتجف بقوة بينما الدموع تساقطت فوق وجنتيها رغماً عنها.. في صباح اليوم التالي.. استيقظت من نومها أخيراً.. اعتدلت في جلستها تتفحص جسدها رغماً عنها بتوجس.. تنهدت بصمت وهي تنهض من فوق السرير متجهة إلى الحمام الملحق بالغرفة.. وقفت أمام المغسلة تغسل وجهها أولاً قبل أن تجففه بالمنشفة لتتأمل ملامحها بصمت وعقلها يشرد فيما حدث البارحة..

حديثه الذي يحمل بين طياته الكثير.. اعترافه الصريح بعشقه لها.. عشقه الذي صرح به عدة مرات مسبقاً لكن هذه المرة تصريحه كان مختلفاً.. تصريحه كان يحمل ثقة وثبات وقوة مثيرة للريبة.. عمار بدا مختلفاً بشكل يثير قلقها.. تفهمه البارحة لرغبتها في البقاء في غرفة أخرى فاجأها.. لم تتوقع منه تصرفاً كهذا.. متى كان مراعياً..؟! أم هو فقط يلاعبها بطريقة مختلفة..؟! غادرت الحمام بملابسها التي لم تغيرها بعد..

أخذت نفساً عميقاً وهي تتسلح بكل ما تملكه من شجاعة وثقة لتخرج من الغرفة.. فتجد الشقة هادئة تماماً بشكل أثار ريبها.. أين هو..؟! هل ما زال نائماً..؟! توقفت عن أفكارها عندما وجدته يدلف إلى الشقة بملامح واجمة أثارت غيظها.. لم تكن تنتظر منه شيئاً كهذا في أول يوم لهما بعد زواجهما.. تأملت تلك الأكياس التي وضعها على الطاولة بإهمال قبل أن يجلس جانبها على الكنبة.. سألته مدعية الاهتمام: "هل حدث شيء ما.. تبدو حزينا.."

أجاب باقتضاب: "جيلان دخلت صباح اليوم إلى المصحة النفسية.." تمتمت بخفوت: "حسنا.. لا بأس.. سوف تتحسن قريباً إن شاء الله.." أشار إلى الأكياس مردداً: "هذه ملابس اشتريتها لك.." "حقاً..؟! " قالتها بحماس وهي تنهض وتلتقط الأكياس بينما تثرثر بعفوية: "كنت أحتاجها كثيرا.." ثم مالت نحوه عن قصد تقبله على وجنته وهي تشكره برقة: "شكراً يا عمار.." تأملها لوهلة قبل أن ينتفض ضاحكاً بطريقة فاجأتها..

توجست ملامحها وهي تراقبه يضحك بهذه الطريقة المثيرة للريبة.. توقف عن الضحك فجأة كما بدأ وهو يخبرها بخفة: "لا تليق بك هذه التصرفات يا مريم.." سألته بصوت مبحوح: "آية تصرفات..؟! رد وهو يتأملها ببرود: "التصرفات اللطيفة مثلا.. لا داعي أن تتصرفي بشكل لا يشبهك.. أنا أريدك كما أنت.. على طبيعتك.." هزت رأسها بصمت عندما نهض من مكانه وسحب كيساً ومده لها يخبرها بشقاوة: "انظري إلى داخل الكيس.."

التقطت الكيس وأخرجت ما فيه بلا مبالاة لتتجمد مكانها وهي ترى قميص نوم أسود اللون شبه عارٍ.. مال نحوها مردداً وانفاسه تلفح جانب وجهها: "سترتديه في ليلتنا الأولى.." تراجعت قليلاً تلاحظ التصميم في عينيه.. يمنحها رسالة مبطنة أن تفهمه البارحة لن يدوم طويلاً.. تمتمت وهي تهز رأسها: "حسنا.." أضافت بتردد: "أنت تعرف أنني لست مستعدة حالياً ولكن.." توقفت أمام نظرة عينيه المشتعلة برغبة دفينة بينما نبرة صوته العميق تخبرها بغلظة:

"الليلة يا مريم.. الليلة سوف نتمم زيجتنا.. وإلا.." "وإلا ماذا..؟! " سألته ممتعضة ليبتسم ملء فمه وهو يردد: "أنا لست صبوراً على الإطلاق يا مريم وأنت من أتيت بنفسك وعرضت الزواج علي.." قاطعته بحدة: "كنت ستفعلها أنت عاجلاً أم آجلاً.. أنا سبقتك فقط.." تمتم ببرود: "لا يهم من سبق الآخر.. ولكن عليك أن تفهمي أنني لست غبياً.." أضاف وهو يجذب خصلة من شعرها يلفها حول إصبعه:

"أنا أمنحك ما تريدين بكامل إرادتي يا مريم.. عليك أن تدركي مع من تتلاعبين يا صغيرة.." حرر خصلاتها وهو يخبرها بإيجاز: "الليلة سوف نتمم زيجتنا.. وغداً سنذهب إلى عائلتك ونخبرهم بزواجنا.." انصرف بعدها تاركاً إياها تتابعه بتوجس حقيقي.. فهذا الرجل يضمر شيئاً ما.. شيئاً لا تدركه ولكنه بات يخفيها مهما تظاهرت بالقوة والثبات.. كان هاتفها يرن باسمه بينما تتجاهل هي اتصالاته كعادتها منذ ليلة البارحة..

رفعت شعرها عالياً بتسريحة بسيطة ثم هندمت نفسها للمرة الأخيرة قبل أن تحمل حقيبتها وتتحرك خارج غرفتها.. قابلت والدتها وهي في طريقها لمغادرة المنزل فأخبرتها أنها ستذهب إلى الشركة بعد غياب يومين.. غادرت بعدها وسط صمت والدتها وقلقها الذي تجاهلته عن قصد.. من الآن فصاعداً ستتجاهل كل شيء.. تحركت متجهة نحو سيارتها عندما توقفت مكانها بجمود وهي تجده يهبط من سيارته متقدماً نحوها يسألها بضيق: "لماذا لا تجيبين على مكالماتي..؟!

أحاول التواصل معك منذ مساء البارحة.." عقدت ذراعيها أمام صدرها تخبره ببرود: "لأنني قلت ما عندي.. أريد الطلاق ولا شيء سواه.." أكملت بتهكم: "ظننت أنك فهمت ذلك.." هتف بجمود: "لا طلاق يا ليلى.." فكت ذراعيها وهي تصيح بنفاذ صبر: "ستطلقني يا كنان.. فأنا لا أريدك بعد الآن.." تنهد بصوت مسموع محاولاً أن يسيطر على أعصابه.. فما يمر به هذه الفترة يجعله عصبياً للغاية.. قال بجدية:

"لقد تركتك البارحة ولم أشأ أن أضغط عليك.. اعتقدت أنك سوف تهدئين وتحاولين أن تفهمين مني أولاً.." هتفت معترضة: "وما الذي سوف أفهمه..؟! أنت خدعتني.. مهما حاولت تزويق ذلك لن تنجح.. والأهم إنك كنت تريد استغلالي وفعلت نفسي الشيء مع شقيقتي.. كنت جزءاً من انتقامك.." قاطعها بثبات: "نعم.. ولكنني تراجعت.." ضحكت مرددة بعدم تصديق: "وهل هذا يلغي الحقيقة..؟! هل تجد هذا مبرراً حقاً يا كنان..؟!

"أنت لا تعرفين ما بيني وبين عمار.. لا تعرفين ما الذي دفعني لذلك.." قالها بوجوم لتهتف متشدقة: "ولا يهمني أن أعرف.. ليكن بعلمك لم يعد يهمني أياً مما يحدث.. حتى مريم لم تعد تهمني.." أضافت ببرود: "أنا لا أعرف عنها شيئاً منذ يومين ورغم ذلك لا أهتم.. وأنت بدورك لا أهتم بأي شيء يخصك.. انتقامك يخصك.. لا يعنيني أبداً.. ما يعنيني هو زواجي منك.. زواجي الذي سينتهي يا كنان شئت أم أبيت.."

همت بالتحرك بعيداً عنه لكنه قبض على ذراعها مردداً بخفوت: "لم أعهدك قاسية يا ليلى.." ابتسمت ليلى بسخرية وهي تخبره بمرارة خفية: "يؤسفني أن أخبرك إنني كذلك بالفعل.. قاسية لدرجة تجعلني أتجاهل كل شيء ولا أفكر سوى بنفسي وحريتي.. حريتي التي كبلتها بقيودك لأجل من لا يستحق.." قال مندهشاً مما تقوله: "أنا لم أفعل.. أنا فقط أردتك وأنت وافقتي بكامل إرادتك.. من قال إن زيجتنا ستكون قيداً يكبل حريتك..؟! قاطعته بتجهم:

"هذا الزواج كان لسبب معين.. والسبب لم يعد يهمني.. لا أحد يستحق تضحيتي ولا أنت بدورك تستحق أن أفي بوعدي لك بعدما خدعتني.. علاقتنا بدايتها كانت خاطئة موصومة بكذبك وخداعك لذا يجب أن تنتهي.." جذبها من ذراعها فشهقت برفض تجاهله وهو يخبرها بضراوة: "أنت لا يمكنك أن تسيري كل شيء وفق ما تريدين.. أفيقي يا هذه.. العالم لا يسير بتلك الطريقة التي تريدينها.." ابتسم ساخراً وهو يضيف: "ما مشكلتك معي..؟! أنني كذبت عليك..؟!

الجميع يكذب.. لكن هناك فرق بين كذب وآخر.. أنت لا تتوقعين أن تعيشي حياة مثالية تشبهك.. ولا تتوقعي أن تحصلي على رجل مثالي كامل الأوصاف.." قست عيناه وهو يسترسل: "لا يوجد أحد مثالي.. حتى المثالي سوف يتحرر من مثاليته يوماً عندما تتعارض مثاليته تلك مع مصلحته.. افهمي هذا وتوقفي عن نظرتك الساذجة للمجتمع.." صاحت معترضة:

"وهذا ما أفعله.. أنا بالفعل سأفعل ذلك بعد الآن ولهذا سوف أتطلق منك لأن مثالياتي التي تكرهها وتسخر منها هي من كانت تجبرني على الاستمرار في هذه الزيجة.. مثالياتي التي منعتني من التراجع عن وعد قطعته لك بعد كل ما قدمته لي.." تراجع بملامح جامدة وهو يردد: "أنت تعترفين أنك تتزوجينني بدافع التضحية إذا.." "رد جميل.. هذا سبب زواجي منك.." قالتها بقسوة لا تعرف متى باتت تمتلكها..

وهو الذي منحها اعترافاً صريحاً بالحب قبل يومين.. اعتراف ربما كان سوف يسعدها في وضع مختلف.. لاحظت تشنج ملامحه بينما الجمود ما زال يكسو نظراته.. قال أخيراً بثبات:

"ربما يكون هذا الدافع الأساسي.. ولكنك لا يمكنك أن تنكري إن هناك جزءاً داخلك كان يميل لهذه الزيجة.. لا يمكنك أن تنكري إن هناك شيئاً ما داخلك نحوي بعيداً عن الامتنان وما شابه.. شيء ربما ترفضين الاعتراف به أو تخشينه.. ولكن سيأتي يوم وتضطرين أن تعترفين به رغماً عنك.." أنهى كلماته وتحرك باندفاع تاركاً إياها متخبطة كلياً والضياع يملأ روحها.. كانت تجلس أمامه ترتشف قهوتها بصمت وهو يفعل المثل.. سألته أخيراً وهي تتأمله:

"هل أنت بخير يا فادي..؟! تنهد وهو يضع فنجانه مكانه ثم قال: "والدتي علمت بعلاقتنا.." تمتمت بجدية: "بالتأكيد رفضت.." هز رأسه بصمت لتهتف غالية بوجوم: "والدتك لم تحبني منذ البداية.." قال فادي بصدق: "كلا يا غالية.. والدتي فقط كان ارفض ارتباطك بفراس لأجل عهد.." تجاهلت الازدراء الذي ملأ ملامحه وهو يذكر جملته تلك لتسأله: "أليس غريباً أن تحب والدتك عهد لهذه الدرجة..؟! هتف بجدية:

"الأمر لا يتعلق بكونها تحبها.. صحيح هي تحب عهد.. ولكن ما يجعلها تتمسك بعودة فراس إليها هو تميم.. هي تريد لحفيدها أن يعيش بين أبويه وتسعى لذلك.. ولكن عهد ترفض بشدة وفراس بدوره يفعل.." ضحكت مرغمة: "شقيقك هذا مشكلة.. لا أصدق إنه يرفض العودة إليها.." استرسلت: "يذكرني بعمار قليلاً.." قال بجدية: "أنا أشفق عليه أحيانا.." نظرت له بدهشة فأكمل: "فراس ضحية والدي.." سألته بتوجس: "كيف يعني..؟! هتف مضطراً:

"أنت تعرف أن والدي حي يرزق يا غالية.." قالت بصدق: "علمت بالصدفة وتفاجئت حقاً.. لم يسبق أن أتى أحدكم بذكره.." قال بتردد: "علاقتنا ليست على ما يرام.." تأمل التساؤلات في عينيها فأكمل: "والدي كان يشبه فراس.." تمتمت برفض: "كان يخون والدتك.." هتف فادي ببرود: "نعم.. ولكن بفارق إنه كان يفعل ذلك بإطار شرعي.." ابتلعت غالية صدمتها وهي تسأل: "هل تزوج عليها أكثر من مرة..؟! أجاب فادي ساخراً:

"عدة مرات عرفياً وثلاثة شرعياً.. آخرها قبل خمسة أعوام.. زيجته الأخيرة ما زالت مستمرة وهو يعيش في الخارج مع زوجته.." "يا إلهي.." تمتمت بها بعدم تصديق قبل أن تضيف بتردد: "ووالدتك..؟! متى تطلقت منه..؟! ضحك بخفة قائلاً: "المفاجأة أنها لم تفعل.." اتسعت عيناها بارتياع ليكمل بجمود:

"رفضت أن تفعل لأجل المجتمع وأجلنا.. تقبلت زيجاته المتعددة وكافة أفعاله وأذيته لها وإهماله لنا نحن أولاده ولم تتطلق.. رضيت أن تبقى على ذمته فقط لأجل مظهرنا أمام المجتمع كأولاد لأبوين مطلقين.. وربما لأجل مظهرها هي الأخرى.." تنهد مجدداً ثم قال:

"ما أريدك أن تعلميه أن والدتي امرأة تقليدية وتتمسك بالعادات جداً.. يعني رفضت أن تتطلق من والدي رغم زواجه عليها لمرات لا يمكن عدها.. تحاول بشدة أن تعيد فراس لعهد كي يعيش تميم بين أبويه.." أكملت نيابة عنه: "وترفض ارتباطنا لأن هذا يخالف منطقها في الحياة والعادات التي تتمسك بها.." "هي تقدس العائلة وتسعى دائماً للحفاظ على تماسكها ومن وجهة نظرها زواجنا سوف يهدد تماسك العائلة.." قالها بجدية لتسأله: "وأنت..؟! ما رأيك..؟!

أجاب بصدق: "أنا أريدك.." "ووالدتك..؟! سألته بوجوم ليهتف بجدية: "لا بد أن تقتنع.. سأفعل المستحيل لأجل ذلك.." أكمل: "ما أريده فقط أن تمنحيني بعض الوقت.. أحتاج وقتاً لإقناعها.." "ما هذا الذي تقوله يا فادي..؟! بالطبع سأفعل.. أنا أتفهم موقفها.." قالتها بصدق قبل أن تضيف: "ولكن عدني إنك لن تتخلى عني أبداً يا فادي.." ابتسم مردداً: "وهل أستطيع أن أفعل يا غالية..؟! هتفت بجدية: "عدني يا فادي.." كفه يحتضن كفها وهو يخبرها:

"لن أتخلى عنك مهما حدث يا غاليتي.." جالسة فوق السرير تقضم أظافرها بحركة تدل على توترها بل وغضبها أيضاً.. تتذكر حديثه واقراره بإتمام زيجتهما الليلة.. ماذا كانت تتوقع..؟! نعم هي كانت تتوقع ذلك بل واستعدت له.. ولكن حديثه وتصرفاته اليوم جعلتها تشعر بالريبة.. هي باتت تخشى أنه يضمر لها شيئاً هو الآخر وأن لديه دوافع هو الآخر خلف هذه الزيجة.. انتفضت من مكانها وهي تهتف مع نفسها: "لا يمكن.. مستحيل.."

هكذا أخبرت نفسها وهي تتحرك داخل الغرفة بعصبية.. هذه اللعبة هي من بدأتها وهي من سوف تنهيها بالشكل الذي تريده.. توقفت أمام المرآة ترمق نفسها بجمود امتد للحظات قبل أن ترتسم ابتسامة واسعة على شفتيها.. أيًا كان ما يفعله عمار وأيًا ما كان يخطط له ويريده.. تبقى هناك حقيقة وحيدة.. حقيقة ثابتة لا جدال فيها.. هذا الرجل بكل قوته وجبروته وقسوته وشره عاشقا لها.. وهذا الشيء الوحيد الذي هي متأكدة منه وعليها أن تستغله جيداً..

الآن عليها أن تتحرك وتثبت له إنها قوية بقدره ولا تهاب شيئاً ولا يهمها شيء.. والأهم هي بحاجة أن تمنحه بضعة مبررات لهذه الزيجة.. وأن تقنعه بأن قرارها هذا لم يكن وليد لحظة غضب أو جنون..! اتجهت ببصرها نحو الكيس لتبتسم بشيطنة وهي تجذب قميص النوم من داخله.. ترتديه فيظهر جسدها الأبيض البض بشكل يثير القديس وليس عاشقا مخضرماً مثله.. وقفت أمام المرآة تضع المكياج لنفسها بينما سرحت شعرها الطويل وتركته منسدلاً على جانبي وجهها..

تحركت نحو هاتفها وشياطينها متحفزة لتسديد صفعة شديدة لآخر تخلى عنها.. وآن أوان أن يدفع ثمن تخليه.. تأملت تلك الصورة التي التقطتها لعقد الزواج.. فضغطت على زر الإرسال.. ستصل الرسالة لأكرم.. سيغضب.. سيحترق.. وهو يستحق ذلك.. مريم سليمان لا تتنازل عن حقها أبداً.. من ألمها سوف يتألم.. ومن أحرق قلبها ستحرقه كلياً.. أغلقت هاتفها وعادت نحو المرآة تضع عطراً قوياً ذو رائحة ساحرة.. تحركت خارج الغرفة بقدمين حافيتين..

كان الوقت ما زال عصراً.. دلفت إلى غرفته فوجدته يغادر الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة قبل أن يتجمد مكانه وهو يراها أمامه بقميص النوم الذي يعرض جسدها الشهي بسخاء.. ابتسامة ثابتة مرتسمة فوق شفتيها.. ابتسامة تليق بها.. هي أنثى جامحة.. قوية.. وشرسة.. لا تهاب أي شيء ولا تهتم بشيء.. صباحاً أخبرها إنه سينالها الليلة.. وها هي أتت بنفسها إليه.. وقبل قدوم الليل بساعات تخبره عن استعدادها التام لمنحه جسدها كما يتمنى ويشتهي..

ماذا كان ينتظر منها..؟! هل ينتظر رفضاً أم خجلاً لا يناسبها..؟! هذه مريم التي يعرفها.. مريم المقدامة.. تقدم نحوها بعدما رمى منشفته بعيداً بإهمال.. وصل إليها ورائحة عطرها سحرته.. قبض على خصرها يجذبها نحوه فاصطدمت بصدره العاري.. لا تفعل كما تفعل أي عذراء في ليلة هذه.. هي تناظره بتحدي.. تحدي يليق بها وبه.. تخبره أنها مستعدة ومتحفزة.. وهو بدوره مستعد ومنذ سنوات.. جذبها بعناق جارف.. شوق عاصف.. وقبلات جامحة..

الآن اكتمل حلمه.. مريم بين ذراعيه أخيراً.. راضية ومستسلمة وتتجاوب معه بكل جموح.. حلمه تحقق أخيراً وها هو ينالها كما اشتهى بل تاق لسنوات..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...